الحب النبوي عهد يتجدد
بقلم: ذ. هاجر السباعي
في كل عامٍ يطلّ ربيع المولد النبوي، يزهر في القلوب معنى جديد للحب، وتتنزل على الأرواح نفحات الرحمة التي علّمها المصطفى ﷺ. لم يكن زواجه ﷺ إلا مدرسة في المودّة والسكينة، وبيته إلا محرابًا للوفاء، يفيض بالحب الطاهر الذي يجعل الزوجين جسدًا واحدًا وروحًا واحدة، يتآزران في الشدائد، ويتكاملان في رسالتها.
هكذا عاش مع أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كتفًا بكتف في فجر الدعوة، وهكذا ظلّ يذكرها حتى بعد الرحيل، يحدّث الناس عن حبّها ووفائها كأنها لم تغب قط. كان الحب عنده ﷺ نورًا يتجاوز حدود الزمن، يربط الأرض بالسماء، والدنيا بالآخرة.
واليوم، في غزة العزّة، يُبعث هذا الحبّ النبوي في أبهى صورة، ليكتب رواية خالدة بأسماء الشهداء والأسرى والقادة. ها هي زوجة الشهيد تُمسك بيد زوجها لحظة الوداع، والقصف يقترب، فتقول: “امضِ يا بطل إلى ما كتبه الله لك، وسأبقى أنا على عهدك، أربي أبناءك على دربك، ولن يذبل غرسنا ما دام لنا موعد في الجنة.”
وهناك زوجة أسيرٍ يودّعها على باب السجن، يضع يده على رأسها ويقول: “اصبري،عزمنا أغلى من جدرانهم، وأقوى من قيودهم.” فتردّ بصوت يختنق بالدمع: “سأظلّ حاضرا في دعائي، وأسمع همسك في قلبي، حتى تعود أو نلتقي عند باب الفردوس.” فيغيب خلف الأبواب الحديدية، لكن المودة تبقى حيّة في قلبها كنبعٍ لا ينضب.
وفي بيوت غزة التي تعيش بين ركام القصف، تُروى قصص حبّ أعظم من الروايات؛ أمّ شهيد تلاطف حفيدها، تقول له: “جدّك كان بطلًا، رحل وهو يبتسم لي ، فتشعر كأن روح الحبّ تحرس البيت رغم الغياب.
هذه القصص ليست حكايات عابرة، بل امتداد لرسالة المولد النبوي: أن الزوجين في الإسلام ليسا شريكين في بيت فحسب، بل رفيقين في طريق الجنة. وما أروع أن يتجدد هذا المعنى في غزة، حيث يتحوّل الفراق إلى لقاءٍ مؤجل، وتتحوّل الدموع إلى عهدٍ أبديّ بالوفاء.
فكما أضاء النبي ﷺ درب الأزواج بمصابيح الحب والرحمة، يضيء اليوم شهداء غزة وأسرى قادتها صفحات التاريخ بمودةٍ خالدة، لا تُطفئها القنابل ولا تكسرها القضبان. إنهم يكتبون للعالم رواية لا تنتهي: رواية حبٍّ على منهاج النبوة، نسجت بدايته في غزة وتكتمل سيرته في الجنة.