الحلقة الثانية: المعشرات الحبية؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
هشام كمال
الحلقة الثانية: المعشرات الحبية؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
بقلم: هشام كمال
الحلقة الأولى: الوتريات في مدح سيد الكائنات؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
أبو زيد عبد الرحمن بن يخلفتن الفازازي ترجم له لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة في أخبار غرناطة ج2ص517 فقال: يكنى أبا زيد.
حاله: كان حافظا، نظّارا، ذكيا، ذا حظّ وافر من معرفة أصول الفقه وعلم الكلام، وعناية بشأن الرّواية، متبذّلا في هيئته ولباسه، قلّما يرى راكبا في حضر إلّا لضررة، فاضلا، سنيّا، شديد الإنكار والإنحاء على أهل البدع، مبالغا في التحذير منهم، عامر الإتاء، يطلب العلم شغفا به وانطباعا إليه وحبّا فيه وحرصا عليه، آية من آيات الله في سرعة البديهة، وارتجال النّظم والنّثر، وفور مادّة، وموالاة استعمال، لا يكاد يقيد، ولا يصرفه عنه إلّا نسخ أو مطالعة علم، أو مذاكرة فيه، حتى صار له ملكة. لا يتكلف معها الإنشاء، مع الإجادة وتمكّن البراعة. وكان متلبّسا بالكتابة عن الولاة والأمراء، ملتزما بذلك، كارها له، حريصا على الانقطاع عنه…. له «المعشّرات الحبّية، وترجمتها النّفحات القلبيّة، واللّفحات الشّوقية، منظومة على ألسنة الذاهبين وجدا، الذّائبين كمدا وجهدا، الذين غربوا وبقيت أنوارهم، واحتجبوا وظهرت آثارهم، ونطقوا وصمتت أخبارهم، ووفّوا العبودية حقّها، ومحضوا المحبّة مستحقّها، نظم من نسج على منوالهم، ولم يشاركهم إلّا في أقوالهم فلان». والقصائد، في مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم، التي كل قصيدة منها عشرون بيتا، وترجمتها الوسائل المتقبّلة، والآثار المسلمة المقبلة، مودعة في العشرنية النبوية، والحقائق اللّفظية والمعنوية، نظم من اعتقدها من أزكى الأعمال، وأعدّها لما يستقبله من مدهش الأهوال، وفرع خاطره لها على توالي القواطع وتتابع الأشغال، ورجال بركة خاتم الرّسالة، وغاية السّؤدد والجلالة، محو ما لسلفه من خطأ في الفعل، وزلل في المقال، والله سبحانه وليّ القبول للتّوبة، والمنّان بتسويغ هذه المنّة المطلوبة، فذلك يسير في جنب قدرته، ومعهود رحمته الواسعة ومغفرته. وشعره كثير جدا، ونثره مشهور وموجود…
وذكره الرعيني في برنامج شيوخه فقال ص 101: هذا شخص لم ألق مثله في دينه وفضله ومشاركته في العلوم الشرعية ، واستظهاره فيها بالمنة القوية، وأما سرعة بديهته ناظما وناثرا فأمر يكثر منه العجب، ولا تأتي بمثله الحقب ، شاهدته مرارا ينظم القصيدة من أربعين بيتا إلى سبعين، فيكتبها في القرطاس كأنما هو لها ناقل لا قائل، وراسم لا ناظم، وربما تندر الصحيفة من يده بذلك غير محتاج فيها إلى تغيير حرف ولا تبديل كلمة
وهذه قوة لم يؤتها بشر وذا اقتدار لسان ليس في المنن
أوّل لقائي له بإشبيلية في عام أربعة عشر وست مئة، واتّصلَتْ صُحبتي وملازمتي له واشتراكي في الكتابة معه بقُرْطُبة وإشبيلية، إلى أن كان آخر عَهْدِي به في رجب، عام سبعة وعشرين وستّ مئة.
وتوفي في ذي قعدة من العام بِعَيْنِه.(627 هـ)
أخذتُ عنه كثيراً من كلامه سماعاً من لفظه وقراءةً عليه، ومن ذلك العشرينيّة النَّبويّة ، التي لم ينظم أحدٌ في مَدْح رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها؛ وجميع خطبه التي كان يُنْشِئُها للواعظ أبي عبد الله بن الحجّام، وهي خُطَبٌ بارِعَةٌ ليس لأحدٍ مثلُها، ومُعَشَّرَتَاهُ الحُبِّيّة والزُّهْديّة، وكثيرٌ من أشعاره الزهدية وغيرها.
وأجاز لي حمل ما رواه وما لَه من نظمٍ ونَثْرٍ مراراً عدةً؛ وقرأتُ عليه الأربعين حديثاً لشيخه الحاجّ أبي عبد الله التُّجيبي، وهو يمسك عَلَيّ أصلَه الذي سمع فيه على مخرجها، وحدّثني بها عنه.
