حين التقى حسان بشوقي في متحف المحبة
حين التقى حسان بشوقي في متحف المحبة/ عز الدين صمبة
حين التقى حسان بشوقي في متحف المحبة
بقلم: عز الدين صمبة
دخلت المتحف ذات مساء، لا أذكر أنني كنت أبحث عن لوحة بعينها، ولا أنني كنت أعرف إلى أين ستقودني الخطى. كانت القاعات هادئة، واللوحات معلقة على الجدران كأنها نوافذ مفتوحة على أزمنة لا نملك مفاتيحها، والناس يمشون بينها في صمت يشبه خشوع من يخشى أن يوقظ حكاية نائمة.
كنت بين الزائرين، أتأمل الوجوه أكثر مما أتأمل اللوحات؛ فهذا يقترب، وذاك يبتعد، وثالث يقف طويلا أمام لوحة لا أعرف ماذا رأى فيها. وفجأة توقفت.
كانت هناك لوحة لا تشبه ما حولها.
لم تكن مجرد لوحة معلقة على جدار؛ بدت لي كأنها جدار آخر يفصل بين زمنين، أو كأنها مخطوطة قديمة خرجت من رحم التاريخ، ثم لبست ثوب الفن، وجاءت تستقبل عيوننا في هذا الزمن.
اقتربت منها.
في قلبها مسجد يسبح في ضوء ذهبي، وفوقه سماء تتدرج من زرقة المساء إلى دفء الفجر، وعلى جانبي المشهد بيتان من الشعر، وبينهما ذلك التكوين البصري الذي يجعل العين تنتقل من بيت إلى بيت، ثم تعود إلى المركز، كأن المحبة دائرة لا تستقيم إلا إذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم مركزها.
كان البيت الأول لحسان بن ثابت:
وأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي
وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
وكان البيت الثاني لأحمد شوقي:
وُلِدَ الْهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءُ
وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ
وقفت طويلا.
ثم سمعت صوتا من خلفي:
— ما الذي رأيته في هذه اللوحة حتى طال وقوفك؟
التفت، فإذا بأحد المرافقين للمجموعة يبتسم، وقد بدا أن الجميع ينتظر مني شيئا.
قلت:
— لا أدري أأنا الذي وقفت أمام اللوحة، أم أن اللوحة هي التي أوقفتني أمام نفسي!
ضحك بعضهم، وساد الصمت.
ثم قلت:
— هذه ليست لوحة تجمع بيتين من الشعر فحسب؛ إنها محاولة بصرية لجمع زمنين في محبة رجل واحد. هنا حسان بن ثابت، شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، يأتي من الزمن الأول، من زمن الصحبة والقرب والمشاهدة، وهناك أحمد شوقي، يأتي من زمن آخر، وقد حمل المحبة نفسها إلى القرن العشرين. وبين الصوتين قرون طويلة، لكن المحبة لم تشخ، ولم تتغير قبلتها.
اقترب أحد الزوار وقال:
— ولكن ما الذي تقوله الألوان؟
نظرت إلى اللوحة مرة أخرى.
قلت:
— الألوان هنا ليست زينة؛ إنها لغة ثانية.
هذا الذهبي الذي يملأ فضاء اللوحة ليس مجرد لون للترف والجمال؛ إنه لون الإشراق والاحتفاء. كأن ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم ليس حدثا عابرا في سجل الزمن، بل لحظة أضاءت معنى الإنسان في العالم.
أما الزرقة التي تمتد في أعالي المشهد، فهي فضاء التأمل والسمو؛ زرقة السماء التي تجعل العين ترتفع، وكأن المحبة الحقيقية لا تحبس صاحبها في الأرض، وإنما ترفعه من الانبهار بالصورة إلى الاقتداء بصاحبها.
وأما الأبيض المتناثر في الزهور وفي بعض تفاصيل العمارة، فهو أقرب إلى دلالة الصفاء والنقاء؛ وكأن الفنان يريد أن يقول لنا إن المحبة التي لا تطهر صاحبها من الداخل لم تبلغ بعد معناها.
ثم أشرت إلى الأخضر.
