منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تربية الثقة في الهدي النبوي

تربية الثقة في الهدي النبوي/ ذ. عبد الله الهلالي

0

تربية الثقة في الهدي النبوي

ذ. عبد الله الهلالي

 

نشر بمجلة النــداء التربـوي، العدد 16-17، السنة العاشرة 1429 هـ-2008،

الصفحات من 143 إلى 152

 

حدثنا كريب عن عمرو بن مرة عن أبي البحتري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا يحقر أحدكم نفسه قالوا يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال يرى أمرا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه. فيقول الله عز وجل له يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول خشيةَ الناس فيقول فإياي أحق أن تخشى” أخرجه ابن ماجه

هذا الحديث العظيم أخرجه ابن ماجه في سننه في باب الفتن، وكأن من الفتن التي تصيب الناس في آخر الزمان: ضعف اليقين، وضعف الثقة بالله وبالنفس، وعدم قول الحق، والتخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأورد الإمام أحمد هذا الحديث بألفاظ متقاربة في مسنده تحت رقم 11460: “لا يحقرن أحدكم نفسه إذا رأى  أمرا لله  فيه مقال أن يقول  فيه فيقال له يوم القيامة ما منعك أن تقول فيه فيقول رب خشيت الناس قال فأنا أحق أن تخشى .

و سند الحديث مرفوع متصل السند أما الصحابي راوي الحديث فهو  أبو سعيد الخدري، أورده صاحب حلية الأولياء ضمن أهل الصفة2وأورد ابن حجر ترجمته في الإصابة3 “هو أبو سعيد  سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي مشهور بكنيته” أبو سعيد الخدري “.

من مناقبه أنه من الذين استصغروا يوم أحد وغزوا ما بعدها . يصنف من المكثرين الذين روى عنهم كثير من الصحابة والتابعين. وروى ابن سعد في الطبقات “لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفقه من أبي سعيد الخدري”..

من الموافقات التي وقعت له فيما رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد قال”: قتل أبي يوم أحد شهيدا وتركنا بغير مال، فأتيت الرسول صلى الله عليه وسلم أسأله وحين رآني قال :”من استغنى أغناه الله ومن يستعف يعفه الله” فرجعت4

وقد اختلف في سنة وفاته بين 74 هـ حكاها الواقدي و63 هـ للمدائني و65 هـ للعسكري. ومسنده من أهم المسانيد في مسند الإمام أحمد.

1-الأحاديث المعضدة  لهذا الحديث

-” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” البيهقي عن أبي سعيد

-” لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه أو علمه” وأبو سعيد إليه ينسب رفع هذا الحديث.

-” لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو شهده أو سمعه.وقال أبو سعيد راوي الحديث : وددت أني لم أسمعه” الإمام أحمد

-“إن الله تعالى ليسأل العبد يوم القيامة حتى يسأله ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكر، فإذا لقن الله العبد حجة قال رب رجوتك وفرقت من الناس” أحمد وابن حبان عن أبي سعيد.

2- مصطلحات

  • يحقر:

ورد عند ابن فارس5 “الحاء والقاف والراء أصل واحد يدل على استصغار الشيء، يقال شيء حقير أي صغير وأنا أحقره أي أستصغره”

وجاء في لسان العرب6:” الحقر في كل المعاني الذلة ، والحقر والحقرية والاحتقار بنفس المعنى والحقير الصغير الذليل”

أما صاحب الكليات 7فقال: “الاحتقار كالتحقير لأن الافتعال قد يأتي بمعنى التفعيل وهو نسبة الحقارة إلى شيء بالقلب والقالب”

مما سبق يظهر واضحا أن الاحتقار والتحقير هو الاستصغار والتقليل من الشأن والإذلال.ويقابله التعظيم والثناء والتكريم والثقة الكاملة.

