منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

محمد الغزالي وفنّ النظر الشرعي: ملامح المنهج الأصولي بين النص والعقل والواقع

عيد محمد عبد الغني

0

محمد الغزالي وفنّ النظر الشرعي:

ملامح المنهج الأصولي بين النص والعقل والواقع

بقلم: عيد محمد عبد الغني

حين يُذكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، تتبادر إلى الذهن صور متعددة: الداعية، والمصلح، والمفكر، والخطيب، والكاتب الذي امتلك قدرة متميزة على مخاطبة العقل والوجدان معًا. غير أن هذه الصور، على أهميتها، لا تستوعب حقيقة مشروعه الفكري كله؛ إذ تكشف قراءة كتبه عن منهج في النظر والاستدلال يتجاوز المواقف الجزئية، وتنتظم تحته طريقة في التعامل مع النصوص، وفهم دلالاتها، وربط جزئياتها بكلياتها، واستحضار مقاصدها، والموازنة بين الأدلة والمصالح والمفاسد.

ولم يكن الغزالي يعرض هذا المنهج في صورة نظرية أصولية مجردة، ولا جمع قواعده في مصنف مستقل على طريقة كتب أصول الفقه؛ وإنما تتوزع معالمه في كتبه المتنوعة، وتظهر بصورة أوضح حين تُقرأ مواقفه وتطبيقاته قراءة تجمع بينها، وتبحث عن الأصول التي تقف وراءها.

ومن هنا يمكن القول إن المنهج الأصولي في فكر الغزالي يتجلى في مجموعة من الأصول المنهجية المتكررة، من أبرزها: النظر الكلي إلى النص، واستحضار المقاصد، وجمع الأدلة، وفقه السنة، وإعمال العقل في الفهم، والتحرر من سلطة الرجال، والموازنة بين المصالح والمفاسد.

أولًا: النظر الكلي إلى النص

من أبرز معالم المنهج الأصولي عند الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، نظرته إلى النص في إطاره الكلي، ورفضه أن تُفهم الجزئيات منفصلة عن سياقها أو أن يُبنى التصور الشرعي على نص واحد معزول عن مجموع النصوص والمعاني التي تنتظم موضوعه.

وهذا ليس مجرد استنتاج من تطبيقات الغزالي، وإنما صرّح به في كيف نتعامل مع القرآن، حين تحدث عن تعدد المناهج في فهم القرآن، وميّز بين القراءة التي تنظر إلى القرآن في وحدته الكلية والقراءة الانتقائية التي تسلخ الآيات عن سياقها الكلي. ثم يقرر أن من خصائص القرآن أن له «وحدته الكلية المنهجية»، وأن لكل سورة عمودها وهدفها الأساسي.

والأهم من ذلك أن الغزالي لا يجعل هذه النظرة الكلية مجرد فضيلة في التفسير، بل يجعلها أساسًا لفهم الخطاب القرآني كله؛ فهو يرى أن اختزال القرآن في المجال التشريعي وحده أفضى إلى تضييق مفهوم الفقه، وأن لكل مجال من مجالات الخطاب القرآني طبيعته ومقصده وأدواته. ولذلك يرفض نقل المنهج الذي وضعه الأصوليون لاستنباط الأحكام الشرعية ليكون منهجًا وحيدًا للتعامل مع جميع مجالات القرآن؛ إذ يقول: «لكل مجال آلات لفهمه».

وهنا تظهر دقة المنهج عند الغزالي؛ فهو لا يرفض المنهج الأصولي، بل يضعه في مجاله الصحيح، ويرفض في الوقت نفسه اختزال القرآن كله في طريقة واحدة من طرق القراءة. فالمنهج الأصولي عنده لا يعني تطبيق قواعد دلالات الألفاظ والأحكام على كل آية وقصة ومشهد كوني وسنة اجتماعية، وإنما يعني أن يُنظر إلى كل مجال من خلال طبيعته ومقصده وأدواته، مع بقاء الجميع داخل الرؤية القرآنية الكلية.

ويتحول هذا الأصل من مجرد تقرير نظري إلى ممارسة واضحة عند الغزالي؛ ففي موضع آخر من الكتاب، حين يناقش فهم بعض الروايات، يرد الخطأ إلى «النظرة الجزئية» والعجز عن فقه النص، ويدعو إلى النظرة الموضوعية التي تضع الرواية في إطارها الأوسع.

