منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غض البصر تهذيب للنفس وصيانة للإيمان

الشيخ بنسالم باهشام

0

غض البصر تهذيب للنفس وصيانة للإيمان

 الشيخ بنسالم باهشام

أولا: غض بصر الرجال في ظلال آية سورة النور

قال الله تعالى من سورة النور: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)[1].

قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) المقصود بغض البصر الذي تتحدث عنه الآية، هو النقص من النظر، بحيث لَا يمعن بالنظر، ولا يحاول أن يتقصى أطراف من ينظر إليه. و (مِنْ) في قوله تعالى: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) إما أن نقول:

– إما أنها لتقوى الأمر بالغض، أي غضوا أبصاركم أيَّ غض، فلا تمعن في شيء من النساء.

– وإما أن نقول: إنها للتبعيض، أي تغض من بعض بصرك، والبعض الذي يغض عنه هو الإمعان والتتبع، والاستمرار في النظر حتى تغيب عنه، بحيث لَا ينفلت بنظره عنها، فذلك هو المطلوب من الغض، أما نظر الفجأة فمعفو عنه، ولذا روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، بسند حسن غريب، والروياني، والدارقطني في الأفراد، والحاكم، والبيهقي، والضياء، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، أن رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم قال لِعَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : ( يَا عَلِيّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ)[2]

وروى البخاري ومسلم، عَنْ أَبِي سَعِيْد الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ. قَالُوْا: وَمَا حَقَّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.)[3].

وابتدأ سبحانه وتعالى الآية بالأمر بغض البصر، لأنه الباب الأكبر إلى القلب، ولأن النظرة المريبة ذريعة إلى أكبر الفحش، ولأن النظر المحصف، يناقض الحياء، ولأنه يؤذي النساء، فيمنعهن من قضاء شئونهن خارج منازلهن، وما لهن بد من أدائها، ولأن غض البصر، ينشر اللياقة والحياء العام، والحياء خير كله.

قال تعالى: (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) معطوفة على الأمر بغض الأبصار الذي كان عاما، ولذا جمعت الأبصار، وذلك لتطهير البيئة الاجتماعية الإنسانية، فإن سلامة البيئة تجعل الرأي العام صالحا طيبا طاهرا فاضلا، يحث على الفضيلة، ويمنع الرذيلة، وفوق ذلك أمر بحفظ الفروج، والفروج جمع فرج، وهو سوءة المرأة وسوءة الرجل، وحفظها بسترها، ومنعها مما حرم الله تعالى، وهو الزنى، فإن الزنى يعرضها للأمراض الخبيثة، ويمنع النسل، والفروج تشمل فروج الرجال والنساء معا، وخوطب الرجال بحفظ فروج النساء بسترهن، ومتعهن بما أحل الله، وألا يؤذوهن بالفاحشة، وألا يعرضوهن لها، ولما حرم الله تعالى، فالرجل مسئول عن حشمة النساء، وهو الحريص عليهن.

قال تعالى: (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) ذلك، وهو غض البصر، وحفظ الفروج، وأطهر لكم، فيكون المجتمع طاهرا نقيا سليما، والبيوت طاهرة سليمة، وهم في ذات أنفسهم أطهار طيبون، ويكونون خيرًا في خير، يظلهم الخير دائما، ويكونون في قبة من الفضيلة تظلهم، وتؤدي بهم جميعا إلى جنة الآخرة، كما كانوا في ظلة من الفضيلة في الدنيا.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) هذا النص فيه تهديد وتبشير:

– فيه تبشير للأخيار إن استقاموا على الطريقة المستقيمة.

– وفيه إنذار للفجار؛ لأنه سبحانه عليم علما دقيقا بما يصنعه كل واحد من الناس، و(يَصْنَعُونَ) أدق في الدلالة على العمل من: يعملون، لأن يصنع معناها يفعله ويصير عادة له كعادة الصانع في صنعته.

ويلاحظ أن الخطاب كان من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم، ليأمر المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم؛ لأن ذلك من تبليغ النبي – صلى الله عليه وسلم – ربه، وقد ذكر الله تعالى أولا غض البصر للرجال، ثم ذكر سبحانه أمره للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يطالب المؤمنات بغض البصر أيضا، كما طالب المؤمنين.[4]

ثانيا: التحليل لموضوع غض البصر

  • مقدمة عن غض البصر

يُعد البصر من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، وهو نافذة القلب والعقل على العالم الخارجي. ولكن، كأي نعمة عظيمة، فإن له حدودًا وضوابط شرعية تضمن استخدامه فيما يرضي الله، ويحقق صلاح الفرد والمجتمع. من هنا تأتي أهمية غض البصر، وهو مفهوم إسلامي أصيل، يحمل في طياته أبعادًا دينية ونفسية واجتماعية عميقة.

