أهل الصفة/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق
الدكتور حسن محمد أحمد محمد
أهل الصفة/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق
بقلم: الدكتور حسن محمد أحمد محمد
يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي:
“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”
تمثل حياة أهْلُ الصَّـفَّة نموذجًا رائعًا للتكافل الإسلامي، فأهل الصفة هم أولئك النفر، من المجتمع، الذين مستهم يد الفقر فعاشوا عيشة الكفاف وهم لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا إلا ما يجود به المحسنون من أهل الخير متصدقين عليهم، وكانوا يأوون إلى جانب يقع في مؤخرة مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخذونه مأوىً لهم، وقد عرفوا، بين المسلمين، باسم أهل الصفة وأحيانًا يطلق عليهم أهل الظلة نسبة للعريشة التي كانت تأويهم[1]، وعلى الرغم من فقرهم وشدة حاجتهم إلا أنهم قد تربوا في كنف رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم أكرم تربية، وقد روي في الصحيح: (عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)[2]، ولذلك لا تجدهم يمدون أيديهم لسؤال الناس، وإنما اتصفوا بالعفة والصبر على ما هم فيه من فقر وعوز، قال تعالى:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ البقرة : 273.
ومن بين أولئك النفر من أهل الصفة صحابة كرام أجلاء، نذكر منهم: أبو ذر الغفاري، وبلال بن رباح، وسلمان الفارسي، وصُهيب الرومي، وغيرهم، ويكفي أن ينتمي لهذه الفئة من المسلمين الصحابي الجليل، أبو هريرة، رضي الله عنه، فقد كان واحدًا من أهل الصفة، لنستمع إليه، وهو يقول: شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله تعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم[3]، وكذلك قال، كنت من أهل الصفة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليُغشى عليّ فيما بين بيت عائشة وأم سلمة من الجوع. وقال، أيضًا: رأيت ثلاثين رجلاً من أهل الصفة يصلّون خلف رسول الله ليس عليهم أردية، وروي، أيضًا، عن أبي هريرة قوله: خرج رسول الله ليلة فقال: ادعُ لي أصحابي، يعني أهل الصفة، فجعلت أنبِّههم رجلاً رجلاً فأوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول الله فاستأذنَّـا فأذن لنا فوضع لنا صحفة فيها صنيع من شعير ووضع عليها يده وقال: خذوا باسم الله، فأكلنا منها ما شئنا، قال: ثم رفعنا أيدينا، وقد قال رسول الله، حين وُضعت الصحفة، والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس ترونه. فقلنا لأبي هريرة: قَدْرَ كم هي حين فرغتم؟ قال: مثلها حين وضعت إلاّ أن فيها أثر الأصابع. لقد وجد أهل الصفة الكثير من العناية والرعاية من قبل رسلنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، عطفًا منه وشفقة عليهم، لشدة فقرهم، ويمثل هذا العمل تربية عملية لصحابة رسول الله تأسيًا به، قال ابن سعد: كان رسول الله يدعوهم إليه بالليل إذا تعشّى، يعني إذا أراد أن يتعشّى، فيفرقهم على أصحابه وتتعشى طائفة منهم مع رسول الله حتى جاء الله تعالى بالغِنى. وكان إذا أتى بشيء قال: أصدقة أم هديّة؟ فإن قالوا صدقة صرفها إلى أهل الصفة وإن قالوا هدية أمر بها فوضعت ثم دعا أهل الصفة إليها، وانظر إلى تلكم الرحمة المحمدية وهو يؤثر أولئك الضعفاء على آل بيته، إذ يروى أنه جاءه سَبْيٌ، أسرى الحرب، فدخلت عليه فاطمة بنته وعليُّ زوجها، رضي الله عنهما، يشكوان تعبهما من الخدمة ويسألانه خادمًا، فبماذا أجابهم؟ قال: والله لا أعطيكما وأدعُ أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم[4]. ولا يظن أحد أن الإسلام يدعو إلى الكسل وعدم العمل، بل الإسلام يأبى على المسلم أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه فقد ورد في صحيح البخاري: (عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)[5]، كما جاء في سنن الترمذي: (ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)[6].
يتمثل الأثر الاقتصادي لهذه المجموعة، من فقراء المسلمين، في أنهم كانوا يقومون ببعض الأعمال التي لم يتفرغ لها كثير من الصحابة الكرام، كخدمة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وتعهد المسجد بالنظافة المستمرة، كما أنهم اهتموا كثيرًا بحفظ ورواية الحديث، والذي شكل ثروة فقهية وعلمية ومعرفية قامت على أكتافها الحضارة الإسلامية، ولا زالت تغرف من معينها الذي لم ولن ينضب إلى اليوم، وإلى آخر الزمان إن شاء الله تعالى.
[1]/ الموسوعة العربية العالمية، اصدار 2004م.
[2]/ صحيح البخاري ج3/ص1184.
[3]/ صحيح البخاري ج5/ص1985.
[4]/ الموسوعة العربية العالمية، اصدار 2004م.
[5]/ صحيح البخاري ج2/ص535.
[6]/ سنن الترمذي ج4/ص562.