“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(18) تابع
عبد الغني منتصر
“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة:
استبصار السنن في زمن التحولات”(18) تابع
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الرابع: جغرافيا الروح ومركزية الثغور
تصدير الفصل الرابع: جغرافيا الروح ومركزية الثغور
إنَّ الحرب في غزة لم تكن يوماً مجرد نزاعٍ عابر على حدودٍ جغرافية ضيقة، أو صراعاً على أمتارٍ من الطين والركام، بل هي في جوهرها انفجارٌ لبركان “جغرافيا الروح” التي تسكن قلب كل مؤمن، وتتجاوز بتأثيرها حدود الخرائط الصماء. لقد جاء “طوفان الأقصى” ليعيد رسم خارطة العالم وفق موازين إلهية جديدة، حطمت المركزية المادية التي سادت لقرون؛ فلم تعد “المراكز” هي تلك العواصم الكبرى الغارقة في ترفها وقراراتها المعلبة، بل أصبحت “الثغور” المرابطة هي المراكز الحقيقية والوحيدة التي يُصنع فيها تاريخ البشرية، وتُقرر فيها مصائر الأمم.
في هذا الفصل، نغوص في مفهوم “المكان” حين يتصل بـ “الوحي”؛ حيث تتحول غزة من بقعة محاصرة تقنياً إلى “مركز ثقل كوني” تتجه إليه أرواح الأحرار. إنها الجغرافيا التي لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمدى القرب من “المسافة صفر” مع الحق. هنا، تصبح “الثغور” هي المحراب الذي تُختبر فيه دعاوى الإيمان، وتنكشف فيه عورات النفاق العالمي. إنَّ إنسان المنهاج في غزة قد استطاع أن يحول “ضيق الحصار” إلى “سعة اليقين”، فصار الثغر هو الامتداد الطبيعي لروح المقاتل، وصار الركام متراساً أخلاقياً يحمي ضمير الأمة بأسرها.
إنَّ هذا الفصل هو محاولة لاستشراف عصر “ما بعد الطوفان”؛ ذلك العصر الذي تنبعث فيه الأمة من وسط جراح غزة، لتنفض عن كاهلها غبار التبعية والوهن. إننا نؤصل هنا لعودة “القدس” كبوصلة وحيدة ومقدسة لصراع الحضارات، وميزانٍ إلهي لا يخطئ؛ فبها يُعرف الصادق من الكاذب، وبنور ثغورها تُستعاد كرامة الإنسان الذي كرمه الله. إنها دعوة لفهم الجغرافيا ليس كـ “تضاريس”، بل كـ “مقامات إيمانية”، حيث الغلبة فيها لمن ملك الأرض بقلبه قبل أن يطأها بقدمه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
المبحث الأول: القدس كميزان للإيمان وصراع الحضارات.
1 – “القدس” من الجغرافيا إلى العقيدة: لماذا هي المحرك والمبتدأ؟
إنَّ التحدي الأكبر الذي خاضه “طوفان الأقصى” هو إعادة تعريف “القضية” في وعي الأمة والعالم؛ فبينما أراد العدو ومن وراءه اختزال الصراع في “خلافٍ حدودي” أو “أزمة إنسانية” في غزة، جاء المنهاج الغزي ليُعلن أنَّ المعركة هي “معركة الأقصى” بامتياز. لقد تحولت القدس في هذا المنهاج من “إحداثية جغرافية” إلى “ركنٍ عقدي” لا يستقيم إيمان المقاوم إلا بالذود عنه. إنَّ المحرك الأساسي لكل مقاتلٍ خرج من نفق، ولكل صابرٍ تحت الركام، لم يكن استرجاع حدود عام 67، بل كان نداء المسجد الأسير؛ ذاك النداء الذي يربط الأرض بالسماء، والواقع بالوحي، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. فالمعركة هي حول “البركة” التي تشع من القدس لتشمل غزة وكل ثغور الأمة.
