الحلقة الأولى: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة، دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة الأولى: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة،
دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي[1]
المقدمة
الحمد لله الذي نزل القرآن تنزيلا، وكشف الزيف والتضليل، ونجى إبراهيم الخليل، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي بين التنزيل بأسلوبه الواضح الجميل، فصار حكمة ورحمة لجيل بعد جيل، وعلى آله وصحبه الذين فهموا الأحكام وضبطوا الدليل، فكانوا قدوة في التأصيل وسلامة في التأويل، فتشكل عندهم بذلك فقه التنزيل، الذي أصبح منهجا لمن تبعهم بإحسان وبدون تغيير ولا تبديل، ونحن على أثرهم إلى يوم الرحيل.
أما بعد؛
فإن مجمل العلوم الإسلامية هي بيان للدين كيف يُفهم أولا، ثم كيف يُنزّل؛ فعلم العقيدة تكفّل بتحديد الدين كما هو مطلوب أن تكون محلا للإيمان والتصديق، والعلوم الفقهية تكفّلت ببيان حقائق الشريعة كما هو مطلوب أن تؤخذ من أدلتها، وأما علوم الفتوى والقضاء فقد تكفّلت ببيان تنزيل تلكم الحقائق على واقع حياة المكلفين.
ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
“أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر”[2].
لذلك فإن الاجتهاد في فقه النص وفهم الدين؛ ليس إلا نصف مهمة المجتهد، ومرحلة أولى من مراحل التدين، ولا يتحقق الغرض وتحصل الفائدة إلا باكتمال النصف الثاني وحصول المرحلة الثانية التي هي الاجتهاد في فقه التنزيل، فإذا كان “فهم الدين هو الأساس في التدين، فإن تنزيله في واقع الحياة هو الثمرة المبتغاة من أصل الدين”[3]، لأن كل مسألة في الدين تفتقر إلى نظرين: نظر في دليل الحكم؛ وهو الاستنباط الذي يمثل القسم الأول من الاجتهاد. ونظر في تحقيق مناط الحكم؛ وهو التنزيل الذي يمثل القسم الثاني من الاجتهاد.
وبالتالي فالاجتهاد في التنزيل لا يقل أهمية عن الاجتهاد في الاستنباط، إن لم نقل: إن الأول أضحى أعظم خطرا من الثاني؛ لأن ذلك يتعلق بالآثار العملية والثمرات الواقعية في حياة الأمة، “وليس الاجتهاد في التفهم والاستنباط بأولى من الاجتهاد في التطبيق، إن لم نقل: إن قيمة الاجتهاد عمليا إنما تنحصر فيما يؤتي من ثمرات في تطبيقه، تحقق مقاصد التشريع وأهدافه في جميع مناحي الحياة”[4].
وإن الأمة اليوم بحاجة إلى دراسة أصول الشريعة الإسلامية دراسات تطبيقية، بدلا من الدراسات النظرية التي تجعل الآخر يتهم الشريعة الإسلامية بوصفها بعيدة عن الواقع، وأنها لا تصلح لحياة الناس، وذلك نتيجة بعد الفقه والفتوى عن الأصول والمقاصد. ثم إن الحاجة تزداد إلحاحا إلى إحداث توازن في الدرس الأصولي من خلال التركيز على الاجتهاد التنزيلي؛ تنظيرا وتطبيقا، استجابة لما يتطلبه واقع الأمة. لذلك أصبح من الواجب على أهل البحث والاختصاص بذل الجهد في تحصيل وجمع الاجتهادات المتصلة بفقه تنزيل الأحكام، مع تأصيلها وربطها بمخطط واضح المعالم يكشف فروع هذا الفقه وضوابطه ومقاصده.
وإسهاما مني في الكشف عن الطريق الوسط والمحجة البيضاء في هذا الزمن؛ اخترت أن يكون عنوان هذه الدراسة: “فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية“.