  • النفس

تطلق النفس عند الكفوي8 على المعاني الآتية:

*ذات الشيء وحقيقته، تقول جاءني بنفسه

*الروح، خرجت نفسه أي روحه

*الدم، يقول الفقهاء :ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء

* العند، قال تعالى: “تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك “سورة المائدة

وإلى نفس المعنى تقريبا ذهب الأصفهاني9

*الروح، مستدلا بقول الله تعالى “أخرجوا أنفسكم” و”واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه”البقرة

*الذات، مستدلا بقول الله تعالى “ويحذركم الله نفسه” سورة آل عمران

ويقسم كثير من المفسرين والعلماء، النفس إلى ثلاثة أنواع:

1- النفس الأمارة10: هي التي تميل إلى الطبيعة الجسمانية وتأمر باللذات والشهوات الحسية وتجذب القلب إلى الجهة السفلية، إنها مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة.

2- النفس اللوامة:هي التي تنورت بنور القلب قدر ما تنبهت به عن سنة الغفلة، وكلما صدرت عنها سيئة أو هفوة أخذت تلوم صاحبها وتتوب منها.

3-النفس المطمئنة:هي التي تنورت وانخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة”.

بعد كل هذا نقول لعل المراد بالنفس في الحديث الشريف:القلب والذات والعقل وما آتاه الله تعالى الإنسان من قدرات وطاقات وكفايات ونعم.

وقد تطلق النفس والروح على معنى واحد ” واعلم أن النفس والعقل والروح والسر شيء واحد ،لكن تختلف التسامي باختلاف المدارك ،فما كان من مدارك الشهوات فمدركه النفس، وما كان من مدارك الأحكام الشرعية فمدركه العقل ،وما كان من مدارك التجليات والواردات فمدركه الروح، وما كان من مدارك التحقيقات والتمكنات فمدركه السر والمحل واحد”11.

  • الأمر:

الأمر عند الأصفهاني12 “الشأن وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها ، قال تعالى “وإليه يرجع الأمر كله” سورة هود ويقال للإبداع كقوله تعالى” ألا له الخلق والأمر “سورة الأعراف ويطلق على القيامة “أتى أمر الله فلا تستعجلوه” سورة النحل

ولعل المراد بالأمر في الحديث: الأقوال والأفعال وقدرات الإنسان وقوله الحق وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر

  • المقال:

أورد الفيروز آبادي13 في مادة القول ” قال يقول قولا وقيلا وقولة ومقالة ومقالا فيها فهو قائل .وبهذا المقال والمقالة والقولة بنفس المعنى.

وفي المعجم الوسيط 14 ” قال يقول قولا ومقالا ومقالة تكلم فهو قائل.

ويظهر والله أعلم أن معنى المقال في الحديث هو الكلام أو الفعل أو القول (الشهادة، العلم، قول الحق..) مع العلم أن لفظ القول عند العرب يشمل  الكلام والفعل والإشارة.

3-معنى الحديث

في هذا الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقر ويستصغر أحدنا نفسه  وطاقاته وقدراته، بحيث يرى ويعتقد أن عليه قولا ينبغي قوله، أو فعلا وجب القيام به، أو يستطيع أن يقدم خدمة أو عملا ما فيتأخر ويتلكؤ عنه. وذلك  لغياب الثقة في النفس ،أو الخوف من الخطأ ، أو مخافة عتاب الناس أو سخريتهم أو لومهم له،أو مخافة الأذى الذي قد يلحقه جراء ذلك . كما أن الحديث دعوة صريحة لتعظيم وتقديم أمر الله على أمر الناس وأمر النفس. فالأحق أن يخشاه الناس ويخافون عقابه هو الحق سبحانه وتعالى “والله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين”. وإن من خشية الله ومراقبته القيام بما يرضي الله تعالى من: الصدع بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وتصويب الخطأ، والثقة واليقين في موعود الله تعالى وموعود رسوله الكريم، والنصح لكل مسلم ،إذ النصيحة من الدين قال عليه السلام “الدين النصيحة” 15و إن الله تعالى يلوم ويحاسب من ترك قولا أو عملا مخافة أذى الناس و عتابهم ، أو لعيب في نفسه كالخجل والكبر. فالله تعالى أحق وأولى أن يخشاه الناس ويراقبونه .

