منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهجرة النبوية: تخطيط وتوكل

الهجرة النبوية: تخطيط وتوكل / ذ. رشيد الذاكر

0

الهجرة النبوية: تخطيط وتوكل

ذ. رشيد الذاكر

 

إن السيرة النبوية في كل جزئياتها: معين لا ينضب في إمداد المسلمين: بما هم في حاجة إليه من مناهج الحياة وقواعدها، وطرق التزكية وسُبل تثبيتها، ومشاكل الوجود وطرق حلها… ولهذا يجب على المسلم وهو يقرأ السيرة النبوية: أن لا يكون قصده مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية، ولا سرد ما حَسُنَ أو جمل من القصص والأحداث[1]: وإنما القصد: فهم حقيقة الإسلام، والانطلاق منها في تغير الواقع والحال الذي تعيشه الأمة الإسلامية.

وإن من أكبر محطات السيرة النبوية والتي تعد محطة لتغيير الواقع الدعوي، والخروج من عالم الاضطهاد إلى عالم التمكين، ومن الوجود بالتبع إلى الاستقلال الذاتي للمسلمين، ومن العيش في القبيلة إلى تأسيس الدولة الإسلامية الكبرى: هي محطة الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وإن تحليل وقائعها والوقوف على جزئيات أحداثها: ليأخذ من الزمن والصفحات الشيء الكثير… وتفاديا لكثرة الطول سوف نقف في هذه الورقة اليوم مع التخطيط والتوكل في الهجرة النبوية فقط:

أولا: التأصيل: لضرورة الجمع بين التخطيط والتوكل:

إن ما يتصوره بعض المسلمين من أن الأخذ بالأسباب يتنافى والتوكل على الله تعالى: تصور معارض تمام المعارضة للإسلام، فحقيقة التوكل هي عين الأخذ بالأسباب قال الله تعالى: {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67]

وهذه من أوضح الآيات في ضرورة عدم الفصل بين قاعدة العمل بالأسباب والتوكل على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى: فالآية تضع أمام المسلم قاعدتين في تدبير أمور الحياة:

  • الأولى: التخطيط الجيد: وهو ما وجه إليه يعقوب أبنائه من إرشاد: في الدخول من أبواب متفرقة.
  • الثانية: عدم الفصل بين قاعدة الأخذ بالأسباب والتوكل على الله تعالى، المالك الحقيقي الأسباب.

ولهذا لما جاء التعقيب الرباني بعده أثبت الله تعالى لنبيه يعقوب عليه السلام أن هذا كله من علم الله الذي تلقاه يعقوب عن الله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف: 68]

هذا الوضع بصورتيه (التخطيط والتوكل)  هو ما تجلى بوضوح كبير في الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وإن أول سؤال: يمكن أن يتبادر إلى ذهنك وأنت تساير قراءة هذه الكلمات: أن تقول: لماذا لم تكن الهجرة إلى المدينة بنفس الإعجاز الذي كانت به الهجرة إلى بيت المقدس (الإسراء)؟ والجواب أن الإسراء والمعراج: كان المقصود فيه رسول الله خاصة من جهة الانتقال، ولا يطلب من أحد فعل ذلك، وهذا بخلاف الهجرة التي كان القصد فيها التشريع للصحابة ولكل من جاء بعدهم: ليس في الهجرة فقط، وإنما في تدبير كل الأمور التي تكتنفها المخاطر والصعاب.

ثانيا: التخطيط والتوكل قبل الهجرة:

ظهرت معالم التخطيط النبوي في عدة جزئيات قبل الهجرة النبوية منها:

إرسال الصحابة المتضررين من مواجهة قريش إلى الحبشة: قائلا لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم)[2].

البحث عن بدائل لنصرة الدعوة والتأسيس للدولة الإسلامية: تجلى ذلك في الذهاب إلى الطائف[3] ومن أوضح المشاهد الدالة: أن القصد هو إقامة دولة وليس مجرد الفرار من تعذيب قريش  عَرْضُ الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على بني عامر، فبعدما حدثهم بالمطلوب منهم: قال أحد سادتهم: (بيحرة ابن فراس) والله، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناكعلى أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: (الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء)[4].

فالرجل كان يدرك تماما: أن القصد من هذه الدعوة هو تأسيس الدولة، ورأى أنه مشروع يستدعي المخاطرة: كي تتولى قبيلته أَزِمة أمر هذه الدولة بعد وفاة صاحبها، وكان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الأمر في مآل الدولة المنتصرة بعد وفاته إلى الله تعالى، وفي هذا إشارة عظيمة إلى قضية التوكل على الله في مسار الأمور بعد ذلك.

ثالثا: التخطيط والتوكل أثناء الهجرة النبوية:

إن كل جوانب هذه الرحلة كانت مبنية على التخطيط مع التوكل على الله: وقد تجلت معالم التخطيط في ما يأتي:

  • الاعداد القبلي مع الكتمان للأمر:

قالت السيدة: عائشة: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فدا لك أبي وأمي، والله إن جاء به في هذه الساعة إلا لأمر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر: «أخرج من عندك» قال: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: «فإني قد أذن لي في الخروج» قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: «نعم» قال: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بالثمن» قالت: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكأت به الجراب، ولذلك كانت تسمى ذات النطاق[5].

