الصحة النفسية: مقاربة أخلاقية (الجزء الأول)
الصحة النفسية: مقاربة أخلاقية (الجزء الأول)/ فؤاد هراجة
الصحة النفسية: مقاربة أخلاقية (الجزء الأول)
Ethical therapy
بقلم: الأستاذ فؤاد هراجة
عادة ما يتم تناول الأخلاق من منظور غائي يختزل في صناعة الفرد الفاضل من جهة، وحماية المجتمع من الرذائل من جهة أخرى. ومعنى ذلك أنه يتم التركيز على المخرجات الظاهرية التي يمكن رصدها وقياسها. لكن ما لا تنتبه إليه هو الأثر النفسي الكبير الذي تُحَقِّقُهُ أو تُخَلِّفُهُ الأخلاق داخل صاحبها، سواء إيجابا إن كانت حميدة أو سلبا إن كانت رذيلة، وسواء على الفاعل الأخلاقي ذاته أو المفعول بهم ضحايا العنف الأخلاقي المادي و المعنوي.
على ذلك، تتساءل:
– ما علاقة الأخلاق بالصحة النفسية؟
– هل ثمة ارتباط بين رذائل الأخلاق والاضطرابات النفسية؟
– ما مدى أثر الأخلاق الفاضلة على على سلامة الصحة النفسية؟
– هل دور مكارم الأخلاق في الإسلام وقائي أم علاجي، أم هما معا؟
– هل يمكن الحديث عن العلاج النفسي بالأخلاق Ethical therapy؟
من المسَلَّمِ به أن معظم الناس يمرون بضغوط نفسية متفاوتة، وبوتيرة مختلفة، منها ما يقف عند حد الإرهاق والقلق والأرق، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى حد الاضطراب والمرض النفسي. بَيْدَ أن الغالبية لا تعزي الأمر إلى العامل الذاتي الجُواني المتمثل في النفس، بقدر ما تلقي باللائمة على الظروف البَرَّانية الصعبة المحيطة بالفاعل الأخلاقي (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية…)، مُتَناسِين أن التأثيرات الخارجية ناجمة بالأساس عن وجود قابلية داخلية للتأثُّر.
إن الإسلام لما ركَّزّ على صالح الأخلاق وجعلها المقصد الأول والأخير من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما كان يروم التنبيه إلى أهميتها، والتأكيد أن طمأنينة الإيمان بالله تحتاج إلى سلامٍ نفسي فردي، وسلامٍ نفسي جماعي، وهذا ما يفسر الانفصام الذي يعيشه المسلم اليوم من كونه يؤمن بالله ولا ينعم بطمأنية هذا الإيمان، والسبب عدم انسجام منظومته الأخلاقية السلوكية مع منظومته الإعتقادية القلبية.
دعونا الآن ننظر في انعكاسات أمهات رذائل الأخلاق على نفسية أصحابها وما تخلفه من دمار نفسي في اتجاه الفاعل والمفعول به.
آفة الكذب: تشي بأن صاحبها جبان، وعديم المسؤولية، ولا يمتلك الجرأة على إفصاح ما بداخله، أو يحاول إظهار صورة غير صورته لأنه لا يثق في شخصه. فضلا عن ذلك، فإنه عندما يكذب يعيش حالةً من الهلع خشية انكشاف كذبه، أما إذا انكشف وتواتر في حقه الكذب، تعامل معه الناس بالحيطة والحذر، وعاقبوه بعزلة اجتماعية، غالبا ما تؤدي به إلى كراهية المجتمع ومحاولة تدنيس الناس بتهمة الكذب حتى لا يبقى على الهامش. ويعد النفاق أخطر دركات الكذب لأن صاحبه لا يخشى الشعور بالذنب الذي منبعه نفسي داخلي، بل يخشى العار الذي مصدره مجتمعي خارجي، مما يُدخِل المنافق حالة من الانفصام في الشخصية. لهذا كله قال صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم «المؤمن لا يكذب» وهو نفس الموقف الذي تبنته الفلسفة الألمانية مع رائدها إيمانويل كانط حين أقر بالقاعدة الأخلاقية «لا تكذب»
آفة السخرية: تتجسد في كل أشكال التنقيص والتنمر التي تمارس على الغير، بحيث ينظر الساخر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى الآخرين بعين النقص، فيتوغل في هذا المسار حتى يُمَسُّ بجنون العظمة ولا يرى إلا نفسه. ما يدفع الناس إلى تجنب أذاه والابتعاد عنه، فيعاقب هو كذلك بالعزلة الاجتماعية.
