الحلقة الخامسة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة، دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
الحلقة الخامسة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة،
دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
فقه الواقع وأهميته في تنزيل الأحكام.
تمهيد:
إن الإسلام بتعامله مع الواقع والحال التي عليها الناس، لا يفترض شكلا مسبقا للواقع الاجتماعي لتنزيل أحكامه عليه، وإنما الإنسان والمجتمع هو محل خطابه وحكمه في سائر ظروفه واستطاعته وأحواله. ذلك “لأن الإسلام يبدأ مع الإنسان والمجتمع من حيث هو، وينزل عليه من الأحكام ما يتناسب مع استطاعته ومرحلته وحالته. وهذه الأحكام تعتبر حدود تكليفه، أو غاية تكليفه، فإذا تأهل بها وترقت استطاعته نزّل عليه من الأحكام ما يتناسب معها هكذا”[1]، فالمجتمع يتأهل بالإسلام لتنزيل أحكام الإسلام.
ولإدراك أهمية فقه الواقع في تنزيل الأحكام على الوقائع والمكلفين، كان لزاما علينا الغوص في معاني الواقع واستخراج ضوابطه والأصول التي يقوم عليها، وأثر ذلك كله في فقه التنزيل باعتبار الواقع هو محل الأحكام وموضوعها.
فما المقصود بفقه الواقع؟
وما علاقته بفقه التنزيل؟وكيف ناقشته مصادر التشريع الأولى؟
وما هي ضوابطه؟ وما أثر ذلك كله في تحقيق المصلحة؟
المطلب الأول: في مفهوم فقه الواقع.
- أولا: الواقع لغة.
الواقع لغة: اسم فاعل يدل على سقوط الشيء، يقال وقع الشيء وقوعا فهو واقع، والواقعة: النازلة من صرف الدهر، والوقائع: الأحوال والأحداث[2]. ويصدق على كل أمر ثبت وجوده، وتحقق حصوله، ووجب وقوعه.
- ثانيا: الواقع اصطلاحا:
اختلفت تعريفات أهل العلم للواقع بحسب اختلاف تخصصاتهم، فأطلقه أهل كل فن على ما هو مدلوله عندهم: فهو عند المتكلمين: اللوح المحفوظ، وعند الحكماء: العقل الفعال[3]، وعند النحاة بمعنى المعتدي[4]، والواقعة عند الصوفية ما يردُ على القلب ويهبط عليه من عالم الغيب بأي طريق كان، سواء باللفظ أو القهر[5]. ومنه كلمة “الواقعية” عند الفلاسفة، وتعني عندهم: مذهب يلتزم فيه التصوير الأمين لمظاهر الطبيعة والحياة كما هي، وكذلك عرض الآراء والأحداث والظروف والملابسات دون نظر مثالي أو مذهب أدبي يعتمد على الوقائع، ويعني بتصوير أحوال المجتمع[6]. والواقعية في الإسلام تعني: “مراعاة واقع الكون من حيث هو حقيقة واقعة، ووجود شاهد، ولكنه يدل حقيقة أكبر منه ووجود أسبق من وجوده، وهو وجود الواجب لذاته، وهو وجود الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا”[7]، والواقعية من الخصائص التي تميز الإسلام عن غيره.
ومن أجمع التعريفات الشاملة لكل أنواع الواقع وأفراده ما عرفه به العلامة صديق حسن خان (ت:1307هـ) حين قال: “الواقع: هو ما عليه الشيء بنفسه في ظرفه، مع قطع النظر عن إدراك المدركين وتعبير المعبرين”[8]. بمعنى أخذ الظروف بعين الاعتبار سواء متسعة أو في حالة الضيق.
وقد وسع الدكتور النجار من مفهوم الواقع وأطلقه على”ما تجري عليه حياة الناس، في مجالاتها المختلفة، من أنماط في المعيشة، وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وأعراف، وما يستجد فيها من نوازل وأحداث”[9].
فالواقع إذن من كل هذا: هو كل مكونات الحياة البشرية في جميع المجالات الحيوية وما يحيط بها من ظواهر ومظاهر وأحداث وطوارئ، وهذا هو الواقع المطلوب فهمه والفقه فيه واستنباط علم حقيقته.
- ثالثا: معنى “فقه الواقع”:
كما اختلف الأولون في تعريف “الواقع”، اختلفت تعاريف العلماء المعاصرين لمعنى “فقه الواقع” بين موسع لهذا المفهوم وبين قاصر له على منحى معين.
– يقول الشيخ ناصر الدين الألباني في جوابه عن معنى “فقه الواقع” هو:”الوقوف على ما يهم المسلمين مما يتعلق بشؤون أو كيد أعدائهم، لتحذيرهم والنهوض بهم واقعيا لا نظريا، أو انشغالا بأفكار الكفار وأنبائهم، أو إغراقا بتحليلاتهم وأفكارهم”[10]. والوقوف على أمر المسلمين والتهمم به هو عمق المصلحة، والمصلحة من فقه الواقع. وهذا تعريف اقتصر بالبحث في فقه الواقع من الناحية السياسية وما يخطط للمسلمين من قبل عدوهم. و قد تبعه في هذا التعريف جملة من العلماء منهم ناصر العمر[11]، و تلميذه علي الحلبي[12].
– ويرى الدكتور يوسف القرضاوي أن فقه الواقع “مبني على دراسة الواقع المعيش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات”[13]، فدراسة الواقع أساس لبناء فقه الواقع، وفي نفس الوقت يعتبر فقه الواقع دراسة للواقع وإدراكه وفهمه والحكم عليه.
– ويقول عمر عبيد حسنة:”النزول إلى الميدان وإبصار الواقع الذي عليه الناس، ومعرفة مشكلاتهم ومعاناتهم واستطاعتهم وما يعرض لهم، وما هي النصوص التي تتنزل عليهم في واقعهم، في مرحلة معينة، وما يؤجل من التكاليف لتوفير الاستطاعة، إنما هو فقه الواقع، وفهم الواقع، إلى جانب فقه النص”[14]. و تفاعل النص مع الواقع هو عينه فقه التنزيل الذي هو ثمرة فقه الواقع.
