منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قوامة الرجل ودورها الفعال في بناء مجتمع العمران الأخوي. ||سسلة خطبة الجمعة

الشيخ بن سالم باهشام

0

قوامة الرجل ودورها الفعال في بناء مجتمع العمران الأخوي
سسلة خطبة الجمعة

الشيخ بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا

قال تعالى في سورة النساء: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: 34].

عباد الله، إذا كان الحق جل في علاه قد بنى هذا الكون على قانون الزوجية، مصداقا لقوله سبحانه في سورة الذاريات:(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الذاريات: 49]، فإنه سبحانه وتعالى خلق الكون وفيه أجناس، وكل جنس يشمل أنواعاً أو نوعين، وتحت كل نوع أفراد، فإذا ما رأيت جنساً من الأجناس انقسم إلى نوعين، فاعلم أنهما يشتركان في مطلوب الجنس، ثم يختلفان في مطلوب النوع، ولو كانا متحدين؛ لما انقسما إلى نوعين، كذلك في الأفراد، انقسم الإنسان إلى نوعين، إلى ذكورة تتمثل في الرجال، وإلى أنوثة تتمثل في النساء، وبينهما قدر مشترك يجمعهما كجنس بشري، ثم بينهما اختلاف باختلاف نوعيهما، فلو أردت أن تضع نوعاً مكان نوع لما استطعت، ومن العبث أن يخلق الله من جنس نوعين، ثم تطلب أن يكون هذا النوع مثل النوع الآخر، لهذا نجد الحق عز وجل من حكمته البليغة، يلفتنا إلى شيء قد نختلف فيه، بشيء قد اتفقنا عليه، فيبين لنا هذا الذي نختلف فيه، لنردّه إلى المتفق عليه، فالزمن مثلا، لا خلاف في أنك تجعل الليل سكناً ولباساً وراحة وهدوءاً، والنهار للحركة، قال تعالى في سورة الفرقان: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا)  [الفرقان 47]، وقال سبحانه في سورة النبأ: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) [النبأ: 10، 11]، وكل الناس يصنعون ذلك، فالحق سبحانه وتعالى يبين أنه كما جعل الزمن ظرفاً لحركة، إلا أن حركة الليل تختلف عن حركة النهار، وهذا لا يعني أن الليل والنهار نقيضان أو ضدان، وإنهما متكاملان؛ لأن راحة الليل، إنما جُعلت لتصح حركة النهار، فأنت تنام وترتاح لتستأنف نشاطاً جديداً، إذن فالليل هو الذي يعين النهار على مهمته، ولو أن إنساناً سهر ليلة كاملة، ثم جاء صباحاً، لما استطاع أن يفعل شيئاً، إذن فما الذي أعان حركة النهار؟ إنه سكون الليل، فالحق سبحانه وتعالى نبهنا إلى الأمر المتفق عليه بين الناس جميعاً، متدينين وغير متدينين، ليقول لنا: إنكم إذا اختلفتم في أن الذكورة والأنوثة يجب أن يتحدا في العمل والحركة، فارجعوا إلى الأمر المتفق عليه في الزمن، وخذوا ما اتفقتم عليه دليلاً على صحة ما اختلفتم فيه، ولذلك ضرب الله هذا المثل في سورة الليل فقال: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل: 1، 2]، فعندما يغطي الليل بظلامه الأرض وما عليها، يأتي السكون، وبعدها يأتي النهار بضيائه ليقوم الناس للعمل،  وبعدها قال الحق سبحانه وتعالى: (وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى* إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى) [الليل : 3-4 ]، أي أن لكل جنس مهمة، وهكذا نعرف أن الإنسان ينقسم إلى نوعين: الذكورة والأنوثة، وفيهما عمل مشترك وخاصية مشتركة،  وأن كلا منهما إنسان له كرامة الإنسان، وله حرية [تفسير الشعراوي (ص: 1489- 1490) ، بتصرف]، لهذا فالإنسان سيد هذا الكون؛ لم يُستثن من قانون الزوجية، لهذا قال الحق عز وجل في شأنه في سورة القيامة: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) [القيامة: 36 – 39].

