منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صلة الخصائص بكتاب سيبويه

الدكتورة رشيدة مصلاحي

0

صلة الخصائص بكتاب سيبويه

الدكتورة رشيدة مصلاحي

يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:

 “اجتهادات ابن جني في أصول النحو في الخصائص”

المبحث الأوّل: تأثير كتاب سيبويه في خصائص ابن جني

للكتاب أثر واضح في ثقافة الذين جاءُوا من بعْد سيبويه؛ كما كان له تأثير بالغ في مؤلَّفاتهم النحويَّة؛ لهذا تمّت العناية في هذا الباب من البحث، وفي كثير من التعليقات والإحالات ببيان صلة الخصائص بكتاب سيبويه؛ خصوصاً وأنّ طائفة كبيرة ممّن نظر في الخصائص لم يركّزوا على إظهار دوره الرّائد في تأسيس علم أصول النحو، ولا ربطوه بما سبقه ولا بما لحقه من الآثار المشابهة.

وذلك لأنّهم كتبوا بحوثهم ومقالاتهم؛ دون أن يجعلوا تحليل الخصائص ودراسته هدفهم ومنتهى غايتهم، كما أنّهم لم يحاولوا إبراز مكانته المتميّزة في التّراث اللّغوي العربي، وهو شيء تستوجبه دراسة الخصائص؛ إذ لا يصحّ أن يكون نَبْتة متفرّدة لا أصل لها ولا فرع.

وقد صُرِف الاهتمام في هذا البحث إلى إبراز صورة سيبويه كما رسم معالمها ابن جني في خصائصه[1]. ويبقى الرّجوع إلى سيبويه في كلِّ مسأَلة من الصُّعوبة بمكان ولا شيء أشقُّ منه، وليس أدلَّ على ذلك من أنَّه قد خفي الكثيرُ ما في كتاب سيبويه على عديد من الأئمّة الأَعلام؛ فكيف بغيرهم ممّن لم يبلغ مَبْلغهم، ولم يدرك شأْوهم؟!

وقد وصل البحثُ إلى نتيجة هامّة هي: أنّ ابن جني لا يكرّر سيبويه، ولا يقتصر عمله -في الخصائص- على إعادة إنتاج أفكاره وآراءه؛ بل هو استمرار له وامتداد لنظراته وتأمّلاته ولكن في صورة مكمّلة.

والثابت أنّ سيبويه يقدّم القاعدة ويعلّلها ويمثّل لها؛ أمّا ابن جني فيتحدّث عن الخصائص المشتركة، ويبحث عن الأصل مُسْتنبطا له، وحين يكتشفه يوظّفه ويستشهد به ويبرهن على صحّته وفاعليّته؛ فسيبويه كتب القواعد النظرية التي سوف يوظّفها في بناء القواعد النحوية؛ ثمّ بعد ذلك محاها، وتركنا نحن نبحث في تلك القواعد النظرية، ولعلّ ابن جني وهو يتأمّل في القواعد النّحوية؛ قد استطاع أن يستخرج جزءاً كبيراً من تلك القواعد النظرية، وهكذا تمّ استقصاء مظاهر حضور سيبويه في الخصائص من خلال تصريحات ابن جني نفسه، ومن خلال بعض تلميحاته وإشاراته.

صحيح أنّ لابن جني أثر كبير في تنمية آراء سيبويه والتّفريع عليها، بل ربّما خالفه في بعض الفروع، وبعض المسائل التي يحكيها عنه، إلّا أنّ أصولهما واحدة وجانب كبير من الخصائص من كلام سيبويه نفسه.

والرّاجح أنّ ابن جني من العلماء الذين حفظوا كتاب سيبويه؛ لذلك نجده يقول في باب (قوّة اللفظ لقوّة المعنى): «وإن لم يحضرنا الآن حقيقة لفظه» قال ابن جني هذه العبارة وهو يسرد رأي سيبويه في (باب تصغير ما كان على ثلاثة أَحرف ولحقته ألف التأنيث بعد ألف فصار مع الألفين خمسة أَحْرف).

لقد تغلغل تأْثير سيبويه في أعماق الخصائص؛ حتّى ليُخيّل لقارئه أنّ ابن جني يحفظ الكتاب عن ظهر قلب؛ فهو تارة يستشهد بأقوال سيبويه كما هي مبثوثة في مؤلّفه، وتارة أخرى يكتفي بالإشارة إليها، وأحيانا أخرى يوظّفها في مجال اشتغاله -دون تصريح أو تلميح- وكأنّها من بنات أفكاره الخاصّة.

وهكذا اقتضت طبيعة البحث في هذا الباب استعمال نوع من المقارنة بين نصوص ابن جني في مقابل نصوص سيبويه؛ حتّى تتبيّن حدود اجتهادات ابن جني في علم العربية، ويتمّ تعيين ما تفرّد به، وما أضافه من مسائل وتصوّرات جديدة في مجال اللّغة والنّحو والأدب..

إنّ حضور سيبويه في الخصائص لا يعني البحث بصفته كمّاً (أقوالاً وإحصاءات)، وإنّما يعنيه باعتباره كيفاً (فكراً وتصورات هي أصول لابن جني)؛ لهذا سيتم استعمال أقوال سيبويه للاستشهاد على قضايا يثيرها البحث.

وفي أحيان كثيرة اعتمد البحثُ وسيلة خاصّة في الإفصاح عن صلة الخصائص بالكتاب وهي: سوْق نصوص سيبويه في بعض المسائل التي عرض لها ابن جني، ومحاولة المقارنة أو التوفيق بين آراء الرجلين في العديد من القضايا اللّغوية والنّحوية، وبهذا يتبيّن مدى اعتماد صاحب الخصائص على سيبويه ومدى استقلاله.

المبحث الثاني: هدف ابن جني من وراء الاستدلال بآراء سيبويه

المُلاحظ أنّ ابن جني-وهو يستدلّ بآراء سيبويه ويوظّف أفكاره- لم يتّبع منهجيةً منظّمةً، ولم يلتزم طريقاً واحداً؛ بل اعتمد طُرقاً متعدّدةً، واستعمل مسالك متنوّعة؛ كما أنّ الأغراض التي أراد تحقيقها -من وراء استدلاله- تمثّلت في عدّة أمور نذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر-:

– استنباط الأصول والمبادئ العامّة.