– ومن العلماء من قصر مفهوم فقه الواقع على الاجتهاد الفقهي، لتنزيل النصوص على الواقع، وتكييف الوقائع لبناء الحكم الشرعي الصحيح. وممن تبنى هذا المفهوم حسين الترتوري حيث قال في مفهومه لفقه الواقع: “هو الاجتهاد في تحقيق المناط، سواء المناط الخاص أو المناط العام”[15]، بمعنى تحرير الوصف الشرعي للوقائع النازلة لبيان ما تقتضيه من حكم. ومن جملة هؤلاء نجد عبد الفتاح الدخميسي حيث قال في تحديده لمدلول فقه الواقع: “هو العلم بالأحكام الشرعية العملية، وتطبيقها بأدلتها على الوقائع والنوازل، واعتباره لمآلات أفعال المكلفين”[16]، وهذا التعريف يركز على فقه واقع النص الذي يبنى منه الحكم.
لكن فقه الواقع حقيقة يتسع ليشمل فقه واقع النص، وفقه واقع تطبيق النص؛ إذ “إن فقه واقع النص يبين لنا الأوصاف المؤثرة التي ذكرت في سياق تقرير الحكم المقتضية إعماله، أو عدم الإعمال، وهذا ما يسمى بتنقيح المناط. أما فقه واقع تطبيق النص فيشمل: الظروف، والأحوال النازلة، التي يطالب الفقيه باستكناهها، استظهارا للأوصاف المؤثرة التي يدار عليها الحكم، وهو متعلق بتحقيق المناط الخاص”[17]. ومن تم يمكن بيان مفهوم فقه الواقع، بأنه، إدراك الأوصاف المؤثرة، والأحوال المعاشة المقتضية تطبيق حكم الشرع.
فإذن هو الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس وما يعترضها وما يوجهها، ويشمل ذلك بعد اكتشافه لقوانين الاجتماع والعمران العناصر التالية:
- إدراك التأثيرات البيئية الطبيعية، باعتبارها محددا أساسيا وموجها رئيسيا لحياة الناس.
- فقه الحركة الاجتماعية، على اختلاف أنواعها، باعتبارها الروابط التي تربط بين الناس.
- سبر أغوار النفس البشرية، باعتبار الإنسان المحور والأساس في هذا الوجود.
وبهذا يكون فهم الواقع هو وسيلة لتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع، و فقه الواقع هو الحلقة الوسطى بين فقه الخطاب الشرعي وبين فقه تنزيل الخطاب، بمعنى الرابط بين فقه النص وفقه التنزيل.
المطلب الثاني: أهمية فقه الواقع وعلاقته بفقه التنزيل.
يعتبر فقه الواقع ببعديه –فقه واقع النص، وفقه واقع تطبيق النص- من مقومات وأركان فقه التنزيل، بل يمثل حلقة أساسية في عملية تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع، ولمعرفة ذلك لا بد من مرحلتين:
–المرحلة الأولى: مرحلة إدراك الواقع الذي هو يشترك فيه فقه الواقع مع غيره ممن أدرك ذلك الواقع.
-المرحلة الثانية: مرحلة فهم ما أدركه من الواقع فهما شرعيا، وذلك بتتبع ما جعله الشارع مُعرفات للحكم الشرعي، سواء نزل الحكم على ما فهمه من الواقع أم لم يُنزله[18].
ورحم الله ابن القيم إذ يقول:”لا بد للحاكم من نوعين من الفقه: فقه أحكام الحوادث الكلية، وفقه نفس الواقع، وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع”[19].
وإذ يعتبر فقه الواقع الحلقة الأساس في عملية تنزيل الأحكام الشرعية، بالموازاة مع النظر في النصوص، واستصحاب الأدلة لتبين مراد الله تعالى في خطابه،فإنه يلزم معرفة الواقع كما هو على حقيقته، ومعرفة الوقائع بحيثياتها وخصوصياتها وملابساتها، ليتسنى استنباط الحكم الشرعي المناسب لها، ثم يبين مدى إمكانية تنزيل الحكم على هذا الواقع من خلال تحقيق المناط، ومن ثم يمكن تنزيل الأحكام بكيفيات تحقق مقاصد التشريع وقيمته.
وبهذا يكون فقه الواقع هو المدخل الرئيس الذي نلج منه إلى استنباط الحكم، و فقه الواقع الذي يعتبر محل التنزيل، يمثل كذلك نصف الطريق، إن لم يكن نصف الحقيقة التي توقف عندها العديد من الفقهاء في هذا العصر، والتي سوف لا تحقق شيئا إذا لم نفهم الواقع.
وإن فهم الواقع لا يتحصل إلا “بتوفر مجموعة من الاختصاصات في شعب المعرفة، تحقق التكامل والعقل الجماعي، حتى إننا لنعتقد أن الفقه الصحيح للنص في الكتاب والسنة يقتضي فهم الواقع محل النص في ضوء الإستطاعات المتوفرة”[20]. كما أن الواقع يمثل الشرط الأساس لفقه التنزيل لأنه لا يوجد تكليف ينزل على مُكلف مجرد عن واقعه، ولذلك يؤكد الواقع على المجتهد أن يكون ملما بثقافة عصره، حتى لا يعيش منعزلا عن المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له، ويتعامل مع أهله.
ويرى الدكتور حسن الترابي رحمه الله أن الاجتهاد اليوم يتوقف على دراسة المجتمع دراسة اجتماعية واقتصادية وبيئية بالاستفادة من علوم الطبيعة، كما نتعلم الشريعة[21]. وكل اجتهاد لا يراعي هذه الجوانب يبقى ناقصا لا يحقق المقصود من تنزيل الأحكام.
ومن الأمور الخطيرة التي جرفت الأمة عن الجادة هو انصراف علمائها في معظم اجتهاداتهم إلى معرفة وفقه النص في الكتاب والسنة وانغلاقهم في دائرة تحرير النص وبيان صحته، ونسيانهم أو تغافلهم عن جانب آخر وهو”فهم أو فقه محل النص وموطن تنزيله إلى جانب فقه النص، أي لا بد من فقه النص وفهم الواقع الذي يراد للنص أن يُقومه ويُنزل عليه، بل إن فقه النص لا يُتوفر على حقيقته إلا بفهم الواقع”[22].
صحيح أن فقهاءنا اجتهدوا في تصنيفاتهم وفق خصوصياتهم وتلبية لحاجيات واقعهم واحتياجات الناس لذلك، لكن هذا يفرض علينا نحن كذلك أن نتفاعل مع قضايا عصرنا، وحاجات أمتنا كما اجتهد السابقون لزمانهم، ونؤسس لفقه يناسب واقعنا، يقول الإمام عبد السلام ياسين: “لا بد أن نستفيد من فقه من سبقونا بإيمان لكي نضيف إليه فقهنا نحن، خاصة فقهنا للواقع، لأن تجديد الدين لا يكون في الهواء، بل يكون في الواقع”[23].
