سلسلة منارات حديثية
الحلقة الرابعة: طعم الايمان
بقلم: محمد الصادق
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النار”. [1]
معاني في الحديث
طرح هذا الحديث العظيم معادلة أحد طرفيها يتضمن حُبين وكُره واحد والطرف الآخر حصول طعم الايمان وهذا من جوامع الكلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يبشر أمته بأن للإيمان حلاوة، يجدها من استوفى شروطها.
فأما الحب الأول هو “أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما”. حب الله أسه وأساسه طاعة الله ورسوله والتقرب إليه بالفرض والنفل والجهاد في سبيله واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباعا كاملا، يقول الله عز وجل “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم”.[2] وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوثق عرى الايمان فمحبته صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون أعظم من محبة المرء لنفسه ولولده ولوالديه والناس أجمعين. لما قال عمر رضي الله عنه: “لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، قال له: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر”.[3]
والحب الثاني “ وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله” تعني أن تكون المحبة خالصة لله تعالى، دون انتظار مقابل مادي أو منفعة شخصية, لكن الحب في الله له معان أسمى وارقى من متاع الدنيا والمصلحة النفعية الضيقة إلى بناء المجتمع المتطلع لبناء الأمة كما بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن النبوة يقول الأستاذ عبد اللام ياسين رحمه الله: ولكون الحب في الله كسبًا للعباد بوجه من الوجوه، جاء الحث عليه في الكتاب والسنة، واستُحِب للرجل إذا أحب أخاه أن يخبره ليكون ذلك مدعاة لمزيد من التعاطف والتواد، واستُحِب أيضا أن يقتصد بَعضنا في حب بعض لكيلا تحجبنا ألفة بعضنا بعضا عن حب الله ورسوله. يكون حب الله في صميم صميم قلوبنا، ويغشى حبُّ رسول الله تلك الشِّغاف، وتَستَظْهر النفوس حبَّ بعضنا بعضا مما يلي القلب، ومما يلي جانب المواساة والتعاون الفعلي، والبذل والعطاء، والخدمة والرعاية، والتعاون على البر والتقوى، والتواصل والتزاور والتجالس والتراص في صف الجهاد، والانتداب للمشاركة في أعمال البناء الجماعي تربية وتنظيما وزحفا، وحملا لأعباء الدعوة والدولة، وتبليغا لرسالة الرحمة والمحبة للعالمين. [4].
الحب في الله والحب لله هو تلك المادة القلبية التي تبني التماسك والتعاطف والتراص في الصف الذي يحبه الله ورسوله، والباعث لتلك القوة التي أبهرت العدو قبل الصديق وهو أيضا الطاقة التي لا تُغلَب.
ورد في فضل التحاب في الله نصوصا حديثية كثيرة أقتطف لكم بعضها على سبيل المثال لا الحصر.
. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ”. [5]
عن مُعَاذِ بْنِ جَبَل رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمتحابين فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ”.[6]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ”.[7]
أما الكره الوارد في الحديث، “وأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ” هو عمل إرادي قلبي أن يكره الكفر ولوازمه عقديا وفكريا وعملا وسلوكا، كراهية الكفر تضاهي في المرتبة كراهية القدف في النار، فمن يستشعر ألم الوقوع في النار يكره الكفر وكل طريق يؤدي إليه، وفي رواية “وأن يَكرهَ أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يَكرهُ أن يُقذف في النار”
أهم الفوائد المستخلصة من هذا الحديث:
- محبة الله أعلى مقامات الإيمان، لا يُقدَّم عليها والد ولا ولد ولا مال. وسبيلها التقرب إلى الله بالفرض والنفل وسائر الأعمال التي تجلب محبة الله.
- من أعظم السبل الكينونة مع المحبين حتى تتعلم حب الله وإن لم تبلغ مراتبهم والصبر معهم يرفعك إلى مقامهم
- محبة النبي صلى الله عليه وسلم من كمال محبة الله، ولا يكتمل إيمان العبد حتى يكون الرسول أحبَّ إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين.
- الحب في الله يربط القلوب بالإيمان، ويثمر الأخوة الصادقة بل يرقى بشتات المؤمنين إلى مجتمع متماسك متعاضد كمثل الجسد الواحد. فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.[8]
- إن كان ما سبق يحقق طعم الايمان فكيف إن كتبك الله مع المحبوبين فقد فُزت بخيري الدنيا والآخرة قال الله عز وجل “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ”.[9]
[1]: أخرجه البخاري في كتاب الايمان
[2]: سورة آل عمران الآية 31.
[3]: رواه البخاري.
[4]: كتاب الإحسان 1 ص163
[5]: اخرجه أبو داود في كتاب السنة
[6]: اخرجه مالك في الموطأ
[7]: اخرجه مسلم في كتاب الايمان
[8]: أخرجه البخاري، كتاب الأدب ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب
[9]: سورة الصف الآية 4
وآخر دعوانا أن الحمد لله