منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسالك الدلالة على ربانية القرآن الكريم-1-

0

إن الحق متاح لكل من طلبه، وظاهر لكل من رغب وسعى إليه… فكما لا تخفى الشمس على ذي بصر، ولا صوت الرعد على ذي أُذن، ولا طعم العسل على ذي لِسَان، ولا نعومة الحرير على ذي لمس، كذلك لا يخفى الحق على ذي عقل، غير أن الحواس قد تمرض: فلا ترى العينُ الشمسَ لعمى أصابها، ولا تسمع الأذن صوت الرعد لصمم حل بها، كما لا يتذوق اللسان طعم العسل لداء أصابه، ولا يستشعر الجلد ليونة ولا خشونة لفقد الإحساس… كذلك لا يرى العقل الحقيقة، ولا يبصر نور الحق لمرض ألم به، سواء كان المرض: مرض شبهات أو شهوات، فكلاهما يَحْجُبُ العقل عن العمل، ويُعطل دوره عما هو منوط به، بل يتحول من مخدوم إلى خادم، ومن مسير للحياة إلى معلل للشهوات، ومعقلن للشبهات، والهوى إذا غلب على النفس: صير كل قِوَاهَا خادمة له مطيعة لأوامره، وعندها يتربع الهوى على عرش النفس، ويتسلم القيادة المطلقة: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43]

ولهذا كان أولى الواجبات لكل من سعى للحق وأحب أن ينطق به: أن يميز بين عقله وهواه، فلا يعطي لهذا ما يستحق ذاك، وإلا فسدت عليه كل مساعي البحث ومسالك الحياة…

ولم يُكَلَف الإنسان أن لا يكون له هوى؟ فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب عليه أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه ثم يحترز منه، ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه”[1].

ونظرا لخطورة الهوى وقدرته على التحكم في النفس، وتسخير قواها الإدراكية لصالحه، كان لابد من التجريد والبحث عن التمييز، وإن مما ذكر في هذا الباب دفعا لتشابه الهوى بالعقل ما يأتي:

  • العقل يرى ويختار أبدًا الأفضل والأصلح في العواقب، وإن كان فيه على النفس مشقة في المبدأ، والهوى على الضد من ذلك فإنه يؤثر ما يدفع به الأذي والألم، وإن كان يعقب مضرة، مثل الصبي العاشق للحلوى واللعب على الدواء والاجتهاد.
  • العقل يُظهر لصاحبه ما له وما عليه، والهوى يظهر: ما له دون ما عليه ولذا ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه في الأشياء التي هي له لا عليه[2].
  • العقل لا يهمه رأي الجماعة، ولا يُخِيفه رأي القطيع، وإنما يدور مع الدليل حيث دار، والهوى: إنما يدور مع الشهوة ودفع الألم، ورضى الناس.

وإن من مسالك الهوى، أن يَطْرَبَ الإنسان للدليل المؤيد لما يعتقده، ويطير به فرحا، ويجد فيه من اللذة والقبول والاستجابة وشدة الانشراح… في حين تجد له مع المعارض التبرم والقلق، بل تمنى عدم الورود، مع الاجتهاد في البحث عن الطاعن ما أمكن.

وإن من الملاحظات المثيرة لدى الإنسان: تساهله إلى أقصى حد في قبول الدليل الداعم لفكرته حتى ولو كان ساذجا ومخالفا للعقل بينما يرفض كل الأدلة المعارضة مهما كانت الأدلة: منطقية وصحيحة ووافية،[3] ومن اللقظات المعبرة التي سجلها عبد الرحمن المعلمي: “عن نفسه في هذا الباب: “إن مسالك الهوى أكثر من أن تحصى وقد جربت نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعماً أنه لا هوى لي فيلوح لي فيها معنى، فأقرره تقريراً يعجبني، ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرم بذاك الخادش وتنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه وغض النظر عن مناقشة ذاك الجواب، وإنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولاً تقريراً أعجبني صرت أهوى صحته، هذا مع أنه لا يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ثم لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يلح لي الخدش، ولكن رجلاً آخر أعترض علي به؟ فكيف كان المعترض ممن أكرهه”[4].