– إثبات بعض القضايا أو نفيها.

– الانتصار لنفسه أو لبعض شيوخه.

– الاحتجاج خلاف بعض العلماء.

– حل بعض المسائل الخلافية.

وهكذا، فمن يتأمّل علاقة ابن جني بسابقيه يدرك -بوضوح تامّ- أن قطب العلم عنده مبنيٌّ على التطوير والتجاوز، وليس على التكرار واجترار آراء السّابقين وأفكارهم.

وتجدر الإشارة إلى أنّه قبل ابن جني أَلَّف المبرّد[2] كتابه المقتضب في النحو والصّرف فكان تأَثُّره –هو الآخر- بكتاب سيبويه تأثّراً كبيراً، وقد جرى ذكر الخليل وسيبويه في المقتضب في مواضع تزيد عن المائة[3]، وقد صرَّح الأستاذ عبد الخالق عضيمة –في مقدّمة تحقيقه لمقتضب المبرّد- أنَّه بذل أقصى الجهد في توضيح صلة المقتضب بكتاب سيبويه؛ حتَّى بلغت نصوص سيبويه التي تضمَّنها التعليق (1550) نصّ[4].

ويظهر بكل وضوح أنّ هذه الصّلة لم تكن موضوعاً إنشائياً بالنسبة للأستاذ عبد الخالق عضيمة استوحى فيه الخيال، وإِنَّما بيانها والإفصاح عنها كان بتقديم نصوص سيبويه في معظم المسائل التي عرض لها المبرّد، وبهذا تبيّن له مدى اعتماد المبرّد على سيبويه.

لقد جعل الأستاذ عبد الخالق عضيمة همّه وسدَمه أن يكشف عن المصادر الأولى للمقتضب ما استطاع لذلك سبيلا؛ إذ أكّد غير ما مرّة أنّه لا يجمل بالباحث الدّارس أن يكتفي بنسبة القول إلى المتأَخِّر ويدَع المتقدّم عليه، فهذا لون من التّهاون والإغفال يجافي المنهج العلميّ في نظره، وقد ساق لذلك مثالاً لابن جني في كتابه المُنْصِف ينسب فيه قولاً لسيبويه للمبرّد؛ فيُعلّق الأستاذ عضيمة على ذلك قائلاً: «لذلك كان يجمل بأبي الفتح أنْ ينسب القول إلى سيبويه لا أن يخصّ به المبرّد، أو يقول سيبويه، والمبرّد»[5].

ثمَّ إنَّ كتاب سيبويه، والمقتضب والخصائص أقْدم وأضخم ما وصل إلينا من كُتب النحو والصّرف، والرّبط بينهم تسجيل لخطوات نشأة النحو وتدرّجه في القرن الثاني والثالث والرابع، وفي ذلك أيضا كشف عن منابع الخصائص ومصادره، كما يُعتبر ذلك دعامة قويَّة في الدّراسات المقارنة.

ومن ذلك كلّه تتّضح خصوصية البحث في هذا الباب وهو يناقش الكثير من القضايا والمسائل المطروحة في الخصائص من خلال التّصريح بمعظم أصولها الأساسية ومصادرها الرئيسية وعلى قمّتها كتاب سيبويه.

ويُذكر سيبويه وكتابه في أكثر من أربعمائة وسبعين موضعاً من الخصائص، وقد لقي هذا الإمام وكتابه اهتماماً خاصّاً من ابن جني، وإيماناً بأهمّية الكتاب، وإدراكاً لمكانته عند ابن جني، عُقد العزمُ على أن يكون العمل في هذا الفصل متمثّلا في الأمور الآتية:

– إخراج معظم ما حكاه ابن جني عن سيبويه في الخصائص.

– جمع كل المسائل والقضايا التي استقاها ابن جني من الكتاب.

– إبراز دور ابن جني في بلورة الأصول الواردة في الكتاب.

– تبيان منهجية ابن جني في الاستدراك على سيبويه والاستدلال بآرائه.

وتقتضي طبيعة البحث في هذه المرحلة من البحث استعمال نوع من المقارنة والموازنة بين نصوص ابن جني في مقابل نصوص سيبويه؛ حتّى يتبيّن حدود اجتهادات كلّ منهما في علم العربية، ويتمّ تعيين ما تفرّد به كلّ منهما عن الآخر، وما أضافاه من مسائل وتصوّرات جديدة في مجال اللّغة والنّحو والأدب[6].

وسيعمل البحث على إخراج نصوص الكتاب المتواجدة بالخصائص، وليس الغرض التعرّض إلى كلّ ما حكاه ابن جني عن سيبويه، وإنّما الهمّ والسّدم أن يقدّم البحث ما يكفي لمعرفة مدى حضور علَم سيبويه وكتابه؛ إذ لا يمكن لأيّ باحث في كتاب الخصائص من أن يقرأه في غياب الرّجوع –وبصفة مستمرّة- إلى الكتاب، وذلك حتّى يتبيّن له أهم ما أضافه ابن جني لجهود أستاذه وشيخه.

المبحث الثالث: أسلوب ابن جني في الاستدلال[7] بآراء سيبويه

يعرض ابن جني كلام سيبويه -في الغالب الأعمّ- بالتفصيل دون أن يجتزئ منه بعض العبارات، ويقتصر عليها في الاستدلال؛ بل يأخذ النصّ ثمّ يستدلّ به في إثبات أو نفي بعض القضايا أو تبيان بعض الأحكام أو استنباط بعض الأصول والمبادئ العامّة، وقد يخصّ كلمة بالتناول والاهتمام.

وقد يستشهد ابن جني بنصوص سيبويه كلمةً كلمة، وهذا عمله –الغالب- في الاستدلال بكلام سيبويه، فهو يتتبّع كلام سيبويه ويوضّحه حسب أهمّيته؛ حتّى إنّه أحياناً يذكره ويقول: «فهذا ونحوه من البيان ما تراه»[8]، «وقد تقدّم سيبويه في هذا المعنى بما هو معلوم واضح»[9].

ولا يعني هذا التتبّع الحرفي لعبارات سيبويه، فهو قد يترك بعض العبارات القليلة التي قد تكون شرحاً أو توضيحاً لأمر قد عرض له فيما سبق، كما أنّه قد يترك الكثير من أمثلة سيبويه التي لا يحتاج إليها في تبيان مراده.

