حوار مع الأستاذة حفيظة فرشاشي حول “الخطوط العريضة لمراجعة مدونة الأسرة”
الأستاذة حفيظة فرشاشي
حوار حول “الخطوط العريضة لمراجعة مدونة الأسرة”
الأستاذة حفيظة فرشاشي
رئيسة الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم
في إطار متابعة موقع منار الإسلام لتفاعل مكونات المجتمع المغربي وقواه الحية، مع المقترحات المعلنة لمراجعة مدونة الأسرة، من علماء الشريعة وخبراء متخصصين، وفاعليين مجتمعيين.
أجرى موقع منار الإسلام حوارا مع المهندسة حفيظة فرشاشي رئيسة الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم حول ما أثاره إعلان مقترحات تعديل مدونة الأسرة من نقاشات وتجاذبات ومخاوف على استقرار الأسرة والمجتمع.
هذا وقد سبق للجمعية أن تفاعلت كباقي مكونات المجتمع المغربي، مع هذه المقترحات وأصدرت بيانا في الموضوع يوم 6 يناير 2025م، وفيما يلي نص الحوار:
في البداية نرحب بالسيدة المهندسة “حفيظة فرشاشي” ونشكر لها مشاركتها معنا في هذا الحوار
سيدتي؛ بعد الإفصاح الرسمي عن “الخطوط العريضة لمراجعة مدونة الأسرة”، تباينت ردود الفعل بين مرحب بها ومتخوف من إقرار بعض المقتضيات، وأصدرت جمعيتكم بيانا في الموضوع.
فما انطباعكم الأولي على ما تم الإعلان عنه؟
بسم الله الرحمن الرحيم بدوري أشكر موقع منار الإسلام على تفضل طاقمه بطلب إجراء هذا الحوار.
جوابا على سؤالكم لا بد أن أذكر أننا في الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم كانت لنا وقفة مع الإعلان عن “الخطوط العريضة لمراجعة مدونة الأسرة” دراسة وتدارسا، فكان لنا اعتراضات على مستويين، أولا على مستوى مضمون هذه المقترحات، وثانيا على مستوى الشكل الذي جاءت به. فعلى مستوى المضمون نسجل أن ما جاءت به هذه التعديلات يؤثر سلبا على قيم الأسرة المغربية المسلمة والاستقرار الاجتماعي والأسري، فمن طبيعة هذه المقترحات أن تنشر ثقافة الصراع بين الرجل والمرأة، وتضرب في القصد من الزواج والقيم النبيلة التي يجب أن تؤطره، بل قد تسهم هذه التعديلات إن طبقت في تفشي ظاهرة العزوف عن الزواج وارتفاع نسب الطلاق وما يتبعه من تفكك أسري وضياع لمصلحة الطفل في ظل وضع اقتصادي مزر ، وسياسة اجتماعية تتخبط في الفشل المتعاقب.
كما نسجل بكثير من الأسف ارتهان هذه التعديلات لطروحات ومبادئ اتفاقية (سيداو) وتوصيات الاتفاقيات الأممية التي تخالف شريعة الإسلام السمحة في كلياتها ومقاصدها. فما أشر عليه من مقترحات يعتبر في جزء كبير منه استجابة مباشرة لهذه الاتفاقيات بإلباسها الشرعية الدينية.
ولعل هذا يحيلنا على الحديث عن المستوى الثاني المتعلق بالشكل، وكيف تم إقحام وتوظيف مؤسسة العلماء في التسويغ لمقترحات التعديل. في حين أن الأصل في الأمر أن تكون للعلماء الكلمة الأولى في الموضوع؛ في حين، والحالة هذه، لم تتح لهم حتى إمكانية تعليل، أو توضيح، أو الدفاع عن هذه الترجيحات والرد على تخوفات الشارع المغربي الرافض لهذه التعديلات، مما يدفع إلى المزيد من الشك، والمزيد من التساؤلات حول الحضور العلمائي في المشروع التعديلي.