فإذا كان فقه الواقع هو انبعاث من الواقع إلى النص فإن فقه التنزيل هو انبعاث من النص إلى الواقع، ومنه تكون المواءمة والملاءمة بين النص والواقع، واعتباره عند تجديد الدين وتنزيل أحكامه على الوقائع.
المطلب الثالث: حضور فقه الواقع في القرآن الكريم والسنة النبوية وعمل الصحابة.
انتهينا في المحور السابق إلى أهمية فقه الواقع ومدى الحاجة إليه في الاجتهاد التنزيلي، ورأينا كيف أجمع المهتمون بالشأن الأصولي والمقاصدي قديما وحديثا على ضرورة فقه الواقع كعقد واصل بين فقه النص وفقه التنزيل، ولكي تكتمل الصورة نقف في هذه الفقرة، وبشكل مختصر، على بعض الأمثلة التي تبين مكانة ومشروعية فقه الواقع في الكتاب والسنة وفي بعض تصرفات كبار فقهاء الصحابة.
- الأصل الأول: مكانة فقه الواقع في القرآن الكريم:
من المشهور الذي لا خلاف فيه أن القرآن الكريم جاء ليعالج واقع الناس، وليأخذ بأيديهم لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، ولذلك كانت دعوة الأنبياء ترتبط بالقضايا الواقعية التي كانت تهم شعوبهم:
* فدعوة النبي شعيب عليه الصلاة والسلام ارتبطت بمشكلة اقتصادية، أنظر إلى قوله تعالى على لسان شعيب الى قومه مدين بعدما ذكرهم بضرورة عبادة الله وتوحيده، خاطبهم بالقول مرتين: “ولا تتنقصوا المكيال والميزان” ثم “ويا قوم أوفوا المكيان والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم” هود؛84-85. جاء النهي والأمر متعلقان معا بالفساد والأمراض الاقتصادية المتفشي في قومه.
* ودعوة النبي موسى عليه الصلاة والسلام ارتبطت بمشكلة سياسية، قال الله تعالى مخاطبا سيدنا موسى: “اذهب إلى موسى إنه طغى” طه؛24، ولبيان الحكمة والسبب في هذا الأمر المباشر للذهاب الى فرعون قال تعالى في سورة القصص: “إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين“الأية:5. فساد واستبداد سياسي وطغيان وتجبر هذه مشكلة فرعون وجنوده ومن سار على نهجهم في الأولين والآخرين.
* ودعوة النبي لوط عليه الصلاة والسلام ارتبطت بمشكلة اجتماعية، قال تعالى مبينا ذلك: “ولوطا إذ قال لقومه أتاتون الفاحشة وأنتم تبصرون.أينكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون“النحل؛54-55.
وهذا شأن جميع الأنبياء والرسل مع أقوامهم، فلكل نبي قضية ولكل قوم مشكلة تميز واقعهم. على الرغم من أن طبيعة الرسالة التي كلفوا بتبليغها كانت ذات طبيعة حضارية[24]، تهم جميع مناحي الحياة العقدية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لكن كانت دعوتهم واقعية مقصدية مرتبطة بأولويات المعالجة للمفاسد والأمراض التي يتميز بها المجتمع المعني بالرسالة.
وبالنظر إلى آيات الأحكام نجدها قد راعت الواقع بأبعاده المختلفة، فهناك مراعاة للظرف المكاني، ومراعاة للظرف الزماني، ومراعاة للظرف الشخصي، ومراعاة للبواعث الداخلية[25]. يقول الشاطبي: “اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها على وجهين: أحدهما؛ الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على المحل مجردا عن التوابع والإضافات كالحكم بإباحة الصيد والبيع والإجارة، وسن النكاح، وندب الصدقات غير الزكاة، وما أشبه ذلك. وثانيهما؛ الاقتضاء التبعي وهو الواقع على المحل مع اعتبار التوابع، والإضافات، كالحكم بإباحة النكاح لمن لا أرب له من النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهيته الصيد لمن قصد فيه اللهو، وكراهية الصلاة لمن حضره الطعام، أو لمن يدافع الأخبثين، وبالجملة؛ كل ما اختلف حكمه الأصلي لاقتران أمر خارجي”[26].
كما راعى التشريع الظرف الشخصي للإنسان، والإمكانيات المتاحة للأشخاص، واعتبار الواقع إبان تنزيل الأحكام على الوقائع.
ويمكن تلخيص المنهج التشريعي في القرآن الكريم ومراعاته للواقع إبان التنزيل في النقط التالية:
أ- اختلاف ألسنة الرسل تبعا لاختلاف أقوامهم: وهذا من تمام اعتبار الواقع في تنزيل الوحي، اختيار الرسل من أقوامهم وبلغة قومهم، قال تعالى:” وإلى عاد أخاهم هودا“هود50، “وإلى مدين أخاهم شعيبا“هود84، “وإلى تمود أخاهم صالحا” هود61، وهكذا في سائر الرسل والأنبياء مع أقوامهم.وقال سبحانه: “وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم” إبراهيم؛4. حتى لا تكون حُجة لقوم على أنبيائهم ورسلهم.
ب- لكل رسول قضية عامة متميزة تبعا لأحوال الواقع: وقد ذكرنا سابقا أن لكل رسول قضية إضافية متميزة عن غيره من الرسل رغم اشتراكهم جميعا في القضية الأم وهي الدعوة إلى التوحيد على مستوى العقيدة.
ج- اختلاف القرآن المكي عن المدني: وهذا أول ما يلفت انتباه قارئ القرآن، حيث يلاحظ الفرق بين الوحي الذي كان ينزل بمكة وبين الذي كان ينزل بالمدينة، لاختلاف الواقعين في الزمان والمكان والأشخاص، وأثر ذلك واضح في تنزيل الأحكام ونوعها.
د- التدرج في التشريع تبعا لفقه الاستطاعة: وهذا من صميم حكمة التشريع في تنزيل الأحكام فبدأ بأصول الإيمان وما يتعلق بها في أمور الدنيا والآخرة، وبعدها تدرج في تنزيل الأحكام مستحضرا واقع أحوال الإيمان العامة، وخير مثال على ذلك أحكام تحريم الخمر والربا، وحكمة التدرج في ذلك كما بينا سابقا.