ثمّ إنّ ابن جني يحرص على الدقّة في التّعامل مع نصوص الكتاب؛ فهو يذكر كلام سيبويه كما هو وارد في الكتاب، وأحياناً يتصرّف في بعض العبارات، وقد يورد عبارات لا تتّفق مع عبارات النصّ الواردة في الكتاب، وقد يخرج في التمثيل عمّا هو وارد في نصّ الكتاب في أغلب الأحيان.

وعند نقل ابن جني لكلام سيبويه نجده أحياناً لا يورد النصّ أو الشّاهد بكامله؛ بل يذكر أوّل الكلام أو الشطر الأوّل من البيت، ثمّ يختمه بآخر كلمة فيه –اختصاراً- أو يأتي بأوّل الكلام كناية عن أمثلة ذكرها سيبويه أو كلام لا يريد إعادته –اختصاراً أيضاً- أو يقول: (بيت الكتاب) بعد أن يذكر موضع الشّاهد..

ثمّ إنّ ابن جني لا يكرّر القضايا التي بيَّنها في أمكنة سابقة؛ فإذا عرض لقضية بيَّنها في مكان آخر لا يكرّر ذلك بل يحيل عليها؛ ويشير إلى موضع الحديث عنها، وفي مقامات أخرى يفترض ابن جني أسئلة ويجيب عنها قبل الاستدلال بآراء سيبويه؛ إذ نجده يستدلّ بكلام سيبويه وعباراته، وأحياناً يجعل مقدّمة لما هو بصدده.

وقد يفترض ابن جني أسئلة ويجيب عنها قبل استدلاله أو استشهاده بعبارات الكتاب، ثمّ يعود لألفاظ سيبويه بالمناقشة والاستطراد، وهو بهذه الأسئلة والمقدّمات يجعل القارئ يقف على مراد سيبويه من ذلك الكلام الذي قاله أو الموضوع الذي أثاره أو القضية التي طرحها.

وابن جني حريص –كما قلنا- على توضيح مراد سيبويه، فبعد أن يتحدّث عن القضية التي هو بصددها، ويورد ما لديه من أقوال العلماء، ويرجّح ما يراه ويستشهد على ذلك، يعود لعبارات سيبويه بالتحليل المختصر، وأحياناً يطيل في ذلك.

والمُلاحظ أنّ ابن جني لا يوضّح، ولا يعقّب على ما كان واضحاً من كلام سيبويه؛ فإذا كانت أقوال سيبويه واضحة، لا تحتاج إلى توضيح أو تعقيب، أشار إلى ذلك بعد ذكر عبارة سيبويه، وهناك مواضع أخرى نجد أنّ ابن جني يفرض اعتراضاً أو ينشئ سؤالاً، ثمّ ينفصل عنه بالجواب؛ فابن جني يكثر الاعتراض والانفصال عن الاعتراض.

ويذكر ابن جني أسئلة كثيرة؛ ثمّ ينفصل عنها مجيباً وموضّحاً ومفصّلاً؛ تقول الدكتورة شذى جرار: «ولم يكن تأثر الفارسي الذي أورثه ابن جني، متعلقا بآراء سيبويه النحوية فقط، بل كان متأثرا بمنهجه النحوي، حيث سلك سبيل سيبويه في إيراد الاعتراض ثم يتولى هو الجواب. وقد ظهر لنا كيف نحا ابن جني هذا النحو في عرض مسائله، حيث تأثر في ذلك بالفارسي»[10].

المبحث الرابع: توظيف ابن جني لأقوال سيبويه دون تصريح أو تلميح

لقد تغلغل تأْثير سيبويه في أعماق الخصائص؛ حتّى ليُخيّل لقارئه أنّ ابن جني يحفظ الكتاب عن ظهر قلب؛ فهو تارة يستشهد بأقوال سيبويه كما هي مبثوثة في مؤلّفه، وتارة يكتفي بالإشارة إليها، وأحيانا أخرى يوظّفها في مجال اشتغاله -دون تصريح أو تلميح- وكأنّها من بنات أفكاره الخاصّة.

والمُلاحظُ أنّ ابن جني لم يصرّح -في كتابه الخصائص- بأخذ الكثير من الشواهد والآراء عن سيبويه؛ إذ نجد عدداً من الآراء التي استدلّ بها ابن جني تتشابه مع كلام سيبويه؛ فقد جاء ببعض الشواهد غير المنسوبة، ولم يشر إليها الأستاذ علي النجار، وهي من شواهد الكتاب مثل:

– قول ابن جني: «وعليه قوله:

مَشَيْنَ كما اهتزَّتْ رِماحٌ تسفَّهَتْ   ***  أعاليها مَرُّ الرياحِ النَّواسمِ

وقول الآخر:

لمّا أتى خبر الزُبَير تواضعت  ***  سورُ المدينة والجبالُ الخُشّع»[11]

وهذه الشواهد ذكرها سيبويه حين قال:

«ومما جاء مثله في الشعر قول الشاعر(…) ومثله قول جرير أيضا:

لَمَّا أتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ  ***  سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ

ومثله قول ذي الرُّمّة:

مَشَيْنَ كم اهتزَّتْ رِماحٌ تسفَّهَتْ  ***  أعالِيَها مَرُّ الرياحِ النَّواسمِ»[12]

ويبقى الظاهر من النصّين دخول تاء التأنيث على الفعلين «تسفه وتواضع»؛ مع أن فاعلهما «المر وسور» مذكران، ولكنهما أضيفا إلى مؤنث وهما «المدينة والرياح»؛ فجاز على ذلك تأنيث الفعل مراعاة للمضاف إليه المؤنث.