عباد الله، إذا كان الحق عز وجل قد نظم هذه الزوجية في الكون كله، حتى إنك ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، مصداقا لقوله تعالى في سورة الملك: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) [الملك: 3]، فإنه سبحانه وتعالى لم يترك هذا الإنسان الذي هو سيد الكون، وميزه بالاختيار سدى، بل أمده بمنهج يقيه كل الآفات، مصداقا لقوله تعالى في سورة طه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: 123]، وفي هذا المنهج نظم سبحانه وتعالى العلاقة بين الذكر والأنثى في سورة النساء، فجعل للرجل القوامة، وللمرأة الحافظية، ومفهوم القوامة في الإسلام يعد من المفاهيم الأساسية والمركزية لبناء الأسرة والمجتمع الإسلامي، وهو مستمد من التأويل القرآني لهذه الآية من سورة النساء، وأول ما نلتفت إليه، أن بعضهم قصروا تفسير هذه الآية من سورة النساء على الرجل وزوجته فقط، في حين؛ أنَّ الآية تكلمت عن مطلق الرجال، ومطلق النساء، فليست الآية مقصورة على الرجل وزوجه، بل تشمل الأب كذلك في النظام الإسلامي، فهو قوّام على البنات، والأخ قوّام على أخواته، والأبناء قوامون على أمهاتهم.

عباد الله، إن الحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم قانونه الكوني، حتى لا نكون نغمة شاذة، فيفسد الكون بسببنا، فهو الخالق سبحانه الذي أحسن كل شيء خلقه، وأوضح القضية الإيمانية فقال سبحانه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِهذا هو المنهج السليم، والذي يخالفه؛ عليه أن يوضح – إن وجد – ما يؤدي إلى المخالفة، فتعالوا بنا أولا لنفهم ماذا تعني: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ)؟

عباد الله، القوَّام هو المبالغ في القيام، وجاء الحق سبحانه وتعالى هنا بالقيام الذي فيه تعب، فعندما تقول: فلان يقوم على القوم؛ أي لا يرتاح أبدا، فالرجل مكلف بمهمة القيام على النساء، أُمّا وأختا وزوجة وبنتا، أي أن يقوم بأداء ما يصلح الأمر، لهذا جاء بكلمة « الرِّجَالُ » على عمومها، وكلمة « النِّسَاءِ » على عمومها، وبعدها تحدث سبحانه عن التفضيل فقال: (بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ والآية تجعلنا نتساءل: من هو المفضل؟ ومن هو المفضل عليه؟ فما دام سبحانه قال : « بَعْضَهُمْ » ولم يبينها لنا، إذن؛ فبعض مفضل من جهة، وبعض مفضل عليه من جهة أخرى، فهو سبحانه لم يفضل الرجل على المرأة مطلقا،  كما أنه لم يفضل المرأة على الرجل مطلقا، إذ لو أراد سبحانه تفضيل الرجال على النساء لقال: “بما فضلهم عليهن”، أو قال: “بتفضيلهم عليهن”، ولكان أخصر وأظهر وأوضح، وإنما الحكمة في هذا التعبير، هي عين الحكمة في قوله تعالى في سورة النساء: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ، لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [النساء: 32]، وهي إفادة أن المرأة تكمل الرجل، والرجل يكمل المرأة، ولا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر، كما لا يمكن أن يقوما معا بعمل واحد، لهذا جاء سبحانه بلفظ « بَعْضَهُمْ »، ففي الوقت الذي فضل الرجل لأنه قوّام، فإنه فضل المرأة أيضاً لشيء آخر، وهو كونها السكن حين يستريح عندها الرجل، وتقوم بمهمتها. [تفسير الشعراوي (ص: 1496) بتصرف]، والذي يقرأ الآية الكريمة من سورة النساء، يدرك أن القوامة المذكورة، هي للرجل في بيته، وداخل أسرته، هي الرياسة التي يتصرف بها المرؤوس بإرادته واختياره، وليس معناها، أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة، لا يعمل عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه، فجعل الله القوامة للرجل؛ وهي حماية المرأة وصيانتها، وجلب المصالح إليها، وعليها هي الحافظية، تحفظه في نفسها وبيتها وولده وماله، فالقوامة ليست سلطة مطلقة، وفرض وصاية على المرأة، أُمّا كانت أو أختا أو زوجة أو بنتا، وإنما أعطى الله حق القوامة للرجل، لقدرته على تحمل أعباء الحياة، ويكون في بيته كما أمره الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والذي قال فيما رواه الحاكم في مستدركه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (خيركم خيركم للنساء) [هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه الحاكم في مستدركه ج4/ص191 ح7327]. والنساء جاءت في الحديث مطلقة لتشمل الأم والأخت والزوجة والبنت.

