منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

على عتبة الطريق؛مقدّمة متأخرة لمذكرات سائق سيارة أجرة

عبد الفتاح بلخوار

0

على عتبة الطريق

 مقدّمة متأخرة لمذكرات سائق سيارة أجرة

بقلم: عبد الفتاح بلخوار

لم تكن هذه الصفحات أول ما خطر لي، بل كانت آخر ما أملته التجربة على قلمي. كتبتُ ثلاث مواجهاتٍ من مذكّراتي، ثم التفتُّ إلى نفسي كمن ينظر في مرآةٍ بعد عناء السفر، فإذا بي أرى في الحكاية ما يستوجب بيان القصد قبل أن تُساء القراءة أو يُختزل المعنى في سطح الطريق.

إنّ هذه المذكرات ليست سردًا لأيام سائقٍ عاش بين الزحام والإشارات، ولا هي ترفُ الحنين الذي يلوذ به الشيوخ بعد عناءٍ طويل؛ بل هي شهادةُ زمنٍ وقراءةُ واقعٍ، تفتح النوافذ على مدينةٍ تضجّ بالحركة، وتئنّ من السكون في آنٍ واحد.

كتبتها لأقول إنّ في المقود فلسفةً، وفي الطريق درسًا، وفي كلّ زبونٍ حكايةً عن وطنٍ يتأرجح بين العدل والظلم، بين الجهد والضياع.

هي محاولةٌ متواضعة لنقد منظومةٍ لم تَعُد تُخرّج رجالًا للحياة، بل موظفين للرخص، وشبابًا يحملون شهاداتٍ لا تحملهم إلى وعيٍ ولا كفاءة.

ولئن رأيتني أُومئ مرةً وأُصرّح أخرى، فذلك لأنّ الصدق أحيانًا لا يجد إلى التلميح سبيلًا، وإنّ السكوت عن القبح مشاركةٌ فيه.

كتبتُ لأصالح نفسي مع ما رأته، وأُحاكم في سرّي واقعًا لم يعد يليق بالكرامة التي خُلق لها الإنسان.

ولم تكن المذكرات عندي مجرد حكاية طريق، بل هي رحلة بين المكان والإنسان، ففي كلّ حيٍّ مررت به أثرُ صالحٍ أو عالمٍ أو مجاهدٍ ترك بصمته في ذاكرة المدينة، فكان لا بدّ أن أذكره وفاءً، لا بحثًا عن الزينة اللفظية، بل لأنّ التاريخ حين يُروى من قلب الجغرافيا يكتسب صدقه، ويبعث فيه الروح من جديد.

وفي مقابل أولئك الخالدين، أذكر رجالًا ونساءً عرفتهم في أيّامي – بسطاء من لحم هذه الأرض – أذكر أسماءهم لا لأُذيع خبرهم، بل لأُكرم أثرهم؛ لأنّ من لم يشكر الناس لم يشكر الله. لقد كانوا نجومًا في سماء حياتي القصيرة على مقعد القيادة، يضيئون الطريق كلما أظلمتْ عليّ المدينة.

وسمّيتُ كلّ فصلٍ من هذه الصفحات مواجهةً، لا حلقةً، لأنّ السائق – و كل الكادحين – حين يخرج في الصباح لا يبدأ عملًا، بل يدخل معركةً مع المجهول: مع الطريق التي لا تُؤمن، ومع الزبون الذي لا يُتوقّع، ومع نفسه التي تُصارع التعب واليأس والرجاء.

ولئن جاءت هذه المقدّمة بعد أن مضى من العمل ثلاث مواجهات، فإنّ التأخّر هنا ليس نقصًا، بل حكمة، فكم من مؤلفٍ رأى ضوء فكرته بعد أن كتب، لا قبل أن يكتب! وقد فعل ذلك الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، حين ألّف مقدمات في المنهاج بعد المنهاج النبوي، لا استدراكًا، بل إيضاحًا للمفاهيم وتجليةً للمقاصد.

وهكذا هي المقدّمة حين تأتي بعد النشر: لا تسبق النص، بل تنبثق منه كالماء من الحجر، تفسّر بعضه وتزيده حياةً.

إنّي أكتب هذه المذكرات وأنا أعلم أنّها ليست سيرة فردٍ فحسب، بل صورة جيلٍ بأكمله: جيلٍ تعلّم كيف يقود السيارة قبل أن يتعلم كيف يقود مصيره، جيلٍ وُضع على الطريق دون خريطة، فقاده الصدق والكدّ وحدهما.

و قد أيقنت أن ما بدأته لم يكم مجرد مشروع أدبي، بل رحلة بحث عن الإنسان في زحام المدينة، و رغبة في أن أمسك بخيط الصدق وسط هذا التشابك بين العيش و الحلم، بين التعب و الكرامة.

فليقرأ القارئ هذه الصفحات كما يشاء: حكايةً، أو مرآةً، أو مرثيةً لوطنٍ يتنفس بالشقاء ويبتسم بالصبر، فإن وجدت عزيزي في هذه الصفحات بعض نفسك، فاعلم أن الطريق يجمعنا، و أننا – و إن اختلفت مقاعدنا – نواجه الحياة بالنية نفسها: أن نصل إلى غايتنا دون أن نفقد ما تبقى فينا من طهر و بسمة.

أما أنا، فسأمضي أكتبها كما أقود في الطرقات، لا أملك إلا عجلة القيادة وصدق النية، وأؤمن أن في النهاية طريقًا مستقيمًا يصل الإنسان بإنسانيته، مهما طال الالتواء.

هنا تبدأ الحكاية، لا من مقعد السائق فقط، بل من قلب المدينة.

مع تحياتي، صديقكم عبد الفتاح

على مشارف مواجهة جديدة إن شاء الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.