4-أهمية تربية الثقة

كثيرة هي شروط التعلم والعوامل المساعدة عليه، فزيادة على الرغبة والاستعداد وتوفير بيئة التعلم ،توجد الثقة ،ثقة المتعلم والمتلقي في نفسه وقدراته المختلفة وتقديره لذاته وشعوره بالقدر الكافي من التكريم والاحترام، وإن بداية النجاح: الثقة في النفس، والثقة في من حوالينا. وعلى العكس، فالخوف من الفشل والخطأ، ومن التردد والشك والتشكيك من بوادر الانهزامية وعلامات الخيبة والخسران.ولم يعب الشرع علينا الخطأ ولكن العيب كل العيب في الإصرار على الخطإ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كل بني آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون” 16 إن الثقة لمن أهم عوامل النجاح، ومن سمات الشخصية القوية الإيجابية القائدة، التي تقبل ولا تدبر، تحاول وتعمل ولا تيأس. وبداية الهزيمة انعدام الثقة وتسرب الضعف إلى النفوس، وقابلية الاستضعاف والخوف من قول الحق وشهادة الحق. وإن تربية الثقة في الله تعالى، وفي نصره وتأييده، والثقة في النفس وفي النجاح وتخطي الصعاب، خير ما يهدي الآباء والأمهات والمربون للأبناء والبنات. وكل الناس لديهم ما يتقنون ويحسنون، لكن كيف نكتشف ذلك ونستثمره ونوجهه؟؟وتغييب الثقة بالنفس والقدرات هي التي جعلت الناشئة،بل الخاصة والعلماء يسكتون ويخرسون عن قول الحق، ويقبلون بذهنية القطيع والقائد الملهم الذي لا يخطئ

5-وجوه احتقار النفس وضعف اليقين

من وجوه احتقار النفس وغياب الثقة وضعف اليقين:الرضا بالذل والمهانة، والسكوت عن الحق، والتخلف عن أداء الواجب، وكتمان العلم، والتردد والشك وقابلية التشكيك. من وجوه احتقار النفس أن يرى الإنسان قولا أو فعلا ينبغي القيام به وفي مقدوره واستطاعته، لكن لا يرى نفسه أهلا لذلك. وهذه عقلية وذهنية القطيع والتابع الذي ينتظر أن يفعل به ولا يفعل ولا يبادر. اكتساب الثقة وتقدير النفس حق قدرها ليس بالطبع التهور ولا الجرأة على اختصاص الآخرين، ولا القيام بما لا يحسن الإنسان.

6-نماذج من تربية الثقة في التربية النبوية

  • النموذج الأول

“عن عبد الله بن بسر أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله”17 .

لقد عالج الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حيرة هذا السائل وتشتت ذهنه واستثقاله لشرائع الإسلام وفرائضه وواجباته بإعطاء الرجل جرعات من الثقة بالنفس ليستعين بها في أداء الفرائض والواجبات، وأرشده إلى عمل يبدو بسيطا في متناول الرجل ، ألا وهو كثرة الذكر والمواظبة على الذكر. وذكر الله لا يتطلب مجهودا ولا دفع مال ولا مقاتلة عدو، ولكن فيه قوة تعين على أعباء الحياة.إن فيه الطمأنينة” “ألا بذكر الله تطمئن القلوب “، فيه معية الله تعالى ” فاذكروني أذكركم “ فيه حياة “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت “. إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يسقط على الرجل شطر الشرائع والدين وإنما أرجع إليه الثقة في قدراته، فالقرآن ذكر، والصلاة ذكر، والعبادة ذكر، والعمل لنفع الناس ذكر.