عباد الله، إن وجه التفضيل، أن الرجل له الكدح، وله الضرب في الأرض، وله السعي على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم برعايتها، أُمّا كانت أو أختا، أو زوجة أو بنتا، ولنا المثل في قصة آدم عليه السلام، حين حذره الحق سبحانه وزوجته من الشيطان اللعين، الذي دُعي إلى السجود مع الملائكة لآدم فأبى، وبذلك عرفنا العداوة المسبقة من إبليس لآدم عليه السلام، وحيثيتها في سورة الإسراء: (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) [الإسراء: 61]، ونبه سبحانه  وتعالى آدم إذا هبط إلى الأرض أن يذكر هذه العداوة، وأخبره أنه لن يتركه، وسيظل يغويه ويغريه؛ لأنه لا يريد أن يكون عاصياً بمفرده، بل يريد أن يضم إليه آخرين من الجنس الذي أبى أن يسجد هو لأبيهم آدم، يريد أن يغويهم، كما حاول إغواء آدم، قال تعالى في سورة طه: (إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى) [طه: 117 ]، فالحق سبحانه وتعالى لم يقل: فتشقيا، بل قال سبحانه: (فتشقى)، فعندما تحدث سبحانه عن الشقاء في الأرض والكفاح، ستر المرأة، وكان الخطاب للرجل فقط، وهذا يدل على أن القوامة تحتاج إلى تعب، وإلى جهد، وإلى سعي، وهذه المهمة تكون للرجل، ثم تأتي حيثية القوامة في قوله تعالى: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، والمال يأتي نتيجة الحركة، ونتيجة التعب، فالذي يتعب نقول له: أنت قوّام، إذن فالمرأة يجب أن تفرح بمهمة قوامة الرجل؛ لأنه سبحانه وتعالى أعطى المشقة، وأعطى التعب للجنس المؤهل لذلك، وجعل مهمة الحافظية، والتي هي مهمة عظيمة، تتناسب والخصلة المطلوبة أولاً فيها، والتي هي الرقة والحنان والعطف والوداعة، فلم يأت بمثل هذا ناحية الرجل؛ لأن الكسب لا يريد هذه الأمور، بل يحتاج إلى القوة والعزم والشدة، فقول الله  تعالى: « قَوَّامُونَ » يعني مبالغين في القيام على أمور النساء، زوجات وأمهات وأخوات وبنات، ولا يصح أخذ كلمة « قَوَّامٌ » على أنها السيطرة؛ لأن مهمة القيام جاءت للرجل بمشقة، وهي مهمة صعبة، عليه أن يبالغ في القيام على أمر من يتولى شئونهن .