إنَّ فقه “جغرافيا الروح” يكشف أنَّ غزة قد خاضت المواجهة نيابةً عن “مركزية الأقصى”؛ فالحصار المادي على غزة كان رداً على “الحصار الروحي” الذي يُفرضه المحتل على القدس. لقد أدرك إنسان المنهاج أنَّ تحرير القدس يبدأ من تحرير الإرادة في غزة، وأنَّ أي مساسٍ بالمقدس هو مساسٌ بـ “أصل الوجود الإيماني”. إنَّ القدس هي “المبتدأ” لأنها القبلة الأولى، وهي “المحرك” لأنها تختزل كرامة الأمة؛ وحين تُستهدف كرامة المسرى، تتحول غزة إلى “ذراعٍ ضاربة” لهذا المقدس. إنَّ هذا الارتباط العضوي بين “الثغر” و”المقدس” هو الذي منح المقاومة ديمومتها؛ فالقتال لأجل الأرض قد يضعف مع طول الأمد، أما القتال لأجل العقيدة والمقدس فهو فعلٌ سرمدي يستمد قوته من قوله سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
إنَّ انتقال القدس من الجغرافيا إلى العقيدة يعني بالضرورة “سقوط منطق التنازلات”؛ فالعقائد لا تُجزأ ولا يُفاوض عليها. لقد أثبتت غزة أنَّ القدس هي “الخط الأحمر” الذي يُحرق أصابع المستكبرين، وأنَّ محاولات “تهويد المكان” قد تحطمت أمام “قدسية الوجدان”. إنَّ المقاتل الذي يحمل اسم “الأقصى” على جبينه، يقاتل بوعيٍ يتجاوز حسابات الربح والخسارة المادية؛ فهو يرى في كل رصاصةٍ تقرباً إلى الله، وفي كل مواجهةٍ خطوةً نحو “وعد الآخرة”. هذا اليقين المنهاجي هو الذي جعل من القدس “البوصلة التي لا تخطئ”؛ فكل عملٍ لا يتجه نحو تحرير المسرى هو عملٌ هباء، وكل جهدٍ يصب في نصرة القدس هو الجهد المبارك الذي يغير وجه التاريخ، كما قال عز وجل: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
وبناءً على ذلك، فإنَّ غزة قد أعادت للقدس هيبتها في قلب “النظام العالمي”؛ فلم تعد المدينة المقدسة مجرد “مزارٍ سياحي” أو “أطلالٍ تاريخية”، بل أصبحت “قنبلة الوعي الكونية”. إنَّ “طوفان الأقصى” هو الإعلان الرسمي عن فشل كل مشاريع “الأسرلة” و”التطبيع” التي حاولت القفز فوق العقيدة. لقد وُلد جيلٌ في غزة يرى مآذن القدس وقبابها من خلف الحصار بـ “عين اليقين” قبل عين البصر، ويعد العدة لليوم الذي تلتقي فيه جغرافيا الأرض بجغرافيا الروح. إنَّ القدس هي التي منحت غزة “شرعية التحدي”، وغزة هي التي منحت القدس “دماء الفداء”، ليتأكد للعالم أنَّ صراعنا ليس على أمتارٍ من الطين، بل على “سيادة الوحي” في أرض الأنبياء، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
2- ميزان الإيمان والنفاق: القدس ككاشفة للمواقف الدولية والعربية
إنَّ من أخطر الوظائف القدرية التي أداها “طوفان الأقصى” هي وظيفة “الفرز الإلهي”؛ فلقد تحولت القدس وغزة إلى ميزانٍ دقيقٍ لا يخطئ، وضع الجميع—دولاً وأنظمةً وأفراداً—أمام مرآة الحقيقة. لقد كشف هذا الصراع أنَّ المواقف من القدس ليست مجرد “خِيارات سياسية”، بل هي “اختباراتٌ إيمانية” وأخلاقية بامتياز. فبينما انحازت فئةٌ مؤمنة بحقها إلى خيار المقاومة والبذل، سقطت منظوماتٌ أخرى في وحل “النفاق الإستراتيجي”، محاولةً إمساك العصا من المنتصف أو التواطؤ سراً مع الجلاد. إنَّ هذا التمايز هو التجسيد الحي لقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فالقدس هي “المميزة” التي لا تترك مجالاً للالتباس؛ فإما نصرةٌ صريحة وإما خذلانٌ مفضوح.
