من مؤشر سعادة إلى السعادة الأبدية
بقلم: إبراهيم أكورار
قبل أكثر من عشر سنوات، نشرت مقالًا بعنوان «ما موقع روحانيتنا من ظاهرة الروحانيين الجدد؟»(1) ، حاولت فيه أن أفهم سبب الإقبال المتزايد على دعاة الروحانية الجديدة، وأن أطرح سؤالًا: أين انزوت روحانية الإسلام حتى أصبح بعض الناس يبحثون عن السكينة في أسواق الروحانيات البديلة؟
واليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على ذلك المقال، وجدتني أعود إلى السؤال نفسه من مدخل آخر. لم يكن الدافع هذه المرة كتابًا من كتب التنمية الذاتية، ولا محاضرة لأحد نجوم حركة العصر الجديدNew Age، وإنما فيلم وثائقي بثته قناة DW الألمانية عن البلدان التي تتصدر مؤشرات السعادة في العالم، وفي مقدمتها فنلندا.
شدني الفيلم منذ دقائقه الأولى، ليس لأنه تحدث عن مجتمع نجح في بناء منظومة متقدمة من العدالة الاجتماعية، والثقة بين الناس، والتعليم، والرعاية الصحية، وجودة الحياة، فكل ذلك يستحق التقدير والإعجاب. لكن، هل تكفي كل هذه الإنجازات ليبلغ الإنسان السعادة التي ينشدها؟
إن السنوات الأخيرة كشفت عن ظواهر مقلقة لا يمكن إغفالها؛ من تنامي الأحزاب اليمينية الشعبوية، وتصاعد الخطابات المناهضة للهجرة، واتساع مظاهر الإسلاموفوبيا، وعودة النقاش حول الهوية والانتماء الوطني بصورة حادة في عدد من البلدان الأوروبية. وهذه الظواهر لا تنقض معايير مؤشرات السعادة “الدنيوية”!.
قد تقيس المؤشرات الدولية مستوى الرضا عن الحياة، واستقرار المجتمع، والرفاه الاقتصادي، و الثقة في مؤسسات الدولة، لكنها لا تستطيع أن تقيس ما يسكن أعماق الإنسان: حاجته إلى الله عز و جل، وإلى معرفة الغاية من وجوده، وإلى الاطمئنان على مصيره بعد الموت.
هنا تذكرت مقالي الأول، وأدركت أن الزمن لم يلغِ السؤال، بل زاده عمقًا. فلم يعد السؤال: لماذا ظهر الروحانيون الجدد؟ بل أصبح: لماذا يعود الإنسان إلى البحث عن الروح كلما نجح أكثر في تنظيم حياته المادية؟
لقد لاحظ علماء الاجتماع الديني هذه المفارقة منذ عقود. ومن أبرزهم عالم الاجتماع البريطاني “بول هيلاس” Paul Heelas، الذي رأى أن المجتمعات الغربية لم تشهد اختفاءً للدين بقدر ما شهدت انتقالًا من «دين المؤسسة» إلى «روحانية الذات». فالإنسان لم يتوقف عن البحث عن المقدس، لكنه صار يبحث عنه في داخله، وفي تجاربه الشخصية، وفي التأمل، واليقظة الذهنية، والطاقة، والتنمية الذاتية، بدل أن يبحث عنه في الدين عبر المؤسسات الدينية التقليدية.
ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا من نجاح الروحانيين الجدد. فهم لم يرشدوا عطش الإنسان الروحي، بقدر ما استثمروا فيه بتسويق روحانية ذاتية متساوقة مع مقتضيات عصر الحداثة و ما بعد الحداثة، و أحسنوا مخاطبته بلغات العصر المرقمنة . لقد وعدوا الإنسان بالسلام الداخلي، والتوازن النفسي، والتصالح مع الذات، و أمان معسولة تُقدَّم منفصلة عن سؤال الحقيقة، وعن الغاية من الوجود، وعن الصلة بالله عز و جل.
هل السعادة مجرد إحساس بالرضا عن الحياة، أم أنها تبدأ حين يعرف الإنسان لماذا خُلق، ولمن يعيش، وإلى أين يسير؟
إن الإسلام لا يعارض السعي إلى بناء مجتمع كريم، ولا يقلل من قيمة الأمن، والعدل، والحرية، وجودة “الحياة”، بل يعتبرها من مقاصد العمران والاستخلاف. هذا جزء من سعادة الدنيا بل مرحلة، أما السعادة التي خُلق لها الإنسان فهي أوسع مدى كلما اقتحم العقبات التي تحول بينه و بين رحمة الله، إنها السعادة التي تنته برضوان الله، والفوز بلقائه، و النظر إلى وجهه الكريم سبحانه.