قلت:
— وانظروا إلى القبة الخضراء في مركز اللوحة. إنها ليست تفصيلا معماريا وحسب؛ إنها علامة تستدعي الذاكرة قبل أن تستدعي العين. الأخضر هنا يستحضر المدينة، والروضة، والهجرة، والرحلة، والسكينة، ويمنح اللوحة بعدا يتجاوز المكان إلى الوجدان.
ثم صمت قليلا.
وقلت:
— لكن أجمل ما في اللون أنه لا يعمل منفردا. الذهبي يضيء، والأخضر يطمئن، والأبيض يصفو، والأزرق يرفع النظر. وهكذا تتحول اللوحة إلى سلم شعوري: تبدأ بالعين، ثم تمر بالقلب، ثم تصعد بالروح.
سمعت صوتا آخر.
هذه المرة كان أعمق، وأبعد، كأنه خرج من وراء القرون:
— وهل ترى أن الشعر هنا يشرح الصورة؟
قلت:
— بل أراه يوقظها.
كان الصوت صوت حسان بن ثابت.
قال:
— أنا لم أقل إن عيني رأت صورة أجمل، وإنما قلت:
وأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي
وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
ثم سكت قليلا وقال:
— إن العين عند المحب لا ترى كما ترى عيون الناس. إنها ترى الإنسان الذي أحبته، فتتحول الرؤية إلى شهادة.
قلت:
— صدقت يا حسان. ولذلك جاءت عبارتك في اللوحة بلون عميق، كأنها مكتوبة لا على ورق، بل على جلد الذاكرة. أنت شاعر من زمن المشاهدة، زمن كانت المحبة فيه متصلة بالحضور، ولذلك تبدو كلماتك قريبة من الجسد والملامح والعين.
ثم جاء صوت آخر، فيه شيء من فخامة القرن العشرين:
— وأنا ماذا صنعت؟
قلت:
— أنت يا شوقي وسعت المشهد.
قال:
— كيف؟
قلت:
— حسان نظر إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، فتكلمت العين.
أما أنت فنظرت إلى لحظة ميلاده، فتكلم الكون كله:
وُلِدَ الْهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءُ
وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ
ففي بيتك لم يعد الضوء محصورا في وجه المحبوب؛ صار في الكائنات. ولم يعد الفرح إحساسا في قلب شاعر؛ صار الزمان نفسه يبتسم.
سمعت شوقي يقول:
— إذن نحن لا نتكلم اللغة نفسها؟
قلت:
— بل نتكلم المحبة نفسها بلغتي زمنين مختلفين.
حسان يقول: أنا رأيت.
وشوقي يقول: الكون كله رأى.
حسان يبدأ من العين.
وشوقي يبدأ من الكون.
حسان يجعل الجمال شهادة شخصية.
وشوقي يجعل الميلاد حدثا كونيا.
وبين العين والكون، بين الشهادة والاحتفاء، تمتد المسافة التي قطعتها المحبة المحمدية من القرن الأول إلى قروننا.
ثم اقترب مني أحد الشباب وقال:
— ولكن لماذا وضعت اللوحة البيتين معا؟ أليس في ذلك شيء من التباعد بين النصين؟
قلت:
— على العكس. هنا تكمن عبقرية الجمع.
إنها تقول لنا إن المحبة المحمدية ليست لحظة تاريخية انتهت بانتهاء أصحابها، وإنما هي نهر طويل؛ كل جيل يشرب منه بلغته، وكل عصر يسكب فيه من أشواقه، وكل شاعر يحاول أن يقول ما عجز قلبه عن كتمانه.
حسان يمثل الصحبة والشهادة.
وشوقي يمثل الذاكرة والامتداد.
وبينهما نحن.
نحن الذين لم نره صلى الله عليه وسلم بأعيننا، لكننا نبحث عنه في السيرة، ونسمع وصفه في الحديث، ونحاول أن نراه في أخلاق من يحبونه، ونرجو أن نكون ممن قال فيهم: (طُوبَى لمن رآني وآمنَ بي، ومن رأَى من رآني، ومن رأَى من رأَى من رآني) أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (6106)، (3/ 110)، والدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) (2/ 624) .
