تبدو الصورة للوهلة الأولى بسيطة: طفل يجلس على كرسي مدرسي مهترئ، يرفع علما بألوان أربعة، وفي مواجهته جرافة ضخمة تقترب، تثير الغبار، وتكاد تبتلع المشهد. لكن حين نتأملها بعين سيميائية، نكتشف أن كل تفصيل فيها ينهض علامة تتجاوز حدودها المادية.
في قلب الزحام، حيث تتلاطم الأصوات كأمواج البحر، وحيث ترتفع الهتافات كصلاة جماعية في محراب الوطن، برزت زهرة صغيرة تشقّ الصفوف بثقة الكبار. لم تبلغ الثالثة عشرة، غير أن في ملامحها جدّ الرجال، وفي نبرتها صلابة الأرض إذا خاطبت السماء.
في هذا الربيع النبوي المبارك، نقف وقفة خاشعة عند سيرة المربي الأول والمعلم الأعظم، سيد الخلق ﷺ، الذي ما ترك جانب من جوانب الحياة إلا وأضاءه بنور هديه، وما غفل عن قلب صغير ولا عقل غض إلا ومسّه برحمته ولطفه.