إنَّ فضح هذا النفاق يكشف عن تهافت “المنظومة الدولية” التي تتغنى بحقوق الإنسان، فإذا بالقدس تظهر زيف شعاراتها حين صمتت عن إبادة شعبٍ من أجل حماية “أمن المحتل”. لقد فضحت القدس “الكهنوت الحقوقي الغربي” وأثبتت أنه مجرد أداة لخدمة القوى الاستعمارية. أما على الصعيد الإقليمي، فقد كانت القدس كاشفة لمرض “الوهن” الذي أصاب بعض النخب والأنظمة؛ حيث فُضل “السلام الذليل” و”التطبيع المذل” على عزة الرباط. إنَّ هؤلاء الذين سارعوا في العدو خيفة “دائرة السوء”، قد كشفهم الطوفان وأظهر عجزهم عن حماية حتى “كرامتهم السياسية” أمام غطرسة الكيان، محققاً قوله سبحانه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.
إنَّ ميزان القدس قد أعاد تعريف “الانتماء للأمة”؛ فلم يعد العربي أو المسلم هو مَن يحمل الهوية بالوراثة، بل هو مَن ينحاز لـ “قبلة الصراع” بالفعل والكلمة والموقف. لقد شهدنا ولادة “أمة الطوفان” العابرة للحدود، التي تضم أحرار العالم الذين رفضوا الرواية الصهيونية، مقابل “جبهة النفاق” التي حاولت شيطنة المقاومة لتبرير عجزها. إنَّ هذا الانقسام الحاد هو ضرورة تاريخية ومنهاجية؛ فلا يمكن أن يتحقق النصر والفتح الأكبر إلا بتطهير الصف الداخلي من “المثبطين” و”المرجفين”. لقد نجحت القدس في أن تكون “المختبر الأخلاقي” الذي أثبت أنَّ القوة ليست في “كثرة العدد” أو “ضخامة العتاد”، بل في “صدق الموقف” والولاء التام لقضايا الحق، كما قال عز وجل: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾. لذا، كان خروج هؤلاء من دائرة الفعل المقاوم رحمةً وتزكيةً لهذا الميدان.
وبناءً على ذلك، فإنَّ عالم ما بعد غزة والقدس هو عالمٌ “واضح الملامح”؛ فقد سقطت الأقنعة عن وجوهٍ كانت تتدثر بعباءة الدين أو العروبة وهي تمارس الخيانة والخذلان. وفي المقابل، ارتفعت أسهم الشعوب والكيانات التي ضحت بكل شيء من أجل “سيادة المقدس”. إنَّ هذا الفرز هو الذي سيبنى عليه “النظام العالمي الجديد”؛ نظامٌ لا يقوم على توازنات المصالح المادية فحسب، بل على “التحالفات القيمية”. لقد صارت القدس هي “الترمومتر” الذي يقيس مدى إنسانية البشر ومدى صدق إيمان المؤمنين. إنَّ معركة الأقصى قد حسمت الجدل: فلا حياد في صراع الحق والباطل، ومن لم يكن للقدس اليوم، فلن يكون لها غداً حين يدخلها الفاتحون، مصداقاً للوعد الإلهي: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.
3 – صراع الحضارات في “ساحات الأقصى”: المواجهة بين الوحي والمادية
إنَّ المتأمل في الصراع حول القدس يدرك يقيناً أنه ليس صراعاً على “جغرافيا عقارية”، بل هو المواجهة الكبرى بين “حضارة الوحي” القائمة على الحق والعدل والمقدس، وبين “الحضارة المادية الاستعمارية” التي لا تؤمن إلا بالقوة والاستغلال وتأليه المادة. في ساحات الأقصى، يتجلى هذا الصدام في أبهى صوره؛ حيث يقف المرابط الأعزل إلا من “يقينه بالوحي”، في مواجهة جندي مدجج بأحدث ما أنتجته “المادية الغربية”.
