منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة الثانية: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة،دراسة أصولية تطبيقية.

ذ. محمد الغالي

0

الحلقة الثانية: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة،

دراسة أصولية تطبيقية.

ذ. محمد الغالي

 

الحلقة الأولى:
فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة، دراسة أصولية تطبيقية

 

الفصل الأول: فقه التنزيل؛مناصبه وخصائصه ومستلزماته.

المبحث الأول: أهمية فقه التنزيل ومناصبه.

تمهيد:

إن دراسة محل التنزيل واختيار مدى توافر الشروط في المحل من الأهمية بمكان، فهي لا تقل عن فقه الحكم؛ ذلك أن فقه الحكم دون فقه المحل المراد تنزيله عليه ومدى استطاعته، قد يكون “نوعا من العبث والإساءة للحكم نفسه، ولا يقل أهمية عن الاجتهاد في دراسة الواقع (محل التنزيل) واختيار مدى توفر الشروط المطلوبة، وما يتطلب ذلك من أدوات معرفية لتنزيل الحكم الشرعي، الاجتهاد والنظر والتبصر في العواقب والتداعيات، التي يمكن أن تترتب على تنزيل الحكم على محله”[1]، أي النظر في الأبعاد الزمانية والمكانية، إلى جانب توفر الاستطاعة مناط التنزيل، ذلك أن النظر في العواقب والمآلات، التي يفضي إليها التطبيق، يعتبر قسيم الفقه في الدين.

فأين تظهر أهمية فقه التنزيل في تحقيق مقاصد الشريعة، وفي استنباط الأحكام، وفي فهم الواقع كذلك؟

المطلب الأول: أهمية فقه التنزيل:

إن فقه تنزيل الأحكام لا يقل أهمية عن فقه استنباطها؛ لأن المصلحة من شرع الأحكام لا تتحقق إلا بامتثالها بعد معرفتها، والامتثال متوقف على حسب تنزيلها، ويمكن ضبط أهمية فقه التنزيل من خلال أوجه عديدة، نذكر منها ما يلي:

  • الوجه الأول: أهمية فقه التنزيل في تحقيق مقاصد الشريعة.

يعد فقه التنزيل القسم الأهم في الشريعة، لأن الشريعة تهدف إلى تطبيق الحكم الشرعي تطبيقا يحقق المقاصد ويدرأ المفاسد، وفقه التنزيل يحقق هذا التطبيق “فهو الثمرة المرجوة من التكليف”[2]. وعليه فإن النظر المتحتم الآن على أهل الاجتهاد أن يبحثوا عن المسالك والطرق الواقعية للكشف عن مدى تحقق المقاصد الشرعية عند تنزيل الحكم، “بحثا تنظيريا يعصم من الزلل الذي يقع فيه كثير ممن أخطأوا المقصد في تنزيلهم الأحكام فجلبوا المضار والمفاسد على الأمة”[3]، وهذه المنهجية تعتمد أساسا على دراسة الواقع وتحليله وفق ملابساته وحيثياته لبيان حصول مقصد الشارع من تنزيل الحكم.

وهذا ما يؤكده إمام الحرمين الجويني حيث يشتراط على المتصدي للاجتهاد المؤهل للفصل في الخصومات والحكومات أن يكون فطنا، “متميزا عن رعاع الناس، ومعدودا من الأكياس، ولا بد أن يفهم الواقعة المرفوعة إليه على حقيقتها، ويتفطن لمواطن الإعضال، وموضع السؤال، ومحل الإشكال منها، ثم يتخير مفتيا، ويعتقد أن قوله في حقه بمثابة قول الرسول في حق الذين عاصروه فيتخذه قدوة وأسوة”[4]. ولا نعرف أحدا من العلماء، على حد اطلاعنا، خالفه في هذه الشروط.

  • الوجه الثاني: أهمية فقه التنزيل في استنباط الحكم.

إن تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع الإنساني وهدايته بها يُعد الثمرة المرجوة من التشريع كله “لأن التشريع ليس عملا في فراغ”[5]، لذا كان الاهتمام بالتنزيل السليم للأحكام صنو الاهتمام بالاستنباط الصحيح لها، والاجتهاد الكامل هو القادر على الربط بينهما وضبط كليهما، بل إن الاجتهاد أول عهده لم يكن يفرق بينهما، وأصول الفقه لما وُضع منهجا لهذا الاجتهاد وضع على هذا الأساس، فكما هو وسيلة لاستنباط الحكم فهو وسيلة لتطبيقه.

ويُعبر الدكتور النجار على تفحص مفردات هذا العلم كما هي مدونة في مصادرها، ويبين أن “أغلبها موجه لاستنباط الحكم لا لتطبيقه، حتى كاد هذا العلم أن يكون ممحضا لذلك”[6].

وسبب هذه الغلبة مع ذاك الارتباط أن الاجتهاد الاستنباطي هو قدرة على التعامل مع النصوص في استخراج ما تدل عليه معان بطريقة العبارة والإشارة أو بأي طريق آخر، وقواعد ذلك من الكثرة بحيث جعلت هذا الاجتهاد علما يدرس، بينما “الاجتهاد التطبيقي كان يعد مزيدَ فهمٍ للقواعد السالفة ذاتها، وتسميته بالفن أقرب. فالاجتهاد التطبيقي لم يكن أكثر مما أشرنا إليه، لأنه تطبيق على الواقع الذي نزل فيه النص، أو واقع قريب منه، فكفى هذا النزول وذلك القرب مؤونة اجتهاد آخر لتنزيل صحيح للحكم بعد جهد الاستنباط”[7].   وهكذا تظهر العلاقة التكاملية بين الاستنباط، وهو النظر في النص، وبين فقه التنزيل الذي يغلب عليه النظر في الواقع محل تطبيق الحكم الشرعي.

ويؤكد هذا ابن القيم عند شرحه لقول الفاروق رضي الله عنه في رسالته لأبي موسى الأشعري:”فافهم إذا أدلي إليك” قال: “صحة الفهم وحسن المقصد من أعظم نعم الله تعالى التي أنعم بها على عبده (…) ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم الحقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر”[8].

وعليه يعتبرفقه الاستنباط وفقه التنزيل فقهان متلازمان ومتكاملان، وبهما يكتمل الدين وتستقيم حياة الإنسان.

  • الوجه الثالث: فقه التنزيل وأهميته في فهم الواقع.

إن الهدف من إنزال الدين هو أن تستقيم حياة الإنسان في هذه الدنيا على نهج الإسلام والإيمان والإحسان، ولكي تتحقق هذه الاستقامة لابد من شرطين هما: الفقه في الدين وفقه الواقع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من يُرد الله به خيرا يفقهه في الدين”[9]، وهذا حتى يكون الدين حجة للإنسان لا حجة عليه. ولكي يكون التدين بهذا الدين صحيحا لا بد من فقه الواقع الإنساني. وفقه الواقع قسمان: قسم هو جزء من الفقه في الدين، ولا يتم الفقه في دين الله على كماله إلا به، وقسم هو مقدمة للتدين الصحيح، وهداية الواقع بهذا الدين.

فالقسم الأول؛ يتمثل في فقه الوقائع التي تناولتها النصوص؛ فقه حقائقها وملابساتها، لا مجرد أسمائها، وذلك في إطار “فقه الواقع جملة في عهد نزول الوحي، فالوحي لم ينزل لهديها إلا بظروفها وملابساتها. فلو اقتصرنا في معرفة محل الحكم على مطلق اسمها لأخرجنا بذلك بعضا من المسمى وأبقينا البعض، فيخرج بذلك المسمى عن حقيقته، ويكون الباقي أولى باسم جديد، ويترتب على ذلك صرف رسالة النص إلى غير مرسول إليه، وهو جهل بالدين”[10]. ومقصود الطاهر بن عاشور من كلامه هذا؛ هو أن الجهل بالواقع والمحل المراد بتنزيل الأحكام هو جهل بالدين وسوء فهم له وليس تدينا صحيحا.

وأما القسم الثاني؛ فيتمثل في فقه الوقائع التي لم يرد بشأنها نص، حتى تكون “معالجتها بالهدي مبنية على اجتهاد صحيح، إذ لا يمكن وصف الدواء إلا بعد تشخيص الداء، ولا يتم تشخيص الداء إلا بعد الفحص”[11].