ذكر ابن جني في «باب في جمع الأشباه من حيث يَغْمُض الاشتباه»[13]:

وقد بدأه بقوله: «هذا غَور من اللغة بَطين، يَحتاج محتاجه إلى فَقاهة في النفس ونصاعة من الفكر، ومسائلة خاصّية، ليست مبتذَلة ولا ذات هُجْنة. «ألقيت يوما على بعض من كان يعتادني، فقلت من أين تجمع بين قوله[14]:

لَدْن بِهَزّ الكفّ يعسِل مَتْنُه  ***  فيه كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ

وبين قولنا:  اختصم زيد وعمرو؟ فأجبل[15] ورجع مستفهِما. فقلت: اجتماعهما من حيث وَضْع كل واحد منهما في غير الموضع الذي بدئ له. وذلك أن الطريق خاصّ وضع موضع العامّ. وذلك أن وضع هذا أن يقال: كما عسل أمامه الثعلب، وذلك الأمام قد كان يصلح لأِشياء من الأماكن كثيرة: من طريق وعَسْف وغيرهما. فوضع الطريق –وهو بعض ما كان يصلح للأمام أن يقع عليه- موضع الأمام. فنظير هذا أنّ واو العطف وَضْعُها لغير الترتيب، وأن تصلح للأوقات الثلاثة؛ نحو جاء زيد وبكر. فيصلح أن يكونا جاءا معا، وأن يكون زيد قبل بكر، وأن يكون بكر قبل زيد. ثم إنك قد تنقلها من هذا العموم إلى الخصوص. وذلك قولهم: اختصم زيد وعمرو. فهذا لا يجوز أن يكون الواو فيه إلا لوقوع الأمرين في وقت واحد. ففي هذا أيضا إخراج الواو عن أوّل ما وُضعت له في الأصل: من صلاحها للأزمنة الثلاثة، والاقتصار بها على بعضها؛ كما اقتُصر على الطريق من بعض ما كان يصلح له الأمام»[16].

وهذا مقتطف من الكتاب مع يسير من الاختلاف:

قال سيبويه: «هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعلُه إلى مفعول». «ومثل ذلك قول ساعدةَ بن جُؤَيَّةَ:

لَدْنٌ بهَزِّ الكَفِّ يَعْسِل مَتْنُهُ  ***  فيه كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ

ويتعدى إلى ما كان وقتا في الأمكنة[17] كما يتعدى إلى ما كان وقتا في الأزمنة لأنه وقت يقع في المكان، ولا يختص به مكان واحد، كما أن ذاك وقت في الأزمان لا يختص به زمن بعينه، فلما صار بمنزلة الوقت في الزمن كان مثله؛ لأنك قد تفعل بالأماكن ما تفعل بالأزمنة وإن كانت الأزمنة أقوى في ذلك»[18].

– تحدث ابن جني عن تعويض «أن» النّاصبة بحرف العطف

فقال: «ومنها ما يمكن النّطق بهِ إلاّ أنه لم يستعمل، لا لتقله لكن لغير ذلك: من التعويض منه، أو لأن الصنعة أدت إلى رفضِه. وذلك نحو (أَنْ) مع الفعل إذا كان جوابا للأمر والنهي، وتلك الأماكن السبعةِ؛ نحو اذهب فيذهبَ معك «ولا تفتروا على الله كذبا فيُسْحِتكم بعذاب» وذلك أنهم عوّضوا من (أنِ) الناصبة حرف العطف، وكذلك قولهم: لا يَسَعُني شيء ويعجزَ عنك، وقوله[19]:

… … … … … …  إنما *** نحاول ملكا أو نموتَ فنُعْذَرا

صارت أو والواو فيه عوضا من (أَنْ)»[20].

وهذا من كلام سيبويه مع بعض الاختلاف.

قال سيبويه: «واعلم أنَّ معنى ما انتصَب بعد أوْ على إلاَّ أَنْ، كما كان معنى ما انتصَب بعد الفاء على  غير معنى التمثيل تقول: لألزمَنَّك إلاَّ أن تقتضيَني ولأضربنّك إلاَّ أن تسبقني. هذا معنى النصب. قال امرؤ القيس[21]:

فقلتُ له لا تَبْكِ عينُك إنّما  ***  نُحاوِلُ مُلْكاً أو نَموتَ فنُعْذَرَا[22]

والقوافي منصوبةٌ، فالتمثيلُ على ما ذكرتُ لك، والمعنى على إلاَّ أن نموتَ فنُعْذَرا، وإلاَّ أن تُعطِيَني، كما كان تمثيلُ الفاء على ما ذكرتُ لك، وفي المعاني التي فصلت لك»[23].

– ذكر ابن جني في إبدال النون ميماً:

قال ابن جني: «وعلى ذلك قالوا: أمرأة شمباء[24]، وقالوا: العمبر، ونساء شُمْب، فأبدلوا النون ميما لما يُتَوَقّع من مجيء الباء بعدها»[25].

وقد أورد ذلك سيبويه حين قال: «والميمُ تكون بدلاً من النون في عَنْبَرٍ وشَنْبَاء ونحوهما، إذا سكنتْ وبعدها باءٌ»[26].

والرّاجح – من خلال التفرّس في هذه الأمثلة- أنّ ابن جني من العلماء الذين حفظوا كتاب سيبويه، لذلك نجده يقول في باب (قوّة اللفظ لقوّة المعنى) معلقا على ما نقله عن سيبويه بالمعنى لا باللفظ: «وإن لم يحضرنا الآن حقيقة لفظه» قال ابن جني هذه العبارة وهو يسرد رأي سيبويه في (باب تصغير ما كان على ثلاثة أَحرف ولحقته ألف التأنيث بعد ألف فصار مع الألفين خمسة أَحْرف)[27].

المبحث الخامس: منهج ابن جني في الاستدلال بآراء سيبويه

في (باب القول على الفصل بين الكلام والقول) يستدلّ ابن جني بنصّ الكتاب الآتي: «واعلم أنّ ‏»‏قلت»‏ في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاماً لا قولا»‏‏[28]. فبعد عرض ابن جني لرأي سيبويه في مسألة الفصل بين الكلام والقول يُعلّق عليه موضّحاً: «ففرق بين الكلام والقول كما ترى‏. ‏نعم وأخْرَج الكلام هنا مُخرج ما قد استقرّ في النفوس، وزالت عنه عوارض الشكوك»[29].

«ثم قال في التمثيل: «نحو قلت زيد منطلق؛ ألا ترى أنه يحسن أن تقول: زيد منطلق» فتمثيله بهذا يعلم منه أن الكلام عنده ما كان من الألفاظ قائما برأسه، مستقلا بمعناه، وأن القول عنده بخلاف ذلك؛ إذ لو كانت حال القول عنده حال الكلام لما قدم الفصل بينهما، ولما أراك فيه أن الكلام هو الجمل المستقلة بأنفسها، الغانية عن غيرها، وأن القول لا يستحقّ هذه الصفة، من حيث كانت الكلمة الواحدة قولا، وإن لم يكن كلاما. فعلى هذا يكون قولنا قام زيد كلاما، فإن قلت شارطا: إن قام زيد، فزدت عليه «إن» رجع بالزيادة إلى النقصان، فصار قولا لا كلاما؛ ألا تراه ناقصا، ومنتظرا للتمام بجواب الشرط»[30].