  • النموذج الثاني

“عن حذيفة بن اليمان قال لقد رأيتنا مع رسول الله ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فلم يجبه منا أحد ،ثم قال ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فلم يجبه منا أحد.ردد ذلك رسول الله ثلاثا ثم قال قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي ،أن أقوم قال:اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي” 18

هذا الحديث الشريف نموذج رائع في تربية الثقة بالنفس. وفي بقية الحديث يحكي حذيفة أنه قام بالمهمة أحسن قيام،بل كان بمقدوره قتل رأس الكفر آنذاك: أبو سفيان. ولنتساءل ما الذي كان ينقص الصحابة بما فيهم حذيفة قبل خروجه للمهمة الصعبة؟ إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يزوده بقنابل ولا أسلحة فتاكة ولا وصفة سحرية، وإنما زوده بجرعات من الثقة بالنفس في أداء المهمة على أحسن وجه ، وقد ضمن له المعية معه يوم القيامة. لاشك أن سيدنا حذيفة وهو يقتحم خيام العدو وحراسه ترك التردد والخوف وامتلأ قلبه يقينا وثقة وشعورا كاملا بالمسؤولية، وهذا ما ينقص أبناء المسلمين اليوم وجيوشهم ومسئوليهم .و هذا ما ركز عليه القرآن الكريم في صياغة الشخصية المسلمة . قال تعالى ” كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله” سورة البقرة. إن الخائف والجبان والمتردد قد لا يكون في حاجة إلى سلاح أو مال أو مؤامرة ترفع من معنوياته، بقدر ما يكون في أمس الحاجة إلى من يعيد إليه الثقة بنفسه ومؤهلاته ويشجعه على تجاوز العقبة النفسية.ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تردد الناس وعدم قيام أي من المتطوعين لم يحاول إقناعهم بفضل الجهاد فلا ينقصهم ذلك، وإنما أعطاهم درسا ونموذجا في كون كل منهم يطيق ذلك ويحسنه، خصوصا والأمر مبارك فيه مأذون به.

  • النموذج الثالث

“عن بريدة قال”لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغداة أخذه عمر فرجع ولم يفتح له. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأدفعن لوائي غدا إلى رجل يفتح الله على يديه ، ويحب الله ورسوله . قال فبات الناس يدوكُون ليلتهم (أي يتساءلون ويختلفون) أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها، فقال الرسول أين علي بن أبي طالب فقالوا يشتكي عينيه يا رسول الله قال فأرسلوا إليه فأتوني به فلما جاء بصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع فأعطاه الراية ،فقال علي يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم .”19

تتبعنا كيف رفع الرسول الكريم من ثقة كل الصحابة ومقدرتهم على أخذ اللواء حتى بات الصحابة يتمنى كل منهم أن يأخذ الراية صباحا.وكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يدفعها لسيدنا علي مباشرة أو لغيره دون اعتراض أي من الصحابة.ولكن الأهم هو النموذج النبوي في التربية وتربيته بترسيخ وتعزيز الثقة في النفس، ثقة كل الصحابة في مقدرتهم على أخذ اللواء، وثقة الإمام علي كرم الله وجهه في تحقيق الفتح والنصر، كما تظهر التربية على الثقة وتقدير الذات في توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي لجميع مراحل الغزو المتبع بالفتح والنصر، كيف لا وقد بشر بذلك الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى.

7- من الدروس التربوية للحديث

  • 1.7 حفظ الكرامة والاعتزاز بالنفس:

ينهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن احتقار النفس في غير موضع ذلك . والرضى بالمذلة والهوان، ليس من شيم المسلمين . قال عليه السلام” ومن أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ومن أعطى الدنية من نفسه طائعا غير مكره فليس مني “20 وقد تكون غياب الثقة وغياب الاعتزاز بالذات وتقديرها التقدير اللازم –لا إفراط ولا تفريط- من الأسباب المؤدية لقبول المذلة والهوان والشعور العميق بالدونية.