والنتيجة هي أن فهم الدين فهما كاملا و تنزيل أحكامه تنزيلا صحيحا لا بد له من فقه الواقع وفهمه.

  • الوجه الرابع: أهمية فقه التنزيل في التيسير والتخفيف والاعتدال.

الأصل من قيام الأحكام الشرعية على المكلفين أن تحقق المقاصد التي أرادها الله تعالى وقصدها من تشريع الأحكام، وفقه التنزيل يراعي تحقيق المقاصد ودرء المفاسد ورفع الحرج والتخفيف على المعسر والرحمة على الخلق، وفي هذا الصدد يقرر العز بن عبد السلام قاعدة مهمة مفادها أن “كل تصرف تقاعد على تحصيل مقصوده فهو باطل”[12].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الدين يُسر”[13]، وهذا أصل أصيل من أصول الشريعة بالاستقراء المفيد للقطع بكليته وعمومه، بحيث “يجد المتتبع لجوانب التيسير والتخفيف في القرآن الكريم والسنة النبوية وفقه الصحابة والتابعين والعلماء الراسخين، أنها من السعة والشمول بحيث تغطي العادات والعبادات وأحكام الدنيا والآخرة”[14]. وبناء عليه يكون كل ما خرج عن اليسر للعسر ومن السعة والمرونة للضيق، مخالفا لمقاصد الشريعة بإجماع أهل الاعتبار، مناقضا لفقه التنزيل، ومن هذا القبيل كل مظاهر التشديد والتضييق الناجمة عن الأخذ بظواهر النصوص حصرا، والمبالغة في الاحتياط، فضلا عن التعصب المذهبي، فقد جاء فقه التنزيل لمحاربتها.

ولقد ارتضى بعض السلف من العلماء الوقوف عند ظواهر النصوص من غير التفات إلى مقاصدها، وقد اعتبر الإمام الجويني الوقوف عند الظواهر عملا على”حل الرباط وقطع أسباب الاستنباط، وتخيير الخلق بين التفريط والإفراط”[15]. بل اعتبر عدد من العلماء مذهب داوود الظاهري بدعة ما بعد المائتين، ومن هؤلاء الإمام الشاطبي الذي بين أن “أتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده؛ رأي يصد عن اتباع الحق المحض، ويضاد المشي على الصراط المستقيم”[16].

وإذا كان تعظيم النصوص وتقديمها أصلا كليا ضروريا لا يصح نظر شرعي من دونه، فإن النقد الموجه إلى هذا المنهج إنما هو من حيث العمل بظواهر النصوص وإهمال عللها ومقاصد الشارع منها[17].

إذا كانت طبيعة نصوص الأحكام الشرعية الغالب فيها عامه ومطلقه، وأفعال المكلفين مخصصة ومشخصة، فإن فقه التنزيل يهدف إلى “تنزيل العمومات والمطلقات على الأفعال المشخصة بما يناسبها، وعدم استخدام هذا الفقه يعني حبس النصوص الشرعية على شكل عمومات ومطلقات في الذهن من غير تنزيلها على أرض الواقع”[18]، وفي هذا المعنى  يذهب الإمام الشاطبي إلى أنه “لو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن، لأنها مطلقات وعموميات وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق، أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلا وقد لا يكون، وكله اجتهاد”[19].

وليست الظاهرية والباطنية نزعتين تاريخيتين آلتا إلى الانقراض، بل هما متجددتان في أثواب مختلفة عبر العصور، وفي عصرنا هذا بعض “التحققات لهما تظهر خاصة فيما نشاهده عند بعضهم من جمود على ظواهر النصوص عند معالجة النوازل المستجدة لاستنباط حكم فقهي ينطبق عليها، إذ ينبغي أن لا يستنبط ذلك الحكم بناء على مقصد لم تدل عليه ظواهر النصوص، ويكاد هؤلاء يؤولون بهذا الموقف إلى أن ينفوا عن الدين قدرته على الوفاء بمصالح الإنسان في جميع العصور والأقطار”[20] ، كما تظهر أيضا فيما يذهب إليه بعضهم نقيضا لذلك من توهم مقاصد تشتق من معان لا صلة لها بالنصوص، “فتنبني عليها أحكام تؤول إلى إهدار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وتعود بالبطلان على ما دلت عليه النصوص بوجه القطع، وليست الدعوة المبدئية إلى إباحة الربا والمساواة في الإرث وغير ذلك مما هو في مقامها تعللا ب(الحداثة) ومساوقة (روح العصر) إلا تحقيقات للنزعة الباطنية في الكشف عن مقاصد الشريعة”[21]، وهنا تظهر أهمية فقه التنزيل في النزوع بمقاصد الشريعة نحو الوسطية والاعتدال وهي روح الدين وصلب التدين ولبه.

ويفضل الدكتور القرضاوي أن يسمي هذا المنهج بمدرسة الصراط المستقيم أو “الوسطية القرآنية”؛ حيث لا طغيان في الميزان ولا إخسار فيه، وتتجلى وسطية هذه المدرسة بأنها “تربط بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، وتفهم الجزئيات في ضوء الكليات، ولا تغلو في إتباع ظواهر النصوص، والتمسك بحرفية الألفاظ: غلو المدرسة اللفظية، التي سميناها (مدرسة الظاهرية الجدد)، كما لا تفريط فتعمد إلى إهمال النصوص، والإعراض عنها: تفريط المدرسة التغريبية، التي سميناها( مدرسة المعطلة الجدد)”[22].

ويجمل ابن القيم صفات الشريعة بأنها “عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها ومصالح كلها، وإن كل مسألة فيها خرجت من الحكمة إلى العبث، ومن العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة في شيء، وإن أدخلت فيها بالتأويل”[23]. وبفضل هذا العلم الجليل يمكن للفقهاء والمجتهدين في أي عصر وصر أن يتوصلوا إلى حكمة الشريعة، ومقصدها من وراء ما شرعته، ويصلون إلى ما وصل إليه ابن القيم ومثله من العلماء الأفذاذ.

  • خلاصة المطلب:

وبناء على ما تقدم ذكره نخلص إلى أن فقه التنزيل له أهمية كبيرة، باعتباره جزء من منهج الاجتهاد التنزيلي العام الذي يتصف بصفتي الاعتدال والشمول، والتي تنهل في الأصل من ميزات الدين الخاتم الشامل المعتدل الموافق لمرحلة اكتمال رشد البشرية، وهما مناط خيرية الأمة الإسلامية مصداقا لقوله تعالى:”وكذلك جعلناكم أمة وسطا” البقرة؛143، وقوله تعالى:”كنتم خير أمة أخرجت للناس” آل عمران؛110.

كما أن الجميع في حاجة ماسة لفقه التنزيل ولا غنى لأحد عنه، فهو “يحتاجه الفقيه المجتهد، والمفكر والداعية والخطيب، ولا يمكن الاستغناء عنه،لأنه يحفظ العقول والأفكار والألسنة من الخطأ والزلل من تنزيل الأحكام على المكلفين، ويحافظ على تنزيل الأفكار في أوقاتها المناسبة، ويزاوج بين النظرية والتطبيق”[24]. وفي واقعنا المعاصر نحن أحوج بكثير لفقه تنزيل الأحكام في مدارسنا ومساجدنا ومعاهدنا ومؤسساتنا بصفة عامة “لأن السامع لما لا يفهمه يعتقد استحالته جهلا، فلا يصدق وجوده بل يلزمه التكذيب –حتى المدرس- ينبغي أن يكلِم كل طالب على قدر فهمه وعقله فيجيبه بما يحتمله حاله”[25]، وما قيل عن المدرس يقال عن الداعية والمنظر والعالم والخطيب والطبيب وغيرهم، كل من موقعه ومؤسسته.

المطلب الثاني: مناصب فقه التنزيل والقائمون بتنزيل الأحكام.

أفرد الإمام القرافي رحمه الله فرقا من فروق كتابه “الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام”، تحدث فيه عن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في الإمامة والقضاء والإفتاء، قال: “اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم، فهو صلى الله عليه وسلم إمام الأئمة وقاض القضاة، وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولى منصبا منها في ذلك المنصب، إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفاته صلى الله عليه وسلم متصف بالتبليغ لأن وصف الرسالة غالب عليه، ثم تقع تصرفاته صلى الله عليه وسلم منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين”[26].