ويتّضح بعد النّظر في نصّ الكتاب، والتأمّل في تعليق ابن جني عليه أنّ هذا الأخير  يعتبر نصَّ سيبويه دليلاً قاطعاً، وشاهداً لا يقبل النّقاش في مسألة الفصل بين الكلام والقول، بل تجاوز الأمر إلى أبعد من ذلك حين استنبط من وراء النّظر فيه مجموعة من المبادئ العامّة مثل:

– الكلام ما استقرّ في النّفوس، وزالت عنه عوارضُ الشّكوك.

– الكلام ما كان من الألفاظ قائماً برأسه، مستقلّاً بمعناه، والقول بخلاف ذلك.

– الكلام هو الجمل المستقلّة بأنفسها الغانية عن غيرها، وأنّ القول لا يستحقّ هذه الصّفة، من حيث كانت الكلمة الواحدة قولاً، وإن لم يكن كلاماً.

وبعد استعراض ابن جني لهذه المبادئ المُستنبطَة من نصّ سيبويه؛ يضيف مستنتجاً فكرة جديدة تخصّ مسألة تحوّل الجملة من الكلام إلى القول أي متى يكون التعبير كلاماً، ومتى يكون قولاً؛ إذ نجده يشترط الفائدة في الكلام ولا يشترطها في القول يقول: «قولنا قام زيد كلاما، فإن قلت شارطا: إن قام زيد، فزدت عليه «إن» رجع بالزيادة إلى النقصان، فصار قولا لا كلاما»[31].

وهكذا انطلق ابن جني من القاعدة التي وضعها سيبويه؛ ليستنبط أصلاً معتبراً في مسألة الفصل بين الكلام والقول، وذلك حين وضع –كعادته- بعض الأسئلة الإفتراضية وهي: «لم وضع الكلام على ما كان مستقلاّ بنفسه البتَّة، والقول على ما قد يستقلّ بنفسه، وقد يحتاج إلى غيره؟ ألِاشتقاق قضى بذلك؟ أم لغيره من سماع متلقًّى بالقبول والاتّباع؟»؛ ثم أجاب نفسه بنفسه: «لا؛ بل لاشتقاق قضى بذلك دون مجرّد السماع»[32]. «وكأن الأصل في هذا الاتّساع إنما هو محمول على القول؛ ألا ترى إلى قلّة الكلام هنا وكثرة القول؛ وسبب ذلك وعلّته عندي ما قدّمناه من سعة مذاهب القول، وضيق مذاهب الكلام»[33]. ويتّضح غرضُ ابن جني من خلال وضعه لتلك الأسئلة الافتراضية وهو: البحث عما وراء عبارة سيبويه؛ أي أنّ ابن جني دائماً يتساءل حول ما الذي أراد سيبويه قوله ولم يقله حقيقة..

والملاحظ أنّ مجمل مواضيع الخصائص تدور حول الأصول العملية لعلم الاشتقاق؛ كما أنّ ابن جني قد أدار مباحث (باب القول على الفصل بين الكلام والقول) على مبادئ علم الاشتقاق، ويظهر ذلك في نطاق حديثه عن الفصل بين الكلام والقول؛ إذ نجده يتطرّق إلى الحديث عن الجذر الواحد، وجميع  تقليباته التي لا تتعدّى الدّلالة الواحدة، و يقول: «إن هذا موضع يتجاوز قدر الاشتقاق، ويعلوه إلى ما فوقه. وستراه فتجده طريقا غريبا، ومسلكا من هذه اللغة الشريفة عجيبا»[34].

ولذلك جاء ابن جني بأدلّة من الكتاب على صدق ما ذهب إليه «وقال سيبويه[35]‏:‏ ‏»‏هذا باب علم ما الكلمُ من العربيّة»‏ فاختار الكلم على الكلام، وذلك أن الكلام اسم من كَلَّم، بمنزلة السلام من سلّم، وهما بمعنى التكليم والتسليم، وهما المصدران الجاريان على كلّم وسلّم؛‏ فلما كان الكلام مصدراً يصلح لما يصلح له الجنس، ولا يختصّ بالعدد دون غيره، عَدَل عنه إلى الكلم، الذي هو جمع كلمة، بمنزلة سلِمة وسلِم ونبِقة ونبِق وثفِنة وثفِن‏.‏ وذلك أنه أراد تفسير ثلاثة أشياء مخصوصة، وهي الاسم، والفعل، والحرف، فجاء بما يخص الجمع، وهو الكلم، وترك ما لا يخص الجمع، وهو الكلام، فكان ذلك أليق بمعناه، وأوفق لمراده»[36].

«ومعلوم أن الكلمة الواحدة لا تشجو، ولا تَحزُن، ولا تتملك قلب السامع، إنما ذلك فيما طال من الكلام وأمتع سامعيه، بعذوبة مستَمعه، ورقة حواشيه؛ وقد قال سيبويه[37]‏:‏ ‏»‏هذا باب أقل ما يكون عليه الكلم‏»‏ فذكر هنالك حرف العطف، وفاءه، وهمزة الاستفهام، ولام الابتداء، وغير ذلك مما هو على حرف واحد، وسمّى كل واحد من ذلك كلمة»‏[38]. «وكذلك قول الآخر –فيما حكاه سيبويه[39]-‏:‏ ‏»‏ألاَ تا‏»‏ فيقول مجيبه‏:‏ ‏»‏بلى فا‏»‏‏.‏ فهذا ونحوه مما يقلّ لفظه، فلا يحمل حسناً ولا قبحاً؛ ولا طِيباً.‏ ولا خبثا»[40].‏

ويخلص ابن جني –في نهاية بابه- إلى نتيجة ثابتة لا تقبل النقاش ولا المراجعة وهي: «أنّ الكلام إنّما هو في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برؤوسها، المستغني عن غيرها، وهي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجُمَل، على اختلاف تركيبها. وثبت أنّ القول عندها أوسع من الكلام تصرّفا، وأنه قد يقع على الجزء الواحد، وعلى الجملة، وعلى ما هو اعتقاد ورأي، لا لفظ وجَرْس. وقد علمت بذلك تعسّف المتكلّمين في هذا الموضع، وضِيقَ القول فيه عليهم، حتى لا يكادوا يفصلون بينهما. والعجب ذهابهم عن نصّ سيبويه فيه، وفصلِه بين الكلام والقول‏.

