دقائق الليل غالية، فلا تُرخِصوها بالغفلة (الحلقة 4) | سلسلة سرج رمضانية
رشيد كريم
دقائق الليل غالية، فلا تُرخِصوها بالغفلة (الحلقة 4) | سلسلة سرج رمضانية
رشيد كريم
لا شك أن كل امرئ يسعى للشرف والسؤدد، والشرف الدنيوي ليس له في ميزان الملك العدل من خلاق، الشرف الحقيقي هو قيام الليل تبعا لقول الصادق المصدوق ﷺ ﴿أتاني جبريلٌ، فقال: يا محمدٌ! عشْ ما شئتَ فإنكَ ميتٌ، وأحببْ منْ شئتَ فإنكَ مفارقُهُ، واعملْ ما شئتَ فإنكَ مجزيٌّ بهِ، واعلمْ أنْ شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليلِ، وعزَّهُ استغناؤهُ عنِ الناسِ﴾ -1-
ما أنعم التوفيق حين يوفق العبد للقيام ليلا والناس نيام
وكم حننت لسجدات أقول بها *** سبحان ربي وأدعوه بعلياء
ويا لشوقي إلى وتر القنوت به *** أدعو الكريم الذي عمت عطاياه
أدعوه والدمع بالعينين مختنق *** والقلب محترق مما شهدناه
قيام الليل وقود المؤمن ومعينه الذي لا ينضب، وهو أمر الله تعالى لنبيه في فجر دعوته ليستمد منه الطاقة التي تحركه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ -2-
هكذا قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد امتثَلَ الحبيب أمر ربِّه، فقام وأطال القيام، وبكى وأطال في البكاء، وخشع وأطال في الخشوع، وسجد وأطال السجود، تقول عائشة رضي الله عنها عن حبِّه صلى الله عليه وسلم لقيام الليل: ﴿أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلكَ صَلَاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِن ذلكَ قَدْرَ ما يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً، قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ علَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حتَّى يَأْتِيَهُ المُنَادِي لِلصَّلَاةِ.﴾ -3-
وصح عنه أنه سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: أ﴿َيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقالَ: أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ.﴾ -4-
قيام الليل لا يصمد له إلا المخلصون الذين يهرعون إلى ربهم حين ينام الخلق وتخلو الساعات إلا من أنفاس المؤمنين بربهم والمستجيبين له سبحانه حين يتنزل في الثلث الأخير من الليل منادياً أحبابه، كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إذا كان ثُلُثُ الليلِ أو شَطْرُه يَنزِلُ اللهُ إلى سماءِ الدنيا فيقولُ هل من سائلٍ فأُعطيَه هل من داعي فأستجيبَ له هل من تائبٍ فأتوبَ عليه هل من مستغفِرٍ فأغفرَ له حتى يَطْلُعَ الفجرَ﴾ -5-
قيام الليل هو سلوك المؤمنين الذين وصفهم الله عز وجل: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ -6-
وقد وجه الله عز وجل عباده لأهمية قيام الليل وفضله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً {25} وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ -7-
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ {48} وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ -8-
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ {15} تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {16} فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ -9-
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ -10-
ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: ﴿ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ، أَوْ قَالَ: فِي أُذُنِهِ﴾ -11-
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنْ الإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ﴾ -12-
وعن عائشة رضي الله عنها، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: ﴿أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ﴾ -13-
يقول الله عز وجل لرسولـه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ -14-، مثل قيامك في ليالي الدنيا يكون قيامك المحمود يوم القيامة.
أخي الغالي أختي الغالية
رمضان شهر الصيام والقيام.. أحلى الليالي وأغلى الساعات يوم يقوم الصائم في جنح الظلام بين يدَي الملِك العلام:
قلـتُ لليل: هـل بجـوفـك سـرٌّ *** عـامـرٌ بــالحديـثِ والأســـرارِ؟
قال: لم أَلْقَ في حياتي حديثًا *** كحديث الأحباب في الأسحارِ
قلت لليل: كم بصدرك سر*** أنبئني ما أروع الأسرار؟
قال: ما ضاء في ظلامي سر*** كدموع المنيب في الأسحار
ليل الصائمين حقا وصدقا قصير؛ لأنه لذيذ، وليل العابثين طويل؛ لأنه سقيم..