يقول الحق عز وجل:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ 185 آل عمران
و يقول سبحانه و تعالى:
{وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73]
هنا، يكمن الفرق الجوهري بين روحانية “العصر الجديد” وروحانية ديننا إسلاما و إيمانا و إحسانا. فالأولى تجعل الإنسان يبحث عن ذاته ليطمئن إليها، بينما تدعوه الثانية إلى التقرب إلى ربه و السعي إلى معرفته.
إن السعادة التي تقيسها التقارير الدولية، مهما بلغت أهميتها، تظل سعادة زمنية موقوتة، أما السعادة التي يعد بها الإيمان فهي سعادة أبدية، تبدأ في الدنيا بالإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و القدر خيره و شره، ولا تكتمل إلا بلقاء الله عز وجل.
و من يحصر روحانية الإسلام في الصورة المصغرة للإحسان بتحقيق الخلاص الفردي يفوته كمال الإحسان الصحابي الجامع بين الخلاصين الفردي و الجماعي.
الإحسان ليس انسحابًا من الدنيا، ولا هروبًا من مسؤولياتها، بل هو أن يعمر الإنسان الأرض وهو متوجه بقلبه إلى خالقه و بارئه، وأن يجمع بين عمارة الدنيا والاستعداد للآخرة، وبين حسن معاملة الخلق، وحسن السير إلى الحق.
ما موقع روحانيتنا من ظاهرة الروحانيين الجدد، في عالم يسعى إلى تسليع الروحانية و تحسين شروط الحياة، على حساب البحث عن معنى الحياة و سؤال المصير؟
خطابات New Age” تنتهي عند حدود الفرد، كيف تهدأ؟ كيف تتصالح مع ذاتك؟ كيف تحقق الوفرة؟ كيف ترتقي بوعيك؟ وهي أسئلة ناقصة إذا انفصلت عن سؤال العدل ومسؤولية الإنسان تجاه غيره.
المنهاج النبوي لتغيير الإنسان برنامج تربيته للمؤمن و المؤمنة، لا يفصل تزكية القلب عن عمارة الأرض، والذكر عن الجهاد بمعناه الشامل، ولا يفصل حمل هم الله عن نصرة المظلوم.
كيف تسمو روح و يطمئن قلب بذكر الله عز وجل و يغض طرف صاحبه عن طفل يُقتل في غزة؟ أو عن شعب يُهجَّر من أرضه؟ أو عن إنسان يموت جوعًا؟ أو عن بيئة تُستنزف؟ أو عن سباق تسلح يهدد مستقبل البشرية؟ أو عن ماء يتحول إلى أداة للهيمنة والصراع.
إن المؤمن كلما سعى إلى استكمال إيمانه و ازداد قربًا من ربه، اتسعت دائرة رحمته بالخلق ، وأصبح أكثر إحساسًا بآلامهم، وأكثر استعدادًا لبذل جهده في رفع الظلم عنهم.
روحانية الإحسان أسها الصحبة في الله و بيئة حاضنة رافعة لأعمال صالحة جوارحية و قلبية و أخلاقية تصنع إنسانًا موقنا بربه يذكره بقلبه و يستعد للقائه، ويقيم العدل بعمله، ويحمل هم أمته، ويتفاعل مع قضايا الإنسانية الكبرى، مستحضرا أن الأرض أمانة، وأن الإنسان مستخلف فيها، وأن لقاء الله هو الغاية التي تمنح كل عمل معناه بالتأسي برسولنا الكريم صلوات ربنا عليه.
إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التقنيات التي تعلم الإنسان كيف يتجاوز قلقه بالتاي شي و باليوغا و قانون الجذب و غيرها من حيل هروبية عاجزة عن مواجهة حقيقة” إن إلى ربك الرجعى” ، بل إلى روحانية تعلمه كيف يحول هذا القلق و الواقع العنيد إلى مسؤولية و قيام لله بالقسط، وكيف يربط بين سلامة القلب وعدالة الأرض، وبين عمارة الدنيا والفوز بالآخرة. روحانية لا تنتهي عند الذات، بل تبدأ منها بتزكيتها لتجدد توبتها إلى الله فتقوم لله لتنصر قضايا الأمة و الإنسانية، طمعا في رضوان الله و الفوز العظيم، إنه فوز لقاء محب بمحبوبه لا ينام و لا يستيقظ إلا على أفضل العزائم .
و صل اللهم و سلم على سيدنا محمد ما لاحَت لنا في الأفقِ أعلام الجهاد الدَّائِمِ