ومن هنا يمكن القول إن رد الجزئي إلى الكلي، والنظر في النص ضمن منظومته لا منفصلًا عنها، من الأصول البارزة في طريقة الغزالي في الفهم والاستدلال؛ وهو أصل يتكرر أثره في تعامله مع القرآن والسنة والفقه والقضايا الفكرية والاجتماعية

ثانيًا: المقاصد بوصفها مفتاحًا للفهم

ولا ينفصل النظر الكلي عند الغزالي عن عنايته بالمقاصد؛ فالنظر إلى القرآن في وحدته الكلية يقود بالضرورة إلى البحث عن المعاني الكبرى والغايات الجامعة التي تنتظم آياته وسوره.

ولعل أظهر تطبيق لذلك عند الغزالي ما صنعه في كتابه «المحاور الخمسة للقرآن الكريم»؛ فهو لا يتعامل مع القرآن باعتباره مسائل متفرقة، وإنما يحاول الكشف عن القضايا الكبرى التي تنتظم خطابه. وقد جعل للقرآن خمسة محاور رئيسة: الله الواحد، والكون الدال على خالقه، والقصص القرآني، والبعث والجزاء، والتربية والتشريع.

واللافت هنا أن الغزالي لم يرد بهذا التقسيم مجرد ترتيب موضوعي لمباحث القرآن، وإنما أراد أن يكشف عن ما وراء كثرة الآيات وتنوع الموضوعات من وحدة في الغاية والمقصد. فالتوحيد عنده ليس مسألة عقدية منعزلة، والقصص ليس سردًا تاريخيًا لمجرد المعرفة، والآيات الكونية ليست عرضًا لمعلومات عن الكون، والتشريع ليس أحكامًا منفصلة عن بناء الإنسان؛ وإنما تتآزر هذه المجالات جميعًا في صناعة الإنسان الذي يحقق العبودية لله ويقوم بدوره في الحياة.

ومن هنا تظهر قيمة المقصد في منهجه: إنه لا يسأل فقط: ماذا تقول الآية؟ وإنما يسأل كذلك: ماذا تريد هذه الآية أن تصنع في الإنسان؟ وما موقعها من الغاية الكبرى للخطاب القرآني؟

وهذا المعنى يظهر أيضًا في كيف نتعامل مع القرآن؟؛ فالكتاب في أصله مدارسة حول أسباب القصور في فهم القرآن ووسائل تلقيه وأهدافه، مع التأكيد على إدراك مقاصد الآيات وعدم الاقتصار على الأفهام الموروثة أو الجزئية.

وهنا يتحول المقصد من نتيجة للفهم إلى أداة من أدواته؛ فالقراءة الجزئية قد تستخرج حكمًا أو معنى قريبًا، لكن القراءة المقاصدية تبحث عن موقع ذلك الحكم أو المعنى في البناء القرآني العام.

ولذلك فإن الغزالي لا يقف عند حدود تسمية المقاصد، بل يوظفها في إعادة ترتيب الأولويات، وربط التشريع بالتربية، وربط العقيدة بالعمل، وربط القرآن بواقع الإنسان وحركته في الحياة. وهذا ما يفسر حضور البعد الحضاري والتربوي في قراءته للقرآن؛ فالمقاصد عنده ليست مجرد بيان «لماذا شُرع الحكم؟»، وإنما هي جزء من الإجابة عن سؤال أكبر: ما الذي يريد القرآن أن يصنعه بالإنسان والمجتمع؟ وقد أشارت دراسة متخصصة إلى أن الغزالي ربط المقاصد القرآنية كذلك بالبناء الحضاري وإعادة تشكيل العقل المسلم.

ومن هنا يمكن أن نقرر أن المقاصد في المنهج الأصولي عند الغزالي ليست ملحقًا بالتفسير، وإنما هي إحدى الآليات التي تضبط الفهم وتمنع اختزال النص في جزئية مبتورة عن غايته الكلية.

