من “سالي” إلى “K-Pop”: رحلة في عقول أطفالنا بين جيلين؛ أم ومعلمة
من "سالي" إلى "K-Pop": رحلة في عقول أطفالنا بين جيلين؛ أم ومعلمة/ رغد محمد شويحنه
من “سالي” إلى “K-Pop”: رحلة في عقول أطفالنا بين جيلين
أم ومعلمة
بقلم: رغد محمد شويحنه
أقف اليوم بين مساحتين تشكلان جوهر حياتي: بيتي كأم، وفصلي الدراسي كمعلمة. وفي هاتين المساحتين، أراقب يوميًا تفاصيل صغيرة تأخذني في رحلة مقارنة لا تتوقف بين طفولتنا نحن جيل التسعينيات، وبين طفولة أبنائنا وبناتنا اليوم.
ألاحظ هذا التباين حتى في بيتي؛ فابنتي مثلاً لم تعد تمتلك أدنى درجات الصبر لتشاهد أعمالاً كلاسيكية كنا نعشقها مثل صاحب الظل الطويل، البؤساء، أو حتى مدينة النخيل! تشعر بالملل سريعاً أمام أحداثها البطيئة والهادئة. وفي المقابل، أجدها هي وفتيات هذا الجيل في عمر السابعة وما بعدها ينجذبن بشغف لبرامج خاطفة مثل الجاسوسات (Totally Spies)، حكايات الأميرات، وK-Pop Hunters، وتتعلق عقولهن بشخصيات مثل Rumi, Zoey, Mira، إلى جانب متابعة النسخ الحديثة من السنافر وآلفين والسناجب، وكرتون ماشا والدب. ولا يتوقف الأمر عند الشاشة، بل أراهن يقلدن الرقصات والحركات، ويشترين الحقائب والملابس التي تحمل صور هذه الشخصيات.
في المقابل، تتسلل إلى ذاكرتي شاشتنا القديمة؛ عندما كنا نجتمع لنشاهد التوأمان، سالي، كابتن ماجد، ليدي أوسكار، قرنا الموز و الدببة الثلاثة.
هذا التناقض البصري والتربوي يطرح سؤالاً جوهريًا: ما الذي تغير، وإلى ماذا يشير هذا التحول الاجتماعي والثقافي؟
أولاً: أبعاد المشكلة.. تحول الشاشة وتحول السلوك
المشكلة لا تكمن فقط في تغير أسماء الرسوم المتحركة، بل في نوعية المحتوى والإيقاع الذي يستهلكه الطفل يوميًا:
- طبيعة البرامج (الإيقاع والتركيز):
- برامج التسعينيات: كانت تعتمد على الروايات العالمية الكلاسيكية؛ قصص بطيئة، تعزز الصبر، والتعاطف الإنساني العميق مع معاناة البطلة وشخصيتها.
- برامج اليوم: تعتمد على الإثارة البصرية، الألوان البراقة، والإيقاع السريع المعتمد على الأكشن والاستعراض، مما يجذب الانتباه سريعًا لكنه يفقد الطفل القدرة على الصبر والتركيز الطويل.
- ظاهرة “فلوغات الأطفال” (Kids Vlogs):
- ينضم إلى قائمة التحديات ميل الأطفال لمشاهدة برامج الواقع مثل “ناستيا” وغيرهم ممن يعرضون تفاصيل حياتهم اليومية. هذه المقاطع تزرع في نفوس أطفالنا ثقافة الاستهلاك الفائق، والمطالبة المستمرة بالألعاب، والمقارنة الدائمة بين حياتهم العادية وبين حياة استعراضية مُعدّة ومصورة خلف الكاميرات.
- المراهقات وثقافة الـ K-Pop:
- على مستوى اليافعات، نرى انجذابًا كبيرًا للموسيقى الكورية وتقلييد رقصاتها وحركاتها دون فهم المعاني، بحثًا عن الانتماء لصرعات عالمية وإشباع الشغف بالحركة والاستعراض البصري.
ثانياً: التأثير على الشخصية والسلوك (بين الماضي والحاضر)
إن ما يشاهده الطفل ليس مجرد تسلية عابرة، بل هو برمجة غير مباشرة لشخصيته وردود أفعاله:
- الصبر مقابل الاستعجال: علمتنا دراما التسعينيات أن النتائج الطيبة تحتاج وقتًا وصبرًا، بينما يُعوّد المحتوى السريع طفل اليوم على “المتعة الفورية، مما يجعله أكثر استعجالاً وتململاً من المهام الطويلة.