1 – تعريف غض البصر لغويًا:

يقصد بغض البصر، كفه ومنعه من الاسترسال في التأمل والنظر.

2 – تعريف غض البصر شرعًا:

يشمل غض البصر عدة جوانب أساسية:

  • غض البصر عن عورات الناس وزينة المرأة الأجنبية:

وهو الأكثر شيوعًا وتركيزًا في النصوص الشرعية.

  • غض البصر عن بيوت الناس وما أغلقت عليه أبوابهم:

احترامًا لخصوصية الآخرين وحرماتهم.

  • غض البصر عما في أيدي الناس من الأموال والأولاد والمتاع ونحوها:

تجنبًا للحسد والطمع والقناعة بما قسم الله.

3 – أهمية موضوع غض البصر:

يحتل غض البصر مكانة محورية في الشريعة الإسلامية، فهو ليس مجرد أمر أخلاقي، بل هو ركيزة أساسية لحفظ الفروج وصيانة الأعراض، وتحقيق الطهارة القلبية والنفسية. وقد أولى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة اهتمامًا بالغًا لهذا المفهوم، لما له من أثر بالغ في بناء مجتمع فاضل متماسك، وحماية الفرد من الوقوع في الفتن والمعاصي.

4 – الهدف من الموضوع :

يهدف هذا الموضوع إلى تقديم دليل شامل ومفصل حول غض البصر، مستندًا إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، مع استعراض أقوال العلماء والسلف الصالح. كما يسعى إلى بيان الفوائد العظيمة لغض البصر على الفرد والمجتمع، وتقديم وسائل عملية ومعينات تساعد المسلم على تطبيقه في حياته اليومية، ليحقق بذلك تزكية النفس وسلامة القلب ورضا الرب.

الفصل الأول: غض البصر في القرآن الكريم:

جاء الأمر بغض البصر صريحًا وواضحًا في كتاب الله العزيز، مما يؤكد على أهميته البالغة في المنظومة الأخلاقية والتشريعية الإسلامية. وقد ورد هذا الأمر في سورة النور، التي تُعنى بتنظيم العلاقات الاجتماعية، وحفظ العفة والطهارة في المجتمع المسلم.

1 – الآيات القرآنية في غض البصر:

أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، مقدمًا الأمر بغض البصر على حفظ الفرج، لما له من دور تمهيدي ووقائي. قال تعالى في سورة النور:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ[5]، ثم تبع ذلك الأمر للمؤمنات فقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ[6].

2 – تفسير الآيات:

توضح هذه الآيات الكريمة، أن غض البصر ليس مجرد توصية، بل هو أمر إلهي واجب على كل من الرجال والنساء. وتعني كلمة “غض البصر”: كف البصر وخفضه عن المحرمات. وقد جاء الأمر بـ “مِنْ أَبْصَارِهِمْ” و “مِنْ أَبْصَارِهِنَّ“، وكلمة “مِنْ” هنا تفيد التبعيض، أي غض البصر عن بعض ما يراه الإنسان، وهو ما حرم الله النظر إليه، وليس غض البصر عن كل شيء. وهذا يدل على أن الإسلام دين واقعي، لا يأمر بالمستحيل، بل يأمر بما هو ممكن ومحقق.

3 – الربط بين غض البصر وحفظ الفرج:

يلاحظ في الآيات الكريمة، أن الله تعالى قدم الأمر بغض البصر على حفظ الفرج. وهذا التقديم ليس عشوائيًا، بل يحمل دلالة عميقة على أن البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وهو مفتاح الشهوات. فكل الحوادث مبدؤها من النظر، والنظرة الأولى قد تجر إلى نظرات متتالية، ثم إلى فكر، ثم إلى شهوة، ثم إلى فعل. لذا، فإن غض البصر هو الخطوة الأولى، والوقائية لحفظ الفرج وصيانة النفس من الوقوع في الفواحش. كما قيل:

كلُّ الحوادثِ مبداها من النظرِ*** ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَررِ.

كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها*** فتكُ السهامِ بلا قوسٍ ولا وتـرِ

والمرءُ ما دام ذا عينٍ يُقَلّبُها*** في أعينِ الغِيد موقوفٌ على خَطرِ

يَسرُّ مُقلتَهُ ما ضرّ مُهجتَهُ*** لا مرحباً بسرورٍ عادَ بالضررِ.

فمن أطلق بصره، فقد عرض قلبه للفتن والشهوات، ومن غض بصره، فقد حصن قلبه وحفظ فرجه.

الفصل الثاني: غض البصر في السنة النبوية المطهرة:

لم يقتصر الأمر بغض البصر على القرآن الكريم فحسب، بل جاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكد هذا المبدأ العظيم وتفصله، وتقدم لنا نماذج عملية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في تطبيقه.

1 – الأحاديث النبوية:

لقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على غض البصر في مناسبات عدة، مبينًا أهميته وفوائده. من أبرز هذه الأحاديث:

أ • حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن نظر الفجأة: روى مسلم، عن جرير – رضي الله عنه – قَالَ: ( سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن نَظَرِ الفَجْأَةِ فَقَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ)[7]. وهذا يدل على أن النظرة الأولى غير المقصودة لا إثم فيها، ولكن الإثم يقع في إدامتها وعدم صرف البصر عنها.

ب • حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن حقوق الطريق:

روى البخاري، ومسلم في صحيحيهما، عَنْ أَبِي سَعِيْد الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ. قَالُوْا: وَمَا حَقَّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ)[8].  وهذا الحديث يوضح أن غض البصر ليس مجرد عبادة فردية، بل هو جزء من الآداب الاجتماعية وحقوق الطريق التي يجب على المسلم الالتزام بها.

ج • حديث “اضمنوا لي ستاً”:

روى أحمد، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : (اضْمَنُوا لِى سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)[9]. هذا الحديث يربط غض البصر بدخول الجنة، مما يؤكد على عظم منزلته في الإسلام.

2 – شرح الأحاديث:

تفسر هذه الأحاديث وتوضح، أن غض البصر، هو واجب شرعي على المسلم، وأنه من علامات الإيمان الصادق. كما تبين أن النظرة الأولى غير المقصودة معفو عنها، ولكن يجب على المسلم أن يصرف بصره فورًا ولا يتمادى في النظر، لأن إدامة النظر هي التي توقع في الإثم.

3 – مواقف من السيرة النبوية:

أ – • موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الفضل بن عباس:

روى البخاري، ومسلم، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ (أَرْدَفَ الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ يَومَ النَّحْرِ خَلْفَهُ علَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وكانَ الفَضْلُ رَجُلًا وضِيئًا، فَوَقَفَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِن خَثْعَمَ وضِيئَةٌ تَسْتَفْتي رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا، وأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا، فأخْلَفَ بيَدِهِ فأخَذَ بذَقَنِ الفَضْلِ، فَعَدَلَ وجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ في الحَجِّ علَى عِبَادِهِ، أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ علَى الرَّاحِلَةِ، فَهلْ يَقْضِي عنْه أنْ أحُجَّ عنْه؟ قَالَ: نَعَمْ).[10] كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أحكام الدين بالقول والفعل والأمر والنهي والتوجيه، في كل المواقف والمناسبات التي تستدعي ذلك. وفي هذا الحديث، يروي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن أخاه الفضل بن العباس رضي الله عنهما، كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم- أي راكبا خلفه على الدابة-، وكان في حجة الوداع يوم النحر، وهو يوم العاشر من ذي الحجة، وكان الفضل رجلا وضيئا، أي: جميلا، ووقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يجيبهم عن أسئلتهم، فجاءت امرأة وضيئة جميلة من خثعم- وهي قبيلة يمنية- تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج، وتستفتيه في مسألة من مسائله، فجعل الفضل رضي الله عنهما ينظر إلى جمالها وحسن صورتها، وكانت هي أيضا تنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل رضي الله عنه إلى الشق الآخر؛ ليكف عن النظر إليها، ولتقلع هي أيضا عن النظر إليه، ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بصرف وجهها إلى الشق الآخر، وإن كانت المرأة ممنوعة من النظر إلى الرجل أيضا مثلما يمنع الرجل، لقوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)[11]، وقوله: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن)[12]،  قيل: لاحتمال أن يكون نظرها للفضل كان عن غير قصد؛ لأنها إنما كانت تنظر جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسألتها. ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بصرف وجه الفضل؛ لأن ذلك يمنع نظر المرأة إلى شيء من وجه الفضل، فكان في ذلك منع للفضل من النظر إليها، ومنع لها من النظر إليه. ولعلها لما صرف وجه الفضل فهمت ذلك، فصرفت وجهها وبصرها عن النظر إليه. ثم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مشروعية الحج بدلا من أبيها، قيل: هو حصين بن عوف الخثعمي، الذي فرضت عليه الفريضة ووجبت عليه، لكنه شيخ كبير لا يستطيع أن يستقر جسمه على الراحلة، أو ربما لم تتوفر فيه شروط الحج إلا في هذه السن المتأخرة من عمره التي أصبح فيها عاجزا ضعيف الجسم منهوك القوى، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تحج عنه؛ لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها. ويشترط في النائب أن يكون قد حج حجة الإسلام عن نفسه أولا، وإلا كانت الحجة عن نفسه ولم تجزئ عن المنوب عنه؛ وهذا الموقف من الرسول صلى الله عليه وسلم، يمثل تطبيقًا عمليًا لأمر غض البصر، ويدل على أن النظر إلى ما حرم الله لا يجوز حتى لو كان في سياق مشروع، كالسؤال عن أمر ديني، إذا كان هناك خشية فتنة.