وقد أسست النظر في موضوع البحث حول إشكالية محورية لخصتها في السؤال التالي: “ما هي القواعد الفقهية والضوابط الأصولية المؤطرة لفقه تنزيل الأحكام، وما مقاصده انطلاقا من فقه السيرة النبوية وتطبيقات الصحابة؟”
ويتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات الفرعية، والتي ستكون محل نظر وجواب خلال فصول ومباحث هذه الدراسة، وهي باختصار:
- ما المراد بفقه التنزيل؟ وكيف تناوله الفقهاء والأصوليون في مدوناتهم؟
- ما العلاقة الرابطة بين فقه النص وفقه الواقع وفقه التنزيل؟ وما هي العلاقة بين فقه تنزيل الأحكام وباقي أنواع الاجتهاد المعروفة، خصوصا الاجتهاد التنزيلي؟
- ما مرتكزات فقه التنزيل ومقوماته؟ وما هي شروطه وخصائصه؟
- ما هي مقاصد فقه التنزيل؟ وما ضوابطه وقواعده؟
- كيف نفهم فقه تنزيل الأحكام من خلال استقرائنا لأحداث السيرة النبوية وعمل الصحابة؟ وكيف ساهم هذا الفهم في تجديد الشريعة حاضرا ومستقبلا؟
مدخل لفقه التنزيل: المفهوم والمشروعية
تمهيد:
إن فقه تنزيل الأحكام على الواقع يعتبر أمرا في غاية الأهمية، لا يكتمل فهم الدين إلا به، وإن إغفال هذا الفقه قد يؤدي، لا قدر الله، إلى التشدد والحرج ، حتى أن الحكم الذي وضع لتحقيق مصلحة- والدين كله ما نزل إلا لتحقيق مصلحة الإنسان – قد يفضي في تنزيله، مع غياب هذا الفقه؛ إلى مفسدة، وما وضع من الدين لدرء مفسدة ما، قد يؤول إلى جلب مفسدة أعظم منها.
والمتأمل في واقع الأمة اليوم والظروف السيئة التي يعيشها العالم الإسلامي، وبعد الفقه وتنزيله على الواقع، ليلحظ اختلافا وفرقة وسفك الدماء باسم الدين وتطبيق أحكام الدين؛ ذلك أن العاقل يرى الضرورة الملحة والحاجة الواقعية إلى إعادة دراسة فقه التنزيل، وبيان مشروعيته وأهميته في فهم الدين وتطبيق أحكامه، وذلك بغية تحقيق التعامل الأمثل مع المتطلبات المتغيرة للأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال والأوضاع، ومن أجل تحقيق المقاصد العليا للشريعة في جميع مناشط الحياة ومجالاتها، ومن أجل تقويم التصورات المتشددة والمتهورة في فهم الدين وتنزيله بغية تجنيب الأمة الإسلامية خاصة والإنسانية عموما من مخاطر وتبعات التطبيق الخاطئ للدين.
ومن الأمور المهمة في أصول البحث، وضبط التصورات والتوجهات العلمية، وكذا تقريب شقة الخلاف والنزاع: تحديد المفاهيم وضبط المصطلحات، وبيان مدلولها بوضوح ودقة، حتى يرفع عنها الاشتباه والغموض. والمتأمل في تراثنا الفقهي يدرك مدى أهمية ضبط الألفاظ واستعمالها في موضعها المناسب، وهو منهج قرآني دأب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة الكرام معه ومن بعده، وهو المنهج الذي سار عليه علماؤنا السابقون الذين اهتموا بتحرير مواطن الخلاف.
وهكذا، فإنه لا يمكن الحديث عن فقه التنزيل وبحث ضوابطه، ومقاصده، وتطبيقاته في السيرة النبوية وعمل الصحابة، إلا بعد تحديد مفاهيمه، وتوضيح معانيه، وبيان المراد منه في استعمال أهل الاختصاص.
لذا سأحاول استقراء مفهوم مصطلح فقه التنزيل وكل ما يتعلق به من خصائص وعناصر مهمة، كما سأفصل في بعض المقدمات الضرورية لهذا العلم مع التركيز على مقوماته ومرتكزاته الأساسية. وسنعرض ذلك كله في ثلاثة مباحث مفصلة عبر مجموعة من المطالب والفروع والمجالات، حسب ما يفرضه المقام.
المبحث الأول: مفهوم فقه التنزيل.
