صورة وتعليق
بقلم: عز الدين صمبة
تبدو الصورة للوهلة الأولى بسيطة: طفل يجلس على كرسي مدرسي مهترئ، يرفع علما بألوان أربعة، وفي مواجهته جرافة ضخمة تقترب، تثير الغبار، وتكاد تبتلع المشهد. لكن حين نتأملها بعين سيميائية، نكتشف أن كل تفصيل فيها ينهض علامة تتجاوز حدودها المادية. الجرافة ليست مجرد آلة، إنها تمثيل للقوة العمياء التي تحاول محو الوجود وطمس الذاكرة. أما العلم، فليس قطعة قماش، بل شيفرة مفتوحة على التاريخ، يختصر صراع أمة، ويعلن إصرارها على البقاء. والطفل، ببراءته وهدوئه، يتجاوز فرديته ليصبح رمزا لأجيال كاملة لم تعد تملك سوى أجسادها وأحلامها درعا في وجه الطغيان.
من زاوية أنثروبولوجية، يتخذ المشهد بعدا أعمق. الكرسي المدرسي الذي يبدو تفصيلا عابرا يكشف عن دلالته حين نربطه بالثقافة التي أنجبته: التعليم في المخيال الجمعي الفلسطيني ليس مجرد وسيلة للمعرفة، بل فعل مقاومة، ووسيلة لترميم الذات في مواجهة الاقتلاع. جلوس الطفل، بكل ما فيه من بساطة، يتحول إلى طقس رمزي؛ وكأنه يعلن أن الجلوس في حضرة الخطر ليس استسلاما، بل تثبيت لحق لا يقبل المساومة. حتى الغبار المتصاعد يصبح علامة: الأرض نفسها تشهد، تتألم، وتتنفس معركة البقاء.
هكذا تتشابك العلامات: آلة تهدم، علم يرفرف، جسد صغير يتحدى، وغبار يصرخ بصمت. الصورة لا تكتفي بأن تروي حكاية، بل تلزم المتلقي بأن يكون جزءا منها. إنها تستدعي الضمير قبل أن تستدعي العين، وتكشف أن ما يظن مشهدا عابرا هو في جوهره وثيقة هوية، وطقس انتماء، ومسرح مقاومة مكتمل العناصر.
ومن قلب هذا المشهد، يخرج النداء:
يا من تشاهدون، هذه ليست صورة طفل، بل مرآة لوجهكم أنتم، وسؤال لمستقبل أمتكم. إن الجرافة التي تقتلع الحجر لا تستطيع أن تقتلع الإرادة، لكن الإرادة تحتاج لمن يوقظها. لا تدعوا العلم وحيدا في مهب الريح، ولا تتركوا الكرسي الفارغ شاهدا على غيابكم. اصنعوا من أصواتكم حصنا، ومن أفعالكم درعا، ومن وحدتكم حياة
تتحدى الموت. الصورة لم تلتقط لتحزنكم، بل لتستفز فيكم القدرة على الفعل، فكونوا الفعل قبل أن تصبحوا مجرد متفرجين في صورة أخرى.”