وصف الله ليل الصالحين من عباده فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ -15- ووصفهم في السحر فقال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ -16- وقال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ -17- – حتى قال أبو سليمان الداراني عن الليل، الذي كان ينتظره بشوق: (أهلُ الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببتُ البقاء في الدنيا).
وقال الفضيل بن عياض (إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي)
وقال أبو سليمان (لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم)
وقال بعض العلماء: (ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة)
وقال بعضهم:( لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم)
وقال ابن المنكدر (ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في الجماعة)
ويقول الفُضيل بن عياض: (بكاء النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاء الليل يمحو ذنوب السرِّ).
وقال بعض العارفين:( إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا، فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين).
قال الحسن البصري رحمه الله: لم أجد من العبادة شيئًا أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: لأنهم خلَوا بالرحمن، فألبسهم من نوره.
وقال أيضا: ما نعلم عملا أشد من مكابدة الليل.
و قال عطاء الخراساني رحمه الله تعالى: قيام الليل محياة للبدن، ونور في القلب، وضياء في البصر، و قوة في الجوارح.
بل كان بعضهم يقسِّم الليل أرباعًا، يقوم هو ربعَه الأول، وزوجتُه ربعَه الثاني، وخادمُه الثالثَ، وأمُّه الربعَ الأخير، ولما مات أحدهم، وزع الليل ثلاثًا، وهكذا حتى مات الثلاثة، فأحيا الليل كلَّه.
قال ابن القيم في وصفه لهم:
يُحــيُونَ ليلَهـمُ بـطـاعــة ربِّـهـــم *** بتـلاوةٍ وتـضـرُّع وســـؤالِ
وعيونُهم تجري بفيضِ دموعِهـم *** مثل انهمال الوابل الهطَّـالِ
في الليل رُهبانٌ وعند جهادِهــم *** لعدوِّهم مِن أشجعِ الأبطالِ
بوجوهِهم أثرُ السجود لــربِّهـــم *** وبـها أشعـةُ نـورِه المتـلالِي
أخي الغالي أختي الغالية
وما أجمل أن يلحق أهلُ البيت بمدرسة الليل؛ لأن البيت الذي يتربَّى ويتخرج في مدرسة الليل يؤثِّر في الأجيال، ويُخرِج الأبطال، مثل صلاح الدين الأيوبي، الذي كان يتفقَّد رجاله بالليل، فإنْ وجدهم يقومون الليل يقول: (من هنا يأتي النصر)، وإن وجدهم نائمين قال: (من هنا يتأخَّر النصر)
وصدق الشهيد حسن البنا رحمه الله موصيا الدعاة: (دقائق الليل غالية، فلا تُرخِصوها بالغفلة).
دقائق الليل غالية فلا ترخصوها بالغفلة! كلمة راقية جادت بها قريحة أحد النجباء وجعلها الكبار في حياتهم شرعة ومنهاجاً، فقيام الليل مدرسة المخلصين، ومضمار السابقين، وعنوان محبة رب العالمين، وأمارة على صدق المحبين، تخرج من ردهاتها العظماء والأصفياء من الأولين والآخرين، وهو سنة دأب عليها الصالحون، وواظب عليها المجتهدون، يوزع الله فيها عطاياه في جوف الليل لأهل القيام، ويحرم منها الغافلون والنيام، وفرسان الليل أصح الناس أجساداً، وأسعدهم نفوساً، وأصبحهم وجوهاً؛ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾-18 –، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فلم يكن يدع قيام الليل في سفر ولا حضر، عن عائشة رضي الله عنها، ﴿أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه﴾-19-
وثواب الأعمال يتضاعف في شهر الغفران فاجعل لك سهماً في قيام الليل لأنه شرف المؤمن وبهاؤه، وإشراق وجهه وضياؤه.
قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدُجى يبكون على زمن ضاع في غير الوصال، إن ناموا توسدوا أذرع الهمم، وإن قاموا فعلى أقدام القلق لما امتلأت أسماعهم بمعاتبة كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني، حلفت أجفانهم على جفاء النوم.
إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسني
فإذا كانت دقائق الليل غالية، فهي في ليل رمضان أغلى، فلا أقل من أن تحافظ على صلاة التراويح مع الإمام؛ فقد جاء في الحديث: ﴿إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة﴾ -20-،
يمشون نحو بيوت الله إذا سمعوا *** الله أكبرُ في شوق وفي جذَل
أرواحهم خشعت لله في أدب *** قلوبهم من جلال الله في وجل
إذا سجى الليل قاموه وأعينهم *** من خشية الله مثل الوابل الهطل
هم الرجال فلا يلهيهم لعب *** عن الصلاة ولا أكذوبة الكسل
فإياك أن تنشغل في أيام الخير والفضل، قدوتُك في ذلك رسولُ الله والصحابة والسلف الصالح.
