وبالآخرة هم يوقنون
بقلم: د. أحمد الفراك
مقدمة
يعد الإيمان بالآخرة ركنا من أركان الإيمان، ولا يصحُّ إسلامٌ ولا إيمانٌ ولا دينٌ بلا اعتقاد بعالَـم الآخرة؛ أي الحياة المنتظرة التي تأتي بعد الموت، وهي دار الجزاء والخُلود، في مقابل دار الدنيا التي هي دار العبور والابتلاء، وقد وردت كلمة “آخرة” في القرآن الكريم 115 مرة، وتنوعت سياقات ذكرها، بين:
-سياق الدعوة إلى الإيمان بالحياة الآخرة، وتعظيمها واليقين بها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: 4)
-سياق تذكير الإنسان ليكون همّهُ الله والدار الآخرة، دون أن ينسى نصيبه من الدنيا سعيا واجتهادا وبذلا وبناء.
– سياق التحذير من نسيان الموت وتسويف العمل للآخرة، ومن التعلُّق بالدنيا والاطمئنان بمُتعها.
نسيان الآخرة
رغم أن ذكر الآخرة يملأ آيَ القرآن الكريم وقصصه، إلا أن الإنسان قد ينسى ذِكرها وتذكُّرها في قلبه وعلى لسانه، فيشتغل بدُنياه ودنيا غيره يومه وليلته، فتتقلص الآخرة وتتوارى في زحمة هموم الدهر ونوائبه، ومع مرور الزمن يستحيل المرء دنياوياً دون أن يشعر، حتى ولو احتفظ بصورة ديانيته، يعيش ضنك دنياه معافسا لأهلها، منافسا لأبنائها، منصرفا لأشيائها، مغامرا بحظه من آخرته ونعيمها. وقد تأتيه لحظة يقظة يوبخه فيها ضميره وتلومه ذكراه فيخطف رُكيعات خفيفات يستعجل بها الرجوع للَهوه واللّعب في بهوه. وخاصة إذا كان منفردا وحدانيا أو منغمسا في رفقة سوء، بعيدا عن دفء الصحبة الصالحة، فغالبا ما تغلبُه نفسُه وتميل عليه بكلكلها، فتأمره وتنهاه، وتتسيد عليه وتستأسد، فيُطيعها ويُطعمها، ويُسرع في حاجتها، فلا تراه يفرح إلا لفرحها ولا يحزن إلا بحزنها، بل فيها يخاصم وفيها يصالح. ولا يزال كذلك –إن لم تتداركه العناية الإلهية ولم يسبق إليه التوفيق- حتى تصير نُفيسته معبودَه الذي يحبّه ويتحابّ فيه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر التذكير بالله وباليوم الآخر، وبالموت، وبالقبر، وبالجنة والنار، حتى تترسخ معانيها في القلوب والأذهان، وتنشط الأبدان للطاعة، ويستقيم المؤمنون والمؤمنات على أمر الله، ولا تغرنهم الحياة الدنيا، وحتى لا يفوتهم نعيم الآخرة ومُنعِمها، وهي دار الحق والحقيقة والإقامة الدائمة ﴿ذٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾، يوم يعتلي المتحابون في الله منابر النّور، يغبطهم النبيّون والصدّيقون والشّهداء، ويُفصل بين الخلائق بالعدل، فلا ظلم يومئذ؛ يجزى المحسن على إحسانه ويجزى المسيء على إساءته. لذلك، ليست الآخرة -عند المؤمن والمؤمنة- فكرة عابرة تطرأ وتختفي، بل هي حقيقة الحقائق التي تظلّ يقين القلوب وقِبلة الإرادات ونصب الأعين، وتسري عمليا دون تكلّف سلوكا منهاجيا مستقيما في مشاعر المرء وتصرفاته ومواقفه وأفعاله كلّها.