*  ولِكل قومٍ سُنّة  وإِمامها  *[41]»[42].

وهكذا، يتّضح أنّ ابن جني قد اتّبع سُنّة سيبويه في مسألة الفصل بين الكلام والقول، واتّخذه إماماً في حسم الموضوع.. والملاحظ أنّ سيبويه جاء بالقاعدة: «واعلم أنّ ‏»‏قلت»‏ في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاماً لا قولا». وقد ناقش ابن جني –كما رأينا- هذه القاعدة السيبويهية ليستنبط أصلا مهمّاً في المسألة.

ومما يثير الانتباه تعريف ابن جني لمصطلح الكلام؛ فهو يعرفه بأنّه: «كل لفظ مستقلٍّ بنفسه، مفيدٍ لمعناه. وهو الذي يسميه النحويون الجُمَل»[43]. وبأنّه: «في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها، المستغني عن غيرها، وهي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجُمَل، على اختلاف تركيبها»[44].

لقد سوّى ابن جني –في المرحلة التي تلت سيبويه- بين الجُمْلة والكلام، ونظر إليهما على أنّهما مترادفان؛ يُقصد بكلّ واحد منهما ما يُقصد بالآخر دون إشارة إلى تعميم أو تخصيص.

وقد سوى عبد القاهر الجرجاني كذلك بين الجملة والكلام؛ حين قال في باب المفرد والجملة من كتابه الجمل: «اعلم أن الواحد من الاسم والفعل والحرف يسمى كلمة، فإذا ائتلف منها اثنان فأفادا نحو: خرج زيدٌ سُمّي كلاماً وسُمّي جملةٌ، والائتلاف يكون بين الاسم والفعل كما ذكرنا وبين الاسمين، كقولك: زيدٌ منطلقٌ، وبين الاسم والحرف في النداء خاصة نحو: يا زيدُ»[45].

ويشترط كلّ من ابن جني والإمام عبد القاهر في مسألة التّسوية بين مدلولي هذين المصطلحين شرطين في تحديد المصطلح:

الأول: هو ما يساوي الاستقلال، وعدم الاحتياج إلى شيء آخر في تعبير ابن جني، وهو الائتلاف بعبارة الجرجاني.

والثاني: هو الفائدة في تعبير كلّ منهما.

وقد ظلّت أصداءُ هذه التّسوية تتردّد حتّى عصرنا الحاضر؛ إذ يسوي صاحب النحو الوافي بين الكلام والجملة، فقد عرفهما معاً بتعريف واحد؛ إذ نجده يقول: الكلام (أو الجملة): هو ما تركب من كلمتين أو أكثر، وله معنى مفيد مستقل». مثل: أقبل ضيف. فاز طالب نبيه. لن يهمل عاقل واجباً..»[46] ؛ إلاّ أنّ كتُب المتأخّرين من النحاة حتّى عصر الإمام السيوطي، ومن نهج نهجه من النحاة المعاصرين، فرّقوا بين الكلام والجملة؛ إذ اصطلحوا على أنّ الكلام: «قول مفيد»، والجملة: «كلام مركّب» من الفعل والفاعل والمبتدإ والخبر مطلقاً.

ويمكن الإشارة هنا إلى أنّ مصطلح الجملة لم يظهر –على شهرته- مع الدراسات النحوية التي عاصرت كتاب سيبويه، إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الكتاب يُعدُّ تمثيلاً ناضجاً للجهود النحوية في هذه الفترة.

ثمّ إنّ سيبويه نفسه لم يستخدم مصطلح الجملة على النحو الذي تناوله به من جاء بعده؛ فلم ترد كلمة الجملة في كتابه إلا مرّة واحدة؛ إذ جاءت بصيغة الجمع، ولم ترد بوصفها مصطلحاً نحوياً؛ بل وردت بمعناها اللغوي إذ يقول: « وليس شيء يُضطَرّون إليه إلا وهمْ يحاوِلون به وجها. وما يجوز في الشعر أكثر من أن أذكره لك ههنا، لأنَّ هذا موضع جُمَلٍ»[47]. ومصطلح الكلام نفسه يتّسع مدلوله في كتاب سيبويه ويأخذ دلالات مختلفة بحيث لا يقال إنّه يستخدم الكلام في معنى الجملة الاصطلاحي دائماً..


[1] – كان من المفروض قراءة الكتاب، وتمثّل أفكار سيبويه وآراءه؛ حتّى تصبح شخصيته صورة ذهنية يمكن التوجّه من خلالها إلى سيبويه في الخصائص؛ لكنّ الوقت لم يسمح بذلك؛ لهذا لم أدخل على سيبويه من هذا الباب، بل حاولت أن أُطِل عليه من النّافذة التي أوحى لي بالإشراف من خلالها تلميذه ابن جني عبر كتابه الخصائص.

[2] – قال عنه ابن جِنِّي: «يُعَدّ جَبلا في العِلْم، وإليه أفضت مقالاتُ أصحابنا، وهو الذي نقلها وقرّرها، وأجرى الفروع والعلَل والمقاييس عليها». انظر كتاب «سِرُّ صناعة الإعراب» لأبي الفتح عثمان بن جني، مرجع سابق، 1/130.

[3] – على حين أنَّ المازنيّ جرى ذكره في مواضع تبلغ العشرين موضعاً. انظر كتاب المقتضب لأبي العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد (210ه-285ه-، تحقيق: محمّد عبد الخالق عضيمة الأستاذ بجامعة الأزهر، القاهرة: 1415ه/1994م، جمهورية مصر العربية، وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، الطبعة الثانية: 1399ه/1979م، 1/93.

ويصرّح السيرافي بأنّ علم النحو قد انتهى «بعد طبقة الجرميّ والمازنيّ إلى أبي العبّاس محمّد بن يزيد الأزديّ». انظر المقتضب: 1/43.

