**يَا ذَا الأَشَمُّ** (قصيدة)
**يَا ذَا الأَشَمُّ** (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
**يَا ذَا الأَشَمُّ** (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
يا ذا الأشمُّ،
ونفسُكَ العاليةُ تمشي على الأرضِ
كأنَّ التواضعَ تاجُها الخفيّ،
وكأنَّ الكبرياءَ، حين مرَّ ببابك،
خلعَ نعليه
ودخلَ مطأطئَ الرأس.
يا من إذا ذُكر الجلالُ
تهيّأ الحرفُ للوقوف،
وإذا ذُكر الوفاءُ
نهضتْ من دفاتر العمر
وجوهٌ كنّا نظنُّ أن الترابَ
قد أقفل أبوابَها إلى الأبد.
ما العمرُ ثمانونَ عامًا،
ولا الثمانونُ غيرُ ثمانين نافذةً
فتحها اللهُ في جدار الزمن
كي تطلَّ منها الروحُ
على ما صنعتْ يداها.
فالسنونُ ليست أرقامًا
تتدلّى من جدار،
ولا شموعًا تنطفئ واحدةً بعد أخرى،
إنما هي خيولٌ مرّتْ بنا،
منها ما حملنا إلى الفرح،
ومنها ما عاد بسرجٍ فارغ،
ومنها ما ظلَّ صهيلُه
معلَّقًا في أقصى الذاكرة.
—
تجاوزني الليلُ ذاتَ وجع،
فقلتُ للصفصافة:
أين أوراقُك؟
قالت:
سرقتها الريحُ
كي تكتبَ بها رسائل الغائبين.
قلتُ للريح:
وأين الغائبون؟
قالت:
في الحبر.
قلتُ للحبر:
وأين الحبر؟
فأشار إلى قلبي.
وهناك
رأيتُ قوافلَ الكلام
تشدُّ رحالَها،
ورأيتُ القصيدةَ
امرأةً عجوزًا جميلة،
تخبئ تحت ثوبها
مفاتيحَ بيوتٍ لم تعد موجودة.
كانت تحمل رائحةَ القمح،
وصوتَ الرحى،
وخبزَ أمٍّ
كانت إذا نادت أبناءها للعشاء
سمعتْها التلال.
كانت تحمل دلّةً قديمة،
وقليلاً من الهيل،
وصورةَ جدٍّ
ما زالت عيناه تسألان:
مَن أغلق باب الدار؟
ومَن ترك الزيتونة
وحيدةً في آخر الحاكورة؟
—
أيها الشعر،
لا تسألني من أين جئتُ.
جئتُ من طريقٍ
كان أطولَ من أعمارنا.
جئتُ من حكايةٍ
نام نصفُها تحت التراب،
وبقي نصفُها الآخر
يمشي بين الناس
ولا يجد مكانًا ينام فيه.
جئتُ من وطنٍ
كلما حاولنا أن نضعه في حقيبة
كبرَ حتى مزّقها.
وكلما حاولنا رسمه على ورقة
خرجتْ أشجارُ الزيتون من أطرافها،
ومشتْ نحو أيدينا.
جئتُ من أسماءٍ
كان أجدادُنا ينطقونها
فتشمُّ منها رائحةَ الأرض:
الجليل،
والكرمل،
وعكّا،
وحيفا،
ويافا،
والقدس التي كلما ذكرناها
نهض القلبُ واقفًا
كأن الأذانَ مرَّ في دمه.
—
يا ذا الأشمُّ،
ليس الخلودُ أن تعيشَ طويلًا،
فالجبالُ تعيش أطولَ منا
ولا يكتب بعضها قصيدة.
الخلودُ
أن تترك في الطريق
أثرَ قدمٍ
يهتدي بها مَن يأتي بعدك.
أن تقول كلمةً
فتعيش الكلمةُ أكثر منك.
أن تزرع شجرةً
ثم تمضي،
ويجلس تحتها طفلٌ
لم يرَ وجهك قط،
فيدعو لمن زرعها.
ذلك هو العمر.
أما السنوات
فحسابُ الورق.