  • اختيار زمن الخروج:

الذي كان ليلا من أجل التخفي على الناس، وهنا ظهر التوكل على الله تعالى: عندما خرج وهو يعلم بوجود من جهزتهم قريش لقتله ويضع التراب على رؤسهم[6].

  • اختيار الشخص المرافق في الهجرة:

وهو أبو بكر الصديق رضي الله، وذلك لسبقه في الإسلام ولفضائله في الدعوة إلى الله، وقد كان من بركة هذه المشاركة في الهجرة: أن أسندت له الأمة أمر قيادتها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اختيار الشخص الفدائي الذي ينام مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخروج: قال ابن هشام رحمه الله: فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسج  ببردي هذا لحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم.[7]

  • اختيار مكان الاختباء ومدته:

إن من محاسن التخطيط النبوي أن يكون الاختباء في غار تور والذي كان في الجهة المعاكسة لطريق المدينة، كل ذلك تعمية على القوم في العثور عليه صلى الله عليه وسلم، يقول صاحب الرحيق المختوم: ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن. سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال، حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور، وهذا جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى[8].

وقد تجلى في هذا الغار مشهدا عظيما من مشاهد التوكل، سيأتي الحديث عنه قريبا عند التعليق على آية سورة التوبة.

  • اختيار عدة شخصيات من أجل متابعة تحرك قريش والتزود بالطعام:

وقد تولى ذلك: عبد الله بن أبي بكر الذي كان يتسمع ما يقوله الناس في النهار ثم يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساء، وأسماء بنت أبي بكر التي كانت تأتيهما بالطعام والشراب، وكذا عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الذي طان يرعى الغنم بالنهار ثم يأتي بها ليلا: ليسقيهما لبنًا، وليعفو أثر عبد الله وأسماء، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ثم لحق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكث فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقف، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين [ص:146] يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.[9]

  • اختيار هادي الطريق: 

وهنا بلغ التخطيط ذروته في اختيار شخص آخر على غير ملة الإسلام، وذلك لعلمه بالطريق وأمانته، واسم هذا ارجل عبد الله بن أريقط، وهنا يظهر إلى جانب معالم التخطيط مظاهر التوكل، وذلك بالاعتماد على الله تعالى في تسليم أمرهم في الطريق لهذا الرجل: الذي لا يزال على شركه.

إن معالم التخطيط كثيرة متنوعة في مشاهد الهجرة النبوية، هذا التخطيط المرتبط في كل جزئياته بالتوكل على الله تعالى: الذي بيده الأمر من قبل ومن بعد: قد صوره القرآن الكريم في مشهد يشع جمالا، ويفيض على القلب إيمانا، ويجلب للنفس ثباتا على هذا الدين، يقول الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] فالسياق يرسم مشهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وصاحبه:«إِذْ هُما فِي الْغارِ» والقوم على إثرهما يتعقبون، والصديق- رضي الله عنه- يجزع – لا على نفسه ولكن على صاحبه – أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدمية لأبصرنا تحت قدميه، والرسول صلى الله عليه وسلم- وقد أنزل الله سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: «يا أبا بكر ما ظنك بأثنين الله ثالثهما؟» ثم ماذا كانت العاقبة، والقوة المادية كلها في جانب، والرسول صلى الله عليه وسلم مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس، وكانت الهزيمة للذين كفروا مع الذل والصغار[10].

أن هذا المشهد يوقف على أمور عدة منها:

– أن النصر من عند الله تعالى، وهذا هو محرك التوكل على الله في كل تخطيط.

– أن الأصل في أهل الكفر، محاربة التوحيد وأهله، فليزم المؤمنين البحث عن البديل بالتخطيط الجيد مع التوكل المطلق على الله تعالى.

– الإشارة إلى فضل أبي بكر الصديق الذي استحق وسام تخليد الذكر في القرآن، بسب هذه التضحية العظيمة، الذي لولا صدقة وتوكله على الله ما دخل فيها.

– التوكل الحقيقي أنما يظهر عند الشدة والاختبار، ولذلك لما وقف المشركون على باب الغار، وقلق أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كان التذكير النبوي : «يا أبا بكر ما ظنك بأثنين الله ثالثهما؟» وبتعبير القرآن” {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]

– أن سلوك باب التخطيط الجيد مع التوكل على الله تعالى طريق استجلاب التأييد والنصرة من الله تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40]

– أن تخطيط الكفار في مواجهة الإسلام إذا قوبل بالتخطيط الإسلامي المرتبط بالتوكل يكون مصيره الخسران {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 40]

– وكلمة الختام أن هذا مجرد تذكير بضرورة التخطيط الدعوي للمشروع الإسلامي، الذي لا ينبغي أن يفصل أبدا عن التوكل على الله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]


[1] محّمد سَعيد رَمضان البوطي، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، دار الفكر – دمشق 15

[2]  عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية: تحقيق: صطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر (1375- 1955) 1/322

[3] نفس المصدر 1/419 والتي بعدها

[4] نفس المصدر 1/425

[5] صحيح البخاري رقم الحديث  5807

[6]  الحافظ ابن عيد البر النمري، الدرر في اختصار المغازي والسير، تحقيق: شوقي ضيف، دار المعارف (الطبعة الثانية 1403) 79

[7] سيرة ابن هشام مصر سابق 1/481

[8]  صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، دار الهلال، 148

[9] صحيح البخاري نفس الرقم السابق

[10]   سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق،3/1656

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.