- الأصل الثاني: مكانة فقه الواقع من السنة النبوية:
المطلع على السنة النبوية يجدها خصبة وحافلة بمظاهر التعامل مع الواقع واعتباره، وذلك لأنها تجسيد عملي وتطبيق فعلي لأحكام القرآن الكريم، ولبيان ذلك نأخذ من هذا الأصل بعض الأمثلة:
أ- مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم طبائع الأقوام وعاداتهم وأعرافهم؛ وهذا لا يكون إلا بفقه الواقع الذي يعيشون فيه، مثل الحض على الغناء في أفراح الأنصار كما في حديث البخاري عن عائشة قالت: “أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، ما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يُعجبهم اللهو”[27]. وكذلك امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن إعادة بناء الكعبة على حجر إسماعيل تقديرا للواقع الظرفي، كما في حديث مسلم عن عائشة قالت: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة”[28]، وهذا يدل على فهمه عليه السلام للثقافة التي كانت سائدة.
ب- مراعاة قدرة المكلف واستطاعته: وأبرز مثال ما رواه أبو هريرة عن الرجل الذي واقع أهله في نهار رمضان، قال:”بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجدُ رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أُتي النبي بعرق[29] فيها تمرٌ، قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذها فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فو الله ما بين لابتيها-يريد الحرتين-أهلُ بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ،حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك”[30]. الإسلام كله عدل، وكله رحمة، وكله رفق، والدعوة قبل الدولة ومعها وبعدها تحتاج إلى هذا في كل زمان ومكان.
ج- فقهه صلى الله عليه وسلم بالأعراف السياسية والعسكرية: وأوضح مثال هو اتخاذه عليه الصلاة والسلام خاتما يوقع به المراسلات، ففي أواخر السنة السادسة للهجرة هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية بالكتابة إلى ملوك عصره يدعوهم إلى الإسلام، فقيل له: “إنهم لن يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقشه؛ محمد رسول الله”[31]. ومن فقهه للواقع العسكري حفره للخندق[32] عند محاصرة الأحزاب للمدينة في السنة الخامسة للهجرة، وهي فكرة لم تكن معهودة عند العرب من قبل، وإنما هي حكمة سياسية وعسكرية تنم عن معرفة للواقع ومراعاة تطوراته.
- الأصل الثالث: مكانة فقه الواقع في عمل الصحابة.
كان لفقه الواقع لدى الصحابة أثر كبير في اجتهاداتهم وفتاواهم، فقد كانوا يتعاملون مع الواقع فهما وتنزيلا للأحكام على واقعهم بما يحقق مقاصد الشارع والمصلحة المرجوة، وكما أمرنا بإتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد أمرنا بإتباع سنة الراشدين من خلفائه وصحابته باعتبارهم النموذج الأمثل للاقتداء بالمنهاج النبوي، قال عليه الصلاة والسلام:”(…)فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ”[33]. ومن فقه الصحابة لواقع الحال نذكر على سبيل المثال والاختصار ما يلي:
– فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه أخذ الثياب اليمنية بدل العين من زكاة الحبوب والثمار، وقال:” ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة”[34]. وهذا هو عين اعتبار الواقع واستحضار ظروف الناس وما يصلح لهم وهو أهون عليهم رفعا للمشقة وتحقيقا للمصلحة.
– وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يضمّن الصباغ والصائغ، و للصناع ما يكون بأيديهم من أموال، إذا لم يقدموا بينة على أن ما هلك إنما هلك بغير سبب منهم، قائلا:”لا يُصلح الناس إلا ذاك”[35]، لكي لا يترك الاستصناع وتضيع الأموال وتحل المشقة بالناس، فكانت الحاجة ماسة إلى تضمين الأجراء.
– وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو أفقه الصحابة بالاجتهاد وفقه الواقع والتنزيل، يسأل ابنته حفصة-أم المؤمنين- بعدما سمع امرأة تشتكي شوقا من غياب زوجها، قال لابنته: “كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال: لا أحبس أحدا في الجيش أكثر من ذلك”[36]. وهذا اجتهاد منه اقتضته الظروف الشخصية، لكي يجنب النساء الوقوع في الفاحشة، و درء المفسدة أولى من جلب المصلحة.
والاجتهادات في هذا الأصل، التي تأخذ بعين الاعتبار واقع الناس وتتكيف معه، كثيرة سنعود إليها بالتفصيل في مكان لاحق من هذا البحث إن شاء الله.
والخلاصة هي: أن فقه الواقع هو الذي “أعان الصحابة رضوان الله عليهم على معرفة مسؤولياتهم وواجباتهم، وحدود أماناتهم، على أساس من إيمانهم وعلمهم بمنهاج الله، وهم يعدون لهذه الواجبات في مدرسة النبوة”[37]، فقد كانوا يعلمون أسباب التنزيل، ومقاصد الشريعة العامة، وعادات العرب في أقوالها وأفعالها وأحوالها، ودخائل العدو الذي كانوا يجاهدونه، ومراتب التكليف من واجب الفعل أو الترك فما دونه. كل هذا وغيره يعبر عن الرحمة واللطف والحكمة التي يتعامل بها الشرع الحكيم مع واقع المسلمين والناس أجمعين.
المطلب الرابع: ضوابط فقه الواقع وأثر ذلك في تحقيق المصلحة.
يراعي التشريع الإسلامي فقه الواقع في كل تشريعاته بما يؤول إلى المصلحة الدنيوية والأخروية، وهو يستنهض الجهود لفهم الواقع حتى يُبني الاجتهاد على أسس سليمة، تؤتي ثمارها رُشدا وصلاحا عند التطبيق. والمصلحة لا يمكن تقديرها إلا بالنظر العميق في الواقع، وتعمل مصادر التشريع دور العلاقة بين المصلحة والواقع، باعتبار جميع مصادر التشريع الإسلامي مرتبطة أشد الارتباط بالواقع، ولقد رأينا ذلك من خلال مكانة فقه الواقع في القرآن والسنة وعمل المجتهدين من الصحابة.