  • 2.7 عدم احتقار المعروف أو التأخر في تقديمه للناس

من علامة الخير والصلاح محبة الخير للناس ونفع الناس بما تيسر.وإن غياب الثقة والتربية الشاملة على حب الخير للناس ،تجعل الإنسان يستصغر المعروف ويحتقره ويزعم عدم جدواه. علما أن المعروف والخير مهما كان قليلا فأثره كبير وأجره عند الله عظيم. وعلمنا الرسول الكريم قائلا “لا تحقرن من المعروف شيئا” وقد واست  سيدتنا خديجة أم المؤمنين الرسول الأكرم يوم نزل الوحي تذكره بما كان يصنع من معروف” كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر”. وقد يكون التأخر في تقديم الخير للناس، ناتجا عن ضعف الثقة إما في القدرة على نفع الناس، وإما عن سوء تقدير إسهام ذلك في تخفيف المعاناة عن الآخرين، وفي أسوء الأحوال، يعتقد عدم مسؤوليته عن معاناة الآخرين. ولهؤلاء نذكر بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم :” أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جوعان إلا برئت منهم ذمة الله ورسوله”.

  • 3.7 السكوت عن الحق مهانة

إن خطورة السكوت عن الحق والرضا بالباطل والتعايش معه ، لا توازيها إلا خطورة الصدع بالباطل والدفاع عنه. جاء في الأثر”الساكت عن الحق شيطان أخرس”. والسكوت عن الحق له أثر سلبي في تقويض الشخصية وإحداث اضطرابات سلوكية لا تليق بالمؤمن من قبيل النفاق وازدواج الشخصية والغثائية. وقد يكون سبب السكوت عن الحق خوفا أو جهلا، وقد يكون انعداما للثقة وتقليلا للمقدرات والمؤهلات والملكات.

  • 4.7 قول الحق فريضة لا تقبل التأجيل

من معاييرنجاح المجتمعات: مدى انتشار الأخلاق، والانقياد للحق والثبات عليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحقاق الحق وإزهاق الباطل .كل هذه فرائض لإقامة المجتمع الإسلامي .وقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم ، الوعيد على مجتمع يغيب فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .قال عليه السلام “لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم “21. وقد أوجب الله اللعنة على بني إسرائيل لتركهم هذه الخصلة. قال تعالى” لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه” سورة المائدة.

  • 5.7 أهمية الكلمة الصادقة والحجة القاطعة

من أبواب الجهاد الكثيرة :جهاد الكلمة والحجة.وغياب ذلك سبة في حق العلماء والمربين بل للأمة جميعها. السكوت عن الحق وإبداء الرأي من شأنه إعطاء فرص للمتربصين. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين ” ما ينبغي لنا أن نسكت ويغتنم الأعداء سكوتنا ليتهموننا بالغموض وينسبوا لنا ما شاءوا من تهم الإرهاب والتآمر.وما ينبغي لنا أن نخاف من تبعات الكلمة الصريحة المسؤولة فإنما ذل المسلمون عند غياب هذه الكلمة”22

  • 6.7 حرية الرأي والتعبير

إن هذا الحديث يؤسس لأمر عظيم، ألا وهو المسؤولية وحرية الرأي والتعبير. ففي منظور الإسلام لا يعذر أحد بالسكوت ولا يكره على رأي” لا إكراه في الدين”. وقد جاء القرآن الكريم بأقوال المشركين والمنافقين والنصارى واليهود، ولم يعب عليهم آراءهم، ولكن عاب عليهم عنادهم وإصرارهم على الكفر.ومن أعدى أعداء الحق والعدل،بل والإسلام :الاستبداد السياسي الذي يكمم الأفواه ويحجر على العقول ويستخف بالناس، ويقتل فيهم الثقة والاعتزاز بالذات ويحرمهم من حق المبادرات ومن قول نعم لمن ارتضوا وأرادوا، ولا لمن رفضوا وكرهوا.