فقد كانت بيوت المهاجرين والأنصار إذا أظلَمَ عليهم الليل سُمِع لهم نشيجٌ بالبكاء، وإذا أسفر الصباح فإذا هم الأُسُودُ إقدامًا وشجاعة:
في الليل رهبانٌ وعند لقائهم *** لعدوِّهم مِن أشجعِ الشُّجعانِ
وكان إذا انتصف الليل، في القرون الأولى، كانت أصوات المؤذنين ترتفع تنادي:
يارجال الليل جدوا***رب صوت لا يرد
ما يقوم الليل إلا***من له عزم وجِدُّ
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم الصلاة الصلاة و يتلو ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ طه 132
كانت بيوت السلف في ظلام الليل مدارسَ تلاوة، وجامعات تربية، ومعاهدَ إيمان، وبيوتُنا اليوم – إلا من رحم الله – أصبحت تَعِجُّ باللهو والسهر وسماع الغناء والمسلسلات والأفلام، ولما فقدنا قيام الليل قسَتْ قلوبنا، وجفَّت دموعنا، وضعُف إيماننا، وذهب شرفنا، وأظلَمت وجوهُنا.
ياليل قيامك مدرسة***فيها القرآن يدرسني
معنى الإخلاص فألزمه***نهجاً بالجنة يجلسني
ويبصرني كيف الدنيا***بالأمل الكاذب تغمسني
مثل الحرباء تلونها***بالإثم تحاول تطمسنى
فأباعدها وأعاندها***وأراقبها تتهجسني
فأشد القلب بخالقه***والذكر الدائم يحرسني
إن الذنب لا يغسل إلا بدمع، قال ابن القيم باطلاً في وصف أهل الليل:
يحيون ليلهم بطاعة ربهم***بتلاوة، وتضرع وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم***مثل انهمال الوابل الهطال
في الليل رهبان، وعند جهادهم***لعدوهم من أشجع الأبطال
بوجوههم أثر السجود لربهم***وبها أشعة نوره المتلالي
يروى أن أزهر بن مغيث وكان من القوامين أنه قال: رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء الدنيا، فقلت لها: من أنت؟ قالت: حوراء. فقلت: زوجيني نفسك؟ فقالت: اخطبني إلى سيدي وامهِرني، فقلت: وما مهرك؟ فقالت: طول التهجد.
قال مالك بن دينار سهرت ليلة عن قيام الليل ونمت فإذا أنا بالمنام بجارية كأحسن ما يكون وفي يدها رقعة -أي ورقة- فقالت لي: أتحسن أن تقرأ؟ فقلت نعم. فدفعت إليَّ الرقعة، فإذا فيها:
أألهتك اللذائد والأماني *** عن البيض الأوانس في الجِنان
تعيش مُخلدا لا موت فيها *** وتلهو في الجِنان مع الحِسان
تنبه من منامك إنَّ خيرا *** من النوم التهجد بالقرآن
ورؤى الفضيل بن عياض في المنام، فقيل له: ماذا فعل الله بك؟ فقال: غفر لي ذنبي، قالوا: بماذا؟ قال: والله لم تنفعنا إلا ركعات كنا نركعها في جوف الليل أخلصنا النية فيها لله عز وجل فرحمنا الله بها.
إذا ما الليل أظلم كابدوه *** فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا *** وأهل الأمن في الدنيا هُجُوع
لهم تحت الظلام وهم سجود *** أنين منه تنفرج الضلوع
وخرسٌ بالنهار لطول صمت *** عليهم من سكينتهم خشوع
وإليكم بعضا من فضل قيام الليل
فيه تأسٍّ بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن مسعود قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت به؟ قال: أن أقعد وأذر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أهل القيام هم أهل الجنة؛ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ﴾.
أهل القيام يدخلون في درجة الإحسان؛ فقد وصفهم الله عز وجل قائلاً: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ -الذاريات: 17-.
أهل القيام يشهد الله لهم سبحانه بتمام الإيمان؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ -السجدة: 15-.
من أكثر الأعمال مكفرات للذنوب ومقربة لله عز وجل؛ عن أبي أمامة بلفظ: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات ومنهاة للإثم» (رواه الترمذي).