ومن يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة ويعشُ عن ذكر الله والدار الآخرة أظلمت نفسه وضل سعيه وضنكت معيشته. قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:102)
التذكير بالآخرة
وظيفة العلماء اليوم، وخاصة الربانيين منهم، أن يُذكِّروا الناس بالله وبالآخرة في كل مناسبة، ويوجهوا هِمم المسلمين للقاء الله، ويحذروهم من غلبة الدنيا وخطاب الدنيا وصراع الدنيا وحساب الدنيا، والغفلة عن الخير الأعظم والأدوم في الآخرة. وإنه لمن المؤسف في زمننا أن تغيب الآخرة في خطاب المتحدثين في الناس، حتى الوعاظ منهم وزعماء التنظيمات الإسلامية التي تشتغل بموضوع الإصلاح والتغيير، إلا من رحم الله. إنهم يُدنْيِنون الناس، بل يُدنْينون الدّين نفسه. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (البقرة: 200).
وإن أهم ما ينجمع به المؤمنون هو حبّ الله والحب في الله والعمل للآخرة والتذكير الدائم بها، وبهذا تتآلف القلوب وتتطاوع العقول وتنسجم الطباع وتتعاون الإرادات على الخير، لتشكل بمجموعها رابطة روحية وإيمانية عميقة، قوامها المحبة في الله والتحاب فيه سبحانه وأخوة الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”[1]، وإذا فات الناس هذا فاتهم الخير الأعظم، فلا أخوة آنئذنٍ ولا محبة ولا رسالة ولا أمانة. ولـئن غفلنا عن اهتمامنا الإيماني الأخرويّ نكون قد نقضنا قوتنا وابتلعتنا الدنيا بأشيائها وأشغالها، وصرنا هباء في طاحونة التغفيل والترذيل. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران:77).
قانون الرجوع إلى الوطن
ولأهمية اليقين في الآخرة يذكرنا القرآن الكريم من أوله إلى آخره بمبدإ الرجوع إلى وطن الآخرة، “إن إلى ربك الرجعى”، وهو محور أول سورة نزلت (العلق)، قال سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ﴾، رغم أن بعض الناس يقف عند الآيات الأولى من السورة، فيقولون: “الإسلام أول من دعا إلى القراءة” و”مشروع الإسلام هو القراءة”، و”لذلك ينبغي أن نقرأ كي نتقدم كما تقدم غيرنا”…وهذا غلط وتغليط، وهو “الإسلام الفكري” الذي يقف مع ظاهر دلالة القراءة، رغم أن المعنى لا يكتمل إلا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾، بالعودة إلى الوطن وفق قانون الرجعى، و﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (الأعلى: 17)، والرجوع إلى الله العزيز الحكيم ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: 73).
التهمُّم بالآخرة والتنافس والتسابق والتسارع للفوز والفلاح، وانتظار لقاء الله تعالى ونيل رضاه وفضله وكرمه ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ (القصص: 60) لا يعني سلوك الرهبنة ولا تعطيل الدين، لأن الواجب الشرعي والأخلاقي لصناعة مجد الأمة الضائع اليوم يقتضي القطع مع ذهنيات الزهادة الهاربة من الواقع كما يقتضي الحذر من ذهنيات الخواء الروحي والتوثب إلى الدنيا توثب الحفاة العراة. فـ”خير الآخرة يفوتنا إن كانت الهمم الفردية والاهتمام الجماعي غاصت في مستنقع التنافس الرديء على الرئاسة الدنيوية. أما إن صعَّدنا التنافس إلى الآخرة فنِعِمَّا هي وهي خير. ومن سُبُل التنافس في الآخرة ونعيمها ومراتبها التسابق إلى إصلاح دنيا الأمة بكل جهد وبكل بذل. لا يحب الله العلو في الأرض لأنه فساد، ويحب العلو في الآخرة ويحثُّ عليه. قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. وقال الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: “إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة”[2].
فيا نفسي ويا أخي، ويا أختي: من سبقك في درجات الآخرة فاتك بدائم أبدي، وأي شيء من متاع الدنيا يضيع لك آخرتك هباء في هباء.
﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾
وصلّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه
والحمد لله رب العالمين
[1] – صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم 13
[2] – الإحسان، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1998، 1/368