ب • عناية السلف بغض البصر:

لقد عني السلف الصالح بغض البصر عناية عظيمة، ومن أقوالهم:

– قال أنس رضي الله عنه: (إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك).

– وقال سفيان الثوري رحمه الله: (إن أول ما نبدأ به اليوم غض أبصارنا).

هذه الأقوال والمواقف تبين مدى حرص السلف على تطبيق هذا مبدأ غض البصر، وتوريثه للأجيال.

ج – أقوال العلماء في الغض من البصر:

أدرك العلماء عظم فوائد غض البصر، وتركوا لنا أقوالًا مأثورة تؤكد ذلك:

  • ابن القيم رحمه الله: ذكر في كتابه “الجواب الكافي”، عدة منافع لغض البصر، منها أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم إلى القلب، ويورث القلب أنسًا بالله وجمعية عليه، ويقوي القلب ويفرحه، ويكسب القلب نورًا، ويورث الفراسة الصادقة، ويفتح طرق العلم، ويخلص القلب من ذكر الشهوة ورقدة الغفلة.
  • ابن تيمية رحمه الله: أكد على أن غض البصر يورث حلاوة الإيمان ولذته.

الفصل الثالث: أنواع غض البصر وأحكامه:

يتنوع غض البصر ليشمل جوانب متعددة في حياة المسلم، ولا يقتصر على نوع واحد. كما أن هناك أحوالًا معينة يجوز فيها النظر للضرورة، أو الحاجة الشرعية.

1 – غض البصر عن العورات والمحرمات:

هذا هو النوع الأكثر شيوعًا، والأكثر تأكيدًا في النصوص الشرعية. يشمل:

– غض البصر عن عورات الرجال والنساء.

– غض البصر، عن زينة المرأة الأجنبية التي لا يحل النظر إليها.

يقول ابن تيمية رحمه الله: إن غض البصر نوعان:

*غض البصر عن العورة، كغض الرجل بصره عن عورة غيره.

*وغض البصر عن محل الشهوة، كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية، وهو أشد من الأول.

2 – غض البصر عن بيوت الناس:

يجب على المسلم أن يغض بصره عن بيوت الناس، وما أغلقت عليه أبوابهم، احترامًا لخصوصيتهم وحرماتهم. فبيت الرجل يستر بدنه، كما تستره ثيابه، والتطلع إلى ما بداخل البيوت دون إذن يعد انتهاكًا للحرمات.

3 – غض البصر عن ممتلكات الناس:

يشمل غض البصر أيضًا عدم التطلع إلى ما في أيدي الناس من أموال ومتاع وأولاد ونحوها. قال تعالى في سورة طه: ﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى[13]. هذا النوع من غض البصر يحمي القلب من الحسد والطمع، ويعزز القناعة والرضا بما قسم الله .

الفصل الرابع: أنواع النظر المرخص فيه:

1 – نظر الفجأة:

نظر الفجأة، هو أن يقع بصر الإنسان على محرم بغير قصد منه. في هذه الحالة، لا إثم على المسلم، ولكن الواجب عليه، أن يصرف بصره فورًا، ولا يتمادى في النظر. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله بذلك.