ثالثًا: جمع الأدلة والنظر في مجموع النصوص

من الأصول البارزة في منهج الغزالي رحمه الله عدم بناء التصور أو الحكم على دليل معزول عن بقية الأدلة؛ فالنص الشرعي عنده لا يعيش منفردًا، وإنما يُقرأ في علاقته بمجموع النصوص والقواعد والمقاصد التي تشترك في بناء الحكم.

وهذا المعنى يصرح به الغزالي نفسه في مقدمة كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، حين يجعل من أهم ما أضيف إلى الكتاب في إحدى طبعاته «توثيق الروابط بين الأحاديث الشريفة ودلالات القرآن القريبة والبعيدة»، ويقرر أن الدراسة الإسلامية المكتملة لا تستغني عن الأمرين معًا: تدبر القرآن، وربط السنة بدلالاته.

وهنا لا يعود القرآن عند الغزالي مجرد مصدر آخر من مصادر الاستدلال، وإنما يصبح الإطار الذي تُفهم السنة في ضوئه؛ فالحديث لا يُقرأ بمعزل عن القرآن، ولا تُستخرج دلالته دون النظر في مجموع الخطاب الشرعي.

ويقدم الغزالي في الكتاب تطبيقًا واضحًا لذلك في مسألة القصاص في قتل غير المسلم؛ إذ يناقش حديث: «لا يُقتل مسلم بكافر»، ويعرض موقف أبي حنيفة الذي لم يأخذ بظاهر الحديث في صورة معينة، مع صحة سنده، لما رآه من تعارض دلالته مع جملة من النصوص القرآنية، ومنها مبدأ «النفس بالنفس»، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.

وهنا تظهر المسألة الأصولية بوضوح: صحة الحديث من جهة الرواية لا تعني أن دلالته تُفهم بمعزل عن بقية النصوص؛ إذ لا بد من جمع الأدلة، والنظر في علاقتها، وتحديد وجه الجمع بينها أو الترجيح عند التعارض الظاهر.

والغزالي نفسه يقرر في مقدمة الكتاب أنه لا يتجه إلى تضعيف الحديث لمجرد إمكان الاعتراض عليه، وإنما يريد أن يعمل الحديث «داخل سياج» من دلالات القرآن القريبة والبعيدة.

وهذا التعبير بالغ الدلالة على منهجه؛ فالقضية عنده ليست حديثًا في مواجهة قرآن، وإنما نصوص شرعية يفسر بعضها بعضًا، ويُنظر إليها داخل بنية كلية.

فالغزالي لا يتعامل مع الأدلة على طريقة الجمع العددي، وإنما على طريقة الجمع المنهجي؛ فيبحث عن العلاقة بين النصوص، وعن دلالة كل نص في ضوء سائر النصوص، ثم يبني الحكم على مجموع الصورة لا على جزء منها.

وهذا يفسر كذلك عنايته بالفقهاء في مقابل الاقتصار على الرواية؛ فالفقيه ـ في تصوره ـ لا يكتفي بأن يعرف أن الحديث ورد، وإنما ينظر أين يوضع هذا الحديث في خارطة الأدلة؟ وما دلالته؟ وهل له معارض؟ وهل يمكن الجمع؟ وهل يتصل بقاعدة كلية أو مقصد شرعي؟

ولهذا فإن جمع الأدلة عند الغزالي ليس مرحلة تالية لفهم النص، بل هو جزء من عملية فهم النص نفسها.

رابعًا: فقه السنة لا مجرد رواية السنة

ومن أبرز ملامح المنهج الأصولي عند الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، أن تعامله مع السنة النبوية لم يكن مقصورًا على رواية الحديث وإثبات صحته، وإنما كان يتجاوز ذلك إلى فقه الحديث وفهم دلالته وتنزيله في سياقه الشرعي والواقعي. فالسنة عنده ليست نصوصًا متفرقة تُستخرج منها الأحكام بمعزل عن غيرها، وإنما هي جزء من منظومة تشريعية متكاملة، لا يستقيم فهم جزئي منها إلا في ضوء كلياتها ومقاصدها وعلاقتها بالقرآن الكريم.