—
رأيتُ الشعرَ ليلةً
جالسًا عند بابي.
كان متعبًا.
قلت:
ما بك؟
قال:
أبحث عن شاعرٍ
لا يجعلني سلعةً في سوق التصفيق.
أبحث عن رجلٍ
إذا كتب عن الحب
طهّر الحبَّ من الكذب،
وإذا كتب عن الوطن
لم يجعل الوطنَ سلّمًا إلى اسمه،
وإذا كتب عن الفقراء
جلس بينهم،
وإذا كتب عن الشهداء
خفض صوته احترامًا للموت.
قلت:
ادخل.
قال:
لا أستطيع.
قلت:
ولماذا؟
قال:
في بيتك كثيرٌ من الغائبين،
وأخاف أن أوقظهم.
—
يا الله…
كم غائبًا يسكننا!
أبي هناك،
في ناحيةٍ لا يصل إليها البريد.
وجدّي هناك،
واقفٌ عند حدود الحكاية،
يمسح الترابَ عن كفيه.
وأمي
تعجنُ في أقصى الذاكرة
رغيفًا لا يبرد.
والصغار الذين كبروا
ما زالوا في زاوية القلب أطفالًا،
يركضون حفاةً
خلف طائرةٍ من ورق.
وأنا؟
أنا الرجلُ الذي كبر
حتى صار يحتاج إلى طفولته.
—
ذات مساء
أخرجتُ من صندوق العمر
قميصًا قديمًا.
شممتُه.
فعاد البيت.
عاد الباب الخشبي.
عادت جرّة الماء.
عاد صوتُ الديك.
عادت شجرةُ التين.
عاد أبي شابًا.
عادت أمي تضحك.
وعدتُ أنا
صغيرًا إلى درجة
أن العالم كله
كان يتّسع في كفّي.
قلت:
يا رب،
ما أشدَّ قسوةَ الذاكرة
حين تكون أجملَ من الحاضر.
ثم أغلقتُ الصندوق،
فسمعتُ طفولتي
تبكي في داخله.
—
ولأننا أبناءُ الطرق البعيدة،
حملنا بيوتنا في أسمائنا.
كلُّ واحدٍ منا
كان يمشي وفي ظهره قرية.
وفي جيبه مفتاح.
وفي صدره قبر.
وفي عينيه طريقٌ
لا يعرف إن كان يومًا
سيصل إلى نهايته.
نزحنا حروفًا،
ورحلنا جروحًا،
وحملنا من البلاد
ما لا تحمله الحقائب:
حملنا رائحةَ التراب بعد المطر،
صوتَ النساء في موسم الزيتون،
وقعَ أقدام الخيل،
قهوةَ الصباح،
ظلَّ التينة،
وصايا الجدّ،
ومفتاحًا صدئًا
كان أكبرَ من كل الأبواب.
قلنا لأبنائنا:
هذه بلادكم.
قالوا:
أين هي؟
وضعنا أيديهم على صدورنا
وقلنا:
هنا.
—
كبروا…
وصاروا يسألون أكثر.
ففتحنا لهم دفاترنا.
خرجتْ منها القرى
كحمامٍ أفزعه الرصاص.
خرجت الأزقّة،
والآبار،
والبيادر،
والخيول،
والقبور.
خرج رجالٌ
كانت الشوارب عندهم عهودًا،
وكانت المصافحةُ وثيقة،
وكان الضيفُ إذا دخل بيتهم
صار من أهل الدار.
خرجت نساءٌ
يحملن الماءَ والخبزَ والصبر،
ويخفين وراء أثوابهن
وطنًا كاملًا.
فقلت للصغار:
اقرؤوا جيدًا.
فالوطن الذي لا يسكن الكتب
قد يسرقه النسيان.
—
يا ذا الأشمُّ،
إذا بلغتَ الثمانين
فلا تقل:
شختُ.
قل:
صار لي ثمانون شاهدًا
على أنني مررتُ من هنا.
ثمانون حصانًا
ركضت في ميدان الوقت.
ثمانون سنبلةً
نجت من مناجل الأيام.