  • 7.7 ممارسة الدعوة

الحديث الشريف من أعظم الدروس للآباء والمربين والقادة والوعاظ في التربية والتعليم ،في تربية الثقة في النفس ،وتتم تربية الثقة بالصحبة والتوظيف والإشراك وفسح مجال المبادرة والتعليم بالخطإ. كل هذا في رفق ورحمة من غير تعنيف ولا قسوة ولا تجريح.

يظهر الحديث أن مسؤولية المربين كبيرة تتطلب إعطاء النموذج والقدوة أولا خوفا من وعيد “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” سورة الصف.

والحديث أيضا دعوة صريحة لممارسة الدعوة بآدابها، وانتهاز واستثمار مختلف الفرص لتبليغ الدعوة ونفض الضباب عما ينسب للإسلام والعلماء والدعاة المخلصين. ومن خلال الحديث ،يظهر أن الدعوة مسؤولية الجميع وأمانة يسأل عنها الجميع. ومن احتقار النفس التخلي عن هذا الواجب الشريف.

خاتمة

كثيرة هي مظاهر احتقار النفس، وعديدة هي الأسباب التي تمنع الواحد منا من التعبير عن رأيه وقول الحق وشهادة الحق وتعليم الجاهل وإرشاد الحائر. ويعالج الحديث الشريف بعضا منها:

-ضعف الثقة في النفس

-غياب تقدير الذات واستصغار المؤهلات والقدرات

-التردد في تقديم النفع والخير للناس

-عدم قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

-عدم تبليغ الدعوة ونشر العلم وبذله للناس

وينبه الحديث على أمر خطير وهو ترك هذه الواجبات مخافة الناس: السخرية أو مجرد الخوف على النفس أو المصالح أو فوات شهوات وملذات. ويبن الرسول الكريم أن الله مطلع على الصدور ومحاسب العباد، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا “ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”. سورة الزلزلة.

ما أحوج المربين والأولياء للأخذ بهذه التوجيهات النبوية النفيسة في تعليم وتربية الأبناء والأجيال. ومن العار أن نستورد مناهج وطرقا وتقنيات ونضرب عرض الحائط بسنة وتعاليم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم . الذي بعثه الله تعالى مربيا وهاديا ومعلما الخير. وصدق الله العظيم الذي يقول: ” فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصبهم عذاب أليم “. سورة النور


الهوامش

1/- مسند الإمام أحمد ج 21-22 ص 123

2/-  حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني ج 1 ص453

3/-  الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني،ج 3 ص 65

4/-  المرجع السابق ص 66

5/- معجم مقاييس اللغة ، ابن فارس ج 2 ص 90

6/-  لسان العرب ، ابن منظور ج 4 ص 208

7/-  الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية ،أيوب بن موسى الكفوي

8/-  المصدر السابق ص 297

9/-  مفردات غريب القرآن للراغب الأصفبهاني،ص 501

10/-  كتاب التعريفات،علي بن محمد الجرجاني،ص 243

11/-  إيقاظ الهمم في شرح الحكم ،أحمد بن عجيبة ص 25

12/-  مفردات غريب القرآن ص 24

13/-  القاموس المحيط، للفيروز آبادي،ج 4.ص56

14/-  المعجم الوسيط ،مجمع اللغة العربية،إشراف عبد السلام هارون،ج 2،ص 773

15/-  أخرجه مسلم عن تميم الداري

16/- أخرجه الإمام احمد والترمذي والحاكم

17/-  أخرجه الترمذي وابن ماجه

18/-  اخرجه مسلم

19/- اخرجه البخاري و أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم

20/- أخرجه الحاكم عن ابن مسعود

21/-  اخرجه البزار والطبراني

22/- المنهاج النبوي، الأستاذ عبد السلام ياسين، ص 10

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.