يعتبر فقه التنزيل منهجا شرعيا ثابتا بالاستقراء المفيد للقطع بأصالته، كما يعد وسيلة من وسائل الاجتهاد التنزيلي القائم على ضرورات شرعية وعقلية وواقعية. ولا شك أن التأصيل العلمي من أعظم الطرق الموصلة إلى بناء علمي رصين ومحكم. وتأصيل النظر في فقه تنزيل الأحكام وعلاقته بحياة المكلفين، يقتضي أولا البحث في المفهوم وخصائصه، والقائمين به.
يقتضي تعريف “فقه التنزيل” ضبط أجزائه والوقوف على معانيها لغة واصطلاحا، سواء باعتباره مركبا إضافيا، أو باعتبار المعنى اللقبي، أو كونه علما مستقلا.
المطلب الأول: تعريف الفقه لغة واصطلاحا.
أولا: الفقه لغة؛ الناظر في معاجم اللغة وأهل اللسان العربي يجد أن كلمة “فقه” يدور معناها حول أربعة معاني أساسية، وهي: الفهم و الإدراك و العلم و الفطنة.
1- الفقه بمعنى الفهم مطلقا: يقال فقِه (بكسر القاف) فقه عنه كلامه يفقهه أي فهمه وقيل: هو فهم ما دق، أو الفهم العميق الذي يقتضي بذلا للجهد العقلي[5].
2- الفقه بمعنى العلم: يقال فقه (بفتح القاف) بمعنى سبق غيره إلى الفهم: رجل فقيه أي عالم[6]، قال ابن فارس: “يدل على إدراك الشيء والعلم به”[7]، وهو العلم بالشيء والفهم له[8]، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “فرب حامل فِقهٍ إلى من هو أفقهُ منه”[9].
3- الفقه بمعنى الفطنة: يقال فقُه (بضم القاف) يفقُه فقاهةَ، إذا ساد الفقهاء، وصار الفقه له سجية[10]، والفطنة هي حسن الفهم، فالفقه هو “العلم بالشيء والفهم له، والفطنة”[11] .
4- الفقه بمعنى الإدراك: ويطلق الفقه عند بعض العلماء على إدراك الأشياء الخفية[12]، وذهب إلى ذلك أبو إسحاق الشيرازي بقوله:”والفقه في اللغة؛ ما دق وغمض”[13].
وخلاصة معنى “الفقه” في اللغة، أنه يدل على الفهم والعلم والإدراك والفطنة، وله معاني أخرى، من قبيل الشعر والطب واللغة، “وإنما اختص بعض هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب العرف”[14].
والراجح أن أصل الفقه هو الفهم، “سواء كان فهم غرض ومراد المتكلم من كلامه، أو الفهم المطلق، أو ما دق ببذل الوسع”[15] ، وهو الفقه الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس في قوله: “اللهم فقهه في الدين”[16]. إلا أن الفقه عموما أصبح يطلق على العلم إجمالا، أو على علوم بعينها.
ثانيا: الفقه اصطلاحا: من حيث الاصطلاح مر تعريف الفقه من مرحلتين:
في المرحلة الأولى، توسع فيه مفهوم الفقه ليشمل الدين كله، وعُرف بأنه العلم بالدين لسيادته وشرفه وفضله وشموليته للاعتقادات والوجدانيات، وعلم طرق الآخرة، وفي هذا المعنى جاء تعريف أبي حنيفة للفقه بأنه “معرفة النفس مالها وما عليها”[17]، وقد ذكر مثل هذا الإمام الغزالي حين ذهب إلى أن “إسم الفقه في العصر الأول كان يطلق على علم طرق الآخرة، ومعرفة دقائق النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف من الله على القلب”[18]؛ وهذا تعريف يحمل صفة العموم والشمول، بل إنه تعريف يحمل عمق النظر إلى معنى الفقه الذي من خلاله يحصل تطبيق الشريعة.