إن غزة لم تكن تدافع عن حدودها فحسب، بل كانت تخوض المعركة بالنيابة عن “منظومة القيم الإلهية” ضد “منظومة التوحش المادي”. إنَّ هذا الصراع هو الامتداد التاريخي لقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فزخرف القول اليوم هو “الشرعية الدولية” الزائفة التي تُشرعن للمستعمر قتل صاحب الأرض.
إنَّ تحليل هذا الصراع الحضاري يكشف أنَّ “القدس” هي العقبة الأخيرة أمام “المشروع المادي الشامل” الذي يريد تحويل العالم إلى سوق استهلاكي منزوع الروح. إنَّ صمود الأقصى بهويته الإسلامية الأصيلة يمثل “رفضاً وجودياً” لسيادة العقل المادي الغربي الذي حاول “عولمة” كل شيء إلا كرامة الإنسان. لذا، فإنَّ الاستماتة الصهيونية (باعتبارها ذراع المادية الغربية في منطقتنا) في محاولة “هيكلة” المكان وتغيير هويته، ليست إلا محاولة لكسر “شوكة الغيب” في عالم المادة. إنَّ الصراع في الأقصى هو صراع بين “رواية الأنبياء” التي تورث الأرض لعباد الله الصالحين، وبين “أسطورة الاستعمار” التي تدعي الحق بالدم والنار، محققاً قوله سبحانه: ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
إنَّ تهافت “النموذج المادي” في ساحات القدس يتجلى في عجز الآلة عن هزيمة “الروح المعنوية”؛ فالمادية الغربية التي أنتجت الذكاء الاصطناعي عجزت عن فهم “سر المرابط” الذي يواجه الموت بابتسامة. إنَّ غزة والقدس أثبتتا أنَّ “الحضارة التي لا روح فيها” هي حضارة آيلة للسقوط مهما بلغت قوتها العسكرية. لقد قدم المنهاج الغزي نموذجاً حضارياً بديلاً؛ نموذجاً يزاوج بين “الأخذ بالأسباب المادية” (صناعة السلاح من العدم) وبين “التوكل المطلق على الله”. هذا المزيج هو الذي أرعب “المادية العالمية”، لأنه يخرج عن قواعد اللعبة التي يسيطرون عليها. إننا أمام انبعاثٍ لحضارةٍ ترى في “الشهادة” ولادة، وفي “الحصار” خلوة، وفي “المواجهة” عبادة؛ وهي مفاهيم لا يدركها العقل المادي المستغرق في “الوهم الاستعماري”.
وبناءً على ذلك، فإنَّ ساحات الأقصى هي المختبر الذي سيشهد “انهيار الهيمنة الحضارية للغرب”؛ فالحق الذي لا تسنده القوة ضائع، والقوة التي لا يسندها الحق هي غطرسة زائلة. لقد أعادت غزة للوحي مكانته كـ “مرجعٍ للتحرر”، وأثبتت أنَّ الأمة التي تستمد كينونتها من كتاب الله هي الأمة القادرة على قيادة البشرية للخلاص من تيه المادية. إنَّ الصراع في القدس هو “فصل المقال” في تاريخ الحضارات؛ حيث ستنتصر في النهاية “حضارة السجود لله” على “حضارة السجود للمادة”، ليبقى قوله تعالى هو الحقيقة الوحيدة الصامدة في وجه الزمن: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.