ومن هنا كان الغزالي يرفض أن تتحول العناية بالسند إلى بديل عن العناية بالفقه؛ إذ إن صحة الحديث لا تعني بالضرورة صحة الفهم المستخرج منه، كما أن ثبوت النص لا يغني عن النظر في دلالته، وسياقه، وملابساته، وما يتصل به من نصوص أخرى. ولذلك كان يؤكد ضرورة رد الجزئي إلى الكلي، والخاص إلى العام، والنص إلى مجموع النصوص، حتى لا يُحمَّل الحديث ما لا يحتمل، أو يُستخرج منه حكم يتعارض مع محكمات القرآن وأصول الشريعة ومقاصدها.

ويتضح ذلك في معالجته لعدد من القضايا التي شاعت فيها قراءات جزئية لبعض الأحاديث، ولا سيما ما يتصل بالمرأة والمجتمع والأخلاق والعلاقات الإنسانية؛ إذ لم يكن يكتفي بإيراد الرواية أو مناقشة سندها، بل كان ينتقل إلى السؤال الأهم: كيف فُهِم هذا الحديث؟ وما موقعه داخل البناء العام للشريعة؟ وهل دلالته قطعية أم محتملة؟ وهل تتعلق بواقعة مخصوصة أم بحكم عام؟ وكيف يمكن تنزيلها على واقع مغاير في ظروفه وأحواله؟

وبذلك أقام الغزالي تمييزًا منهجيًا مهمًا بين ثبوت السنة، وفهم السنة، وفقه السنة، وتنزيل السنة؛ وهي مراحل متمايزة وإن كانت مترابطة. فالحديث الصحيح لا يُقرأ منعزلًا عن القرآن، ولا يُفهم بمعزل عن بقية السنة، ولا يُنزَّل دون مراعاة لمقاصد التشريع وقواعده وسياق الواقع.

وهنا تظهر الطبيعة الأصولية لمنهج الغزالي بجلاء؛ فهو لا يتعامل مع الحديث باعتباره دليلًا منفردًا يُنتزع من سياقه، وإنما باعتباره لبنة في بناء تشريعي متكامل. ومن ثم فإن قيمة السنة في منهجه لا تكمن في مجرد حفظ الروايات وكثرة الاستشهاد بها، وإنما في القدرة على تحويل الرواية إلى فقه، والنص إلى فهم، والفهم إلى حكم منضبط، والحكم إلى تنزيل يحقق مقصود الشارع.

وعليه، فإن عناية الغزالي بالسنة لا يمكن اختزالها في موقف من حديث بعينه أو في قبول رواية وردّ أخرى، بل ينبغي فهمها ضمن تصوره الأوسع للمنهج الشرعي؛ حيث تتكامل الرواية والدراية، والثبوت والدلالة، والجزئي والكلي، والنص والمقصد، والحكم والواقع. وهذه النقلة من مجرد رواية السنة إلى فقهها تمثل أحد أبرز وجوه المنهج الأصولي الذي ميز مشروعه الفكري.

خامسًا: إعمال العقل في فهم النص

ومن السمات البارزة في المنهج الأصولي عند الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، إعمال العقل في فهم النص الشرعي، من غير أن يعني ذلك تقديم العقل على الوحي أو إخضاع النصوص للأهواء والتصورات البشرية؛ وإنما المقصود توظيف العقل بوصفه أداةً لفهم مراد الشارع، والكشف عن دلالات النص، وربط جزئياته بكلياته، وتنزيل أحكامه في مواضعها الصحيحة.

فالنص الشرعي عند الغزالي لا يُقرأ قراءةً آلية جامدة، وإنما يُستقبل بعقلٍ واعٍ يدرك دلالات الألفاظ، ويفقه سياقات الخطاب، ويميز بين المقاصد والوسائل، وبين الثوابت والمتغيرات، وبين ما هو قطعي الدلالة وما يحتمل أكثر من وجه. ومن هنا كان يرفض أن تتحول المحافظة على النص إلى جمود في الفهم، كما كان يرفض في المقابل أن يتحول إعمال العقل إلى وسيلة لتعطيل النص أو صرفه عن دلالته بلا مستند شرعي.