إن صحة الدليل وحده وسلامته من المعارض: غير كافي لإقناع المخاطب ما لم يصل إلى درجة التجرد للدليل، فكم من دليل يقدم للإنسان: فلا يتبعه: ليس لضعف في الدليل، ولكن لعلة في المتلقي، وقد أشار لمثل هذا القرآن الكريم {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [النمل: 14] فرد الحجة والدليل: ليس بالضرورة يكون نتيجة اقتناع، ولكن  قد يكون لحاجة في نفسية المتلقي وقد عبرت الآية بالجحود، والجحود نفي ما يثبت في العقل، وإثبات ما ينفي في العقل، فهؤلاء يجحدون الحق، ولكن نفوسهم مستيقنة منه لأنها لا سبيل لها لأن تنكر وتجحد، فهي بتوارد الأدلة المختلفة، وتكاثرها، وبفطرتها تستيقن وتذعن ولكن يعارضها جو عام وَبِيء، فنفوسهم مستيقنة بالحق، ومُذعنة له، لولا مقاومة التيارات الفاسدة التي تدفعها إلى الجحود دفعا[5].

إذا تقرر هذا فإن القرآن حقيقةٌ مطلقةٌ دال على مصدره بنفسه:  إذ كل من له دراية بتذوق أساليب الأداء وكل من له خبرة بتصورات البشر للوجود وللأشياء وكل من له خبرة بالنظم والمناهج والنظريات النفسية أو الاجتماعية التي ينشئها البشر.. لا يخالجه شك في أن ما جاء به القرآن في هذه المجالات كلها شيء آخر ليس من مادة ما يصنعه البشر، والمِرَاءُ في هذا لا ينشأ إلا عن جهالة لا تميز، أو غرض يلبس الحق بالباطل..[6]

لكن المتلقي قد يصيبه مرضُ شبهات أو شهوات تؤثر على عقله: فيظن الباطل حقا، ويرى السراب فيحسبه ماء، فكان لابد من سلوك طريق توصل الإنسان إلى بر الأمان، وتثبت له على جهة اليقين أن هذا القرآن هو كلام الله رب العالمين.

وإن الاندراج: في هذا البحث لهو موضوع كبير جدا، ذو شجون ومباحث متعددة، ومسائل يصعب فيها الحصر، غير أن الورقة ستسعى جاهدة إلى اللم والاختصار، مقتصرة على ما به يتم المقصود، مركزة على المسالك الموصلة إلى ما هنالك، مُقدمة الموضوع بأربع قضايا كبرى:

الأولى: الدلالات العقلية على الكمال المطلق لله تعالى.

الثانية: ضرورة المعاد: للحساب والجزاء.

الثاثة: النبوة: أهميتها وضرورتها.

الرابعة: صدق الرسول صلى الله عليه وسلم: معالم ومشاهد.

بعدها بحول الله تعالى وقوته: نلج جميعا إلى مسالك الدلالة، واضعين نصب أعيننا ضرورة الاهتداء بالدليل، وعدم القول إلا بالحجة والبرهان، واصلين بإذن الله إلى الحقيقة المطلقة المثبتة للإيمان في قلوب يجب أن تكون في الميدان، إيمانا وتصديقا، بناء وتعميرا، ومجاهدة للنفس في تحقيق القيادة، والوصول إلى الريادة في الاعتقاد والعمل، تحقيقا لوعد الله تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]

 [1]  عبد الرحمن المعلمي، القائد إلى تصحيح العقائد، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي: (1404 – 1984) ص32

 الراعب الأصبهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، دار السلام (1431 – 2010 ) ص 92[2]

 أحمد حسين رفاعي، أخطاء قاتلة، موجود على شبكة الانترنت بدون الإشارة إلى دار النشر ص 4[3]

 القائد إلى تصحيح العقائد: 32[4]

[5] محمد بن أحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، 10/ 5438

 

[6] سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق – بيروت- القاهرة، 1/49                    

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.