ويعد الإمام القرافي أول من قعد للفروق بين أنواع التصرفات النبوية الإفتائية والقضائية والإمامية، يقول الطاهر بن عاشور في هذا الصدد: “وللرسول عليه الصلاة والسلام صفات كثيرة صالحة لأن تكون مصادر أقوال وأفعال منه، فالناظر في مقاصد الشريعة بحاجة إلى تعيين الصفة التي عنها صدر منه قول أوفعل. وأول من اهتدى إلى النظر في هذا التمييز والتعيين العلامة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفرق”[27].

ونفس المعنى أشار إليه العلامة علال الفاسي رحمه الله بقوله: “هذا موضوع كان أول من أثاره شهاب الدين القرافي، وهو الانتباه إلى جوانب الرسول المختلفة وتصرفاته بمقتضاها، والأثر الذي يحدثه ذلك التصرف، والفرق بين ما يتصرف فيه عليه السلام بالفتيا والتبليغ أو القضاء أو الرسالة أو الإمامة”[28]. وللإمام الزركشي قاعدة مهمة حال الاشتراك بين القضاء والإفتاء جاء فيها: “ثم إذا دارت الحادثة بين تنزيلها على القضاء أو على الفتوى فعندنا تنزيلها على القضاء أولى”[29]، والظاهر من ترجيح الزركشي هو كون القضاء يكون ملزما عن غيره.

وهكذا يمكن حصر مناصب التنزيل في ثلاث: الإمامة والقضاء والإفتاء؛ وهي مفصلة على الشكل الآتي:

  • المنصب الأول: الإمامة أو مقام الإمام.

تطلق الإمامة على الرياسة العامة “الإمامة الكبرى” تشبيها لها بإمامة الصلاة في الإتباع والاقتداء، وتعني الخلافة، لكون الإمام يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، والخليفة هو السلطان الأعظم، والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند قائدهم، والإمام كل من ائتم به القوم، وهو الذي له الرياسة العامة في الدين والدنيا جميعا.[30]

وأكثر العلماء حديثا عن الإمامة والخلافة الإمامين: الماوردي وابن خلدون. يقول الماوردي: “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”[31]. فمنصب الإمامة دعامة مناصب الاجتهاد التنزيلي كلها وحاميها، باعتباره نيابة عن صاحب الشريعة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. ويقول ابن خلدون:” الإمامة هي خلافة عن صاحب الشرع، في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”[32]، وهذا تعريف أحوط من سابقه باعتبار الإمامة في الشرع تقوم على حمل الكافة على مقتضى الأحكام الشرعية.

وقريب من هذا قول الإمام الجويني: “رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا”[33]. وهكذا تعتبر تصرفات الإمام هي السياسة الشرعية التي يقصد بها السياسة العادلة التي يتوصل بها إلى تحقيق المقاصد الشرعية، على حد رأي ابن فرحون[34].

أما ابن القيم فيرى أن السياسة عموما هي أحد فروع الشريعة وجزء لا يتجزأ منها حيث قال:” السياسة العادلة جزء من أجزاء الشريعة وفرع من فروعها، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الإمارات والعلامات”[35]. وبهذا المعنى يضع قيدا لكي لا يخرج أمر سياسة الدنيا عن مقتضى الشرع، ولا يتم ذلك إلا باجتهاد شرعي من أهل الاختصاص، لذلك عُدّ هذا المقام من مناصب فقه التنزيل، بل هو الأولى بالعناية.

وبهذا تغاير الإمامة السلطة السياسية التي تسير على “هدي القوانين الوضعية المقتصرة على تنظيم العلاقات الاجتماعية وإقرار واقع المجتمع ولو عارض الدين والفضيلة أحيانا”[36]، كما الحال اليوم وما نعايشه مع أنظمتنا العربية والإسلامية السياسية المعاصرة.

وحكم نصب الإمام واجب شرعا وبإجماع الصحابة والتابعين، وهي حاجة لا بد منها لإقامة شرع الله وفق مقاصد الشريعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم”[37]، وبين شيخ الإسلام ابن تيمية وجه الدلالة من هذا الحديث في أمره صلى الله عليه وسلم بتأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع[38].

ويؤكد ذلك الإمام الجويني مستدلا بمبادرة الصحابة رضوان الله عليهم في الإسراع بتنصيب وبيعة أبي بكر الصديق بعد وفاة الرسول عليه السلام مباشرة، لأن “نصب الإمام حاجة لا بد منها، وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة، أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا البدار إلى نصب الإمام حقا، فتركوا لسبب التشاغل به تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه، مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة”[39]. وإلى نحو ذلك ذهب الماوردي والغزالي وابن خلدون ، وقد نقل العلماء الإجماع على وجوب نصب الحاكم[40].

وسندهم جميعا في ذلك مجموعة من النصوص القرآنية ومن السنة النبوية، فقد أورد ابن فرحون في كتابه تبصرة الحكام في باب: القضاء بالسياسة الشرعية، “آيات قرآنية سيقت لتشريع الزواجر وتقدير الحدود الشرعية ومبينة للقصاص وحد السرقة والزنا والقذف وغيرها، واستنتج منها استقراء وجوب نصب الحاكم باعتبار أن إقامة هذه الحدود هو عمل الإمام”[41]، ومن ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حبس رجلا في تهمة[42]، مما يدل على تصرفه عليه السلام بالسياسة الشرعية. ويعلق الإمام القرافي بعد قوله تعالى:”أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” النساء؛59، قال: “فطاعتهم فرع وجودهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[43]. وتكون الحكمة والمقصد من نصب الحاكم هو أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضبط مصالح جميع المسلمين، وإصلاح دين الخلق وإصلاح أمر الدنيا[44]. وكل إمامة لم تحقق هذه المقاصد فهي باطلة وغير شرعية .

ولسلامة التنزيل الذي يشرف عليه منصب الإمام لا بد في الإمامة من أركان ثلاثة وهي:

الركن الأول: الإمام هو القائم بالتنزيل؛ اتفق العلماء على جملة من الشروط اللازمة توفرها في من يقوم بمنصب إمامة المسلمين، واختلفوا على أخرى مثل النسب “الأئمة من قريش”[45]. فبالإضافة إلى شرط سلامة الحواس من النقص والعطلة ليصح معها مباشرة أعماله بكمال بشري، يأتي شرط العدالة على شروطها الجامعة، باعتبار الإمامة منصب ديني، ثم العلم لأنه منفذ للأحكام الشرعية، والكفاية وهي الجرأة والشجاعة والقوة والنجدة[46].  هذا باختصار فليس المقصود هنا جرد شروط الإمامة وإنما التنبيه على أركانها.

الركن الثاني: الحكم الشرعي؛ وهو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين، “بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع”[47]،سواء كان خطاب تكليف أو خطاب وضع.

وإذا كان التنزيل هو تطبيق الأحكام الشرعية، فالحكم ركن أساس في تنزيلها، بشرط تكون الأحكام الشرعية الداخلة في مقدور المكلف والتي تحتاج في تنزيلها إلى حكم الحاكم، ليست موكولة إلى المكلف بقدر ما هي تدخل ضمن مهام الإمام وحكمه، وعلى هذا المعنى يصفه الإمام القرافي بأنه “حكم إنشائي: لأن الله جعل للحكام أن ينشئوا أحكاما لضرورة درء الفناء، ودفع الفساد، وإخماد الثائرة، وإبطال الخصومة”[48]، وقس على ذلك أحكاما أخرى مثل: فسخ الأنكحة للضرورة والطلاق بالإعسار من أجل المصلحة، والطلاق بالإضرار، وتقدير التعازير وتطبيق الحدود وغيرها، وكلها تحتاج إلى حكم حاكم عادل يحقق مصالح العباد ويجنبهم الضياع والفوضى.

الركن الثالث: المحل المناط به حكم الإمام؛ يقول الإمام الشاطبي:”ولا ينزل الحكم إلا على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد”[49]، ولكي لا تفوت المصلحة التي كان الحكم وسيلة لها، لا بد له أن ينزل على محله بالذات، ولا بد للحكم من متعلق ليتم تنزيله عليه، وإلا صار مجرد معرفة ذهنية لا علاقة لها بالواقع.

