ليلة البراءة: دعوة للصفاء وطلب المعالي(1)
بقلم: صلاح الدين المساوي
تمهيد.
يأبى اللهُ سبحانه إلا أن يفتح أبواب رحمته لعباده، ويحضّهم بأساليب شتّى على ولوجها والتعرّض لنفحاتها، كما كان يحثّ على ذلك نبينا الكريم ﷺ في قوله: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعلّه أن يصيبكم نفحةٌ منها فلا تشقون بعدها أبدًا»(2).
وتطلّ علينا ليلةُ النصف من شعبان، فيسبق شعاعُ نورها إلى قلب كل مؤمن ومؤمنة، ليستفيق من غفلته وينهض من سباته استعدادًا لاستمطار رحمة ربّه، التي يحتفي بها الكون كلّه، فيصيب بها سبحانه من يشاء من عباده: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 56].
هي ليلةٌ ليست كسائر الليالي، ولا يدرك فضلها إلا من انتصر على هوى نفسه وغرور شيطانه، حتى صار له قلبٌ نقيٌّ تقيّ، يفهم عن الله وبه يستعين: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
أولًا: القلب ونفحات الرحمة.
وسُمّي القلبُ قلبًا لكثرة تقلّبه؛ فهو يتقلّب في الأفكار والخواطر والواردات، ولا يثبت على حالٍ إلا بذكر الله، ولا يجتمع إلا على الكلمة الطيبة، التي بها يخشع ويتفكّر وينقاد للحق. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24].
ومن داوم على ذكر «لا إله إلا الله» ظفر بقلبٍ جديد طالما بحث عنه، وفي هذه اللحظة الإيمانية؛ لحظة الوجد والحضور ينبعث السؤال من أعماق الوجدان: من أنا؟ وماذا أريد؟ وما المصير؟
وعندما يحيا القلب ويتنور بالذكر يصير له معنى فيستدرك ويستغفر ربه من كل الذنوب و الآفات ، حتى يصبح طاهرا زكيا صالحا للزرع والسقي و إثمار الخير. قال الله على لسان نبيه نوح عليه السلام: ” فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا , يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا,وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10- 12] . وهنا تتحقق الولادة القلبية الكاملة وسط العطاء الإلهي الذي لا يعد ولا يحصى، فترى المؤمن يمشي في دنيا الناس خاشعا مطمئنا ،خاضعا لأمر الله وقضائه. وما ذاك إلا بلمسة نورانية أحكمت قلبه؛ قال سبحانه “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ” [ الأنعام/122].
بالذكر والاستغفار وردّ المظالم ،تتحقق التوبة النصوح وتؤتي أكلها كل حين في محضن الصحبة والجماعة المؤمنة؛ صحبة تأخذ بيدك وترشدك على صوى المنهاج النبوي كي لا تضل و لا تشقى ،وجماعة تعلمك معنى الحب في الله والبغض في الله، وتعينك على مسار إحقاق الحق وإزهاق الباطل في نفسك وأمتك، وترتقي بك إلى ذوق معاني الجلال والجمال حين يناديك ربك ويهز وجدانك، في قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”[النحل/90].
ثانيا: فضل ليلة البراءة وإحياؤها.
وعلى هذا المنهج السليم في اليقظة القلبية،يمكننا قراءة بعض الأحاديث النبوية التي وردت في فضل ليلة النصف من شعبان، حيث يتجلّى عفو ربنا وكرمه على عباده.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن»(3).
وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين، ويمهل الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه»(4).
وقال عطاء بن يسار رحمه الله: «ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، يتنزّل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيغفر لعباده كلهم، إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم».
فمن دخل هذه الليلة وقلبه ملوّث بالشرك، أو مشحون بالشحناء، أو مقيم على قطيعة الرحم، فقد حُرم خيرًا عظيمًا، إذ هي ليلة الصفاء والبراءة، لا تُنال بركاتها إلا بسلامة الصدر وطهارة القلب.
ولهذا جرى العرف عند كثير من الناس على استقبال هذه الليلة بالعفو، وصلة الأرحام، والتزاور، وترك الخصومات، قبل الإقبال على قيامها والدعاء فيها، وقوفًا على باب الكريم الوهاب.
ويكفي لإحياء هذه الليلة المباركة أن يجتهد العبد في صلاة الليل، كما كان يفعل نبينا ﷺ في سائر الليالي، ويزيد في تلاوة القرآن، والذكر، والدعاء، تعرّضًا لنفحات رحمة الله. وقد استحبّ العلماء إحياءها، ومنهم شيخنا عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله كما جاء في رسالته “حسن البيان”(5).
وقد روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول في سجوده ليلة النصف من شعبان:(6)
«سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، فهذه يدي وما جنيت به على نفسي، يا عظيم يُرجى لكل عظيم، اغفر لي الذنب العظيم. أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم ارزقني قلبًا تقيًا، من الشرك نقيًا، لا جافيًا ولا شقيًا».
وقد أحسن بعض الفضلاء نظمه قائلا:(7)
فقم ليلةَ النصفِ الشريفِ مُصلِّيًا / فأشرفُ هذا الشهرِ ليلةُ نصفِه
فكم من فتىً قد بات في النصفِ آمنًا / وقد نُسِخت فيه صحيفةُ حتفِه
فبادر بفعلِ الخيرِ قبل انقضائِه / وحاذر هجومَ الموتِ فيه بصرفِه
وصم يومَه للهِ وأحسن رجاءَه / لتظفرَ عند الكربِ منه بلطفِه
وصلى الله على سيدنا محمد صاحب الشريعة والبرهان، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.
(1) ):ليلة البراءة :هي من أحد أسماء ليلة النصف من شعبان ،كما قال المباركفوري في تحفه الأحوذي بشرح جامع الترميذي. (6/465): “باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان وهي الليلة الخامسة عشر من شعبان وتسمى ليلة البراءة”.
(2) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه.
(3) رواه ابن ماجه وابن حبان .
(4) أخرجه الطبراني والبيهقي.
(5) عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري، حسن البيان في ليلة النصف من شعبان.
(6) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.
(7) رسالة حسن البيان في ليلة النصف من شعبان.