[4] – انظر المقتضب: 1/127.

[5] – انظر المقتضب: 1/127.

[6] – وأشير هنا إلى أنّ العمل التصنيفي يوفّر للبحث العلمي مادّته الخام التي تشكّل منطلقه وإطاره؛ لأنّه يوفّر للباحث أرضية علمية صلبة، ويفتح أمامه آفاقاً مستقبلية رحبة. ولأنّ النّصوص شاهد لا يكذب وبرهان لا يقبل الشك؛ فسنورد نص ابن جني أوّلا ثم نص سيبويه؛ حتّى يتبيّن لنا حدود اجتهاداته في علم العربية، ونعيّن ما تفرّد به ابن جني من مسائل جديدة في مجال اللغة والنحو والأدب.

[7] – مفهوم الاستدلال لغةً واصطلاحاً

دلل: أَدَلَّ عَلَيْهِ وتَدَلَّلَ: اُنْبَسَطَ (…- وفي الْحَدِيثِ: يَمْشِي عَلَى الصِّراطِ مُدِلاًّ، أَيْ مُنْبَسِطاً لا خَوْفَ عَلَيْهِ (…- والْمُدِلُّ بِالشَّجاعَةِ: الْجَرِيءُ (…- ودَلَّ فُلَانٌ إِذا هَدَى. ودَلَّ إِذا افْتَخَرَ (…- قالَ ابْنُ الأعرابي: دلّ يدلّ إذا هدى، ودَلَّ يَدِلُّ إذا مَنَّ بِعَطائِهِ (…- وفُلانٌ يُدِلُّ عَلَيْكَ بِصُحْبَتِهِ إِدْلالاً ودالَّة أيْ يَجْتَرئُ عَلَيْكَ (…- وَالدَّلُّ قَرِيبُ اُلْمَعْنَى مِنَ اُلْهَدْيِ، وهُما من السَّكِينَةِ والْوَقارِ في الْهَيْئَةِ والْمَنْظَرِ وَالشَّمائِلِ وغَيْرِ ذلِكَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي جاءَ: فَقُلنا لِحُذَيْفَةَ أَخْبِرْنا بِرَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ والهدي والدل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نلزمه، فقال ما أحد أقرب سمتا ولا هديا ولا دلا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى يواريه جدار الأرض، من ابن أم عبد، فسره الهروي في الغريبين فقال الدل والهدي قريب بعضه من بعض، وهما من السكينة وحسن المنظر(…- والدليل والدليلي: الذي يدلُّك (…- قال سيبويه: والدليلي علمه بالدلالة ورسوخه فيها. وفي حديث علي، رضي الله عنه، في صفة الصحابة، رضي الله عنهم، ويخرجون من عنده أدلة؛ هو جمع دليل أي بما قد علموا فيدلُّون عليه الناس، يعني يخرجون من عنده فقهاء فجعلهم أنفسهم أدلة مبالغة». لسان العرب: 11/247-248..

يقول علي الجرجاني في كتابه التعريفات، ص: 40. «الاستدلال: تقرير الدليل لإثبات المدلول، سواء كان ذلك من الأثر إلى المؤثر، فيسمى استدلالاً أنياً، أو بالعكس، ويسمى استدلالاً لمياً، أو من أحد الأثرين إلى الآخر. ويقول محقّق التعريفات في هامش ص: 40. «الاستدلال هو: انتقال الذهن من المؤثر إلى الأثر، وقيل بالعكس، وقيل مطلقاً، وقيل: بل الانتقال من المؤثر إلى الأثر يسمى تعليلاً، والانتقال من الأثر إلى المؤثر يسمى استدلالاً».

«أما الاستدلال الفقهي فهو استخراج الأحكام الشرعية بواسطة أدلة هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف والاستصحاب وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي. وأما الاستدلال النحوي فقد سبق أن ذكرنا ما قاله السيوطي من أنه ينبني على السماع والقياس والاستصحاب، ونشير هنا إلى أنه إذا تعدد المسموع أو تعددت الأقيسة فإن النحاة يضطرون في حالة التعارض والترجيح إلى استعمال أدلة أخرى غير هذه الثلاثة كالاستقراء والأصل وبيان العلة والاستحسان والعكس وعدم دليل النفي. وعدم النظير والدليل الباقي وواضح أن الاستدلال على الطريقة الإسلامية بنوعيه (الفقهي والنحوي- استدلال طبيعي مباشر غير صوري، وأنه حتى مع استعمال بعض المصطلحات المنطقية مثل «العكس» فإن الفكر في النهاية غير الفكر والتطبيق غير التطبيق. ولعل من الملاحظ أن هذه الأدلة الأخرى راجعة في النهاية إلى السماع أو إلى القياس. فأولها وهو الاستقراء راجع إلى السماع لأن المسموع عن العرب هو الذي يجري عليه الاستقراء. وبقية الأدلة المذكورة راجعة إلى القياس. وهكذا يبدو لنا أن أهم الأدلة النحوية على الإطلاق هي السماع والقياس لأنهما يمثلان بداية البحث النحوي ونهايته وعلى أساس منهما بنى النحاة فكرتي الاطراد والشذوذ.

وإذا وازنا بين الاستدلالين المنطقي والنحوي أدركنا أن الاستدلال المنطقي لا يعتد بما يعتد به الاستدلال النحوي من أصل واستصحاب أو استحسان أو عدم نظير، وأن الأدلة التي أطلق النحاة عليها أسماء تذكرنا بمصطلحات المنطق كالعكس ونحوه ربما اختلف فهمها هنا عن فهمها هناك. لقد أشرنا من قبل إلى أن النحاة وضعوا مبادئ عامة أي قواعد للتوجيه للاستدلال ولكل قسم من أقسامه وفرع من فروع أقسامه». الأصول لتمام حسان، مرجع سابق، ص: 67.

[8] – الخصائص: 1/19.

[9] – الخصائص: 1/50.

[10] – شذى جرار: إبرام الحكم النحوي عند ابن جني، ص: 172.

[11] – الخصائص: 2/417-418.

[12] – الكتاب: 1/52. جعل الشاعر النساء في اهتزازهن حين يمشين بمنزلة الرماح تستخفها الرياح فتزعزعها. والنواسم: الضعيفة الهبوب.

