منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صوت من شقائق النعمان

صوت من شقائق النعمان/ ابراهيم بومسهول

0
صوت من شقائق النعمان
بقلم: ابراهيم بومسهول
في قلب الزحام، حيث تتلاطم الأصوات كأمواج البحر، وحيث ترتفع الهتافات كصلاة جماعية في محراب الوطن، برزت زهرة صغيرة تشقّ الصفوف بثقة الكبار. لم تبلغ الثالثة عشرة، غير أن في ملامحها جدّ الرجال، وفي نبرتها صلابة الأرض إذا خاطبت السماء.
اسمها صفاء، وما كان الاسم إلا عنوانًا لروحها، وصفحةً من كتابها.
كانت إذا انطلقت الحناجر بالشعارات، انبعث صوتها كجرس الحرية؛ يوقظ الغافلين، ويشدّ المتيقظين، ويصبغ الكلمات بلون الدماء الطاهرة. لم تكن تردد ما يقال، بل كانت تردّده جديدًا، كأنها تعيد صوغه في رحمها ثم تلده حياةً متوثبة، فإذا بالجموع تحسّ أن غزة كلها قد نطقت بلسانها.
ولم تكن صفاء نبتًا عابرًا في صحراء، بل غصنًا من شجرة ضاربة الجذور. بيتها هو التربة، وأبواها هما السماء والمطر.
أبٌ ما ترك مسيرة إلا كان فيها، يحمل عدسته كما يحمل المجاهد سلاحه، يوثق اللحظة كي لا تموت، ويقبض على الضوء كما يُقبض على الزمن، فيصير شاهدًا وحافظًا، كأن عينه مرآة التاريخ.
وأمٌ جعلت من قلبها بيتًا، ومن بيتها وطنًا. فتحت أبوابها للشباب كما تُفتح الأبواب للفجر، غرست فيهم الثبات، وأوقدت في أرواحهم مصابيح الأمل. لم تكن مجرد أمٍ لطفلة، بل كانت أمًا لجيل، ومربيةً لروحٍ تبحث عن الخلود.
صفاء إذن ليست بنتًا لأسرة، بل بنتًا لرسالة. إنما البيت الذي أنبتها كان محرابًا، والوالدان كانا إمامين في مدرسة الحياة: أحدهما يوثق الحدث حتى لا يُمحى، والآخر يزرع القلب حتى لا يذبل.
فكانت الطفلة ـ في مظهرها ـ غصنًا صغيرًا، وفي حقيقتها امتدادًا لشجرة أزلية؛ شجرة النضال التي كلما قُطع منها فرع نبتت فروع، وكلما خبا فيها غصن أزهرت ألف غصن.
لذلك إذا ذُكرت صفاء، قيل:
هي البرعم الذي وعدنا بالنصر… ووعد البرعم أن يكون زهرة، وقد صدق الوعد.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.