عباد الله، قال تعالى: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، إذا كان الزواج متعة مشروعة للأنثى وللذكر على حد سواء، والاثنان يستمتعان، ويريدان استبقاء النوع في الذرية، فما دامت المتعة مشتركة، وطلب الذرية أيضا مشتركا، فالتبعات التي تترتب على ذلك لم تقع على كل منهما بالتساوي، ولكنها جاءت على الرجل فقط، صداقاً ونفقة، حتى ولو كانت المرأة غنية؛ لا يَفرض الشرع عليها حتى أن تقرض زوجها، إذا فقوامة الرجال، جاءت للنساء براحة، ومنعت عنهن المتاعب، لهذا لم يبق معنى لحزن المرأة من هذه القوامة، ف (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) أي قائمون إقامة دائمة؛ لأنه لا يقال قوّام لمطلق قائم، فالقائم يؤدي مهمة لمرة واحدة، لكن « قوّام » تعني أنه مستمر في القوامة .

عباد الله، قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، وما دام الرجل يكدح ويتعب للمرأة، فلا بد أن تكون للمرأة بالمقابل مهمة توازي ذلك، وهي أن تكون سكناً له، وهذه فيها تفضيل أيضاً، وقد قدم الحق سبحانه وتعالى في صدر الآية مقدمة بحكم يجب أن يُلتزم به؛ لأنه حكم الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه، فأوضح القضية الإيمانية: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، ثم جاء بالحيثيات فقال: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ومتى عجز الرجل عن النفقة، لم يكن قواما على المرأة، وإذا لم يكن قواما عليها، وكان زوجا لها، كان لها فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح، [محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، حققه أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش ط 2، 1384/1964، 5/168]. وهذا مستنبط من قوله تعالى: (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ).

عباد الله، القوامة إذن مسؤولية حماية المرأة وصيانتها، وجلب المصالح لها كيفما كانت نسبتها إلى الرجل وقرابتها منه، كانت أما أو أختا أو زوجة أو بنتا، وإذا كان القرآن الكريم حمّال أوجه، فالسنة القولية والفعلية، هي الضابط والمفسر والنموذج التطبيقي، لما جاء في القرآن، فمن السنة نستمد ملامح القوامة، فلنتأمل ” مسؤولية القوامة في دائرة الوصية النبوية النهائية في خطبة الوداع، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: (الله الله في النساء)، مرتفعين بتلك المسؤولية من معنى تكفل الرجل بقوته وعضليته وماله ورئاسته، إلى معاني طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ورعاية وصيته”، [عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، 2/197]، فالقوامة هي مسؤولية القيادة الرفيقة، والرعاية الحكيمة، التي يفصلها قوله صلى الله عليه وسلم: ( كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ، فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم، وهو مسؤولٌ عنهم، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم…)، [أخرجه البخاري (2554)، ومسلم (1829)]. فالقوامة أول الأمر مسؤولية رفيقة في مجال الكسب والمدافعة والسعي على العيال، تقتضي ” إعادة حق المرأة المغصوب، كما حده شرع الله، وحمايتها من العدوان، وضرورة تحريرها من العجز والتبعية الاقتصادية، فيعطاها حق النفقة زوجا وأما، ويعطاها حق المتاع مطلقة، وأجرة كريمة عاملة، وأن تهيأ لها ظروف الاستقرار في بيتها، لأن عليها يتوقف استقرار المجتمع والدولة”، [عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص 117]. والقوامة ثانيهما، هي رعاية حكيمة، تقرأ في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرجل النموذج في بيته، الذي كان في خدمة أهله إذا دخل البيت، وكن ينازعنه ويراجعنه، فيحلم ولا يغضب، ويتلطف ويداري”، [عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، 1/57 بتصرف].