بقي لنا في هذا المطلب أن نستقرئ، بشكل من الإيجاز، ضوابط فقه الواقع والمصلحة على الشكل التالي:
الأصل الأول: ضابط القياس: و”القياس” كما هو معلوم؛ عبارة عن إلحاق صورة مجهولة الحكم بصورة معلومة الحكم، لأجل أمر جامع بينهما يقتضي ذلك الحكم، والأمر الجامع بينهما هو العلة، وهي وصف في الأصل، بني عليه حكمه، ويعرف به وجوده في الفرع[38]. مثلا؛ حكم شرب الخمر وشرب النبيذ: فالصورة المعلومة هي شرب الخمر، حكمها التحريم، والعلة الإسكار. والصورة المجهولة الحكم هي شرب النبيذ، فإذا أردنا أن نتعرف على حكم النبيذ نبحث عن العلة والتي هي الإسكار كذلك، وهي أمر جامع بين الصورتين، فيكون حكم شرب النبيذ التحريم قياسا على شرب الخمر. فالبحث عن العلة في كل واقعة أو قضية تصادفنا هو من فقه الواقعة ومحل الحكم تجنبا للخطأ في إلصاق الحكم جزافا بقضية أو واقعة ما. وهنا تكمن أهمية القياس في ضبط العلاقة بين المصلحة والواقع، لأن به نبحث عن حكم الواقعة المستجدة واستخلاص العلة مناط الحكم.
الأصل الثاني: ضابط الاستصلاح: و”الاستصلاح” هو: استنباط الحكم في واقعة لا نص فيها ولا إجماع، بناء على مصلحة لا دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها، ويعني بناء الأحكام الفقهية على مقتضى المصالح المرسلة[39].ويراد بهذا الإرسال؛ أن يوكل أمر تقدير المصلحة إلى العقول البشرية من خلال ما اكتسبته من معارف وعلوم وتجارب وفقه واقع. ويراد بها كذلك ألا يتقيد المجتهد في حكمه على ما يستجد من الأحداث المختلفة بالقياس على أصل منصوص عليه[40].
وقد اختلف في الأخذ بالمصالح المرسلة بين معتبر لها وغير معتبر، وليس محل التفصيل في ذلك الآن، إلا أنه يمكن القول أن الغفلة عنها اليوم يعني أن الشريعة عاجزة عن مواكبة المستجدات ومتقلبات الحياة، غير عابئة بمصالح الناس وخيرهم الذي هو أعلى مقصد للشريعة. “كما أن ضرورة الأخذ بالاستصلاح والعمل به تنضج أكثر عندما نرى ونتعرف على الدواعي التي تدعو إلى سلوك هذا الطريق”[41]، ومن تلك الدواعي نذكر:
أ- جلب المصلحة ودرء المفسدة: وذلك يتم بدراسة شاملة وفهم عميق لهذه المصلحة أو المفسدة وللمجال أو الواقع المستهدف، لا اتباعا للهوى والأغراض النفسية، والشريعة جاءت “لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله”[42].
وحتى يحقق الوصف مصلحة أو مفسدة، حدد العلماء[43] لذلك شروطا وجب توفرها، وهي باختصار:
- أن يكون النفع أو الضر محققا مطردا؛
- أن يكون النفع أو الضر غالبا واضحا، تنساق إليه عقول العقلاء والحكماء؛
- أن لا يمكن الاجتزاء عنه في تحصيل الصلاح وحصول الفساد؛
- أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر، مع كونه مساويا لضده، معضودا بمرجح من جنسه.
ب- سد الذرائع: ويقصد بالذرائع الطرق المفضية إلى المفاسد، فوجب منع ما يجوز إذا كان سيفضي إلى ما لا يجوز، ولا يكون إلا في المباحات، كالبصر، وجاء الأمر بالغض منه مع الأجنبيات، لأنه قد يكون وسيلة إلى الزنا.
والمنظور إليه في سد الذرائع ليس هو النية السيئة من الفاعل، بل “مجرد كون الفعل مما يفضي إلى النتيجة التي يأباها الشرع ، ولو كان الفاعل حسن النية”[44]. ولذلك نهى القرآن الكريم عن سب أصنام المشركين، وإن كان الذي يسبها إيمانا بالله تعالى وانتصارا له. وهذا ما جعل عمر بن الخطاب، كما سنرى، يمنع الزواج من الكتابيات عندما رآه قد انتشر، حتى لا تكثر نسبة العنوسة في المجتمع المسلم.
إن سد الذرائع بهذا المفهوم يسلط الضوء على واقع تطبيق النص؛ هل سيؤول التطبيق إلى مقصود النص من تحقيق المصلحة؟ أم أن الظروف المواتية للتطبيق ستؤول إلى غير المقصود بحلول المفسدة؟ وهذا النظر من فقه الواقع المتعلق بفقه واقع التطبيق يقول فيه الشاطبي: “والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة، أو مخالفة”[45].
ج- تغير الزمان والمكان: إن تغير الزمان والمكان أو أحدهما يعني تغير الواقع. وما يكون محققا لمصلحة في زمن ما قد لا يحققها في زمن آخر، ونفس الأمر يقال عن المفسدة، والمثال مع سيدنا عمر رضي الله عنه ، كما سنرى لاحقا، عندما أسقط سهم المؤلفة قلوبهم بسبب تغير الزمان، عندما رأى أنه لم تعد هناك حاجة لذلك.
إن النظر في الواقع والعلم بمكوناته، في الزمان والمكان، إليه يرجع في تقدير المصلحة وإنشاء الفتوى وتغير المواقف، يقول ابن القيم:”تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والنيات”[46]. لأن الفتوى بما بنيت عليه من مصلحة تتغير بتغير هذه العناصر.
وحاصل المصلحة المرسلة أنها من الوسائل الضرورية لرفع الحرج والمشقة وتحقيق المصلحة الضرورية، فالإستصلاح يعتبر من أخصب الطرق التشريعية فيما لا نص فيها، كما يعبر عبد الوهاب خلاف، وفيه المتسع لمسايرة التشريع وتطورات الناس، وتحقيق مصالحهم وحاجاتهم.
الأصل الثالث: ضابط الاستحسان: وذلك بوصفه خطة تشريعية تعالج التطبيق الآني للنص وتأخذ بزمام المجتهد إلى تحصيل مقصد الشارع من الأحكام.
وأفضل التعاريف التي ذكرها الأصوليون للاستحسان، تعريف الإمام أبي الحسن الكرخي من أئمة الحنفية حيث قال فيه: “هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر؛ لوجه أقوى يقتضي هذا العدول”[47].