ويدخل من منصب الإمامة في فقه التنزيل ما كان راجعا إلى نصب الولايات، كولاية القضاء، والحسبة، والجهاد “بتولية الأكفاء وعزل الضعفاء، ومكافحة الأعداء، وقسمة الفيء والغنيمة، ووضع الجزية والخراج وتصريف الأموال”[50]. وهذه جملة الأحكام التي يتعلق بها فقه التنزيل في هذا المقام.

ويمكن ختم هذا المنصب بالخلاصات التالية:

1- إن الإمامة باعتبارها رئاسة عامة للدولة تقوم على اختيار من يصلح لهذا المنصب بناء على ما تنتهي إليه الشورى، وبناء على البيعة الشرعية.

2- يعتبر الإمام مجتهد في تنزيل الأحكام وتطبيقها مع مراعاة شروط إقامتها، وهو مجتهد في تنزيل المصلحة الكلية على الواقعة الجزئية مع مراعاة ظروف وملابسات الواقعة وما يراه مصلحة.

3- ضرورة التكييف المستمر وإخضاع فقه التنزيل من هذا المنصب لتطور المجتمع الإسلامي ومقتضيات المصلحة العامة ومقاصد الشريعة.

  • المنصب الثاني: القضاء أو مقام القاضي.

يطلق القاضي ويعني في اللغة الحاكم، ويعني الصانع والمقدر أيضا، وقد يعني قضاء العبادة خارج وقتها. كما يطلق على الإبلاغ والإنهاء إلى علم من نتوجه إليه بالكلام،  ويطلق القضاء على معنى العمل، ومنه قول الله تعالى:”فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا” طه؛72، أي: إعمل ما أنت عامل، وقضّى الأمير قاضيا مثل أمّر أميرا[51]. والقاضي هو من فوضه الإمام ولاية القضاء.

وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم القضاء بصفته إماما وقاضيا ومرشدا، وهو تنفيذ لأمر الله تعالى:”وأن احكم بينهم بما أنزل الله” المائدة؛49. وقوله عز و جل: “وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط” المائدة؛42. وقوله سبحانه:”إنا أنزلنا أليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله” النساء؛105.

وأوجبه الله تعالى على عباده لإقامة العدل بينهم وحفاظا على مصالحهم، قال تعالى: “فلا وربك لا يومنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم” النساء؛65، ومن خلال هذه الآية تظهر لنا الحكمة من القضاء في “سد باب الخصومات ورفع التهارج ودرء المظالم، بإلزام الحق أهله، والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”[52]. وبالتالي يعتبر منصب القضاء وسيلة تحقيق العدل في الأرض ونشره، وقطع دابر الظلم وردع الظالمين وحفظ الحقوق وصيانة الدماء والأعراض والأموال، بل هو “محور نظام الحكم، والمظهر العملي الحازم لإلزام الناس باحترام أحكام الشريعة، وإعلان هيبتها ونفوذها وتطبيقها في العلاقات الاجتماعية بين الناس، المؤمنين منهم وغير المؤمنين”[53].  فهو الذي يوفر الحماية المتحركة للحقوق، وهي “حماية ضرورية لا توفرها الحماية الساكنة المعترف بها للحق كأثر مترتب على وجوده”[54].

ولا خلاف بين الأئمة أن القيام بالقضاء واجب، وهو فرض كفاية، “ولا يتعين على أحد إلا أن لا يوجد منه عوض وقد اجتمعت فيه شرائط القضاء”[55] التي تحفظ العدل وتحقق مصالح الناس. روى الإمام أحمد والحاكم عن معقل بن يسار المزني قال:أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقضي بين قوم فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله، قال: “إن الله تعالى مع القاضي ما لم يَحِفْ عمدا”[56].

وروى البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجرٌ”[57]. ويكون حكم القاضي سواء من منصب الإمامة أو مقام القضاء، حكما ملزما ونافذا، من أجل مصلحة الحكم، وعدم الانصياع لحكم القاضي يؤدي إلى “اضطراب الأحكام وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة التي نصب الحاكم لها”[58]، بشرط أن يكون مستند الحاكم صحيحا وأن يكون فيما تناولته الولاية بالأصالة، وألا يكون القاضي متهما في حكمه.

ولقيام منصب القضاء على الاجتهاد التنزيلي اشترط العلماء قديما وحديثا جملة من الشروط وجب على  القاضي التحلي بها، نذكر أهمها باختصار: الإسلام والعقل والبلوغ؛ وهي ما يطلق عليها بشروط التكليف[59]. ومن الشروط: الحرية والذكورة والعدالة والاجتهاد؛ وهي شروط تدخل في صحة التولية[60]. وأضاف العلماء إلى هذا: الفطانة والنزاهة والحلم والقوة والتيقظ، وأن يكون ذا رأي ومشورة، ليس بمديان ولا محتاج، بلدي حتى يكون أخبر بأهل بلده، معروف النسب، من غير ولد الزنا، لا يقبل الهدية، غير مجازف خصوصا فيما لا نص فيه[61]. بالإضافة إلى أهمية الأدب والسلوك الحسن لمن تولى القضاء، وتنزيل الأحكام وقد قيل “لكل زمن أحوال ومراسم تقتضيه وتناسبه”[62].ولعمري إن تحقيق هذه الشروط ولا نصفها لهو بعيد في زماننا، حينما أصبح القضاء مهنة يحترفها كل من هب ودب، ويقضي بالأوامر والتعليمات لا بالشرائع والقوانين.

ولسلامة تنزيل القاضي للأحكام الشرعية لا بد من شروط تصاحب مراحل التنزيل من مرحلة الإثبات إلى مرحلة التنفيذ، مرورا بمرحلة إصدار الحكم، وهي ثلاثة أوجه:

  • الوجه الأول: شروط مرحلة الإثبات:

والإثبات هو عبارة عن قيام الحجاج على ثبوت الأسباب عند الحاكم وفي ظنه[63]، فالحكم منوط بسببه، وتحقق السبب يحتاج إلى إثبات، فتطلب ذلك الشروط التالية:

1- التمييز في المدعي والمدعى عليه: وهو ما يعبر عليه بالأهلية، فلا تصح دعوى المجنون والصبي غير المميز، كما لا تصح الدعوى عليهما، لأن القدرة على فهم التكليف منوطة بالقدرة على التمييز.

2- معرفة المدعى من المدعى عليه: قال العلماء “أن عليم القضاء قائم على معرفة المدعى من المدعى عليه”[64]، فإذا ميز القاضي حال كل منهما فقد جمع جملة القضاء، وإذا لم يفقه القاضي ملابسات كل قضية ربما حكم بخلاف الصواب وأعطى الحق لغير أهله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم”[65]، والمعرفة تتم في مجلس القضاء وليس قبله.

3- أن يكون المدعى به شيئا معلوما: بمعنى أن موضوع الواقعة محل النزاع تكون معروفة عند القاضي “إما بالإشارة إليه عند القاضي إذا كان الشيء من المنقولات، أو بيان حدوده إذا كان قابلا للتحديد كالأراضي والدور وسائر العقارات، أو بكشف يجريه القاضي أو من ينوب عنه إذا لم يكن المدعى به قابلا للتحديد كحجر الرحى، أو ببيان جنسه ونوعه وقدره وصفته إذا كان المدعى به دينا، كالنقود والبر والشعير، لأن الدين لا يصير معلوما إلا ببيان هذه الأمور”[66].

وعلى ذلك يتعذر إصدار الحكم في حالة عدم تصور الواقعة محل النزاع تصورا كاملا، وقد ذكر الإمام التسولي في شرحه على العاصمية[67] أن “فقهي القضاء والفتوى مبنيان على إعمال النظر في الصورة الجزئية وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها فيلغي طرديتها ويعمل معتبرها”[68]، ففهم الواقعة الفهم الكامل والصحيح يؤدي إلى تنزيل صحيح وشامل للحكم.