ثم التفت إلى اللوحة مرة أخرى.
كان الضوء قد اشتد في مركزها.
قلت:
— لاحظوا شيئا آخر: اللوحة لا تجعل الشعر في الهامش، ولا تجعل المسجد في الهامش، ولا تجعل الضوء في الهامش. كل شيء يتجه إلى مركز واحد: المحبة.
وهنا فهمت معنى كلمة واحدة وضعت في أسفل اللوحة:
الوحي.
قلت:
—المحبة المحمدية ليست صناعة شاعر، ولا اختراع فنان، ولا عاطفة وسيل مشاعر، بل أصلها الوحي، ومنها انطلقت السيرة، وعليها تأسس الاقتداء، ومن نورها استمد الشعراء ألوانهم.
ولذلك ربما كان أجمل ما في اللوحة أنها لا تطلب منك أن تقول فقط: ما أجمل النبي صلى الله عليه وسلم!
بل تسألك سؤالا أصعب:
ما الذي فعلته هذه المحبة فيك؟
فالمحبة ليست أن تحفظ بيت حسان، ولا أن تردد بيت شوقي، ولا أن تزين جدارا بالزهور والذهب.
المحبة أن يتحول الجمال الذي وصفه حسان إلى خلق فينا، والنور الذي تحدث عنه شوقي إلى سلوك في حياتنا.
هنا تدخلت امرأة كانت تستمع منذ البداية وقالت:
— كأنك تريد أن تقول إن اللوحة ناقصة؟
قلت:
— نعم.
تعجب الجميع.
قلت:
— هي ناقصة عمدا.
ثم ابتسمت:
— لأن مكان المشهد الثالث نحن.
البيتان مكتملان، واللون مكتمل، والمسجد حاضر، والضوء حاضر، والشعر حاضر، لكن اللوحة تنتظر شيئا لا يستطيع الفنان رسمه.
تنتظر استجابتنا.
تنتظر أن يدخل كل واحد منا إليها بشوقه الخاص، بسيرته الخاصة، وبعلاقته الخاصة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم.
عندها لا تعود اللوحة معلقة على جدار المتحف.
بل تنتقل من الجدار إلى القلب.
وساد الصمت.
نظرت إلى الوجوه من حولي، فإذا بالزائرين الذين دخلوا قبل قليل لمشاهدة لوحة، صاروا الآن كأنهم أمام سؤال.
وفي تلك اللحظة، تخيلت حسان وشوقي واقفين معنا.
حسان يبتسم من بعيد، ويقول:
— لقد بقيت المحبة.
وشوقي يجيب:
— وبقي الضوء.
فقلت لهما:
— وبقيت أمة تبحث عن طريقها إلى الحبيب.
ثم خفضت بصري، وقلت:
— لعل ذكرى المولد ليست أن نفتح نافذة على الماضي لنرى رجلا عظيما عاش ثم مضى، وإنما أن نفتح الماضي على حاضرنا، لنسأل: ماذا بقي من نوره فينا؟
إذا أقبلت ذكرى المولد، فلا نستقبلها بالزينة وحدها، ولا بالأناشيد وحدها، ولا بالقصائد وحدها؛ نستقبلها بقلوب تعرف أن أعظم ما في محمد صلى الله عليه وسلم ليس أن نمدحه، وإنما أن نهتدي به.
فيا ذكرى المولد، أقبلي علينا هذا العام لا كموعد يتكرر في التقويم، بل كنافذة يتجدد منها النور.
أقبلي، ولتأت معك أصوات حسان من المدينة، وأنفاس شوقي من القرن العشرين، ولتجتمع القصائد والسنون والألوان والذكريات في مشهد واحد.
وليكن السؤال الذي نتركه معلقا في آخر قاعة المتحف:
إذا كان حسان قد رآه بعينيه، وشوقي قد رآه في ضياء الكون، فكيف نراه نحن؟
ثم تركت اللوحة، ومضيت.
لكنني لم أكن متأكدا: هل خرجت من المتحف؟
أم أن اللوحة خرجت معي؟
وكل عام، ونحن إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم أقرب حبا، وأصدق اتباعا، وأجمل خلقا.