منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمي في الجنة

أمي في الجنة/ الأستاذ مصطفى الشاح

0

أمي في الجنة

بقلم: الأستاذ مصطفى الشاح

اليقين في الله وعيش معاني الآخرة والشوق لما عند الله وأنت لازلت هنا في الدنيا منزلة وأي منزلة وعنوان صلاح ونجاح.
أمرنا الله عز وجل بالإحسان إلى الوالدين والبر بهما، وجعلهما من مفاتيح الخير والسعادة للعبد في الدنيا والآخرة.
فهم أحق الناس بحسن صحابتنا ورعايتنا ورفقنا *وبالوالدين إحسانا* وحذرنا الله عز وجل من رفع الصوت عليهما فلا أف ولا نهر ولازجر ولاغضب منهما بل دعاء خير ورحمة اعترافا لهما بالفضل ووفاء لعطائهما الجزيل. فمنهما نسقى والنظر إلى وجههما يعدل حجة وقلوبنا تجأر بالدعاء *وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا*
أنعم الله علي تكرما منه سبحانه وتفضلا أن أهاتف أمي يوميا أبتغي الأجر والثواب والبر، وكذا لأونسها أن بلغت من الكبر عتيا وأسليها خاصة بعد رحيل والدي الحاج الطاهر إلى الدار الآخرة رحمه الله وأعلى مقامه. نتجاذب أطراف الحديث ونتكلم في كل المواضيع ونسبح في ملكوت الحياة ونجول بين سهولها وهضابها وتلالها وقممها.
ويدوم الحوار الشيق أحيانا لساعات بلا كلل أَوملل بل متعة ما بعدها متعة كأن الدنيا حيزت لي بحذافيرها.
المهم في كل ذلك ان تفرح أمي وتسعد وتأنس وتقضي وقتا ممتعا مع فلذة كبدها الذي شارف على الستين وهي لازالت تراه طفلها الصغير وتخاف عليه وعتاء سفر الدنيا وكآبة منظرها وسوء منقلبها، فلا تبخل بدعواتها وأحيانا بدموعها تستمطر رحمات الغيب.
العجب كل العجب أنني حين أسألها عند بداية كل مكالمة:
-كيف حالك ياامي؟
فتجيبني جواب الموقنين في كرم الله وحنانه والطامعين في عطائه ونواله
.- أنا يا بني في الجنة، أنا يا بني في الجنة
كأنني لم أسمع جيدا الجواب بل يفاجئني جوابها وأحار كيف أرد على كلامها.
ثم ألاطفها الحديث وأستفسر عن السر في هذا الجواب غير العادي
كيف ذلك ياأمي؟!
. فتجيب بثبات وعزم ورشد:
أنا يا بني أشعر كأني أملك الدنيا كلها وأستحيي من ربي على عطائه ومنه وفضله وأعيش فرحة وطمانينة. ومهما شكرت الله وحمدته فأنا أخجل يابني من ربي.
هنا أتذكر قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ماذا يفعل بي أعدائي ؟ أنا جنتي في قلبي , نفيي سياحة و سجني خلوة و قتلي شهادة.
ثم تردف أمي المرأة الشريفة العفيفة الطاهرة المجاهدة الصابرة قائلة:
أنا يابني أعيش كل الرضى بالله أبعد سبحانه عني كل سوء أوكدر وأزال عن قلبي كل وحشة وضيق ومتعني بالصحة والعافية وحفظ لي ذريتي وجعلها قرة العين.
تسكت قليلا تم تتابع وصف جنتها:
أجلس في غرفتي في خلوتي في أنسي وملاذي سبحتي في يدي وقلبي معلق بوقت الصلاة لأناجي ربي وأعرض عليه حاجاتي وأمد إليه يدا بالذل مفتقرة إلى خير من مدت إليه يد..
أستمتع بقضاء أغراض البيت من تنظيف وطبخ وعجين. وحين يذب لي الملل أخرج الى الجيران أزور مريضهم وأتفقد غائبهم وأواسي محزونهم وأسلم على كل مار وقد أتبادل معه عذب الحديث ونسترجع ذكريات عدت ومرت، ولا بد أن أمر بدكان الحي أشتري ما احتاج وما لا أحتاج، ثم أعود وقد حصلت طاقة ايجابية وفرحة وبهجة وسرورا وعند الله اجر وحسنات أدخرهما ليوم المعاد.
نسيت ان اخبركم ان أمي الحبيبة قد جاوزت الثمانين ولم تلج يوما مدارس التعليم والتحصيل لكنها بفضل الله حازت أعلى الشواهد والتقديرات من مدرسة الحياة، وتخرج من مدرستها الشريفة أساتذة كبار ينشرون الآن المحبة والسلام في كثير من آفاق الدنيا ولله الحمد والشكر ولها الوسام والفخر. وكل عالمها بين جدران غرفة تتسع لكل زائر وتلبي حاجة كل طالب. تنبعث منها رائحة الامن والامان وعبير الانس والصفاء.
هنا جنة امي يا ايها التائه الحائر يامن تظن ان السعادة جمع مال ومتاع، يامن تاهت بك دروب الزمن لاهتا وراء السراب وملأت قلبك حقدا وحسدا وضغينة وبغضاء ولبست رداء الانانية وأقفلت نوافذ العطاء وأسدلت دون الخلق ستار البخل والمنع والكبر وحسبت أنك على شيء وإذا بك كمن يحاول مسك الماء بين أصابعه.
ياحسرتاه على من عاش دنياه ولم يذق طعم المحبة ولم يدخل جنة الدنيا وعاش عيشة ضنكى ولم يطرب قلبه على ايقاع كن جميلا تر الوجود جميلا. ولاخبر له بأن السعادة في العطاء وأن الطمانينة في محبة الخير للغير وأن رحمة الله قريب من المحسنين المحبوبين القريبين من الخلق. ضاع عمر من عاش ومناه ملء بطن وجيب وما اشتهى نظرة وسرورا،وجنة وحريرا ودانية عليه ظلالها وذللت قطوفها تذليلا.
ياأيها الانسان إنها الجنة فبادر وألح في الطلب فعساك تنادى {ادخلوها بسلام آمنين}

ملحوظة:مثل أمي في وطننا الحبيب عشرات بل مئات الامهات الشريفات العفيفات لم يكتب لهن ولوج الجامعات ولم تتصدر صورهن صفحات الصحف والمجلات ولم يسرن يوما على البساط الاحمر ولم يحملن شارات ولا اوسمة. لم يحتفى بهن على منصات التتويج ولم يسرحن شعورهن على مذابح الشرف، لكن قدمن لهذا الوطن خدمات وإنجازات وبنين صروح عز وفخر وسقين كل عطشان ثم تولين الى الظل. قد ينسى التاريخ ذكرهن وقد يبخسن حقهن في الاعلام لكن عند الله يخشاهن ظل الرحمن وليمرن-يارب استجب- على الصراط كالبرق الخاطف وسيجلسن على منابر من نور بقرب النبيئين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.