  • الوجه الثاني: شروط مرحلة إصدار الحكم:

ويتعين على القاضي قبل إصدار الحكم الالتزام بالشروط التالية:

1- التحقق من الأدلة والشهود: يقول ابن القيم: “فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له”[69]، وتعليقا على الحديث النبوي: “البينة على المدعي واليمين على من أنكر”[70]، قال في الطرق الحكمية: “وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة، أو الشاهد، لم يف مسماها حقه. ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومركبة”[71]. فالقاضي ملزم لبناء الاجتهاد القضائي على البينات والشهود وغيرها من الوسائل لإثبات حقيقة الوقائع ولضمان سلامة تنزيل الأحكام.

2- إلتزام القاضي بالحياد: وهي النزاهة في أبهى صورها، ويشترط لذلك أن يكون القاضي مستقلا في فكره وماله وكل تصرفاته، وأن يكون حرا شجاعا لا يخاف في الله لومة لائم، وهذا يحتاج إلى “قدر من الفطنة والحذق يمكنه من الفهم الصحيح للوقائع، ويجنبه سرعة الانخداع، وعدم الوقوع في حيل الشهود”[72]، فإذا كانت العدالة شرط في الشهادة، فالأولى اشتراطها في القضاء.

3- أن يكون مسند الحكم صحيحا: فلا يكون الحكم على “خلاف الإجماع، أو خلاف النص السالم عن المعارض، أو خلاف القياس الجلي، أو أن يكون قائما على الخرس والتخمين، من غير مدرك شرعي، أو خلاف قاعدة من القواعد، وأن لا يكون الحكم على خلاف السبب، وأن لا يكون القاضي متهما في حكمه كقضائه لنفسه، وذلك احترازا عن الحكم الذي يأتي على خلاف الإجماع فلا عبرة به، أو الذي ضعف مدركه جدا، فلا بد حينئذ من تقارب المدارك في اعتبار الحكم”[73].  فإذا قامت الحجة تعين على القاضي الحكم بما غلب على ظنه أنه الحق، لأن الحق من لوازم الثبوت. وقد نقل الإمام القرافي عن فقهاء المذهب “أن المشهور أن الثبوت حكم”[74]، مما يفهم منه قوة العلاقة والملازمة بينهما، حتى أمكن القول أنه إذا تحقق الثبوت تحقق معه الحكم بالضرورة.

  • الوجه الثالث: شروط مرحلة تنفيذ الحكم:

إن تنزيل القاضي للأحكام الشرعية هو تنزيل إنشاء، والإنشاء[75] قد يكون إلزاما بفعل أو إلزاما بترك، وتنفيذ ذلك يحتاج لشرطين أساسين وهما:

1- الحكم إنشاء إطلاق أو إلزام: جاء في تعريف القرافي للحكم هو”إنشاء إطلاق أو إلزام في مسائل الاجتهاد المتقارب فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا”[76]، والإنشاء يكون إما بإطلاق أمر، أو إلزام أمر. ومثال الإطلاق: الحكم بإباحة الصيد، ومثال الإلزام: إيجاب النفقة للمطلقة. “ولا يتصور في حكم القاضي الأحكام الخمسة المعروفة في الحكم التكليفي، لأن الخصام لا ينقطع مع القول بالإباحة أو الكراهة أو الندب، ومرد ذلك إلى حقيقة هذه الأحكام الثلاثة، وهي التردد بين الفعل والترك والخصومات لا تندفع مع التردد”[77]، ولهذا جعل الله تعالى للحاكم الإنشاء في الشريعة.

2- حكم القاضي غير قابل للنقض: يكون حكم القاضي نافذا، وملزما، وغير قابل للنقض، لمصلحة الحكم. لأنه لو افترض النقض، إما بحكم قاض آخر، أو بتغيير اجتهاد القاضي صاحب الحكم، فإن هذا يؤدي إلى نقض الحكم الثاني، ونقض النقض إلى غير نهاية، مما يؤدي إلى اضطراب الأحكام ولا يتم تنفيذها. كما أن الأحكام والتعامل مع المذنبين يحتاج إلى أخلاق تحفظ للقاضي هيبته، وتورث في نفوس الناس قبولا لأقواله، ونزولا عند أحكامه، حتى يتم إلزام المحكوم عليه بالحبس أو أخذ المال بيد القوة، ودفعه إلى مستحقيه وتخليص سائر الحقوق وإيقاع الطلاق على من يجوز له إيقاعه[78]، وغير ذلك من الأحكام القضائية التي يتولى تنفيذها من تعين لذلك من العمال والأعوان.

وكل ذلك يحتاج إلى فقه وعلم دقيق بالأحكام الشرعية المبينة لحقوق الناس بعضهم على بعض، “والمتعلقة بالحدود والزواجر والعقوبات، ودراية الناس وطبائعهم وأعرافهم، وأحوال معاشاتهم”[79]. ولذلك صح إطلاق مفهوم فقه التنزيل على كل تصرفات القضاة، كما هو الشأن في تصرفات الإمامة.

  • المنصب الثالث: الإفتاء أو مقام المفتي:

تطلق كلمة المفتي في اللغة وتعني: المبين للأمر، وتبيين المشاكل من الأحكام، كما تعني تعبير الرؤيا وتفسيرها، والمفتي هو المجيب عن المسألة، والإفتاء (مصدر) هو بيان حكم المسألة[80].   يقول الإمام الجويني: “والمختار عندنا أن المفتي من يسهل عليه درك الأحكام الشرعية…ويشترط أن يكون عدلا”[81]، واتفقت مجموعة من التعاريف على أن المفتي مخبر عن حكم الله، وهو قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الإمام الشاطبي: “المفتي هو القائم في الأمة مقام النبي”[82]، فالمفتي بهذا المعنى وارث عن الرسول صلى الله عليه وسلم مقام التبليغ والبيان. ومنصب الإفتاء مقامه أسمى في الاجتهاد التنزيلي لما له من الحظ الأوفى من ميراث النبوة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “العلماء ورثة الأنبياء”[83].

وعليه يجب على المفتي أن يكون مجتهدا متمكنا من معرفة أحكام الوقائع غير متساهل. فالمفتي من العلماء الذي “استكملت فيه ثلاثة شروط: الاجتهاد والعدالة والكف عن التساهل والترخيص”[84].

وإذا اعتبرنا أن الفتوى نوع من الاجتهاد التنزيلي فلا بد من تأصيل هذه المناصب من التصرفات النبوية على عهد التنزيل الأول من مقام التبليغ أو مقام الفتوى أو الاستفتاء؛ وذلك من وجوه:

  • الوجه الأول: تأصيل منصب الإفتاء:

يُجمل الإمام ابن القيم هذا التأصيل ويقول: “هو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال سبحانه:”ويستفتونك في النساء، قل الله يُفتيكم فيهن” النساء؛127، وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفا وجلالة، إذ يقول في كتابه:”يستفتونك قل الله يُفتيكم في الكلالة” النساء؛176، وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب”[85]. وقد أمر الله عز وجل المسلمين بالرجوع إليها وعدم العدول عنها لغيرها فقال سبحانه: “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول” النساء؛59.

  • الوجه الثاني: التنزيل من مقام التبليغ:

ومقام التبليغ هو الغالب في تصرفاته صلى الله عليه وسلم، لأنه المناسب لوصف الرسالة، فكل ما أثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار هذا المقام، ولم يكن من هواجس النفس، كتصرف الأعضاء وحركات الجسد، أو من الأفعال الجبلية، كالأكل والشرب واللبس والنوم، أو مما اختص به صلى الله عليه وسلم كالوصل في الصوم والزيادة على أربع في النكاح، وكان مجردا عن ذلك، وتعلق بأمور العبادات أو المعاملات، أو كان جوابا عن سؤال سائل في أمور الدين؛ فهو تصرف بالتبليغ يأخذ وصف الحكم العام، ويكون دليلا في حق الأمة كلها واجب الإتباع[86]، ومثال ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “خذوا عني مناسككم”[87]، وقوله عليه السلام: “صلوا كما رأيتموني أصلي”[88]، وغير ذلك من القرائن التي تدل على مقام التبليغ في تنزيل الأحكام في مجال المعاملات كعقود البيع والهبة، قال تعالى:”وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” الحشر؛7.