وخلاصة تعاريف الاستحسان على تعددها، واختلافها، يتبين أن الاستحسان هو ما خولف فيه حكم القياس نظرا إلى ضرورة موجبة، أو مصلحة مقتضية، سدا للحاجة، أو دفعا للحرج[48]، إنه نفس تطبيق مبدأ سد الذريعة. لكن سد الذرائع يكون اتجاه ما ثبت بنصوص شرعية، “وهذا الاستحسان يكون اتجاه ما يؤدي إليه القياس وغيره من القواعد، فالمنطلق واحد، والاشتقاق متجانس، فإذا جاز وقف العمل بالنص، كان وقف العمل بمؤدى القياس أجوز وأظهر وأقرب، ما دام ذلك لا يكون عن هوى، وإنما ارتيادا للأصلح”[49]. والاستحسان المصطلح عليه إذن ليس قولا بالتشهي والهوى، يقول الدكتور عبد الصمد الرضى: ” من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المعروضة”[50].
وهناك ظروف يستحيل معها العمل بمقتضى الدليل، ولذلك كان الترخص والاستثناء، يقول ابن العربي المالكي في وصف الاستحسان، هو” إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخيص، لمعارضة ما يعارض به في مقتضياته”[51] وهذا الترك يكون إما للعرف، أو المصلحة، أو لدفع الحرج.
ويكون الاستثناء والتأجيل، إلى حين توفر شروط التنزيل، لتحقيق الغاية والمقصد من الدليل أو الحكم:
أ- الاستثناء: وهو أن نستثني واقعة أو فردا معينا من بين وقائع وأفراد من ذات النوع، فلا يجري عليها الحكم الشرعي، لما يتبين من أن تلك الواقعة أو الفرد تحف بها ملابسات تؤدي إلى مفسدة أو أجري عليها حكم النوع[52]. ومن ذلك عدم إقامة الحدود في الغزو، كما سيتم توضيحه لا حقا.
ب- التأجيل: وهو أن يتعلق الحكم عن التطبيق، وتجري الواقعة على خلاف ما تقتضيه أحكامها المجردة، لما في إجرائها على ذلك النحو من تحقيق مصلحة أو التخفيف من مفسدة، مقارنة بما سيؤول إليه الأمر حين تطبيق المجرد عليه[53]، ومن ذلك وقف حد السرقة عام الرمادة.
وإن كان قد اختلف العلماء في الأخذ بالاستحسان، فإن الواقع اليوم يحتاج إليه في تلبية حاجيات الواقع المعقد، “وذلك لأنه واقع متوتر، تتعدد فيه العوامل والأسباب، وتتناقض فيه المؤثرات بين استمرارية دينية، ورواسب تاريخية من الانحطاط وغزو ثقافي من ثقافة الغرب وحضارته، وذلك كله من شأنه أن يكثر من شواذ العينات في تكوين الأفراد، وتوليد الوقائع والأحداث، وأن يفقد في الأمة وأوضاعها صفة التجانس أو يضعفها إلى حد كبير، فيكون العلاج بالشريعة حينئذ أحوج ما يكون إلى الاجتهاد الإستحساني، لاستيعاب التفاوت الحاصل بين العينات الواقعية، وهداية الشواذ الكثيرة بأحكام تتحقق فيها مقاصد الشريعة”[54].
الأصل الرابع: ضابط العرف. والعرف[55] هو: ما يتعارفه الناس ويسيرون عليه غالبا من قول أو فعل، ويستند أساسا على حيثيات الواقع، والتعامل بين الناس بما لا يخالف الأصول الشرعية، وهو ما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة. والعرف ينتقل من “مرحلة الميل، فالعمل، فالتقليد، ثم التكرار حتى يصير عادة للجماعة محترما من قبلها”[56]، يتوارثونه جيلا بعد جيل.
ويعد العرف في نظر الشريعة الإسلامية مستندا عظيم الشأن لكثير من الأحكام العملية بين الناس في شتى شُعب الفقه وأبوابه، وله “سلطان واسع المدى في تولية الأحكام وتجديدها، وتعديلها وتحديدها، وإطلاقها وتقييدها وتفسيرها”[57].
ويطلق العرف في العصر الحديث على “مجموعة القواعد التي تنشأ من مضي الناس عليها، يتوارثونها خلفا عن سلف بشرط أن يكون لها جزء قانوني كالتشريع سواء بسواء”[58]. فهو إذن؛ سلوك بشري لا يستطيع المكلف أن ينفصل عنه داخل مجتمعه الذي يعيش فيه.
والعرف تولده حاجات الناس المتطورة والمتجددة والمحدثة، ثم ينتقل فيصبح نظاما حاكما تدور عليه عجلة المعاملات بين أفراد المجتمع، ويشرح كلامهم ويكشف عن مراميه، ويرسم حدود الواجبات والحقوق، وينير طريق القضاء. والعرف “لا تغني عنه نصوص التشريع والتقنين، لأنها لا يمكن أن تستوعب جميع التفصيلات والاحتمالات، كما أن كثير من أحكامها الآمرة نفسها مبني على العرف، ويتبدل فيه الحكم بتبدل العرف، فلا يمكن ترتيب حكم ثابت فيه”[59].
كما أن العرف الفاسد لا يعتبر، و لا يراعى العرف الصالح الذي خالف نصا شرعيا أو إجماعا، يقول خلاف: “والعرف المعتبر هو ما يخصص العام ويقيد المطلق، وأما عرف يعطل الواجب ويبيح الحرام فلا يقول به أحد من أهل الإسلام”[60].
وهذا ما دفع بعض العلماء إلى وضع شروط وقيود لاعتبار العرف، لخصها الدكتور الجيدي[61] في أربعة شروط وهي: الاطراد والغلبة، و عدم مخالفته لنص شرعي، وعدم معارضة العرف لتصريح يخالفه كالشرط مثلا، وقدم العرف المراد تحكيمه.
نعم، تزول الجبال عن قواعدها ولا تزول الناس عن عوائدها، وذلك لقوة تحكم العرف والعادة في قلوب الناس وعقولهم إلى حد تقديسهم لها واعتقادهم بخلودها، ولعل هذا من الأسباب الظاهرة التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يتخلى عن هدم الكعبة.