ثمانون نافذةً
أطللتَ منها
على الحب والحزن والفقد والرجاء.
ثمانون؟
بل ثمانون كتابًا
لم يُكتب منها
إلا الغلاف.
فالإنسان
كلما ظن أنه عرف الحياة
فتحتْ له الحياةُ بابًا جديدًا
وقالت:
ما زلتَ في أول الطريق.
—
ولقد سألتُ المرآة:
مَن هذا الذي يقف أمامي؟
قالت:
بعضُك.
قلت:
وأين البقية؟
قالت:
في الذين أحببتهم.
بعضُك عند أمك.
بعضُك عند أبيك.
بعضُك في طفلٍ حملتَه يومًا.
بعضُك عند امرأةٍ
قالت لك كلمةً جميلة
فلم تنسها.
بعضُك في صديقٍ
رحل قبل أن تقول له:
ابقَ قليلًا.
وبعضُك
في قصيدةٍ كتبتها ليلًا
ثم نسيتَها،
لكن رجلًا بعيدًا قرأها
فبكى.
هناك يعيش الإنسان:
في الآخرين.
—
أما الحبُّ،
فليس تلك الكلمة
التي أفسدها كثرةُ القائلين.
الحبُّ أن تعرف موضعَ الوجع
ولا تضغط عليه.
أن تعرف خوفَ الآخر
فتسترَه.
أن يكون في يدك سكينُ الحقيقة
فتختار الرحمة.
الحبُّ
أن تكبر امرأةٌ إلى جوارك
فتراها بعين القلب
كما رأيتها أول مرة.
أن يشيخ الرجل
ولا يخجل من دمعةٍ
تهرب حين يسمع اسم أمه.
الحبُّ
أن يعود المرء آخر الليل
متعبًا من الدنيا،
فيجد قلبًا واحدًا
لا يحتاج أمامه إلى تفسير نفسه.
—
والشعر؟
الشعرُ ليس قافية.
ولا بحرًا.
ولا تصفيقًا.
الشعرُ
أن تضع أذنَك على صدر الحياة
وتكتب ما تسمع.
أن تسمع أنينَ الحجر.
وعطشَ الطريق.
ووحشةَ المقبرة بعد انصراف المشيعين.
أن تسمع صوتَ الأم
حين تغلق باب غرفة ابنها الغائب.
أن تسمع الزيتونة
وهي تقول للفأس:
اضرب…
فجذوري أعمق منك.
—
أنا لا أكتب القصائد.
القصائدُ تكتبني.
تأخذ من رأسي شيبةً،
ومن قلبي ندبةً،
ومن طفولتي نافذةً،
ومن أبي وصيةً،
ومن أمي رغيفًا،
ومن بلادي حفنةَ تراب،
ثم تجلس أمامي
وتقول:
وقّع.
فأكتب:
أبو علي الصُّبَيْح
فتقول القصيدة:
لا.
اكتب اسم الذين مضوا معك.
فأقف عاجزًا…
فالأسماء أكثرُ من الورق.
—
يا أيها العابرون في حياتنا،
تمهّلوا.
لا تغلقوا الأبواب بقوة.
فربما كان خلفها قلبٌ نائم.
لا تكسروا خاطرًا
ثم تقولوا:
لم نقصد.
فالزجاج إذا انكسر
لا يسأل الحجر عن نيته.
قولوا الكلام الجميل
قبل أن تصبح الوجوه صورًا.
زوروا من تحبون
قبل أن يصبح الطريق إليهم
مقبرة.
صافحوا آباءكم طويلًا.
قبّلوا أيدي أمهاتكم.
اجلسوا مع الكبار.
اسألوهم عن طفولتهم.
عن أول حب.
عن أول خوف.
عن القرية.
عن الحصاد.
عن الخيل.
عن ليالي الشتاء.
عن الجدّ الذي لم تعرفوه.
سجّلوا أصواتهم.
فالإنسان يكتشف بعد الفقد
أن الصوتَ أيضًا
يمكن أن يصبح وطنًا.