  • الوجه الثالث: التنزيل من مقام الفتوى:

يقول الإمام الطاهر بن عاشور:”وإذا كان وجوب الرد إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم غير مقتصر على منصب معين، فإن حال الإفتاء له علامات مميزة من سنته صلى الله عليه وسلم”[89]، ومثل لذلك بما ورد في الموطأ والصحيحين عن عبد الله بن عمرو وعن ابن عباس، أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: “اذبح ولا حرج” فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: “ارم ولا حرج”، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج”[90]، وهذا من حسن فقه تنزيله للأحكام صلى الله عليه وسلم وهو القدوة الحسنة.

وعن عائشة-أم المؤمنين- رضي الله عنها أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذته منه وهو لا يعلم فقال: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”[91]، نزل التشريع هنا مقام الفتوى حسب الظروف والأحوال، فلما كان الحديث عن الإفتاء في هذا المحل إنما هو من حيث تعلقه بفقه التنزيل، فإن هذا الاعتبار “يفرض على المفتي النظر في خصوصيات النازلة المعروضة عليه، للبحث فيما يقتضيه تحقيق مناط الحكم عليها من تخصيص، لأن إجراء العموم المستنبط من النص على الواقعة المعينة هو تنزيل حكم على غير محله”[92]. ولهذا نجد اختلاف الفتوى باختلاف الظروف والأحوال والخصوصيات.

  • الوجه الرابع: التنزيل من مقام الاستفتاء:

لم يقتصر العلماء على تسديد الإفتاء، بل اعتنوا أيضا بالاستفتاء باعتباره مسلكا من مسالك الكشف عن حقيقة الوقائع لما يفترض في السائل من الإلمام بحيثيات الواقعة بجميع جوانبها، ولأن الأمر الشرعي موجه للمستفتي في قوله عز و جل:” فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون” النحل؛43، ولقد جاء الوحي بالعديد من النصوص الشرعية المحملة بأسئلة الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصارت أسباب نزولها وورودها معبرة عن خصوصيات الوقائع ومتعلقاتها، ومن ذلك قوله تعالى:”يسألونك عن الخمر والميسر“: البقرة؛219، وقوله سبحانه:”ويسألونك عن اليتامى” البقرة؛220، وقوله عز وجل:”ويسألونك عن المحيض” البقرة؛222…ومثل هذا كثير في القرآن الكريم.

ويعتبر تنزيل المفتي للأحكام الشرعية، تنزيل إخبار لما علم من الأحكام، وتنزيل إظهار لما استجد من القضايا والنوازل، وبالتالي فالمقصود هنا بتنزيل الفتوى في هذا المقام هو المكلف.. وشرطه أن يكون الإنسان عاقلا فاهما للتكليف، وهي ما تسمى عند الأصوليين بأهلية الأداء، “وصلاحية الإنسان لأن تصدر عنه أفعال معتبرة شرعا بحيث يكون مؤاخذا بها”[93].

وتنبني أهلية الأداء على قدرتين: “قدرة فهم الخطاب وذلك بالعقل، وقدرة العمل به وذلك بالبدن”[94]. لكنه لم يبلغ درجة الاجتهاد والفتوى. واتفق الأصوليون على أن اللازم في حق من لم يبلغ درجة الاجتهاد طلب الفتوى، ولكنهم اختلفوا في لزوم حكم المفتي في حق من استفتاه.

وقد نقل الإمام ابن القيم أربعة أوجه في ذلك وهي:

الأول: أنه لا يلزمه العمل بها إلا أن يلتزم هو. والثاني: يلزمه إذا شرع في العمل. والثالث: يلزمه إذا وقع في قلبه صحة الفتوى.  قال ابن حمدان: هذا أولى الأوجه[95]. والرابع: يلزمه إذا لم يجد مفتيا آخر[96]، وهذا ما رجحه ابن الصلاح بعد أن ردّ الوجوه الأخرى[97].

وتختلف مناهج الفتيا في النوازل إلى ثلاثة مناهج نذكرها ملخصة كالتالي:

  • أولا: منهج التضييق والتشديد:

وهو منهج مذموم مخالف لمقاصد الشريعة التي بنيت على اليسر ورفع الحرج، قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا”[98]، ولذلك كان يترك بعض الأفعال والأوامر خشية أن يشق على أمته: “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك”[99]. وفي وصيته عليه السلام لمعاذ بن جبل و أبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: “يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا”[100].

ومرد هذا التشدد يكمن غالبا في:

1- التعصب للمذهب أو للأراء أو لأفراد العلماء؛ مما يؤدي إلى الضيق والعنت والانغلاق على مذهب دون غيره ولو كان مرجوحا.

2- التمسك بظاهر النصوص؛ ونعني بهذا الانحراف أن أصحاب هذا المنهج يتمسكون بظواهر النصوص فقط دون فقهها ومعرفة مقصد الشارع منها.

3- الغلو في سد الذرائع والأخذ بالاحتياط؛ وليس المشكل في قاعدة سد الذرائع والأخذ بها حماية لمقاصد الشريعة، وإنما المشكل عندما تؤول المبالغة في الأخذ بها إلى تعطيل مصالح راجحة مقابل مصلحة أو مفسدة متوهمة يظنها الفقيه.

  • ثانيا: منهج المبالغة في التساهل والتيسير:

فمن الخطأ والخطر تبرير الواقع والمبالغة في فقه التيسير، فضبط الواقع ونفرة الناس عن الدين لا يسوغ التضحية بالثوابت والمسلمات أو التنازل عن الأصول و القطعيات مهما بلغت المجتمعات من تغير وتطور فإن نصوص الشرع جاءت صالحة للناس في كل زمان ومكان.  وهذا الاتجاه يأتي مقابل المنهج السالف الذكر، حيث أنه يغفل النصوص الجزئية، بل يتعمد الإعراض عنها، ويزعم أنه إنما ينظر إلى المصالح العامة والمقاصد الكلية.

وهؤلاء يحب الدكتور القرضاوي تسميتهم ب”المعطلة الجدد”، أو مدرسة تعطيل النصوص باسم مراعاة مصالح الخلق، ويزعمون أنهم بهذا التعطيل لم يخرجوا على الشرع، ولكنهم راعوا مقاصدهم، وحافظوا على روحه وجوهره، وإن لم يحافظوا على شكله وصورته، وبهذا يكونوا قد ضلوا وأضلوا، فهم معطلة جدد مقابل ظاهرية جدد ابتليت بهما الأمة  على الدوام في كل زمان.

وتبرز ملامح هذا الاتجاه في الإفراط بالعمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص، وفي تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب، وفي التحايل الفقهي على أوامر الشرع؛ وقد جاء النهي عن هذا كله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل”[101].

  • ثالثا: المنهج المعتدل في الإفتاء:

تتميز الشريعة الإسلامية بالوسطية والاعتدال واليسر في الأخذ بالمقاصد، لذا وجب على المفتي أن يكون على الوسط المعتدل الذي لا يقف على ظواهر النصوص ولا يلغيها، بل يفهمها ويأخذ بمقاصدها، يقول الإمام الشاطبي: “المفتي البالغ دروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة و لا يميل بهم إلى طريق الانحلال”[102]. ولا شك أن هذا المنهج هو اتجاه أهل العلم والورع والاعتدال، وهي الصفات اللازمة لمن يتعرض للفتوى والتحدث باسم الشرع.

ويمكن رصد ملامح ومرتكزات هذا المنهج فيما يلي:

1- البحث عن مقصد النص قبل إصدار الحكم؛ وهو الاجتهاد في البحث عن مقصد النص الشرعي وهدفه قبل إصدار الحكم، وذلك “لا يكون إلا بطول البحث والتدبر للنصوص الواردة”[103].

2- فهم النص في ضوء أسبابه وملابساته؛ وتعني قراءة النص على ضوء سياقه وأسباب نزوله إن كان قرآنا، أو أسباب وروده إن كان حديثا، “ومعرفة الظروف والملابسات التي سيق فيها الحديث، حتى لا يخطئ الدارس فهم المقصود منه، فيأخذ من النص حكما لا يقصد إليه، وليس مرادا منه”[104].

3- التمييز بين المقاصد الثابتة والوسائل المتغيرة؛ المتأمل في أحكام الشريعة وأوامرها ونواهيها، يتبين له أن منها “ما يقرر المبدأ المطلوب، وهو المقصود للشارع، ولا يعين له وسيلة لتحقيقه، لأن وسائله قابلة للتغيير والاختلاف، باختلاف الأزمنة والأمكنة والأعراف، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية”[105].