وحتى المجتهدين الذين عاشوا في أقاليم العراق والشام ومصر والمغرب وغيرها تأثروا بعادات الفرس والروم والفراعنة والبربر والتي كانت تكون حضاراتهم وقوانينهم، ومنه تولد اختلاف الفقهاء في استنباطهم للأحكام. بل اشترط على المفتي أن يكون عارفا بأعراف بلده وزمانه وعادات أهله. حتى قيل “من لم يكن عالما بعادات أهل زمانه فهو جاهل”[62].والرجوع إلى العرف كمصدر للتشريع عند الضرورة معتبر، يقول ابن دقيق العيد رحمه الله: “إن ما رتب عليه الشرع حكما ولم يجد فيه حدا يرجع فيه إلى العرف”[63].
وعليه، فالنتيجة تُظهر لنا حاجة فقه الواقع إلى ضابط العرف ودوره في تنزيل الأحكام على وقائع الناس باختلاف زمانهم ومكانهم وأحوالهم وعاداتهم وأعرافهم.
الأصل الخامس: ضابط الاستصحاب؛ والاستصحاب هو: “الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال”[64]،أو هو جعل الحكم الذي كان ثابتا في الماضي باقيا في الحال حتى يقوم دليل على تغيره.
ومن ذلك البراءة الأصلية، ومعناها أن الأصل في الأفعال النافعة الإباحة، ويوضح هذا قوله تعالى: “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا” البقرة؛29،، وقوله عز وجل: “وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه” الجاثية؛13. وعلى هذا فالاستصحاب يشمل كل ما يحقق استخلاف الإنسان في الأرض أساسا. ومن رحمة الشريعة “أنها أبقت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة، إذا لم يكن فيها استرسال في فساد”[65].
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد وجد في قومه كثيرا من الأحوال والأفعال، فلم ينكرها عليهم ما دامت لا تعارض المقاصد العليا للإسلام، ولا تتناقض مع مبدأ الاستخلاف. ومن ذلك ثناؤه على حلف المطيبين[66]، قال صلى الله عليه وسلم: “شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه”[67]. وهو تحالف على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم ورد الفضول على أهلها.
والواقع اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الأصل، ذلك أن الاستصحاب من الظواهر الاجتماعية التي لا تستطيع المجتمعات الاستغناء عنها، ولا تقوم لها حياة، أو يستقيم حالها بدونه، فهو باب لحفظ مقاصد الشريعة واستشراف مطالبها. وفي واقعنا، كثيرة هي الأمور المعاصرة التي لم تكن حاضرة زمان نزول الوحي أو زمان الازدهار التشريعي، بل هي جديدة كل الجدة، نتيجة التطور الحضاري والتكنولوجي والتقدم العلمي، والحكمة هدف للمؤمن حيثما وجدها، حقه بل واجبه أن يستفيد منها.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: “لا ينبغي أن نجعل أكبر همنا مقاومة كل جديد، وإن كان نافعا، ولا مطاردة كل غريب وإن كان صالحا، وإنما يجب أن نفرق بين ما يحسن اقتباسه و ما لا يحسن، وما يجب مقاومته وما لا يجب، وأن نميز بين ما يلزم فيه الثبات والتشدد، وما نقبل فيه المرونة والتطور”[68].
والقاعدة المنطقية هي أننا لا نحجر واسعا أو نضيق من دين الله تعالى على عباد الله، كما أننا لا نفتح الباب على مصراعيه بدون حسيب ولا رقيب، مما قد يؤدي إلى تحريف أحكام الشريعة مع توالي الزمن.
وبالتالي فالمقصود هو أن يكون الاستصحاب ضابطا للعلاقة بين أحكام الشريعة وبين الواقع الذي يعيشه الناس، ومحددا وموضحا لعلاقته بالتنزيل على محل الحكم، وتنضبط العلاقة بين الاستصحاب والواقع بلا تحجير ولا تسيب.
خلاصة:
من خلال ما رأيناه حول أهمية فقه الواقع في عملية الاجتهاد التنزيلي وعلاقة ذلك بفقه التنزيل يمكن التوصل إلى الحقائق التالية:
– أن فقه الواقع والعلم به هو أحد ركني فقه التنزيل: فقه الواقع، وفهم الواجب فيه.
– عدم الإحاطة بالواقع تسيء إلى الفتوى والاجتهاد، أي أن عدم الإحاطة بفقه الواقع والواقعة فيه إساءة إلى الحكم والواقع معا، ولذا قال ابن القيم: “الواجب شيء والواقع شيء، والفقيه من يطبق الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم”[69].
-أن الواقع قد يتضمن بعض العوارض التي تؤثر في الحكم على النازلة فيكون الحكم على خلاف ما كان عليه في الأصل العام.
-الموازنة بين فقه النص وفقه الواقع، وهو أن نوازن بين الفقهين كل بحسب أدواته ووسائله وسبل تحصيله، وأن لا نعطي الأولوية بإطلاق لفقه النص دون مراعاة فقه الواقع أو العكس، بل نتوسط في ذلك، يقول أحمد الريسوني: “إن الفقه يتأثر بالواقع مثلما يؤثر فيه، ويأخذ منه مثلما يعطيه، ويتكيف معه مثلما يكيفه ويوجهه، وأقرر أن الفقه الحق لا بُدّ أن يكون واقعيا، يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبنى في فراغ”[70].
وإذا كان فقه الواقع هو الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس عموما وما يواجهها وما يعترضها، فلا يتم ذلك إلا بربط فقه الواقع بالاجتهاد، وفهم العلاقة التي تجمع الاجتهاد التنزيلي بفقه التنزيل.
فما هي العلاقة التي تربط بين فقه التنزيل والاجتهاد التنزيلي؟ وما الفرق بينهما؟
ذاك ما نتعرف عليه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
يتبع……
[1] فقه الواقع أصوله وضوابطه، أحمد بوعود، المقدمة، ص: 10 وما بعدها.
[2] ينظر: لسان العرب، ابن منظور(مادة: وقع). والقاموس المحيط، الفيروزآبادي (مادة: وقع).
[3] التعريفات، الجرجاني، 1/323.
[4]والمعتدي هو كل فعل كان فهمه موقوفا على فهم غير الفاعل. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون، التهاوني، 4/337.
[5] ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف، عبد الرؤوف المناوي، ص:717.
[6] ينظر: المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى وآخرون (مادة:وقع).
[7] الخصائص العامة للشريعة الإسلامية، يوسف القرضاوي، ص:157.
[8] أبجد العلوم، صديق حسن خان، ص: 413.
[9]في فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار، 1/111.
