السمكة لا تعرف البحر (1) أصول التعلّم في مدارس الحياة
السمكة لا تعرف البحر (1) أصول التعلّم في مدارس الحياة/ الدكتور إدريس أوهلال
السمكة لا تعرف البحر (1) أصول التعلّم في مدارس الحياة
بقلم: الدكتور إدريس أوهلال
السمكة لا تعرف البحر، ولا يمكن لها أن تراه، لأن شدّة القُرب حجاب. وكذلك الإنسان المنغمس في بحر الحياة وحرائقها اليومية، لا يعرف الحياة، لأن شدّة الانغماس لا تسمح له باتخاذ “مسافة الأمان” الضرورية تجاه الحياة ليتأمل ما شرب من بحر تجاربها، هذا إن كانت له تجارب.
من منا فَكَّر في يوم من الأيام، مجرد تفكير، أن يبتعد قليلا عن الأشياء والأشخاص والأحداث ليراها بوضوح، وأن يتوقف ولو للحظة ليتأمل الحياة، ويتساءل عن طبيعتها ومعناها واتجاهها، ويحاول استخلاص دروسها، ويتسلح بهذه الدروس وبالوعي الجديد الذي تمنحه ليتابع رحلة الحياة بفهم أعمق وإرادة أحد وأداء أعلى؟
الأذكياء والحكماء يفعلون ذلك. لكن ما كل الناس لديهم الاستعداد النفسي والعقلي للتعلم، وما كل من ذاق الهوى عرف الهوى، ولا كلُّ من شرب المدام نديمُ. في المسافة الممتدة بين “ذاق” و “عرف” توجد فرص للتعلم، لكن أين من يريد أن يتعلم؟
لابد أن نبتعد بين الحين والآخر عن الأشياء لنراها بوضوح، وأن نتوقف بين الفينة والأخرى في لحظات تأمل لنراجع دروسنا التي تعلمناها في مدارس الحياة المتعددة. فالاندفاع في الحياة دون توقفات للتقييم، وركوب رحلة الحياة دون محطات للتساؤل لا يصح. لكن لا يصح أيضا أن نوقف عجلة الحياة، أو أن ندمن العيش في المحطات. يجب أن نُصْلِح محرك الطائرة، ونُغَيِّره إن لزم الأمر، وهي في الجو!
والتفكير في الحياة وفي دروسها في لحظات التأمل لا يُفْقِد الحياة متعتها ولا يُفْسِد على الإنسان مصالحه. فهذه اللحظات التأملية التي نتخذ فيها “مسافة الأمان” النفسية والفكرية والعملية تجاه يَمِّ الحياة وحريقها اليومي هي فرصتنا لتعميق الفهم وشحذ الإرادة، كلحظات رجوع السهم خطوة إلى الوراء، فهي فرصته ليندفع بقوة نحو الأمام.
لكن شريطة الابتعاد عن الغيبوبات السعيدة الثلاث:
– غيبوبة التأمل النظري المجرد المنقطع عن الحياة.
– غيبوبة التأمل السلبي الذي يحترف الشكوى من الحياة شعرا ونثرا.
– غيبوبة التأمل المتفائل الذي يتمذهب للتفكير الإيجابي ويدمر جهاز المناعة النفسية والفكرية والعملية.
إن الحياة مَدّ وجزر. ندفع أنفسنا دائما نحو الحياة في حركة مَدّ للفعل وترك الأثر، ونسحب أنفسنا أحيانا من دوامة الحياة في حركة جزر لنتأمل ما شربناه من بحر التجارب الشخصية في مدارس الحياة المتعددة.
ومع أن المَدّ والجزر ظاهرتان طبيعيتان ومتلازمتان، إلا أن الناس يعشقون المَدّ وحده بلا عزلة أو الجزر وحده بلا انفتاح.. الناس، أغلب الناس، يحلمون بالعودة وحدها دون رحيل أو بالرحيل وحده دون عودة.. دوغمائيون يجدون راحتهم في النظرة الأحادية، ويحرمون أنفسهم من الطريق الثاني، ومن مصدر الحياة، ومن التوازن.