مهند يحتفل في المخيم بالمولد (قصة الأطفال)
بقلم: حسناء ادويشي
أنا مهند أبلغ من العمر إحدى عشرة سنة، نازح أعيش في المخيم منذ ثلاثة أشهر، ثلاثة أشهر مرت و كأنها ثلاث سنين ؛ لا مدرسة، و لا ملعب، و لا بيت، سوى خيام مهترئة لا تقي حرا و لا زمهريرا. الطعام قليل جدا، و قد ينعدم في أحيان كثيرة، نراقب من هنا رحى الحرب الدائرة، نستشرف النصر القريب و الفرج من رب سميع مجيب.
لقد اقتلعنا من منازلنا و انتزعنا من وسط ذكرياتنا و أملاكنا كما تنتزع الروح من الجسد، قسرا رحلنا، فكل البيوت تهدمت، و أغلبنا دفن تحت الردم جزءا من أهله أو كلهم، و نحن الأطفال كثير منا دفن هنا أجزاء من جسده.
…نعم، نعم، انظروا، لقد تركت يدي اليمنى هناك، لقد سبقتني للجنة، ووعدتها بالنصر القريب أو الالتحاق بها قريبا، فهناك الأمن و الأمان و السلم و السلام، حيث لا صوت مدفع يفزع، و لا رشاش يخيف، و لا طائرة ترعب.
الجنة حلمنا؛ أحببناها لأن فيها الهناء و الراحة، و فيها اللقاء بالحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم، و الاجتماع مع أهلنا الذين سبقونا من الشهداء.
لقد تربينا على حب الآخرة فهانت علينا الدنيا، و صيرتنا الحرب رجالا رغم حداثة سننا. الجنة حديث الصباح و المساء، و منية الطفل و الشاب و الشيخ و النساء، و دونها صبر و جلد و غيظ للأعداء بما نحقق من نصر و بما نحن عليه من ثبات، دون النصر تحرير المسجد الأقصى من يد الصهاينة الغاصبين، و نحن -أطفال غزة- بشرى نصر للمسلمين، فحب الأقصى يسري في دمنا، فنحن و أهلنا و مالُنا ومالَنا فداء له.
اليوم بدأ في المخيم الاستعداد للاحتفال بمولد خير الأنام و خير الرسل الكرام، عليه أزكى الصلاة و السلام.
لا تعجبوا فلن تحجب عنا الإعاقات و الآلام الاحتفال بيوم ميلاد النور محمد عليه الصلاة والسلام. لقد زين الأهالي المخيم بما يملكون من أدوات زينة بسيطة جادت بها أفكارهم؛ فأبدعت جمالا متنوعا أخاذا من وسط الركام و الجوع و الحطام. إنها حقا أجمل زينة رأيتها في حياتي تليق بمقام الحبيب، فهي بطعم الجهاد و اليقين في النصر القريب.
أيها الأصدقاء، أعتذر عن إكمال قصتي فقد جاء العم جاد، و أنا متشوق لمعرفة ما يحمل من هدايا و مفاجآت في هذا العيد.
-عمي جاد، أرى معك الكثير من الشباب. هل سينطلق الحفل الآن.
-نعم، نعم، هيا يا أحباب تحلقوا تحلقوا.
و انطلق الحفل البهيج بالصلاة و السلام على خير الورى و خاتم الأنبياء والمرسلين.
و الآن أعود إليكم لأكمل باقي القصة:
تجمع الأطفال فرحين بيوم عزيز، هو يوم خاص للفرح برسول الله صلى الله عليه و سلم مع الأهالي و الأحباب و الجيران. و بدأ العم جاد و فرقة الإنشاد بمدح خير البرية، و تعالت مع الإنشاد أصوات الحاضرين تردد معهم مختلطة أناشيدهم بزغاريد النساء و بالتهليل و التكبير و الصلاة على خير المرسلين، مشكلين
لوحة فنية رائعة، امتزج فيها جمال الأصوات بسمو الأرواح في حضرة خير البرية مع عزة و صمود الجميع رغم كسور الحرب المبرحة.
توقف الإنشاد برهة، ونادى عليَّ العم جاد لألقي خطبة في خصال نبينا المختار مع الصبية والأطفال، حيث وضعني على كتفيه، وألقيت خطبتي التي أعددتها بمساعدته وسط التهليل و التكبير، وانهالت علي باقات من القرنفل و الياسمين وقطرات من عبق المسك والرياحين. وأجلت نظري وسط الحاضرين و تمنيت لو كان الرسول بينهم يسمع كلماتي، رجوت أن أجري و أرتمي في حضنه الشريف و أشكو له ما فعل العدو بيدي و بأهلنا المرابطين على ثغور الأقصى العظيم، تمنيت أن أحكي له عن بطولات الأطفال في حرب غزة العزة حيث لا ناصر إلا الله و لا معين سواه.
وفي غمرة البهجة والسرور والرجاء في الوصال مع خير رسول، رمقت من بعيد أمي التي كانت ترقد في المستشفى في حالة حرجة قادمة نحوي تسندها بعض النسوة. فانتزعني العم جاد من ذراعيه وجريت نحوها ثم ارتميت في حضنها منهالا عليها بالقبل، و التصقت يدي السليمة الباقية على جسمها و عانقتها و غمرتني بدفء حبها وحنانها وعطفها و حرارة الشوق إليها، و تركنا الحرية لدموع الفرح تنهال من المقل.
كان العيد عيدين؛ عيد بمولد الحبيب المصطفى خير من اختار الله و اصطفى، الذي بحبه تنجبر القلوب و بالصلاة عليه تنفك الكروب و تشد العزائم و الهمم للثبات ضد العدو الغاشم، و عيد بعودة أمي المصابة معافاة، فهي الرجاء بعدما زفت الحرب أكثر أهلي و أسرتي إلى القبر.
هذه قصتي فيها بطولات و إيمان رغم الآلام، و فيها للأطفال الصغار من عظيم خصال الرجال.