4 – “القدس” كعاصمة كونية للأحرار: ما وراء الانتماء الديني
إنَّ من أعظم تجليات “طوفان الأقصى” هو نجاحه في تحويل القدس من “قضية إسلامية-عربية” فحسب، إلى “عاصمةٍ أخلاقية لكل أحرار العالم”. لقد استطاعت رمزية القدس، عبر تضحيات غزة الأسطورية، أن تخاطب “الفطرة الإنسانية” وتكسر جدران الانتماءات الضيقة؛ فرأينا الملحد، والمسيحي، والبوذي، بل وحتى اليهودي الرافض للصهيونية، يقفون جميعاً تحت راية “العدالة للقدس”. إنَّ هذا الاستقطاب الكوني ليس مجرد تضامنٍ سياسي، بل هو “بيعةٌ عالمية للحق” ضد البغي. إنَّ القدس هنا تمارس دورها كـ “ميزانٍ للبشرية”، حيث أصبحت هي المختبر الذي يُختبر فيه صدقُ أي إنسانٍ يدعي الحرية. وهذا هو الامتداد الكوني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾؛ فالتعارف هنا وقع على مائدة “المظلومية المشتركة” و”المقاومة الواحدة” ضد الاستكبار العالمي.
إنَّ هذه “العالمية” تكشف أنَّ غزة قد قدمت القدس للعالم كـ “آخر قلاع الحقيقة”؛ ففي زمن “ما بعد الحقيقة” والتزييف الرقمي، كانت دماء أطفال غزة وصرخات المرابطين في الأقصى هي “الحقيقة الصارخة” التي لا يمكن حجبها. لقد أدرك الأحرار في جامعات أمريكا وشوارع أوروبا أنَّ معركة القدس هي معركتهم ضد أنظمتهم التي تقمع حرياتهم وتدعم الإبادة. إنَّ القدس قد توحدت فيها “جغرافيا المظلومين”؛ فأصبح الفلسطيني في غزة يمثل كل إنسانٍ يسعى للتحرر من قيود المادية والظلم. هذا التحول جعل من “الكوفية” و”خريطة فلسطين” رموزاً كونية للتمرد على “النظام العالمي القديم”، محققةً قوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾. فالمنُّ هنا هو التمكين المعنوي والسيادة الأخلاقية التي باتت غزة تمنحها لكل من ناصرها.
إنَّ القدس كعاصمة للأحرار تعني أنَّ “الشرعية الأخلاقية” قد انتقلت من المؤسسات الدولية (التي شاخت وعجزت) إلى “ساحات المقاومة والشوارع المنتفضة”. لقد سقطت الأقنعة عن “المركزية الغربية” التي ادعت احتكار قيم الحرية، وظهرت القدس كـ “المنارة” التي تهدي التائهين نحو بوصلة العدل الحقيقي. إنَّ الانتماء للقدس اليوم صار يعني الانتماء لـ “نبالة الإنسان” في مواجهة “توحش الآلة”؛ وبذلك أصبحت القدس “القطب” الذي تتجمع حوله كل القوى الساعية لفك الارتباط بمركزية الظلم العالمي. إنَّ هذا الحراك الكوني هو إيذانٌ ببدء “تاريخ جديد” لا تكتبه الدول العظمى، بل تكتبه “الشعوب الحرة” التي آمنت بأنَّ طريق القدس هو طريق خلاص البشرية جمعاء، تصديقاً لقوله عز وجل: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. فالأمة هنا لم تعد ترتبط بالعرق، بل بـ “وحدة المصير الإنساني” تحت ظلال المقدس.
وبالتالي، فإنَّ “عالمية القدس” هي الضمانة لاستمرار الصراع حتى النصر؛ فالعدو لم يعد يواجه شعباً محاصراً في غزة، بل بات يواجه “ضمير العالم” بأسره. إنَّ تحويل القدس إلى “قضية كونية” هو أكبر فشل إستراتيجي للصهيونية التي حاولت عزلها وتشويه صورتها. غزة اليوم هي التي تقود “ثورة الوعي العالمي”، والقدس هي الجائزة الكبرى لهذه الثورة. إنَّ فجر التحرير الذي نراه في عيون أحرار العالم هو الذي سيجعل من “يوم الفتح” عيداً لكل إنسانٍ رفض السجود للمادة واختار السجود للحقيقة، ليظل قوله تعالى هو النشيد الأعلى في فضاء الكون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾.