كيف ترون المنهجية المعتمدة في تعديل مدونة الأسرة المغربية؟
والحديث عن إجابات العلماء على مقترحات في غياب خروج رسمي لهم؟
غياب المؤسسة العلمائية واضح في المشهد الإعلامي الرسمي من البداية إلى النهاية، ثم مكانتهم في تركيبة اللجنة المخول لها النظر في المدونة الحالية وصياغة التعديلات كان شبه منعدم. ثم يأتـي دورها في نهاية المطاف بعرض خلاصات أعمال اللجنة المكلفة بالمراجعة الحالية والتصديق على مقترحات لم يشاركوا في صياغتها؛ يجعلنا نوقن بما لا يدع مجالا للشك أن المرجعية الدينية متمثلة في المجلس العلمي الأعلى تم توظيفها للتبرير فقط للملف وإضفاء الشرعية على تعديلات لم تنبع من المصدر الأسمى للتشريع الذي هو الإسلام كما يقر بذلك الدستور المغربي، وهذا يقدح في شرعية هذه التعديلات. ويتأكد الأمر أكثر حين تلتزم هذه المؤسسة الصمت أمام الكم الهائل من الانتقادات والرفض لما جاء في تلك التعديلات. فحق لنا أن نتساءل، ومعنا العديد من المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني حول الدور الواضح والجريء للمجلس العلمي الأعلى في مثل هذه المسائل المصيرية لمجتمعنا المغربي المسلم.
على العموم هناك الكثير من الالتفاف والضبابية في تدبير الملف، وكأن الأمر فيه نوع من القصدية. فالمغرب كما يعرف الجميع، اختار الإذعان للإملاءات الخارجية ورفع أغلب التحفظات على بنود اتفاقيات سيداو وتوصيات اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة التابعة للأمم المتحدة، وهي تخالف، كما تواترت في ذلك العديد من التحليلات، في مجملها أحكام الشريعة السمحة خاصة فيما يقتضي المساواة بين الجنسين بمفهومها الجندري. والسلطة في المغرب تحاول تسويغ الأمر للشعب بإلباسه لبوسا شرعيا وهي بذلك تعمل على إحداث شرخ مجتمعي خطير في عواقبه على مستقبل المغرب.
وكذلك المنهجية المتبعة في تعديل المدونة تبدو غير بريئة، فمقترحات التعديل في سياقها العام تنهج سياسة النظرية الانقسامية في المجتمع والنفخ في الخلافات الثنائية بين مكوناته السياسية والمدنية وتلعب على حبل التقاطبات الإيديولوجية وكذلك الصراع بين ثنائية ذكر /أنثى… لتأخذ هي العصا من الوسط.
السيدة حفيظة؛ تحدثتِ عما سميته “شرخ مجتمعي”، كما أوعزت ربما لـ”فرض المرجعية الغربية”،
فهل الحل هو الاحتفاظ بالمدونة بشكلها الحالي؟
أولا نحن لسنا ضد المراجعة والتغيير، فالمراجعة ضرورة بشرية والتجديد مطلب أصيل في ديننا. فتغير الأحوال يقتضي استقراء النص الشرعي أولا لكي يجيب عن إشكالات الواقع وتعقيداته. ولنا في هذا الباب أن نستفيد مما أثله علماؤنا الأفاضل، من ضرورة الاجتهاد بضوابط علمية وقواعد شهد لها العقل والفطرة بالاعتبار، فليس الاجتهاد أن ننهج منهجا يؤدي إلى “ترك الحبل على الغارب”. وللمزيد من التوضيح، فإن هذا التحفظ على من سيجتهد، ليس من باب الاحتكار والمنع، وإنما لكل فن وعلم رجالاته المتخصصون فيه.
ولا يمكن أن ننكر أن الأسرة المغربية تعرف تغيرات جوهرية وتعاني من إكراهات متعددة أفرزت إشكالات حقيقية مما يحتم ضرورة تعديل نص مدونة الأسرة، وتعديل قوانين أخرى تدعم من قريب أو من بعيد هذا النص.