2 – أحوال جواز النظر:

هناك حالات استثنائية يجوز فيها النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه في الأحوال العادية، وذلك للضرورة، أو الحاجة الشرعية، ومنها:

أ • الخطبة: يجوز للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته بالقدر الذي يحقق له معرفتها، بشرط أن يكون بنية الزواج.

ب • العلاج: يجوز للطبيب أن ينظر إلى عورة المريض بالقدر الذي تستدعيه الحاجة للعلاج.

ج • الشهادة: يجوز للشاهد أن ينظر إلى من يشهد عليه للتعرف عليه.

د • المعاملات: يجوز النظر في سياق المعاملات التجارية أو غيرها بالقدر الضروري.

الفصل الخامس: فوائد وثمرات غض البصر:

غض البصر ليس مجرد تكليف شرعي، بل هو مفتاح لخيرات عظيمة، وثمرات جليلة، تعود بالنفع على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة. وقد ذكر العلماء العديد من هذه الفوائد، ومن أبرزها ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله .

أ – الفوائد الدينية:

1 • طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:

غض البصر هو امتثال لأمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا بحد ذاته من أعظم القربات وأسباب السعادة في الدنيا والآخرة.

2 • تزكية النفس:

غض البصر يطهر النفس من أوحال الرذيلة ويزكيها، ويحميها من الوقوع في الفواحش، مما يؤدي إلى نقاء القلب، وطهارة الروح.

3 • شكر نعمة البصر:

استعمال نعمة البصر فيما يرضي الله، وعدم استخدامها في معصيته، هو شكر عملي لهذه النعمة العظيمة.

4 • محبة الله تعالى:

غض البصر عن محارم الله، يورث محبة الله تعالى للعبد، كما قال مجاهد.

ب – الفوائد النفسية والقلبية:

1 • نور القلب والبصيرة:

من ترك النظر إلى ما حرم الله، عوضه الله نورًا في قلبه وبصيرته، فيرى الحق حقًا، والباطل باطلًا، ويفتح له أبواب العلم والفهم.

2 • قوة القلب وشجاعته:

غض البصر، يقوي القلب ويثبته، ويمنحه الشجاعة، بينما إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

3 • سلامة القلب من أمراض الشهوات:

غض البصر، يريح القلب من ألم الحسرة والشهوات، ويحميه من الوقوع في سكرة العشق والغفلة.

4 • راحة البال:

القلب الذي يغض بصره، يكون أكثر هدوءًا وسكينة، بعيدًا عن القلق والاضطراب الذي تسببه الشهوات المحرمة.

5 • الفراسة الصادقة:

غض البصر، يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها العبد بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب.

ج – الفوائد الاجتماعية:

1 • حفظ المجتمع من الفتن والرذائل:

عندما يلتزم الأفراد بغض البصر، فإن ذلك يساهم في حماية المجتمع بأسره من الانزلاق في سعار شهواني لا ينطفئ، ويحفظه من الوقوع في حمأة الرذيلة والفاحشة.

2 • بناء مجتمع فاضل:

غض البصر، يعزز قيم العفة والحياء والطهارة في المجتمع، مما يؤدي إلى بناء مجتمع متماسك وقوي أخلاقيًا.

الفصل السادس: معينات على غض البصر

غض البصر ليس بالأمر السهل في زمن كثرت فيه الفتن والمغريات، ولكنه ليس مستحيلًا. هناك العديد من المعينات والوسائل التي تعين المسلم على تحقيق غض البصر والمداومة عليه.

1 • تقوية الإيمان ومراقبة الله:

استشعار عظمة الله والخوف منه، وتذكر أن الله مطلع على كل شيء، وهو من أقوى الدوافع لغض البصر. فمن علم أن الله يراه، استحيا أن يعصيه.

2 • الدعاء والاستعانة بالله:

طلب العون من الله تعالى بصدق وإلحاح، فالله هو المعين على كل خير. “اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى”.

3 • الابتعاد عن مواطن الفتن:

تجنب الأماكن والمواقف التي يكثر فيها إطلاق البصر، مثل الأسواق المزدحمة، ووسائل الإعلام التي تعرض المحرمات، ومواقع التواصل الاجتماعي التي لا تلتزم بالضوابط الشرعية. والأعراس المختلطة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

4 • الزواج الشرعي:

يعد الزواج الشرعي، من أعظم الوسائل لحفظ الفرج وغض البصر، فهو يلبي الحاجة الفطرية للإنسان بطريقة مشروعة، ويحصن المسلم من الوقوع في الحرام. روى البخاري ومسلم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- شَبَابًا لَيْسَ لَنَا شَيءٌ. فَقَالَ: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءة فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ) [14].