5 – حتمية التحرير ويقين المنهاج: من “الرباط” إلى “الفتح”
إنَّ المتأمل في مسار التاريخ من منظور المنهاج يدرك أنَّ الصراع في فلسطين قد انتقل من مرحلة “الدفاع عن الوجود” إلى مرحلة “إعداد الفتح”. إنَّ حتمية التحرير في وعي المقاوم الغزي ليست تمنياتٍ عاطفية، بل هي “يقينٌ معرفي” مستمد من السنن الكونية والوعود القرآنية. لقد أثبت “طوفان الأقصى” أنَّ زمن “الالرباط الساكن” قد انتهى، وبدأ زمن “الرباط الفاعل” الذي يمهد لليوم الذي يدخل فيه المؤمنون المسجد كما دخلوه أول مرة. إنَّ هذا اليقين هو المحرك الذي يجعل المقاتل يواجه الموت بروح الفاتح، والمدني يصمد وسط الركام بروح الواثق؛ فالكل يدرك أنه مجرد “لبنة” في بناء نصرٍ حتمي قد كُتب في اللوح المحفوظ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾.
إنَّ استشراف هذا اليقين يقودنا إلى فهم “قانون التدافع”؛ حيث وصلت غطرسة العدو إلى منتهاها، وبدأ العد التنازلي لزواله الوجودي. إنَّ التحرير لا يبدأ بانهيار الحجر، بل بـ “تحرر الوعي” من وهم “إسرائيل الكبرى” و”الجيش الذي لا يُقهر”. وقد نجحت غزة في كسر هذا الوهم تماماً، مما يعني أنَّ الهزيمة المادية للكيان هي مسألة وقتٍ وسياق. إنَّ المنهاج التربوي الذي صقلته غزة تحت النار هو “النسخة المحدثة” لجيل التحرير؛ جيلٌ لا يرى في موازين القوى المادية عائقاً أمام إرادة الله. إنَّ هؤلاء هم “عباداً لنا” الذين ذكرهم القرآن في سورة الإسراء: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾. واليوم، نرى “أولي البأس” يُعاد صياغتهم في مختبر غزة، ليكونوا أداة القدر في استعادة المقدس.
إنَّ الانتقال من “الرباط” إلى “الفتح” يتطلب “سيادة المنهاج” على مستوى الأمة بأسرها؛ فغزة كانت “الشرارة” التي أعادت تذكير الأمة بهويتها وقبلتها. إنَّ حتمية التحرير مرتبطةٌ بمدى قدرة الأمة على “اللحوق” بنموذج غزة في الاستقلال عن التبعية للمادة والارتباط بالخالق. إنَّ اليقين الذي يملأ قلوب المرابطين هو “عدوى إيمانية” تنتقل الآن إلى كل عواصم العالم، ممهدةً الطريق لنظامٍ عالمي لا مكان فيه للاحتلال. إنَّ الفتح القادم ليس فتحاً للأرض فحسب، بل هو “فتحٌ للقلوب” وإعادة للاعتبار لمفهوم العدالة الإلهية في الأرض. إننا نعيش إرهاصات قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾؛ ونصر الدنيا هنا هو التحرير الملموس الذي يشفى صدور قوم مؤمنين.
وبناءً على ذلك، فإنَّ خاتمة الصراع في القدس ليست محلاً للتخمين، بل هي “قدرٌ مقدور”. لقد قدمت غزة البرهان العملي على أنَّ المستحيل كلمةٌ لا توجد في قاموس المؤمنين، وأنَّ القوة التي هزمت “الميركافا” قادرة على هزم “الاحتلال” في جذوره. إنَّ المسافة بين “طوفان الأقصى” و”فتح القدس” هي مسافة “تراكم الفعل المقاوم” وصبر الأمة على التضحيات. إنَّ الوعد الإلهي يلوح في الأفق، وغزة هي “الفجر الصادق” الذي يبشر بانتهاء ليل الظلم. سيظل يقيننا أنَّ السيادة في النهاية للحق، وأنَّ القدس ستعود “دار السلام” ومنارة التوحيد، مصداقاً للوعد الذي لا يتخلف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وها نحن نرى بوادر الاستخلاف تُكتب بدماء الشهداء وأنفاس الصابرين، لتكون غزة هي بوابة الفتح الأكبر.