منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصمت بين حكمة اللسان وخيانة الكتمان

بن سالم باهشام

0

الصمت بين حكمة اللسان وخيانة الكتمان

بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

              

مقدمة

لقد شاع في زماننا الإفراط في الكلام، وكثرة الجدل، وسرعة الردود، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحات للخصومات والانفعالات، والكلام الساقط، وغابت ثقافة التثبت، وحكمة التروي، وفضيلة الإنصات. وأصبح الكل يتكلم، الكبير والصغير والذكر والانثى، بل أصبح كل من يملك هاتفا إلا ويسجل كلاما جله لا فائدة فيه، بل مفاسده أكثر من منافعه، فالشأن ليس في الكلام، ولكن الشأن متى أتكلم وماذا أقول، وماذا سأجلب بكلامي من مصالح، وماذا سأدرأ من مفاسد، قال تعالى في سورة ق: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ سورة ق: 18]، وروى البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال : ( من يضمن لي ما بين لَحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) [أخرجه البخاري (5/2376 ، رقم 6109)].

إن اللسان من أعظم نعم الله على الإنسان، وهو في الوقت نفسه من أخطر الجوارح؛ إذ قد يرفع صاحبه إلى أعلى درجات الجنة، وقد يهوي به إلى أسفل دركات النار. ومن هنا جاء اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية بضبط اللسان، حتى جعل النبي ﷺ حفظه من أعظم أسباب النجاة. غير أن الحديث عن اللسان، لا يكتمل إلا بالحديث عن الصمت، فالصمت ليس نقيض الكلام، وإنما هو شقيق الحكمة، إذ لا يعرف قيمة الكلام إلا من عرف متى يسكت، كما لا يحسن السكوت إلا من يعلم متى يتكلم.
ومن هنا جاءت الحاجة إلى هذا الموضوع، ليؤصل مفهوم الصمت في ضوء القرآن والسنة، ويبين أن الصمت ليس ضعفًا ولا سلبية، بل قد يكون عبادة، أو قوة، أو حكمة، أو أدبًا، أو وسيلة للإصلاح، متى كان في موضعه، كما يبين أن هناك مواضع يكون فيها السكوت مذمومًا، لأنه يؤدي إلى ضياع الحق أو انتشار الباطل. كما أن الصمت في الإسلام ليس مجرد امتناع عن الكلام، وإنما هو خلق راقٍ، وعبادة قلبية، ومهارة سلوكية، تدل على رجاحة العقل، وسلامة القلب، وحسن تقدير المواقف. ولذلك قرن النبي ﷺ خيرية الإنسان بحفظ لسانه، روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (…وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ) [أخرجه البخاري 8/39 ( 6138 )، ومسلم (1/49)   ( 47 ) ( 74 )]، وليس كل صمت محمودًا، كما أن ليس كل كلام نافعًا؛ وإنما المعيار هو أن يكون الصمت أو الكلام موافقًا للحكمة والمصلحة والشرع. وقد قيل: ( إذا كان الكلام من فضة، فإن الصمت من ذهب)، ولكن الذهب نفسه لا يكون ثمينًا إلا إذا استعمل في موضعه.
أولًا: مفهوم الصمت:
الصمت هو الإمساك عن الكلام اختيارًا، بقصد تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة، أو انتظار الوقت المناسب للكلام.

ثانيا: الصمت المحمود والمذموم:

الصمت نوعان: محمود ومذموم، فالصمت المحمود، هو الذي يقصد به الحكمة والإصلاح وضبط النفس. والصمت المذموم، هو السكوت عن الحق، أو الخوف من قول كلمة العدل، أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. [البقرة: 83]، وقال سبحانه في سورة ق: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. [ق: 18]

ثالثا: مواقف الصمت المحمود:

1 – الصمت وقت الغضب… قوة

الغضب لحظة يفقد فيها الإنسان جزءًا من اتزانه، ولذلك كان أول علاج له هو الصمت. روى أحمد، وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحُسِّنَ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا غَضِبَ أحدُكم فليَسْكُتْ) [أخرجه أحمد (1/239، رقم 2136). قال الهيثمي (8/70): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات]. ويأتي التساؤل: لماذا يكون الصمت قوة؟
– لأنه يمنع اللسان من إطلاق كلمات قد تهدم سنوات من المحبة.
– ولأنه يمنع اتخاذ قرارات يندم عليها الإنسان بعد هدوئه.
– ولأنه دليل على أن العقل هو الذي يقود الانفعال، لا العكس. فالإنسان القوي ليس الذي ينتصر في الخصومة، وإنما الذي ينتصر على نفسه.

2 – الصمت وقت الاستفزاز… فوز

المستفِز يريد أن يخرجك من اتزانك، فإذا غضبت فقد حقق هدفه.
أما إذا بقيت هادئًا، فقد انتصرت عليه دون معركة. ولهذا قال تعالى في سورة الفرقان:﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. [الفرقان: 63]، وقال سبحانه في سورة فصلت:﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. [فصلت: 34]، فالصمت هنا ليس هروبًا، وإنما هو إدارة ذكية للموقف.

3 – الصمت وقت الحزن… صبر وعزة:

ليس المقصود بالصمت وقت الحزن كتمان الألم عن الله؛ فالمؤمن يشكو إلى ربه، كما قال يعقوب عليه السلام في سورة يوسف: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. [يوسف: 86]، ولكن المقصود عدم تحويل الحزن إلى شكوى دائمة للناس. فكثرة الشكوى لا تغير الواقع، بينما الصبر يغير الإنسان. والصمت هنا يحفظ كرامة النفس، ويزيدها تعلقًا بالله.