وقد انطلق الغزالي في ذلك من حقيقة أصولية مهمة، وهي أن الوحي لا يخاطب الإنسان بمعزل عن عقله؛ فالقرآن نفسه يكرر دعوة الإنسان إلى النظر والتدبر والتفكر والتعقل، مما يجعل العقل شريكًا في عملية الفهم، لا مصدرًا مستقلاً للتشريع. ولذلك فإن إعمال العقل عنده لا يعني إنشاء حكم من خارج النص، وإنما يعني حسن التعامل مع النص من داخله، وفهم مراد الشارع في ضوء مجموع الأدلة والقواعد والكليات.

ويظهر هذا المنهج بوضوح في طريقته في التعامل مع النصوص التي قد يبدو ظاهرها متعارضًا مع العقل أو مع الواقع أو مع محكمات الشريعة؛ إذ لا يسارع إلى رد النص، ولا يكتفي كذلك بقبول ظاهرٍ قد يفضي إلى إشكال، وإنما يبحث عن وجه الفهم الصحيح من خلال الجمع بين الأدلة، والنظر في السياق، وتمييز الحقيقة من المجاز، والخاص من العام، والمطلق من المقيد، والوسيلة من الغاية، والواقعة الجزئية من القاعدة الكلية.

ومن هنا يمكن القول إن العقل عند الغزالي يمثل أداةً تفسيرية وأصولية تضبط عملية الانتقال من النص إلى الفهم، لا سلطةً تشريعية تنازع الوحي سلطانه. فالعقل لا يُنشئ الوحي، لكنه يمنع من إساءة فهمه؛ ولا يضع الأحكام من عنده، لكنه يعين على إدراك عللها ومقاصدها ومجالات تطبيقها.

وبذلك جمع الغزالي بين طرفين كثيرًا ما وقع الخلاف بينهما: احترام النص وعدم التفلت من دلالته، واحترام العقل وعدم تعطيله في عملية الفهم. فالمشكلة في نظره ليست في النص الشرعي، وإنما قد تكون في طريقة قراءته؛ إذ يمكن للنص الواحد أن يُساء فهمه حين يُعزل عن سياقه أو يُفصل عن كلياته أو يُقرأ بعقلية لا تستحضر مقاصد التشريع.

وهذه السمة تكشف جانبًا مهمًا من أصولية الغزالي؛ إذ لم يكن مشروعه قائمًا على ثنائية النص أو العقل، وإنما على التكامل بينهما: نصٌّ يُهدي العقل، وعقلٌ يفهم النص، وأصولٌ تضبط العلاقة بينهما، ومقاصدُ تحفظ للفهم اتجاهه وغاياته. ومن ثم أصبح إعمال العقل عنده وسيلة لحماية النص من الجمود، كما هو في الوقت نفسه وسيلة لحماية العقل من الانفلات.

سادسًا: معرفة الرجال بالحق لا معرفة الحق بالرجال

ومن المعالم المهمة في المنهج الأصولي عند الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، تحرير العقل العلمي من سلطة الأشخاص، والانطلاق من قاعدة راسخة مفادها أن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق. فالعالِم عنده يُحترم بقدر علمه، ويُنتفع باجتهاده، لكن لا يتحول اجتهاده إلى حجة قائمة بذاتها، ولا تصبح مكانته العلمية مانعًا من مراجعة قوله أو مناقشة دليله.

وهذا المبدأ لا يعني عند الغزالي إسقاط مكانة العلماء أو التقليل من شأن التراث، وإنما يعني التمييز بين احترام العالم وبين تقديس قوله، وبين الاستفادة من الموروث وبين الجمود عليه. فالعالم مهما بلغ قدره يظل اجتهاده اجتهادًا بشريًا قابلًا للنظر والمناقشة، أما الحجة فمصدرها الدليل وقوة الاستدلال وانسجام القول مع أصول الشريعة ومقاصدها.

ومن هنا كان الغزالي يمارس قراءته للتراث قراءةً نقديةً لا انتقائية؛ فيقبل من أقوال العلماء ما قام عليه الدليل، ويناقش ما يرى فيه ضعفًا في الاستدلال أو قصورًا في الفهم، دون أن يجعل شهرة القائل أو مكانته العلمية معيارًا لصحة القول. ولذلك لم يكن يتعامل مع التراث باعتباره كتلةً مغلقة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، بل باعتباره نتاجًا علميًا بشريًا تراكم عبر القرون، يحمل جوانب من القوة والصواب، كما يحمل اجتهادات وظروفًا تاريخية قابلة للمراجعة.