آفة سوء الظن: مصدرها اعتبار الشخص أن الأصل في الآخر هو الشر، بالتالي يصبح تأويل كل تصرفات الآخرين بخلفية شريرة، وهذا المذهب لا يقف عند التأويل، بل يتجاوزه إلى صناعة تُهَمٍ وهمية لا توجد إلا في مخيلة المسيء للظن، فينتقل من فرط اتهام الناس إلى تصديق نفسه، وعوض أن يُحَدِّثَ نفسه بالأدلة على صحة تُهَمِهِ، تجد يطالب الآخرين بتقديم حجج تُفَنِّدُ اتهاماته، وإلا أقنع نفسه بصواب مزاعمه. هذا المسار ينتهي يصاحبه إلى الإصابة بمرض البارانويا، حيث يتطور الشك من مجرد حالة طارئة إلى حالة مرضية ثابتة؛ لهذه الأسباب وغيرها أمر الخطاب القرآني المؤمنين الصادقين لاجتناب الظن أي بالابتعاد عن كل السبل المؤدية إليه حتى لا يتم الوقوع فيه. وتبعا لخطورته فإن الله حرم كل ظن سيء ولو كان الإثم في بعضه، لعواقبه الوخيمة على فاعله والمفعول به، بدليل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ».
آفة التجسس: هي حالة من تتبع عورات الناس يغديها سوء الظن، فيسعى من خلالها المتجسس إلى إثبات أوهامه عبر محاولة العثور عما يزكي ويدعم اتهاماته المسبقة. على ذلك، تجده يتعلق بكل خيط عنكبوت إن وجده، ثم يلفق ويربط بين وقائع لا منطق بينها لا لشيء إلا ليثبت صحة أوهامه. فالمسكين يتعب نفسه ويتعب غيره وهو يقوم بعملية التفتيش والبحث، ولا يهنأ له بال، ودائما يفقد شهية الأكل والشرب، ويهجُرُهُ النوم حتى يجد ما يهدأ به وساوسه وأوهامه. والنتيجة تدهور نفسي قد يتطور إلى اضطرابات نفسية وأمراض جسدية مزمنة.
آفة الغيبة والنميمة: إن وجود الرغبة في الكذب، ووجود دوافع سوء الظن والتجسس، تَدُعُّ صاحبها دَعّاً إلى ممارسة الغيبة والنميمة طلبا لتوسيع بنك الأخبار من جهة، وسعيا لنشر التهم التي نسجها من سوء الظن، لعله يجد قاعدة من الناس تحكي نفس الشيء فيُكَوِّنُ بذلك رأيا عاما يحمل كِذبَتَهُ وتُهَمَهُ للآخرين. ولبشاعة هذا الفعل صوره القرآن الكريم على أنه أكل لحم أخ وهو ميت، فليس بعد هذا التصوير من قَرَفٕ «وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ ». وتبعا لرهانات المغتاب والنمام، فإنه يصاب بالغيظ والنكد والضيم عندما يرى من استهدفه ينعم بالسمعة الطيبة والحظوة بين الناس.
آفة الحقد والحسد والغِلّ: مرد هذه الآفات إلى شعور الفرد بضيق شديد في صدره كلما رأى نعمة أو فضيلة في غيره، بحيث لا يسكن روعه إلا إذا علم بزوال هذه النعمة. ولأن نِعَمَ الله لا تعد ولا تحصى، فإن حاملي هذه الآفات يعيشون أبد الدهر بنفس منَغَّصَةٕ مريضة.
إن كل الآفات السالفة الذكر تزداد استفحالا مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتخذ الكذب أ شكالا غير مسبوقة في تزييف الشخصية وعرضها على غير حقيقتها، وتقديمها بشهادات ودبلومات ومراتب مهنية لا يتمتع بها صاحبها في الواقع، ناهيك عن الكذب المباشر عبر الفوتوشوب المقصود لإظهار صاحبه في أماكن لم يراها قط. أما سوء الظن، يكفي صاحبه تعليقا أو ”إيموجي “ كي يمطرك بشتى أنواع التهم، ولكي يثبت أوهامه، تجده يتجول بين صفحتك وصفحة الآخرين لعله يثبت علاقة ما بينك وبين غيرك، أما إن وجد مأربه فإن مخيلته تذهب إلى ما لا يتخيله حتى إبليس اللعين. وبخصوص السخرية فلا توجد التدوينة لا يتعرض صاحبها إلى السخرية والتنقيص، وكذلك العديد من التدوينات التي تسخر إما من الأشخاص أو من مكونات المجتمع، كالمرأة والأستاذ والمفكر… . ثم إن نشر الناس لإنجازاتهم وما ينعم عليهم الخالق سبحانه من فضائله، تجعلهم يتعرضون الحقد والحسد والضغينة.
بهذا نستخلص أن لرذائل الأخلاق آثار بليغة على نفس الإنسان، تبدأ معه بالغم والحَزَنِ، وتتوسطه بالأرق والقلق، وتنتهي بالعزلة الاجتماعية والاضطرابات النفسية والعصبية، الأمر الذي يتسبب في أمراض جسدية عديدة لا يمكن تجاوزها بالأدوية الكيماوية، وإنما بإقلاع المريض عن هذه الأخلاق الذميمة، وهذا ما سنعرض له في الجزء الثاني من مقالات حين سندلل على نجاعة الأخلاق الفاضلة في الوقاية والعلاج.