منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سيدنا لم يكن ساعي بريد يا سادة

سيدنا لم يكن ساعي بريد يا سادة/ عبد الحليم زوبير

0

سيدنا لم يكن ساعي بريد يا سادة

بقلم: عبد الحليم زوبير

         ما قيمة شخص يحمل إليك رسالة مهمة، فيها أخبار سارة، وتحذيرات جادة حول خطر محدق؟ إننا نتلقى رسائل كثيرة تغير مسار حياتنا في كل الاتجاهات، لكننا لا نهتم لحامل تلك الرسالة، لأنه في واقع الأمر مجرد موظف يتقاضى أجرا مقابل توصيل هذه الرسائل، إننا نأخذ الرسائل دون أن نعير اهتماما لحاملها، وفي كثير من الأحوال فإن هذه الرسائل يضعها ساعي البريد في صندوق الرسائل أو يرميها من تحت الباب، دون أن يقابلنا أو يسلم علينا، بل أحيانا نتسلم الرسالة من يده دون الاهتمام لوجهه وأحواله. إن هذا الذي يحمل الرسالة يسمى لغة بالرسول، أي أنه مرسول، والأهمية التي تشغلنا في هذه العملية ترتبط إما بالرسالة وإما بمن أرسلها.

ولعل هذا الفهم قد هو السائد أيضا عند بعض المسلمين، وهو يتعامل مع الرسالة المحمدية، على صاحبها أفضل السلام وأزكى التسليم، فهو يرى أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس سوى بشر مثلنا بنص القرآن، وأن ما يهم هو الانضباط لمقتضيات الرسالة، والخضوع لما يطلبه المرسل، أي أن شخصه صلى الله عليه وسلم منفصل عن الرسالة، ولذلك يكثر الحديث عن السنة كلما تحدث أحباب النبي صلى الله عليه وسلم عن الحب المحمدي، أو حلت ذكرى ميلاده عليه السلام، ويؤدي الأمر بأصحاب هذا الفهم أن يعلنوا الحرب على المسلمين المتعلقين بجناب المصطفى صلى الله عليه وسلم،  حرب يرون أنها للحفاظ على وحدانية الله وإتباع أوامره ونواهيه.

وهذا أمر يبدو لأول وهلة واقعيا، ويقوي التعلق بالله وبكتابه وبسنة نبيه، لكن.. هل يمكننا الحديث عن الإسلام بكل عقائده وشرائعه دون الحديث عن شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم، هل الرسالة أهم من الرسول كما في الواقع المعيشي مع ساعي البريد؟ إنني أزعم أن هذا الفهم فهم خطير من جهة ومنحرف من جهة أخرى. فأما كونه منحرفا فلأنه يخالف هدي الصحابة في علاقتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل من له إلمام قليل بحياة الصحابة وعلاقتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أن النبي بين أصحابه لم يكن حامل رسالة وحسب، بل إنه رسالة في حد ذاته، إنهم يتفاعلون مع شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا فائضا، أثمر اتباعا وطاعة، إنهم يتفاعلون مع نظرته وابتسامته وقيامه وقعوده وغضبه ورضاه.. بل يتسابقون للتبرك بآثاره من عرق ونخامة ودم حجامة وفضل وضوء وشعر.

لقد طلب أحد الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بردته ليتشرف بها كفنا يوم يموت، ولم يكن ذلك أمرا ورد به القرآن أو قررته السنة، وتتبعت أم حرام عرقه وهو نائم، ولم يقل لها أحد بأن محمدا صلى الله عليه وسلم بشر مثلها. وتناقل المسلمون شعره وثوبه ونعله.. وحافظوا عليها كما حافظوا على كتاب الله وسنة رسوله، ولم يكتب أحد أو يقل: إن ذلك بدعة لم يرد بها نص.

وقد عبر أنس بن مالك رضي الله عنه عن طبيعة العلاقة بينه صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه حين قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما مات أظلم منها كل شيء. هل حقا أضاءت المدينة بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل حقا أظلمت بوفاته؟ إن أصحاب الإحساس المتبلد لن يدركوا مغزى كلام أنس وسائر المحبين، لأنهم حين يبحثون عن الضوء والظلمة التي تحدث عنها أنس لا يجدون لها أثرا، وكيف يروى ذلك الضوء وتلك الظلمة من لا يملك قلبا كقلب أنس وسائر الأحباب؟

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته             قوم نيام تسلوا عنه بالحلم

         ثم تفنن التابعون وأتباعهم بإحسان على مر العصور في التعبير عن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإمام مالك بن أنس -هو القائل: والله ما نمت ليلة إلا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم- له اتصال دائم بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم. حكى أبو نعيم في حلية الأولياء: قال خلف: دخلت على مالك فقال لي : انظر ما ترى تحت مصلاي أو حصيري ؟ فنظرت ، فإذا أنا بكتاب فقال: اقرأه فإذا فيه رؤيا رآها له بعض إخوانه ، فقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام في مسجده قد اجتمع الناس عليه ، فقال لهم : إني قد خبأت لكم تحت منبري طيبا أو علما ، وأمرت مالكا أن يفرقه على الناس  فانصرف الناس وهم يقولون : إذا ينفذ مالك ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بكى فقمت عنه. (حليلة الأولياء ص316). وغير ذلك كثير من أحوال المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما كون ذلك التوجه خطير فلأنه يقبح ما هو مستحسن عقلا وشرعا، ويملأ قلوب بعض المسلمين بالحقد والضغائن على رجال ونساء لم يقترفوا من الذنوب إلا أنهم أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتهدوا في التعبير عن ذلك الحب، ولم يتقيدوا بشكل، تماما كما فعل الصحابة والتابعون ومن بعدهم، ممن لم يكونوا يتقيدون بشكل محدد في التعبير عن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل تصح محبة تحبسها أشكال محددة؟ أليس الحب فيضان قلب وبوح روح؟ لهذا فإننا لا نفصل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين رسالته، إننا نحبه شخصيا كما نحب كلام الله وسنة نبيه، فإن قلتم إنه مجرد بشر بنص القرآن قلنا: حرفتم القرآن، فالقرآن الكريم حين ذكر بشريته قرنها بالوحي؟ فالبشرية التي خالطها الوحي لا يليق بها ما يليق بسائر البشر، إن سيدنا يا سادة ليس ساعي بريد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.