ويتصل هذا المبدأ اتصالًا وثيقًا بالمنهج الأصولي؛ لأن أصول الاستدلال تقتضي أن تكون الحجة هي معيار القبول والرد، لا مجرد انتساب القول إلى إمام أو مذهب أو مدرسة. فقول الإمام يُستدل له ولا يُستدل به على سبيل التسليم المطلق، وقوة الدليل لا تستمد قيمتها من اسم صاحبها، وإنما من سلامة الاستدلال وصحة المقدمات والنتائج.

وقد انعكس ذلك في موقف الغزالي من عدد من القضايا الفقهية والفكرية؛ إذ كان مستعدًا لمناقشة آراء كبار العلماء إذا رأى أن ظاهرها لا ينسجم مع أصول القرآن أو مقاصد الشريعة أو مقتضيات العقل السليم، كما كان يستفيد من آراء من سبقه دون أن يحبس نفسه داخل إطار مذهبي أو شخصي مغلق.

وهنا تتجلى استقلالية الغزالي العلمية؛ فهو لم يكن يسأل أولًا: من قال هذا؟ وإنما كان يسأل: ماذا قال؟ وما دليله؟ وهل يصح الاستدلال به؟ وكيف ينسجم مع مجموع النصوص وأصول الشريعة؟ وهذا لا يعني تجاهل أقوال العلماء، بل وضعها في موضعها الصحيح: تُدرس وتُفهم وتُناقش، ثم يُرجح بينها بميزان العلم والدليل.

ومن ثم فإن قاعدة «اعرف الحق تعرف أهله» تمثل في مشروع الغزالي مبدأً منهجيًا يتجاوز مجرد الاستقلال الفكري؛ فهي تؤسس لعلاقة صحيحة بين الباحث والتراث، قوامها الاحترام دون تقديس، والاستفادة دون تقليد أعمى، والنقد دون إسقاط، والاحتكام إلى الدليل دون الارتهان إلى الأسماء.

وبهذا حافظ الغزالي على صلته بالتراث، دون أن يجعل التراث حجابًا بينه وبين الدليل؛ فكان يقرأ أقوال العلماء بعين التلميذ المستفيد، وبعين الباحث الناقد في آنٍ واحد. وهذه إحدى صور الاستقلال العلمي التي أسهمت في تشكيل منهجه الأصولي، وجعلت مرجعيته النهائية في تقويم الأقوال هي الحق والدليل، لا مجرد مكانة القائل.

سابعًا: الموازنة بين المصالح والمفاسد

ومن أبرز معالم المنهج الأصولي عند الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، استحضار مبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد عند النظر في القضايا الشرعية والواقعية؛ إذ لم يكن ينظر إلى الحكم الشرعي باعتباره معزولًا عن آثاره ونتائجه، وإنما كان يستحضر الغايات التي جاءت الشريعة لتحقيقها، وما يترتب على تنزيل الحكم من مصالح أو مفاسد.

وهذه الموازنة ليست خروجًا عن النص أو استبدالًا للأحكام الشرعية بمعايير نفعية متغيرة، وإنما هي من صميم الفقه المقاصدي الذي يراعي مآلات الأفعال ونتائجها، ويفرق بين ما يحقق مقصد الشارع وما قد يؤدي، رغم سلامة صورته الظاهرة، إلى تعطيل ذلك المقصد أو الإضرار به.

ومن هنا كان الغزالي ينظر إلى المسألة من أكثر من زاوية؛ فلا يكتفي بالسؤال: ما الحكم؟ وإنما يضيف إليه أسئلة أخرى: ما المصلحة التي يستهدفها هذا الحكم؟ وما المفسدة التي جاء لمنعها؟ وما أثر تطبيقه في الواقع؟ وهل يؤدي تنزيله في هذه الصورة إلى تحقيق المقصود الشرعي أم إلى نتيجة تناقضه؟

ويتضح هذا المنهج بصورة خاصة في القضايا التي تتعدد فيها المصالح وتتعارض فيها الآثار؛ حيث لا يتعامل الغزالي معها بمنطق ثنائي بسيط، وإنما يحاول ترتيب المصالح والمفاسد بحسب مراتبها، والنظر في مدى قوتها وعمومها واستمرارها، ومراعاة ما يترتب على تقديم مصلحة جزئية من تفويت مصلحة أكبر، أو ما قد ينشأ عن دفع مفسدة محدودة من وقوع مفسدة أعظم.