إلا أننا نرفض جملة وتفصيلا رهن التعديلات المزمعة بالاستجابة للإملاءات الخارجية فيما تحمله توصياتها وبنودها من مبادئ لا تتماشى مع سماحة ديننا الحنيف وعدله، ولا تتوافق مع قيم مجتمعنا وأخلاقه، وإنما تزيد – في تقديرنا- من مفاقمة وتعقيد مشاكل الأسر المغربية.
فالغاية من التعديلات هي تحقيق الأمن الأسري والتماسك المجتمعي، والمدخل لهذا ليس بشتات من التعديلات من مرجعيات متضادة ومبتورة مع غياب أي نسقية قيمية. فمفهوم الأسرة في الإسلام هو منظومة قيمية يجب أن يراعى في استصدار أحكامها الشرعية نسقيتها، ومآلاتها، ومراميها القيمية والأخلاقية، وهي لا تقبل التجزيء والقطع واللصق وخلط الأضداد والتناقضات… وهذا للأسف ما نعيبه على مدونة الأسرة الحالية، وما يبدو أنه حاصل بدرجة أعمق مع مقترحات المدونة المنتظرة إن لم يتم تدارك الأمر بكل شجاعة. فلا يقبل المجتمع المغربي بمولود هجين تغيب عنه القيم المثلى التي جاء بها ديننا الحنيف. وإذا أردنا أن نضرب مثلا للتوضيح، فإن عقد الزواج في الإسلام يختلف عن غيره من العقود. حيث أن من القواعد المقررة عند الفقهاء – ومنهم علماء المذهب المالكي- قولهم: أن عقد الزواج مبني على المكارمة وعقد البيع مبني على المشارطة، وقد أضاف الشيخ الطاهر ابن عاشور: “والبيع مبني على المكايسة…”. ومع قيمة المكارمة، وبعدها، هناك قيم أخلاقية أخرى تستنبت في البيئة الأسرية كالمعاشرة بالمعروف والمودة والرحمة. قال الله ﷻ في سورة النساء:( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)). فسمى الإسلام الزواج ميثاقا غليظا وربطه بقيم إحسانية عظمى.
ما هي التداعيات الاجتماعية التي ستفرزها مثل هذه المقترحات إن طبقت على الأسرة المغربية؟
وما أثرها على المجتمع؟
من المفروض أن تكون المقترحات المتضمنة في التعديل نابعة من حاجة مجتمعية وفي إطار حوار مجتمعي مفتوح وبدون إقصاء. يجب أن يراعى فيها مرجعية الأغلبية التي هي الإسلام، غير أن المسار الواقعي كما يجري لحد الساعة غير ذلك، فهذه المقترحات، عوض أن تحل مشاكل المجتمع، فإنها قد تزيد في تفاقمها، وذلك تبعا للملاحظات التالية:
أولا: ليست هناك أي دراسات تحليلية لعقدين من العمل بمدونة الأسرة الحالية والتي صدرت سنة 2004 للوقوف على الإشكالات التي طرحتها لتفاديها.
فالأرقام المسجلة والملاحظة، تظهر الارتفاع المهول للعزوف عن الزواج عند الشباب ونسب الطلاق والدعاوى المتعلقة به، والمشاكل المتعددة المرتبطة بالنزاعات الأسرية، منها مشاكل استحقاق الحضانة بعد زواج الأم والخلاف على النيابة الشرعية والأموال المكتسبة وزواج دون سن 18 ومشاكل إثبات الزوجية….
والتعديلات المقترحة حاليا تسير في نفس المنحى التصعيدي لهذه المشاكل بل تعمقها بإضافة عناصر صراع جديدة تصب في منحى تعسير الزواج وتيسير الطلاق واستمرار التنازع بعد الطلاق وخلق بيئة غير آمنة نفسيا واجتماعيا لكل أفراد الأسرة وبث روح التوجس والحذر سواء في حالة الزواج أو الطلاق… وهذا ما يهدد الأسرة المغربية في الصميم.