—
وإذا مات شاعرٌ
فلا تبحثوا عنه في قبره.
ابحثوا عنه
في بيتٍ حفظه طفل.
في امرأةٍ خبأت قصيدته
بين أوراقها.
في رجلٍ قرأ كلماته
وهو وحيد
فشعر أن أحدًا يفهمه.
ابحثوا عنه
في كلمةٍ خرجت منه
ثم سافرتْ
حتى وصلت إلى قلبٍ
لم يكن يعرف اسمه.
هناك يُدفن الشعراء:
في القلوب.
—
يا ذا الأشمُّ،
ما دام في يدك قلمٌ
فأنت لم تشخ.
وما دام في قلبك حنينٌ
فأنت فتى.
وما دمتَ إذا رأيت ظلمًا
غضبت،
وإذا رأيت يتيمًا
رققت،
وإذا مرّ اسم الوطن
اهتزَّ فيك شيءٌ لا تعرف اسمه،
فإن العمر
لم يأخذ منك إلا ما يستحق أن يأخذ.
أما روحك
فما تزال واقفةً
عند أول الطريق.
—
سألتُ الليل:
متى ينتهي المنفى؟
قال:
حين لا يعود الإنسان غريبًا
عن نفسه.
وسألتُ الطريق:
متى نصل؟
قال:
حين تعرفون إلى أين تريدون الذهاب.
وسألتُ الوطن:
أين أنت؟
قال:
أنا في الرجل الذي يموت
ولا يبيع ذاكرته.
وفي المرأة التي تعلّم طفلها
اسم القرية
ولو لم يرها.
وفي الشيخ الذي يحتفظ بالمفتاح
مع أنه يعرف
أن الباب قد تغيّر.
وفي الشاعر
الذي يكتب اسم البلاد
وكأنه يكتب اسم أمه.
—
وعند آخر الليل
حين نامت الطرق،
وسكتت الخيول،
وأغلقت المدن نوافذها،
بقيتُ وحدي
أمام ورقةٍ بيضاء.
قلت لها:
ماذا تريدين؟
قالت:
اكتب نهايتك.
فضحكت.
وقلت:
الشاعر لا يكتب نهايته.
قالت:
ولماذا؟
قلت:
لأن القصيدة
إذا خرجت من يده
لم تعد له.
تصبح ملكَ طفلٍ سيقرأها،
وعاشقٍ سيهمس بها،
وغريبٍ سيحملها،
وشيخٍ سيبكي عندها،
ووطنٍ قد يحتاج يومًا
إلى شاهد.
فارتجفت الورقة.
وسقط عليها
شيءٌ من دمعي.
فمسحتُه بكفّي
وكتبت:
لم ننتهِ بعد.
ما دام في الأرض زيتونٌ
يعرف أسماء الذين زرعوه،
وما دام للخيول صهيلٌ
يوقظ الفجر،
وما دام طفلٌ يسأل جدَّه:
من أين نحن؟
فيجيبه الجدُّ
ويرتجف صوته،
وما دام شاعرٌ
يستطيع أن ينتزع من صدره حرفًا
ويضعه مصباحًا
على عتبة الغائبين…
فلن ننتهِ.
سنعود في الحكايات.
في الأسماء.
في ملامح الأحفاد.
في رائحة الخبز.
في دعاء الأمهات.
في جذوع الزيتون.
وفي القصائد التي ستُقرأ
بعد أن تصير أجسادنا
ترابًا هادئًا.
هذا خلودُ المرء:
ألا يبقى جسدُه،
بل يبقى أثرُه.
ألا يظل صوتُه،
بل يظل صداه.
وألا يسأل الناس:
كم عاش؟
بل يقولوا:
مرَّ من هنا رجلٌ،
فصار الطريقُ بعده
أكثرَ ضوءًا.
وحسبي إذا انتهى بي العمر
أن يبقى على جدار القصيدة
سطرٌ صغيرٌ يقول:
هنا مرَّ شاعر
حمل وطنَه في قلبه،
وترك للحرف
أن يُكمل الطريق.
أبو علي الصُّبَيْح
منبر الأحرار —