وهذا يقتضي كذلك عند الغزالي النظر في مآلات الأحكام؛ لأن الحكم الشرعي لا يُفهم كاملًا بمجرد النظر إلى صورته المباشرة، وإنما ينبغي النظر إلى ما يفضي إليه تطبيقه في الواقع. فقد يكون الفعل في أصله مشروعًا، لكن طريقة ممارسته أو توقيته أو الظروف المحيطة به تجعل مآله مفضيًا إلى مفسدة معتبرة، وقد تكون هناك مصلحة صحيحة في أصلها، لكنها لا تُقدَّم إذا ترتب عليها من الضرر ما هو أعظم منها.

وبذلك يتجاوز المنهج الغزالي القراءة التجريدية للأحكام إلى فقه الواقع وفقه المآلات، دون أن يفصل ذلك عن أصول الشريعة. فالمصلحة عنده ليست ما استحسنه الإنسان بعقله المجرد، وإنما المصلحة التي تنسجم مع مقاصد الشرع وكلياته، والمفسدة ليست مجرد ما يكرهه الإنسان، وإنما ما اعتبره الشرع مفسدة أو دلّت أصوله وقواعده على اعتباره كذلك.

ومن هنا تظهر الطبيعة الأصولية لهذا المبدأ؛ فالموازنة بين المصالح والمفاسد ليست قرارًا انطباعيًا، وإنما تحتاج إلى فقه بالنصوص، وفهم للمقاصد، ومعرفة بالواقع، وإدراك للمآلات، وترتيب للمصالح والمفاسد بحسب درجاتها. ولذلك فإن المجتهد عند الغزالي لا يقف عند حدود الحكم النظري، بل ينظر في أثره حين يتحول من نص إلى واقع، ومن قاعدة إلى ممارسة.

وعليه، فإن الموازنة بين المصالح والمفاسد عند الشيخ محمد الغزالي تمثل إحدى الأدوات التي تكشف عن حيوية منهجه الأصولي وقدرته على الجمع بين النص والواقع؛ فهو لا يريد شريعة تُحفظ نصوصها وتتعطل مقاصدها، ولا واقعًا تُراعى مصالحه بمعزل عن الوحي، وإنما يسعى إلى تحقيق التوازن بينهما من خلال فهم النص في ضوء مقاصده، والنظر في الواقع في ضوء أحكامه، بحيث يكون تنزيل الشريعة محققًا لمصالح العباد ودافعًا للمفاسد، في إطار ما قررته أصولها وكلياتها.

وفي الختام يتبين من مجموع هذه المعالم أن المنهج الأصولي عند الشيخ محمد الغزالي رحمه الله لم يكن مجرد قواعد نظرية، ولا انتصارًا لمذهب أو اجتهاد، وإنما كان منهجًا متكاملًا في قراءة الوحي وفهم الواقع وبناء الحكم الشرعي.

فهو ينطلق من النظر الكلي إلى القرآن، ورد المتشابه إلى المحكم، وجمع النصوص وفقه السنة، وإعمال العقل في حدود الوحي، وتحرير الحق من سلطة الأشخاص، والموازنة بين المصالح والمفاسد ومراعاة المآلات؛ ليصل إلى فهم يجمع بين النص ومقاصده، وبين أصالة الوحي ومتطلبات الواقع.

وبذلك حاول الغزالي أن يحرر الفقه من أسر التجزئة والجمود، وأن يعيد للنص حيويته وقدرته على توجيه الحياة؛ جامعًا بين أصالة الوحي، وصراحة العقل، ودقة الفقه، ووعي الواقع.

رحم الله الشيخ محمد الغزالي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ورفع درجته في المهديين، ونفع بعلمه وفكره، وجعل ما قدمه من علم ودعوة واجتهاد في ميزان حسناته، وكتب له أجر ما ترك من علمٍ ينتفع به، وجمعنا به في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.