هو أفضل صلاة بعد الفريضة؛ فعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: ﴿الصلاة في جوف الليل﴾
هو شرف المؤمن؛ عن سهل بن سعد قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿يا محمد، عش ما شئت، فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت، فإنك مجزي به»، ثم قال: يا محمد، شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس﴾
القائم لله لا يكون من الغافلين؛ فعن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿مَن قامَ بعشرِ آياتٍ لم يُكتَبْ منَ الغافلينَ، ومن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ منَ القانتينَ، ومن قرأ بألفِ آيةٍ كُتِبَ منَ المقنطِرينَ﴾
قيام الله سبب لمحبة الله عز وجل؛ فعن أبي الدرداء عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ﴿ثلاثة يحبُّهم الله، ويَضحك إليهم، ويَستبشر بهم..»، ذكَر منهم: «الذي له امرأة حَسناء وفراشٌ حسنٌ، فيقوم من الليل، فيقول الله: يَذَر شَهوته، فيَذكرني ولو شاء رَقَد، والذي إذا كان في سفرٍ وكان معه رَكْبٌ، فسَهِروا ثم هجَعوا، فقام من السَّحر في ضرَّاءَ وسرَّاءَ﴾
وعن ابن مسعود عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ﴿عَجِبَ ربُّنا من رجلٍ ثار عن وِطَائه ولِحافه من بين أهله وحِبِّه إلى صلاته، فيقول ربُّنا تبارك وتعالى: يا ملائكتي، انظُروا إلى عبدي ثارَ من فراشه ووِطَائه من بين أهله وحَبِّه إلى الصلاة، رغبةً فيما عندي، وشفَقةً مما عندي﴾
سبب للوقاية من الفتن؛ عن أُمِّ سَلَمَة أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم استَيْقَظ ليلةً، فقال: ﴿سبحان الله، ماذا أُنْزِل الليلة من الفتنة؟ ماذا أُنْزِل الليلة من الخزائن؟ مَن يُوقِظ صواحبَ الحُجُرات؟﴾
وتلكم بعض الأسباب المعينة على قيام الليل
ومما يعين على قيام الليل استشعار المسلم أنه يلبي نداء الله في الثلث الأخير من الليل؛ فيقوم ليستغفر ويطلب ويسأل إجابة لربه.
الخوفُ من الله، وفي الحديث: ﴿من خاف أدلَجَ، ومن أدلج بلغ المنزل…﴾؛ ولهذا يقول طاوس رحمه الله: إنَّ ذِكرَ جهنم طيَّر نوم العابدين.
يصفون بالليل أقدامهم *** و عين المهيمن ترعاهم
فَطورا ينادونه سجدا *** و يبكون طورا خطاياهم
إذا فكروا في الذي أسلفوا *** أذاب القلوب و أبكاهم
و إن سكن الخوف نادوا به *** و باحوا إليه بشكواهم
فنالوا المراد و فازوا به *** فطوبى لهم ثم طوبى هم
وقال أحد العابدين:
إذا ذكَرتُ النار اشتدَّ خوفي، وإذا ذكَرتُ الجنة اشتدَّ شوقي، فلا أقدر أن أنام.
وهذا ذو النون المصري يقول:
منَعَ القرَانُ بوعدِه ووعيدِه *** مُقَلَ العيونِ بليلها أن تَهجَعَا
ومما يعين على قيام الليل تذكُّرُ ذاك القيام الطويل: يوم يقوم الناس لربِّ العالمين، يوم يُبعثَر ما في القبور، ويُحصَّل ما في الصدور.
ومما يعين على قيام الليل تذكُّرُ ظُلمةِ القبر ووحشته.. وصية النبي لأبي ذر: ﴿وصلِّ ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور﴾.
ومما يعين على قيام الليل تذكُّرُ الأجر والمثوبة ومضاعفة الحسنات، قال صلى الله عليه وسلم: ﴿من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تَقدَّمَ من ذنبه﴾.
ومما يعين على قيام الليل اجتنابُ الذنوب والمعاصي، يقول سفيان الثوري رحمه الله: حُرِمتُ قيام الليل خمسة أشهر من ذنبٍ أذنَبتُه.و قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: (إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء ؟ فقال: لا تعصه بالنهار و هو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، و العاصي لا يستحق ذلك الشرف.)