4- الملاءمة بين الثوابت والمتغيرات؛ بمعنى الملاءمة بين ثوابت الشرع ومتغيرات الزمان والمكان والحال[106]، والثوابت تتمثل في العقائد الأساسية وأركان الإسلام العملية وأمهات الفضائل الأخلاقية وأمهات المحرمات القطعية الظاهرة وكذلك المحرمات الباطنية، وأمهات الأحكام الشرعية القطعية. ورغم أن دائرة الثوابت محددة جدا، فلا يجوز تجاوزها بحال، لأنها هي الدالة على هوية الأمة وذاتيتها وتميزها[107]، ومزايلتها لباقي الشرائع الأخرى سماوية كانت أو وضعية.

ونختم هذا المنصب بمجموعة من الضوابط يجب أن تراعى عند الفتوى حتى يستقيم هذا الأمر:

الضابط الأول: التأكد من حدوث الواقعة؛ فالمفتي أو المجتهد لا بد له أن يتحقق من وقوع المسألة والتأكد من حدوثها، لكي يتسنى له استنباط حكمها الشرعي، أما إذا كان باب الاجتهاد مفتوحا من غير حاجة وقعت ودون حادثة نزلت، فلا شك في كراهية النظر في مسائل لم تنزل أو يستبعد وقوعها، وقد ثبت هذا عن زيد بن ثابت وأبي بن كعب وابن شهاب ومالك وغيرهم[108]. وهو ما ذهب   إليه أغلب العلماء[109].

الضابط الثاني: فهم النازلة فهما دقيقا؛ فلا بد للفقيه المجتهد المفتي من فهم الواقعة فهما دقيقا وتصورها تصورا صحيحا قبل البدء في بحث حكمها، والحكم على الشيء فرع من تصوره.

جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما ما يؤكد ضرورة الفهم الدقيق للواقعة حيث قال فيه: “أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بالحق لا نفاذ له (…) ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن و لا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك، وأعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق”[110].

ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله.

الضابط الثالث: استشارة أهل الاختصاص والتثبت وعدم الاستعجال؛ مفروض على الفقيه المفتي في واقعة ما، أن يتحرى و يتثبت ولا يستعجل في إصدار الفتوى أو الحكم عليها، وأن يوسع الاستشارة مع أهل الاختصاص، خصوصا إذا تعلقت المسألة بتخصص ما؛ كالطب والفلك والاقتصاد وغير ذلك مما يوجب الرجوع إلى أهل هذا الاختصاص وسؤالهم والاستيضاح منهم، وسنرجع لهذا الموضوع بالتفصيل عند حديثنا عن الاجتهاد الجماعي.

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد التثبت والتحري في الفتيا، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: “من أفتى بفتيا غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه”[111]، وقال في حديث آخر: “أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار”[112]. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يُسال عن المسألة فيتفكر فيها شهرا، ثم يقول “اللهم إن كان صوابا فمن عندك، وإن كان خطأ فمن ابن مسعود”[113]، وعنه كذلك قوله:”من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون”[114]. وعن مالك قال:” ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليلي”[115].

كل هذا الاحتياط من كبار الصحابة والعلماء –وهو كثير- يؤكد أهمية التثبت وعدم الاستعجال، وبعدها يبقى للمفتي الالتجاء إلى الله عز وجل بالتوبة والاستغفار والدعاء وسؤاله الإعانة والتوفيق وامتثال قوله تعالى:”سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم الحكيم” البقرة؛32، وقوله سبحانه: “رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي” البقرة؛25_28، وغيرها من الأدعية والأذكار المسنونة والمستحبة في هذا الباب.

خلاصة:

نؤطر هذه الخلاصة بنص شامل وجامع للإمام مالك رحمه الله لما كان عليه حال  سلف الصالح في اجتهاداتهم وقضاياهم وفتواهم، يقول فيه: “ما شيء أشد عليّ من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام، لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه في بلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليا وعلقمة؛ خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون، ثم حينئذ يفتون فيها، وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا، فبقدر ذلك يُفتح لهم من العلم”[116].

هذا ما قاله الإمام مالك عن أهل زمانه وما معهم من العلم والفهم وصحبة العلماء وقُربهم من العهد الأول، أما في زماننا فالأمر أشد خطورة، وأنكى حالا مع قلة العلم وتغييب العلماء الصادقين، وتصدر ديدان القراء وعلماء البلاط والرويبضة وأتفه الناس  للشأن العام وتدبير الشأن الديني على وجه الخصوص.

بعدما تعرفنا جميعا على أهمية فقه التنزيل و مناصبه والقائمين على تنزيله، يبقى السؤال:

ما هي خصائص هذا العلم؟ وماهي عناصره  الأساس  التي يرتكز عليه؟

هذا ما سنعرفه معكم في الحلقة القادمة بحول الله.

يتبع……..


[1] في الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، المقدمة، ص: 6.

[2] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:66.

[3] في الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، ص:50.

[4] غياث الأمم في التياث الظلم، عبد المالك الجويني،  تحقيق: عبد العظيم الديب، ص: 300-301.

[5] المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، فتحي الدريني، ص:33.

[6] المقتضيات المنهجية لتطبيق الشريعة في الواقع الإسلامي الراهن، عبد المجيد النجار، ص:34.

[7] الحكم الشرعي بين منهج الاستنباط وفقه التنزيل، رشيد سلهاط، ص:199/200.

[8]إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/11.

[9]أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، رقم: 71.

[10] مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور،  تحقيق محمد الطاهر الميساوي، ص:106.

[11] الحكم الشرعي بين منهج الاستنباط وفقه التنزيل، رشيد سلهاط، ص:204.

[12] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، 2/132.

[13]البخاري في كتاب الإيمان، باب يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أحب الدين إلى الله الحنفية السمحة”، رقم:36.

[14] طرق الكشف عن مقاصد الشريعة، نعمان جغيم، ص:346.

[15] البرهان في أصول الفقه، الجويني، 2/11.

[16] الموافقات، الشاطبي، 4/129. وينظر كذلك: ابن فرحون في الديباج المذهب، ص:54.

[17] ينظر: بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، فتحي الدريني،1/111

[18] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:67.

[19] الموافقات، الشاطبي، 4/93.

[20] مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص:46.

[21]مقاصد الشريعة عند الطاهر بن عاشور، عبد المجيد النجار، كتاب جماعي، ص:10-11.

[22] دراسة في فقه مقاصد الشريعة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية، يوسف القرضاوي، ص:137

[23]إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/14-15.

[24] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:68.

[25] فيض القدير، زين الدين المناوي، 3/500.

[26] الفروق، القرافي، ضبطه وصححه خليل منصور، 1/357.

[27] مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر ابن عاشور،  ص:207.

[28] مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي، ص:114.

[29] البحر المحيط في اصول الفقه، بدر الدين الزركشي، 4/507.

[30] ينظر: لسان العرب، ابن منظور(مادة: أمم)، ومختار الصحاح، الرازي، والمصباح المنير، المقري (مادة: أمم).

[31] الأحكام السلطانية، الماوردي،  1/60.

[32] المقدمة، عبد الرحمان ابن خلدون، ص:198.

[33] غياث الأمم في التياث الظلم، عبد المالك الجويني، ص:15.

[34] ينظر: تبصرة الحكام، ابن فرحون، 2/115.

[35] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن القيم،  ص:7.

[36] الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 8/6145.

[37] أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، رقم:2609، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب: القوم يؤمرون أحدهم إذا سافروا، رقم:10351. قال الألباني: حسن صحيح، صحيح أبي داوود،2/125.

[38]ينظر: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، أحمد بن ابن تيمية،  تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، ص:191.

[39] غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، ص:15/16.

[40] ينظر: المقدمة، ابن خلدون، ص:191. والاقتصاد في الاعتقاد، الغزالي، ص:256. والأحكام السلطانية، الماوردي، ص:11/12. والذخيرة، القرافي،  10/233. وأدب الدنيا والدين، الماوردي، ص:216.

[41]موسوعة الإجماع، سعيد أبو جيب، 2/893.