- صورة الذات والبطلة: انتقلت الفتاة من نموذج البطلة الصبورة المُسالمة (مثل سالي) إلى نموذج الفتاة القوية، المستقلة، التي تخوض الأكشن وتفرض حضورها (مثل الجاسوسات)، وهو تغيير يمنح الثقة، لكنه قد يتحول إلى حدة في ردود الأفعال إن لم يُوجّه بحكمة.
- الواقعية مقابل الاستهلاك: تحول الطفل من ممارس حقيقي للطفولة إلى مستهلك ومتفرج على ألعاب ورفاهية الآخرين عبر الشاشات.
ثالثاً: الخطر الأكبر.. الأثر على الفكر والعقيدة
كأم ومعلمة، أشارك الكثير من المربين -وعلى رأسهم مختصون كالدكتور جاسم المطوع- القلق من التبعات العميقة لهذه البرامج على عقيدة الطفل وفكره:
- تطبيع المفاهيم الغريبة: تكرار المشاهدة يزيل الرفض الفطري للسلوكيات والأفكار المخالفة لديننا وقيمنا، ليصبح الغريب أمراً مألوفاً.
- المركزية الإنسانية والعبثية: تُروج بعض الأعمال الحديثة لفكرة أن “الإنسان هو مركز الكون” ولا مرجعية تعلو فوق رغباته وحريته، أو تقدم رسائل عبثية خفية تدعي أن الحياة بلا غاية سامية، مما يضعف اليقين الإيماني ويسهل التسلل لأفكار الشك والإلحاد مستقبلاً.
رابعاً: كيف نتعامل مع هذا الواقع؟
لا يمكننا إغلاق الأبواب أمام العالم، ولا ينجح المنع الجاف في زمن المنصات الرقمية المفتوحة، لكن الحل يكمن في التوجيه والبدائل:
1. دورنا كأهل في البيت:
- التفكيك والحوار: لنشاهد المحتوى مع أبنائنا، ونسألهم أسئلة ذكية: “هل هذا التصرف يناسب قيمنا؟“، “هل تعتقدون أن حياة هذه الشخصية واقعية أم تمثيل؟“ لنحولهم من مستهلكين سلبين إلى نقاد واعين.
- المرشحات والبدائل الجاذبة: استبدال المنصات المفتوحة بتطبيقات آمنة (مثل منصة براء، هادف، شاطر)، واختيار أعمال أنيميشن راقية وذات قيمة تاريخية أو أخلاقية (مثل مسلسلات قصص القرآن والسيرة النبوية).
- إثراء الواقع: شغل وقت الطفل بالأنشطة الحركية، والرياضة، والنوادي النافعة، فالمنافس الأقوى للشاشة هو الواقع الممتع.
2. دورنا كمعلمين في المدرسة:
- التعلم النشط: إدخال اللعب والتنافس والأنشطة العملية في الفصل لرفع معيار المتعة الواقعية لدى الطلاب وتفريغ طاقتهم الحركية بشكل إيجابي.
- ربط المعرفة بالخالق: غرس عظَمته وحكمته في نفوس الطلاب من خلال دروس العلوم واللغة والتاريخ بشكل طبيعي ومحبب.
- تعزيز قيم الإنجاز والصنع: بناء تقدير الذات لدى الطلاب بناءً على ما يبتكرونه ويصنعونه بأيديهم، لا على ما يمتلكونه أو يشاهدونه.
ختاماً إن دورنا اليوم كمربين ومعلمين ليس منع التكنولوجيا أو المحاولة المستحيلة لإلغاء تأثير الإعلام، بل هو أن نكون “المصفاة” و”البوصلة” التي تساعد أبناءنا وطلابنا على التمييز بين الغث والسمين، وإعادة بناء الشغف لديهم بالحياة الواقعية والقيم الحقيقية. أبناؤنا لا يحتاجون منا إلى الصراخ أو الحسرة على “أيام زمان”، بل يحتاجون إلى المعية الواعية، والحصانة الإيمانية الصلبة، والأبدان النشطة في الواقع. لنكن نحن البوصلة التي توجه عقولهم، والأمان الذي يحتضن شغفهم، حتى ينشؤوا بجيل واقٍ، يعتز بهويته، ويتعامل مع عصره بكل ذكاء وثبات.