عباد الله، اعتمادا على كل ما سبق، يمكن القول: إن القوامة مسؤولية ورعاية، أوكلها الله تعالى للرجل، لما أودع فيه من صفات فطرية، كقوة العضل، ورباطة الجأش، وقدرة الكسب، وبالتالي فهي ليست ترجيحا لكفة الرجل، وإنما تثقيل لميزانه بمثاقيل المسؤولية، ليقود السفينة بحنكة ودراية ومداراة. والقوامة الأسرية ليست سلطة أو حكم استبدادي، بل هي مسؤولية إيمانية للرجل، تتجلى في حماية ورعاية الأسرة، وتشمل إدارة شؤون البيت بما يعزز استقراره وحفظ الحقوق، تقوم على الشورى بين الزوجين في القضايا التي تهم الأسرة، لأن الشورى خلق المسلم في كل شؤونه، قال تعالى في سورة الشورى: ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [الشورى: 38]، وروى مسلم في صحيحه، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: (لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ، فَقَالَتْ: ثَلِّثْ) [ رواه مسلم: كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، ج4 ص173.]. 

عباد الله، إن كمال أداء مسؤولية القوامة، لا بد له من التعاون بين الزوج القوام، والزوجة الحافظة، هذا التعاون الذي هو من مبادئ الإسلام، قال تعالى في سورة المائدة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2]، حيث الرجل هو “ربان السفينة”، التي تديرها الأسرة، والمرأة هي “طاقمها”، الذي يشارك في توجيهها، فالقوامةُ مسؤولية وليست امتيازًا بالاستغلال، والبيت المسلم الذي يمارس فيه الزوج « درجة» قائد السفينة، هو هناك مع خرائطه، ومخططات الإبحار، ومواجهة أهوال الموج، وهي حافظة لما به تتغذى السفينة وتتحرك من دواليب خفية، ووَقود وصيانة. تطيع الربان إذا أمرها، وتحفظ غيبه في نفسها وماله [عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات ج2 ص83.]

عباد الله، القوامة تأتي ضمن منظومة متكاملة مع الحافظية، حيث الزوج يتحمل القوامة، والتي تعني الحماية والقيادة، والزوجة تضطلع بالحافظية، والتي تعني الحفظ والرعاية الروحية والاجتماعية بطريقة تكاملية تحفظ الأسرة والمجتمع.

عباد الله، من خلال سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم المبينة للقرآن، ندرك أن للقوامة في الإسلام ضوابط شرعية وأخلاقية، تشمل العدل، والرحمة، وحسن المعاشرة، وعدم الاستبداد، إضافة إلى ضرورة المشورة والأخذ برأي الزوجة، ما يجعل القوامة وظيفة إيمانية أخلاقية، أكثر منها مجرد نظام إداري.

عباد الله، إن مفهوم القوامة في الإسلام، يتجاوز المعنى التقليدي المحصور، ليصل إلى مستوى روحاني واجتماعي عميق، حيث يربط القوامة بالمسؤولية الدينية، والالتزام الأخلاقي، وأن الرجل مسؤول أمام الله عن رعيته، ولا بد له أن يراعي نفسه لينال شرف القيادة والتميز، روى ابن ماجه، وابن سعد، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وابن سعد، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه، والخطيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، والطبراني، عن معاوية رضي الله عنه، أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي) [حديث ابن عباس: أخرجه ابن ماجه (1/636، رقم 1977)، وابن سعد (8/205)، وحديث عبد الله بن شداد: أخرجه ابن سعد (8/205)، وحديث أبى هريرة: أخرجه الخطيب (7/13)]، كما أن الإسلام يربط القوامة بالدرجة التي يمنحها الله للرجل، وهي ليست رفعة لتسلط أو تفوق، بل مسؤولية تحمل أعباء القيادة داخل الأسرة، وفي المجتمع، مع الالتزام بمقاصد الشريعة الإسلامية وأخلاقياتها. قصد بناء الأسرة على أسس متينة، تحقق استقرار الدولة، وأمن المجتمع.

 

وصلى الله وسلم بارك على سيدنا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.