ومما يعين على قيام الليل قلةُ الطعام والشراب؛ فإذا امتلأت المعدة خَرِسَتِ الحكمةُ، ونامت الفكرة، وقعَدَت الأعضاء عن العبادة. رأى معقل بن حبيب رحمه الله قوما يأكلون كثيرا فقال: (ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة)
قال مِسعر بن كُدام حاثا على عدم الإكثار من الأكل
وجدتُ الجوع يطرده رغيف *** و ملء الكف من ماء الفرات
و قِلُّ الطعام عون للمصلي *** و كُثر الطَّعم عون للسبات
ومما يعين على قيام الليل النوم مبكراً، فعن أبي برزة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ﴿يستحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها﴾
ومما يعين على قيام الليل مقاومة وساوس الشيطان ومكره بالليل والنهار وتثبيطه المسلم عن العمل الجاد، وفي حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿الرجل من أمتي يقوم من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عُقَد، فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله عز وجل للذين من وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه، ويسألني، ما سألني عبدي فهو له﴾
ومما يعين على قيام الليل قراءة سير الصالحين للتأسي بهم، وقد كانت راحة السلف في قيام الليل، يأنسون به ويتلذذون قال عبد الله بن وهب: كل ملذوذ إنما له لذة واحدة، إلا العبادة، فإن لها ثلاث لذات؛ إذا كنت فيها، وإذا تذكّرتها، وإذا أعطيت ثوابها.
Eومما يعين أيضًا ألا تُفرِّط في وردك القرآني؛ فالقرآن ينير القلب، ويشرح الصدر، ويعينك على الدرب.. لما فعل السلف ذلك تفنَّنوا في قيام الليل، فمنهم من أمضى الليل راكعًا، ومنهم من قطَعَه ساجدًا، ومنهم من أذهبه قائمًا، واليوم أضعنا الدقائق الغالية بالغفلة.. ننشط أحيانًا في أول رمضان، ونتثاقل إذا انتصف، وربما انفض عن القيام؛ لأنه ما ذاق طعم الإيمان، ولا حلاوة القرآن، ولكن كيف ينام من يتذكر رقدة القبور، والحشر يوم النشور، وقاصمة الظهور؟! ما كنا نظن أن جيلًا من المسلمين يسهر إلى الفجر على المقاهي يلعب، وفي الخيام الرمضانية يدخن ويلهو.
أخي الحبيب: جدِّد النية، واعقد العزم، وتدبَّر كلام المعصوم لابن عمر: ﴿نِعْمَ الرجُلُ عبدُالله لو كان يقوم من الليل﴾.
فهرس الآيات والأحاديث
1 الراوي: جابر بن عبد الله وسهل بن سعد -المحدث: السيوطي – المصدر: الجامع الصغير -خلاصة حكم المحدث: صحيح
2 المزمل: 1 – 4.
3 الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه ابن ماجه، وأحمد، والدارمي، وابن حبان واللفظ لهم جميعا.
4 الراوي: أبو هريرة – المحدث: مسلم -المصدر: صحيح مسلم -خلاصة حكم المحدث: صحيح -التخريج: من أفراد مسلم على البخاري
5 الراوي: أبو هريرة – المحدث: الألباني – المصدر: تخريج كتاب السنة – – خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين – التخريج: أخرجه ابن أبي عاصم في (السنة)
6- السجدة: 16.
7- الإنسان
8- الطور
9- السجدة
10- الفرقان: 64
11- الراوي: عبد الله بن مسعود – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح- التخريج: أخرجه البخاري، ومسلم.
12- الراوي: أبو الدرداء – المحدث: السيوطي – المصدر: الجامع الصغير – خلاصة حكم المحدث: صحيح
13- الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – خلاصة حكم المحدث: صحيح- التخريج: أخرجه مسلم مختصرا، وأحمد، والطبراني في (الأوسط) بنحوه مختصرا.
14- الإسراء: 79-
15- الذاريات: 17-
16- الذاريات: 18-،
17- آل عمران: 17.
18- الذاريات: 15-
19- ﴿أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: أفلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ﴾. الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري -خلاصة حكم المحدث: صحيح- التخريج: أخرجه مسلم مختصرا، وأحمد، والطبراني في (الأوسط) بنحوه مختصرا.
20- الراوي: أبو ذر الغفاري – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح النسائي – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه أبو داود، والترمذي والنسائي واللفظ له، وابن ماجه وأحمد