ثانيا: جاءت المقترحات على عكس ما يحذر منه الدارسون للإحصاء العام للسكن والسكنى الأخير؛ فالمغرب يتهدده شبح شيخوخة المجتمع وتغيير هرمه السكاني؛ حيث أن نسبة النمو الديمغرافي حسب نتائج إحصاء شتنبر 2024م هي 1,97٪. مع العلم أن معدل التجدد السكاني هي 2,1 ٪، وهذا ما يهدد النمو الديمغرافي، وسبب ذلك قلة المواليد وانخفاض نسبة الخصوبة الشيء الذي يتهدد قوة الدولة في عنصرها البشري وما لذلك من آثار وخيمة على اقتصاده ونموه. ينضاف إلى ذلك قيد الدين الخارجي وارتفاع نسبة الطلاق والعزوف عن الزواج… مما يشكل خطرا على حفظ النسل واستمرار الدولة في غضون 50 أو 60 سنة المقبلة حسب الدراسات والتوقعات.
هل تعتقدين أن تعديل مدونة الأسرة كفيل بحل أعطاب الأسرة والمشاكل التي تتخبط فيها؟
لا يمكن أن نصلح أعطاب الأسرة بالقانون وحده أو بالرقابة القانونية أو بالزجر، خصوصا إذا كانت صياغة هذه القوانين يغيب عنها استحضار البعد الأخلاقي القيمي كملطف للبيئة الأسرية وضامن للحمتها. فمثل هذه التعديلات تحاكي في غاياتها القوانين الغربية والتي أثبتت فشلها في بيئتها، حيث ارتفاع نسب الطلاق والأطفال خارج الزواج، وانتشار أشكال جديدة للأسرة الجندرية كالزواج من نفس الجنس وغيرها من المشاكل التي ينكرها العقلاء ويدقون ناقوس الخطر على الواقع المزري للأسر في الغرب.
كذلك فإن المدخل القانوني عاجز عن تحقيق أمن واستقرار الأسر في غياب العامل الاقتصادي والتنمية الحقيقية والعدالة الاجتماعية الضامنين لآدمية الإنسان والعيش الكريم، فالهشاشة الاجتماعية والاقتصادية هي السبب الرئيسي في إحداث بؤر الفقر والتهميش والتفكك الأسري.
وهنا نسجل للأسف هذه الانتقائية في التعامل مع احتياجات المواطنين؛ بل في بعض الأحيان تضخيم قضايا مجهرية لأهداف إيديولوجية محضة وغض الطرف عن أخرى بنيوية عويصة. من قبيل توفير البنيات التحتية من شبكات المواصلات والطرق لفك العزلة، وتيسير الولوج للتمدرس والخدمات الصحية، وتوفير فرص الشغل، ورفع الأجور، وتخليق المرافق العمومية، وتوفير السكن والقضاء على سياسة الريع والفساد…
فالتوظيف الإيديولوجي فاضح في استغلال مطالب نبيلة من قبل إنصاف المرأة وتحسين ظروف حياتها، حيث نجد النفخ في بعض الاستثناءات التي لا تشكل ظاهرة في المجتمع وغض الطرف عن الواقع المزري لكثير من النساء؛ حيث الأمثلة تتعدد …نساء يشتغلن بأجور أقل من الرجال خاصة في القطاع الخاص الذي يمتص دماءهن، ومنهن من يتم استغلالهن في الضيعات الفلاحية بأجور زهيدة وفي ظروف مهينة… وما حوادث النقل المهين للعاملات في الضيعات الفلاحية بالرماني وجهة سوس عنا ببعيد…
ونساء يمتن أثناء مخاض الولادة في العراء تحمل بعضهن أثناء المخاض على تابوت الموتى أو محمولات على الدواب في مناطق المغرب المنسي، ونساء لا زلن تحت الخيام في هذا الثلج ينتظرن سقفا يأويهن بعد زلزال الحوز، فكيف يمكن تثمين عمل هؤلاء النسوة؟ ومن عليه دفع مستحقاتهن؟
طبعا حين يتعلق الأمر بواجبات الدولة فهنا ستسكت طويلا.
نشكرك السيدة حفيظة رئيسة الجمعية المغربية مكارم للأخلاق والقيم على هذا الحوار القيم، وفي أمل اللقاء والتواصل معكم نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.