4 – الصمت وقت النصيحة… أدب:

المستمع الحكيم لا يقاطع الناصح. ولا يبحث عن الرد قبل أن يفهم. بل يصغي أولًا، ثم يناقش بعد ذلك. قال تعالى في سورة الزمر: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ • الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. [الزمر: 17 – 18]، فالإنصات نصف العلم. والاستماع دليل التواضع.

5 – الصمت وقت السخرية… هيبة

السخرية لا تزيد الساخر إلا نقصًا. أما الرد على كل سخرية، فإنه يستهلك طاقة الإنسان. وقد قال تعالى في سورة الفرقان في صفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. [الفرقان: 72]، وقال سبحانه في سورة الأعراف: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. [الأعراف: 199]، فالهيبة لا تصنعها كثرة الردود، وإنما يصنعها سمو الأخلاق.

6 – الصمت وقت العمل… إبداع

كثرة الحديث عن المشاريع، لا تعني كثرة الإنجاز. فالناجحون يتحدث عنهم عملهم. ولهذا كان السلف يكرهون كثرة الكلام مع قلة العمل. والتركيز يولد الإبداع. أما الانشغال بالكلام فيبدد الجهد. قال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة: 105].

7 – الصمت وقت الإساءة… حكمة

ليس كل إساءة تستحق جوابًا. فبعض الردود تمنح المسيء قيمة لم يكن يملكها. والقرآن يرشد إلى العفو والإعراض متى كان أصلح. قال تعالى في سورة آل عمران:﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. [آل عمران: 134]، وقال سبحانه في سورة الأعراف:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، [الأعراف: 199]. فالحكيم يختار معاركه، ولا يجعل نفسه أسيرًا لكل كلمة يسمعها.

رابعا: مواقف الصمت المذموم:

1 – الصمت عن قول الحق.

إذا وجب بيان الحق أو الشهادة له، فإن السكوت يعد تقصيرًا وإثمًا، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283].

2 – الصمت عن نصرة المظلوم.

من استطاع الدفاع عن المظلوم، أو رفع الظلم عنه ثم سكت، فقد خذله، روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (انْصُرْ أخَاكَ ظَالماً أَوْ مَظْلُوماً، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول اللهِ ، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُوماً، أرَأيْتَ إنْ كَانَ ظَالِماً كَيْفَ أنْصُرُهُ ؟ قَالَ: تحْجُزُهُ – أَوْ تمْنَعُهُ – مِنَ الظُلْمِ فَإِنَّ ذلِكَ نَصرُهُ) [أخرجه البخاري 9/28 ( 6952 )].

3 – الصمت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند القدرة.

الساكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، يترك فريضة من أعظم فرائض الإسلام، روى مسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ( مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ) [أخرجه مسلم 1/50 ( 49 ) ( 78 )].

4 – الصمت الذي يؤدي إلى ضياع الحقوق:

إذا أدى السكوت إلى ضياع حق لله أو للناس، كان مذمومًا؛ لأن الحقوق يجب حفظها والمطالبة بها بالوسائل المشروعة، قال تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135].

5 – الصمت الناتج عن الجبن أو الخوف أو النفاق.

إذا كان الدافع إلى السكوت هو الخوف من الناس أو المداهنة في الدين، فهو صمت مذموم، روى أحمد، وعبد بن حُميد، وأبو يعلى، والطبراني، وابن حبان، والبيهقي، عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه) [أخرجه أحمد (3/5، رقم 11030)، وعبد بن حميد (ص 275، رقم 869)، وأبو يعلى (2/536، رقم 1411)، والطبراني في الصغير(2/32، رقم 729) وابن حبان (1/509، رقم 275)، والبيهقي (10/90، رقم 19967)]. روى أبو داود، وابن ماجه، عن أبى سعيد، رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) [أخرجه أبو داود (4/124، رقم 4344)، وابن ماجه (2/1329، رقم 4011)] .

الخاتمة:

ليس الممدوح هو كثرة الصمت، ولا كثرة الكلام، وإنما الممدوح أن يصمت المسلم إذا كان الصمت حكمة، ويتكلم إذا كان الكلام حقًّا وواجبًا؛ فـالصمت عبادة إذا حفظ اللسان، والكلام عبادة إذا نصر الحق وأقام العدل.

ويمكن تلخيص المواقف الممدوحة للصمت في قاعدة تربوية جامعة:

1 – الصمت عند الغضب قوة.
2 – الصمت عند الاستفزاز انتصار.
3 – الصمت عند الحزن صبر وعزة.
4 – الصمت عند النصيحة أدب وتواضع.
5 – الصمت عند السخرية هيبة وسمو.
6 – الصمت أثناء العمل تركيز وإبداع.
7 – الصمت عند الإساءة حلم وحكمة.

لكن هذه المعاني لا تكون صحيحة إلا إذا كان الصمت نابعًا من الإيمان والحكمة، لا من العجز أو الخوف.

والصمت ليس ضعفًا كما يظن بعض الناس، وليس فضيلة على إطلاقه، وإنما هو فن من فنون الحكمة، يضعه العاقل في موضعه، كما يضع الكلمة في موضعها. فالمؤمن يتكلم إذا كان الكلام حقًا وخيرًا وإصلاحًا، ويصمت إذا كان الصمت أسلم لدينه، وأحفظ لكرامته، وأقرب إلى رضا ربه. ولذلك فإن أعظم الناس ليس أكثرهم كلامًا، وإنما أكثرهم حكمة في اختيار الوقت الذي يتكلم فيه، والوقت الذي يسكت فيه؛ لأن اللسان إذا نطق ملكك، وإذا سكت ملكته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.