وكان رضي الله عنه شديد الاتباع للسّنّة والمنافرة لأهل البدع، نزيه الهمة، مؤثرا للوَرَع، كثير الحبّ في الصالحين والزيارة لهم، متواضعاً، متبرّماً بَتَنَسُّكِهِ في الخدمة، وله نظر جيّدٌ في الأصولين وفي الفِقْهِ.
قلت: وترجمته حافلة وشهرته سائرة ومع ذلك ترجم له درنيقة في معجم أعلام المديح النبوي (ص222) ترجمة مقتضبة مخلة، لا تنبئ عن كبير فضله ولا حسن فعله. أما الذكتور زكي مبارك في كتابه عن المديح النبوي فلم يعرج عليه أصلا ولا رفع به رأسا، وكذلك فعل الدكتور محمد علي مكي في كتابه المدائح النبوية رغم أنه خصص فصلا كاملا للمولديات في المغرب…وهذا عجيب؟ لكن أنصفه المقري في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب فقال فيه (ج4ص468): وهذا الفازازي أخو الشاعر الشهير الكاتب الكبير أبي زيد عبد الرحمن الفازازي صاحب الأمداح في سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال فيه بعضهم: صاحب القلم الأعلى، والقدح المعلى، أبرع من ألف وصنف، وأبدع من قرط وشنف، فقد طاع القلم لبنانه، والنظم والنثر لبيانه، كان نسيج وحده رواية وأخباراً، ووحيد نسجه روية وابتكاراً، وفريد وقته خبراً وإخباراً، وصدر عصره إيرادا وإصدرًا، صاحب فهوم، ورافع ألوية علوم، أما الأدب فلا يسبق فيه مضماره، ولا يشق غباره، إن شاء إنشاء أنشى ووشى، سائل الطبع، عذب النبع، له في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، بدائع قد خضع لها البنيان وسلم، أعظم تلك المعجزات نظماً ونثراً، وأوجز في تحبير تلك الآيات البينات فجلا سحراً، ورفع للقوافي راية استظهاراً تخير فيه الأظهر، فعجم وعشر وشفع وأوتر، وأما الأصول فهي من فروعه، في متفرق منظومه ومنثور مجموعه، واما النسب، فإلى حفظه انتسب، وأما الأيام والدول، ففي تاريخه الأواخر والأول، وقد سبك من هذه العلوم في منثوره وموزونه، ما يشهد بإضافتها إلى فنونه….
قلت: فقصائده بعدد حروف الهجاء مع لام ألف (29) كل قصيدة 20 بيتا = 580 بيتا ، أودعها في ديوانه المسمى: الوسائل المتقبلة والآثار المسلمة المقبلة المودعة في العشرية النبوية ، وهي الأصل الذي نسج على منواله الوتري في وترياته غير أنه جعلها 21، ولما ذكرت هناك مثالا من روي الثاء أحببت أن أثبت هنا مثالا من روي آخر وليكن حرف الجيم ، قال رحمه الله:
وقد حظيت هذه العشرينيات بتخميس للشيخ أبي بكر محمد بن المهيب من صحراء المغرب وطبع تخميسه مع الديوان بالمطبعة الميمنية قديما ، يقول في تخميس حرف الدال:

ويكفي في بيان فضل هذه المعشرات أن مالك بن المرحل وهو من هو أدبا ولغة وعلما وشعرا اعتبرها أصلا ينسج على منواله ونموذجا يحتذى بمثاله، فصنع ديوانه “الوسيلة الكبرى المرجو نفعها دنيا وأخرى” على غرار الوسائل المتقبلة وعلى نفس نمطه…
قال المقري في نفح الطيب 7/453: ومن ذلك قول الإمام العالم الشهير الأديب مالك بن المرحل المالقي ثم السبتي، وهي من غرر القصائد، وفيها لزوم ما لا يلزم من ترتيبها على حروف المعجم يجعلها بدأ ورويّاً على اصطلاح المغرب:
ألف: أجلّ الأنبياء نبيء… بضيائه شمس النّهار تضيء… وبه يؤمّل محسن ومسيء…
فضلاً من الله العظيم عظيما… صلّوا عليه وسلّموا تسليما
باء: بدا في أفق مكّة كوكبا… ثمّ اعتلى فجلا سناه الغيهبا… حتى أنار الدهر منه وأخصبا…
إذ كان فيض الخير منه عميما… صلّوا عليه وسلّموا تسليما
تاء: تبيّنت الهدى لمّا أتى… فنفى الشريك عن القديم وأثبتا… أحديّةً من حاد عنها قد عتا…
وتلا كلاماً للكريم كريما… صلّوا عليه وسلّموا تسليما
ثاء: ثوى في الأرض منه حديث… في كلّ أفق طيبه مبثوث… داع بأنواع الهدى مبعوث…
يتلو نجوماً أو يهز نجوما… صلّوا عليه وسلّموا تسليما…