[10]سؤال وجواب حول فقه الواقع، محمد ناصر الدين الألباني، جمعه علي بن حسن الحلبي، ص:34-35.
[11] يقول ناصر العمر في تعريفه لفقه الواقع: “هو علم يبحث في فقه الأحوال المعاصرة عن العوامل المؤثرة في المجتمعات، والقوى المهيمنة على الدول، والأفكار الموجهة لزعزعة العقيدة، والسبل المشروعة لحماية الأمة ورقيها في الحاضر والمستقبل” ينظر كتابه: فقه الواقع مقوماته وآثاره ومصادره، ص:10.
[12] يقول الحلبي: “وخلاصة القول في فقه الواقع –دون تمطيط أو تفريط- هو: معرفة حكم الله سبحانه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتطبيق ذلك على الوقائع الحاضرة، والمسائل المعاصرة”. ينظر كتابه: فقه الواقع بين النظرية والتطبيق، ص:24.
[13] أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، يوسف القرضاوي، ص:26.
[14] الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي، عبد المجيد الشرفي، المقدمة، ص:32.
[15] فقه الواقع دراسة أصولية، حسين الترتوري، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، عدد:34، سنة:1998م، ص:71.
[16] فقه الواقع دراسة أصولية، عبد الفتاح الدخميسي، ص:66.
[17] فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حسين حصوة، ص:19.
[18] التأصيل الشرعي لمفهوم”فقه الواقع”، أبو ياسر سعيد بن محمد بيهي،1/210.
[19] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن القيم، 1/5.
[20] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، المقدمة، 2/18.
[21] ينظر: تجديد الفكر الإسلامي، حسن الترابي، ص:28 وما بعدها.
[22] الاجتهاد الجماعي في الشريعة الإسلامية، عبد المجيد الشرفي، المقدمة، ص: 31.
[23] كيف نجدد إيماننا، عبد السلام ياسين، المجلس الأول ص:24.
[24] ينظر: فقه الأولويات دراسة في الضوابط، محمد الوكيلي، ص:176.
[25]والآيات القرآنية في هذا الشأن كثيرة لا يتسع مجال البحث لعدها وذكرها. أنظر على سبيل المثال: آية الجهاد والرخص في سورة النساء، الآية: 95. وآية اللعان في سورة النور، الآية: 4.وآية القتال في سورة البقرة، الآية: 217.
[26] الموافقات، الشاطبي، 3/71.
[27] أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها، رقم:5162.
[28] أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، رقم:1333.
[30]أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتُصدق عليه، رقم:1834.
[31]أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب اتخاذ الخاتم ليختم به الشيء أو ليكتب به أهل الكتاب وغيرهم:5537.
[32] أنظر قصة حفر الخندق في السيرة النبوية، ابن هشام، 3/196. وزاد المعاد، ابن القيم، 2/198. الرحيق المختوم، والمباركفوري، ص:215. والسيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، ص:468، وما بعدها.
[33] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، رقم:266، وقال: “حديث حسن صحيح”. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم:2549.
[34] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، رقم:7198. وأورده العيني في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب العرض في الزكاة، رقم:1380.
[35] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، مرسلا، كتاب الإجارة، باب ما جاء في تضمين الأجراء،6/122.
[36]تفسير القرآن، ابن كثير، 1/333.
[37] الحوافز الإيمانية بين المبادرة والالتزام، عدنان رضا النحوي، ص:70.
[38] ينظر: مفتاح الوصول، الشريف التلمساني، ص: 105. والإحكام، والآمدي، 2/4. والمستصفى، الغزالي، 2/54. ومصادر التشريع فيما لا نص فيه، عبد الوهاب خلاف ، ص:49.
[39] ينظر: الاستصلاح والمصالح المرسلة في الشريعة الإسلامية، أحمد الزرقا، ص:39.
[40] ينظر: أصول التشريع الإسلامي، علي حسب الله، ص:142.
[41] الاستصلاح والمصالح المرسلة، أحمد الزرقا، ص:44
[42] الموافقات، الشاطبي، 2/26.
[43] ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر ابن عاشور، ص:67 وما بعدها.
[44] الاستصلاح والمصالح المرسلة، أحمد الزرقا، ص:47.
[45] الموافقات، الشاطبي، 4/552.
[46]إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/1. وينظر كذلك: الاعتصام، الشاطبي، 2/129.
[47] كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، عبد العزيز البخاري، 4/3.
[48] ينظر: الاستصلاح والمصالح المرسلة، أحمد الزرقا، ص:29.
[49]أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي، محمد أحمد الراشد، 2/84.
[50] الاجتهاد في السياسة الشرعية، قواعد وضوابط، عبد الصمد الرضى، مركز مفاد للأبحاث والدراسات، الطبعة الثانية، سنة2021، ص:140.
[51]مصادر التشريع الإسلامي، عبد الوهاب خلاف، ص:99.
[52]في المنهج التطبيقي للشريعة الإسلامية، عبد المجيد النجار، ص:60
[53]المرجع السابق، ص:60
[54]المرجع نفسه، ص:63.
[55]ينظر: مصادر التشريع الإسلامي، عبد الوهاب خلاف، ص:145.مجموعة رسائل ابن عابدين، 2/299.
[56]الاجتهاد في السياسة الشرعية، عبد الصمد الرضى، ص: 181.
[57] فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، ص:69.
[58] مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي، ص:153.
[59] المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، 2/879.
[60]مصادر التشريع الإسلامي، عبد الوهاب خلاف، ص:148.
[61] العرف والعمل في المذهب المالكي ومفهومها لدى علماء المغرب، عمر الجيدي، ص:122.
[62] العرف والعمل في المذهب المالكي، عمر الجيدي، ص: 149.
[63]المرجع السابق؛ ص:122.
[64] علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص:91.
[65] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص: 104.
[66] ينظر تفاصيل ذلك في: السيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، ص: 133 وما بعدها
[67] أخرجه أحمد في مسنده،1/190. والبخاري في الأدب المفرد رقم:567. وابن المقرئ في المعجم 24 بإسناد حسن. والحاكم في المستدرك، 2/220 وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”. وصححه الألباني في حاشية فقه السيرة للغزالي، ص:64.
[68] يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية؛ ص:181.
[69]إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/241.
[70] الاجتهاد؛ النص، الواقع، المصلحة، أحمد الريسوني، ص:61.