5 • الصوم:

للصوم دور كبير في كسر الشهوة وتهذيب النفس، فهو يعين على التحكم في الغرائز، والابتعاد عن المحرمات. روى البخاري ومسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).

6 • شغل الوقت بما ينفع:

الانشغال بالعبادات والأعمال الصالحة، وطلب العلم، وقراءة القرآن، وممارسة الهوايات المفيدة، يقلل من فرص الوقوع في الفراغ الذي قد يؤدي إلى إطلاق البصر وتتبع الشهوات.

7 • التفكر في عواقب إطلاق البصر:

تذكر الآثار السلبية لإطلاق البصر في الدنيا والآخرة، مثل ظلمة القلب، وضعف الإيمان، والحسرة، والوقوع في الفواحش، وعذاب الآخرة، يدفع المسلم إلى غض بصره.

الخاتمة           

في ختام هذا الموضوع، نؤكد على أن غض البصر، ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو عبادة عظيمة، وأمر إلهي، له أبعاد عميقة في صلاح الفرد والمجتمع. لقد رأينا كيف أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، قد أوليا هذا المفهوم اهتمامًا بالغًا، مبينين أهميته وفوائده الجليلة.

أ – ملخص لأهم النقاط:

  • غض البصر هو كف البصر عن المحرمات، ويشمل غض البصر عن العورات، وزينة المرأة الأجنبية، وبيوت الناس، وممتلكاتهم.
  • هو امتثال لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسبيل لحفظ الفرج وتزكية النفس.
  • يورث نورًا في القلب والبصيرة، ويقوي القلب، ويحميه من أمراض الشهوات.
  • يساهم في بناء مجتمع فاضل نقي من الفتن والرذائل.
  • هناك معينات كثيرة تساعد على غض البصر، منها: تقوية الإيمان، والدعاء، والابتعاد عن مواطن الفتن، والزواج، والصوم، وشغل الوقت بما ينفع.

ب – دعوة للعمل:

إن غض البصر، مسؤولية فردية وجماعية. فعلى كل مسلم ومسلمة أن يجاهد نفسه في تطبيق هذا الأمر الإلهي، مستعينًا بالله تعالى، ومتذكرًا الثواب العظيم والعواقب الحميدة في الدنيا والآخرة. لنجعل من غض البصر منهج حياة، نحقق به رضا ربنا، وننعم بسلامة قلوبنا، ونساهم في بناء مجتمع تسوده العفة والطهارة.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.


[1]  – [ سورة النور، الآية (30)].

[2]  – أخرجه أحمد (5/357، رقم 23071)، وأبو داود (2/246، رقم 2149)، والترمذي (5/101، رقم 2777) وقال: حسن غريب. والروياني (1/69، رقم 22)، والحاكم (2/212، رقم 2788) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (7/90، رقم 13293). وابن أبى شيبة (4/6، رقم 17218)، والطحاوي (3/15).

[3]  – رواه البخاري: الاستئذان – قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لَا تدخلوا. . ” 5761)، ومسلم: اللباس والزينة – النهي عن الجلوس في الطرقات (3960). من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[4]  – تفسير زهرة التفاسير، لأبي زهرة (10/5180 – 5181)

[5]  – [النور: 30]

[6]  – [النور: 31]

[7] – أخرجه مسلم 6/181-182 (2159) (45) .

[8]  – رواه البخاري (6229)، ومسلم (2121).

[9] – أخرجه أحمد (5/323، رقم 22809)، وابن حبان (1/506، رقم 271)، والحاكم (4/399، رقم 8066)، وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي في التلخيص وقال: فيه إرسال. والبيهقي في شعب الإيمان (4/205، رقم 4802). والبيهقي (6/288، رقم 12471). قال الهيثمي (4/145): ورواه أحمد، والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات إلا أن المطلب لم يسمع من عبادة .

[10]  – أخرجه البخاري (6228)، ومسلم. (1334)

[11]  – [النور: 30].

[12]  – [النور: 31] 

[13] – [ طه: 131]

[14]  – رواه البخاري ( 5065 ) ومسلم ( 140 ) واللفظ للبخاري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.