[13] – الخصائص: 3/319.

[14] – أنظر الكتاب: 1/35-36 و الخصائص: 3/319.

[15] – أجبل: أي انقطع.وأصل ذلك  أن الحافر ليبلغ الماء يفضي إلى جبل أو صخر ولا يجد ماء.

[16] – أنظر الخصائص: 3/319-320.

[17] – «الأماكن». يقول السيرافي: يريد أن الفعل يتعدى إلى ما كان مقدرا مسافته من الأمكنة، نحو الفرسخ والميل؛ وذلك أن الفرسخ والميل وما أشبهه يصلح وقوعه على كل مكان بتلك المسافة المقدرة. وسماة وقتا لأن العرب قد تستعمل التوقيت في معنى التقدير وإن لم  يكن زمنا. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت مواقيت الحج لكل بلد. فجعلها أماكن.

[18] – الكتاب: 1/35-36.

[19] – البيت لامريء القيس في الخصائص: 1/263 و الكتاب: 1/47.

[20] – الخصائص: 1/263-264.

[21] – ديوانه: 66. الخصائص: 1/263.

[22] – قاله لعمرو بن قميئة اليشكري حين استصحبه في مسيره إلى قيصر ليستعديه على بني أسد. وقبله:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه  ***  وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

والشاهد فيه نصب نموت بإضمار أن، لأنه لم يرد في البيت معنى العطف، وإنما أراد أنه يحاول طلب الملك إلا أن يموت فيعذره الناس. ويروى: «فنُعذِرا» أي نَبلُغ العذر.

[23] – الكتاب: 3/47.

[24] – وصف من الشنب وهو رقة الأسنان وعذوبتها.

[25] – الخصائص: 2/33.

[26] – الكتاب: 4/240. والمعروف في العربية هو أنّ هناك حروف لا تدغم في المقاربة وتدغم المقاربة فيها وهي: الميم والراء والفاء والشين. فالميم لا تدغم في الباء في نحو: أكرم به لئلا تذهب غنتها. ولكنهم أبدلوا النون ميما لما يتوقع من مجيء الباء بعدها فقالوا: «العمبر» يريدون «العنبر». فقلبوا النون الساكنة ميما من الباء؛ لأن النون تدغم في الميم وإدغامها لا يخل بغنتها والتغيير بالقلب بالإدغام. وهذه بعض الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر. انظر الكتاب: 3/314./599. الخصائص: 2/108، الكتاب: 1/ 95/172، الكتاب: 3/434، الخصائص: 407، الكتاب: 1/180، الكتاب: 3/204-206.

[27] – وحقيقة لفظه في الكتاب: 2/108 نسخة بولاق. 3/420-422 نسخة الأستاذ عبد السلام هارون: «واعلم أنَّ كلّ ما كان على ثلاثة أحرف ولحقتْه زائدتان فكان ممدوداً مُنْصرفاً فإِنَّ تحقيره كتحقير الممدود الذي هو بعدّة حروفه مما فيه الهمزة بدلاً من ياء نفس الحرف. وإِنّما صار كذلك لأنَّ همزته بدلٌ من ياء بمنزلة الياء التي من نفس الحرف. وذلك نحو: عِلْبَاءٍ وحِرْباءٍ، تقول: عُلَيْبِيٌّ وحُريْبيٌّ، كما تقول في سقَّاءٍ: سُقَقِيٌّ في مِقْلاءٍ: مُقَيْليٌّ..».

[28] – ورد النص كاملا في الكتاب كالآتي: «واعلم أن قلت في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا نحو قلتُ زيدٌ منطلقٌ ألا ترى أنه يَحسن أن تقول زيدٌ منطلقٌ فلما أوقعت قلتُ على ألا يُحْكَى بها إلاّ ما يَحسن أن يكون كلاما وذلك قولك قال زيدٌ عمرٌو خيرُ الناس وتصديق ذلك قوله عزّ وجلّ إذْ قالَتِ المَلاَئِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ الله يُبَشِّرُكِ ولولا ذلك لقال أنّ الله». نسخة بولاق: 1/62. نسخة عبد السلام هارون: 1/121-122.

[29] – «ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا: القرآن كلام الله، ولا يقال: القرآن قول الله؛ وذلك أنّ هذا موضع ضيق متحجّر، لا يمكن تحريفه، ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه. فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتا تامّة مفيدة، وعدل به عن القول الذي يكون أصواتا غير مفيدة، وآراء معتقدة. قال سيبويه:‏ ‏»‏واعلم أنّ ‏»‏قلت»‏ في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاماً لا قولاً‏»‏‏. ففرق بين الكلام والقول كما ترى‏. ‏نعم وأخْرَج الكلام هنا مُخرج ما قد استقرّ في النفوس، وزالت عنه عوارض الشكوك». الخصائص: 1/18-19.

[30] – الخصائص: 1/19.

[31] – الخصائص: 1/19.

[32] – الخصائص: 1/21.

[33] – الخصائص: 1/23.

[34] – الخصائص: 1/5.

[35] – ورد ذلك في أول الكتاب.

[36] – الخصائص: 1/25.

[37] – انظر الكتاب: 2/304، وترجمة الباب فيه: «هذا باب عدّة ما يكون عليه الكلام».

[38] – الخصائص: 1/27.

[39] – انظر الكتاب: 2/62، والنص فيه: «وسمعت من العرب من يقول: ألا تا، بلى فا، فإنما أرادوا: ألاَ تفعل، وبلى فافعل، ولكنه قطع».

[40] – الخصائص: 1/30-31.

[41] – هذا عجز بيت من معلقة لبيد صدره:

*  من معشر سنت لهم آباؤهم  *

[42] – الخصائص: 1/32.

[43] – الخصائص: 1/17.

[44] – الخصائص: 1/32.

[45] – انظر كتاب الجمل للإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (ت471ه-، حقّقه وقدّم له: علي حيدر أمين مكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق، منشورات دار الحكمة بدمشق: 1392ه/1972م، ص:40. كتاب الجمل هو شرح لكتاب العوامل المائة.

[46] – انظر كتاب النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة، والحياة اللغوية المتجدّدة، تأليف عباس حسن عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، ص: 15.

[47] – الكتاب: 1/32.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.