[42] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الديات، باب ما جاء في الحبس في التهمة، رقم:1417، وقال حديث حسن. وحسنه الألباني في إرواء الغليل، برقم:2397، وفي صحيح أبي داود، رقم:3630.

[43] الذخيرة، القرافي ، 10/23.

[44] ينظر:الطرق الحكمية، ابن القيم، ص:301. والذخيرة، القرافي، 10/125. والأحكام السلطانية، الماوردي، ص:87.

[45] أخرجه أحمد في المسند عن أنس بن مالك،(3/129) رقم:12329.والنسائي في السنن الكبرى، رقم:5942. وصححه الألباني في: تخريج كتاب السنة، رقم:1125، وإرواء الغليل، برقم:520.

[46] ينظر: الأحكام السلطانية، الماوردي،1/61-62. والذخيرة، القرافي،10/24. والأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص:388. والمقدمة، ابن خلدون، ص:180.

[47] إرشاد الفحول، الشوكاني، ص:6.

[48] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، القرافي، ص:33.

[49] الموافقات، الشاطبي، 3/54-55.

[50] الفروق، القرافي، 2/172.

[51] ينظر: لسان العرب، ابن منظور(مادة:قضي). ومختار الصحاح، الرازي. والمصباح المنير، المقري (مادة:قضي).

[52] الفروق، 2/103، والإحكام، القرافي، ص:34، .

[53] الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 8/5921.

[54] القضاء في الإسلام وحماية الحقوق، عبد العزيز خليل، ص:5.

[55] المغني، موفق الدين ابن قدامة، 13/490.

[56] أخرجه أحمد في المسند، مسند البصريين(33/420) رقم:20305. والحاكم في المستدرك وصححه، كتاب الأحكام، رقم:7105. والترمذي في سننه ، كتاب الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل. وحسنه الألباني، صحيح الجامع:1828.

[57] أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم:7352، ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم: 1716.

[58] الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي،4/209.

[59] ينظر: مواهب الجليل، الحطاب ،8/65. والذخيرة، القرافي،10/16. والمغني، ابن قدامة، 13/450.

[60] ينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، 2/728. و قواطع الأدلة في الأصول، السمعاني،2/355.

[61] ينظر: المبسوط، السرخسي، 16/93. والمغني، ابن قدامة، 13/504. وأدب القضاء، ابن النديم، ص:68.

[62]أدب القضاء، ابن النديم، ص:62.

[63] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، القرافي، ص:142.

[64] تبصرة الحكام، ابن فرحون، 1/105.

[65] أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب “إن الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا…”، رقم: 4552.

[66] الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 8/5982.

[67]العاصمية هي: كتاب تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام لابن عاصم الغرناطي؛ ت 829هـ.

[68] البهجة في شرح التحفة، علي التسولي،1/34.

[69] إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية، 1/71.

[70] ذكر الإمام النووي أن هذا الحديث رواه البيهقي بهذا اللفظ، وأصله في الصحيحين من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لو يعطى الناس بدعواهم لا ادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه”، أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود، رقم:2524. ومسلم في كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، رقم:1711.

[71] الطرق الحكمية، ابن القيم، ص:20.

[72] الفروق، القرافي،2/185.

[73] الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام، القرافي، ص:70.

[74]المرجع السابق، ص:75.

[75]الإنشاء:  المقصود به استحداث أحكام وذلك لأن الله جعل للحاكم الإنشاء في الشريعة، وأن حكمه تعالى هو ما حكم به الحاكم في مسائل الاجتهاد. ينظر: الذخيرة، 10/121، والإحكام، ص:41، والفروق، القرافي، 2/103و4/49،.

[76] الفروق، القرافي، 2/103.

[77] الإحكام، القرافي، ص:69-70.

[78] أنظر: تبصرة الحكام، ابن فرحون، 1/100.

[79] فقه التنزيل، وسيلة خلفي، ص:131.

[80] ينظر: لسان العرب، ابن منظور، المصباح المنير، المقري، (مادة: أفتى). والتعريفات، الجرجاني، ص:47.

[81] البرهان في أصول الفقه، الجويني، 2/87.

[82] الموافقات، الشاطبي، 4/244.

[83] أخرجه الترميذي في كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم:2682، وقال حديث صحيح. وأبو داود في السنن، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم:3641. والدارمي في سننه، باب في فضل العلم والعالم، رقم:342. وحسنه الألباني، صفة الفتوى، رقم:103.

[84] قواطع الأدلة في الأصول، السمعاني، 2/353. وينظر: البحر المحيط، الزركشي، 6/305.

[85]إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/9.

[86] ينظر: البحر المحيط، الزركشي، 4/177. وإرشاد الفحول، الشوكاني، ص: 35-36.

[87] أخرجه النسائي في السنن، كتاب مناسك الحج، باب الركوب إلى الحجاز، رقم:3062. وصححه الألباني في الجامع الصحيح، برقم:7882.

[88] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، رقم:631.

[89] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور،  ص:212.

[90] أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، رقم:1737. ومسلم في الصحيح، كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، رقم:1306 باختلاف يسير.

[91]أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه، رقم:5364، واللفظ له. ومسلم في الصحيح، كتاب الأقضية، باب قضية هند، رقم:1714.

[92] فقه التنزيل، أيت أمجوض، ص:204.

[93]أصول الفقه، أبو زهرة، ص:311.

[94] أصول السرخسي، السرخسي، 2/311.

[95] أدب الفتوى والمفتي، النووي، ص:81.

[96]إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/203.

[97]أدب المفتي والمستفتي، ابن الصلاح، ص:167.

[98]أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بنية، رقم:1478.

[99] أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، رقم:7240 واللفظ له. ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب السواك، رقم:252 مطولا.

[100]أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه، رقم:3038 واللفظ له. و مسلم في كتاب الجهاد، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم: 1733.

[101] أخرجه ابن بطة في إبطال الحيل، ص:47. وقال ابن كثير في تفسيره (2/257) :”واسناده جيد” وانظر آداب الزفاف للألباني، رقم:120.

[102] الموافقات، الشاطبي، 5/276.

[103] دراسة في فقه مقاصد الشريعة، القرضاوي، ص:155.

[104]المرجع السابق، ص:161.

[105]نفسه، ص: 174.

[106]يعبر ابن القيم عن هذه القضية بتعبير أدق حينما قال: “بأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال” ينظر: إعلام الموقعين، 4/205.

[107] أضاف يوسف القرضاوي ركيزة خامسة وهي: التمييز في الالتفات إلى المعاني بين العبادات والمعاملات، معتمدا على قاعدة أوردها الإمام الشاطبي في المسألة “الثانية عشرة” من مقاصد وضع الشريعة للإمتثال، وهي: أن الأصل في العبادات بالنسبة للمكلف التعبد دون الالتفات على المعاني، وأصل العادات (يعني المعاملات) الالتفات إلى المعاني. ينظر: دراسة في فقه مقاصد الشريعة، ص:197-199.

[108]  ينظر: جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر،2/1067.

[109] ينظر: المحصول، الرازي، 2/493. ونهاية السول (الحاشية)، 4/579. والبحر المحيط، 6/198. وتقريب الوصول، ابن جزي، ص:422. وكشف الأسرار، البخاري، 4/26.

[110] ذكره ابن كثير في مسند الفروق،2/546. وأخرجه وكيع في أخبار القضاة،1/283 باختلاف يسير، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه،1/492.

[111] أخرجه أبو داو في السنن، كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا، رقم:3657. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة، برقم:47، وفي صحيح الجامع، برقم:6069.

[112] أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة، رقم:157. قال الألباني: حديث مرسل، صفة الفتوى، رقم:1. وقال ابن باز: مرسل صحيح، النكت على التقريب، رقم:123.

[113] إعلام الموقعين، ابن القيم،1/64.

[114] قال ابن القيم: صح عن ابن مسعود وابن عباس،2/119. وأخرجه الخطيب البغدادي في الفقه والمتفقه، 2/416،و ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله،2/1124. وقال الهيثمي: “رجاله موثقون”، مجمع الزوائد،1/188.

[115] ترتيب المدارك، القاضي عياض، 1/178.

[116] ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض،  تحقيق محمد بن تاويت وآخرون، 1/179.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.