أما في المرحلة الثانية، فقد خصص فيه الفقه بعدما توسعت العلوم الشرعية واحتاج كل علم إلى استقلاليته عن العلوم الأخرى، وانحصر “الفقه” مع مرور الزمن، وانتقل التعريف الاصطلاحي إلى معنى أخص من التعاريف الأولى فأصبح يعرف ب “العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية”[19] . وبهذا يكون أصحاب هذا التعريف قد أخرجوا منه العلوم العقلية كالحسابات والهندسة والعلوم اللغوية، وذلك بقيد (الشرعية)، وأخرجوا العلوم الاعتقادية والعلم بالذات والصفات وذلك بقيد (العملية)، وهي أصول الدين، فإن المقصود منها هو العلم المجرد أي الاعتقاد المسند إلى الدليل، وبقيد (المكتسبة) خرج علم الله تعالى[20]، وعلم ملائكته وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم الحاصل بالوحي من غير اجتهاد، كما خرج بقيد (الأدلة التفصيلية) العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية، لأنه استدل بدليل واحد يعم جميع المسائل، وهو “فتوى العالم (القدوة) وليس استدلالا بأدلة تفصيلية في كل مسألة”[21].
وخلاصة ما ذكر في تعريف الفقه، لغة واصطلاحا، هو ما يحقق التنزيل السليم للشريعة على الواقع، من الفهم العميق للأمر أولا باعتباره ضروريا لاِستفراغ الوسع لإدراك الأحكام الشرعية، والعلم باعتباره قاعدة يقف عليها كل حقل علمي متخصص، وباعتباره فهما دقيقا قبل الاجتهاد ومنهجا رصينا يسدد مواقف المجتهد ويقوم خطواته، وهذا ما جمعه ابن القيم رحمه الله في قوله: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه…”[22].
المطلب الثاني: تعريف التنزيل.
تعددت تعريفات التنزيل في اللغة والاصطلاح لاختلاف زوايا النظر إليه.
ففي اللغة تطلق كلمة التنزيل ويراد بها : الترتيب والإسقاط والنزول؛
1- التنزيل بمعنى الترتيب: يقال نزَّل الشيء ونزّله تنزيلا أي رتبه ووضعه منْزلته[23]، فالتنزيل هنا جاء بمعنى ترتيب الشيء ووضعه في موضعه.
2- التنزيل بمعنى الإسقاط : يقال سقط إلي القوم أي نزلوا علي، أسقط الشيء؛ أي أوقعه و أنزله[24] ، وجاء في مختار الصحاح: “النزْل بوزن القفل؛ ما يهيأ للنزيل، والجمع الأنزال، والنزْل أيضا: الريع، يقال طعام كثير النزل…”[25] ، وهنا جاء التنزيل بمعنى الإسقاط، والريع والبركة.
3- التنزيل بمعنى النزول من الأعلى إلى الأسفل: فمصدر الفعل هو نزّل، والنون والزاي واللام كلمة صحيحة تدل على هبوط الشيء ووقوعه، ونزل من علو إلى أسفل، ينزل نزولا.
والفرق بين التنزيل والإنزال والتًنزُل؛ أن التنزيل تدريجي، والإنزال دفعي، والتنزل هو النزول في مهلة، والنازلة تعني الشديدة من شدائد الدهر التي تنزل بالناس[26] .
ويطلق التنزيل بمعنى القرآن الكريم، ومعناه إنزاله منجما مرة بعد أخرى. وقد ورد لفظ التنزيل في عشر آيات من القرآن الكريم متفرقة بين تسع سور[27] ، وفي مجملها لا تخرج عن المعاني اللغوية التي سبق وأن أشرنا إليها. ذكر الإمام الرازي، في تفسيره[28]، الفرق بين التنزيل والإنزال في القرآن الكريم، وجمع بينهما لدفع التناقض والالتباس.
وخلاصة المعنى اللغوي، وبما جاء في القرآن الكريم، وباعتبار المعنى الأعم وأصله ومادته (نزل)، يكون التنزيل في اللغة بمعنى: هبوط الشيء ووقوعه من أعلى إلى أسفل؛ فإن جاء بشكل مرتب أو على دفعات وفق المصلحة فهو بمعنى التنزيل، أما إن جاء دفعة واحدة فهذا يعني الإنزال، فإذا جاء على مهل وتريث فهو التنزُل، وإذا جاء شديدا وفيه مصيبة فهو النازلة. فهو أصل للمعاني التي تلحق المشتقات.
و في الاصطلاح فله استعمالات متعددة بحسب إطلاقاته، أو بحسب ما نظر إليه بدءا والغاية من وضعه انتهاء، ويمكن أن نجمل المعاني الاصطلاحية للتنزيل فيما يلي:
1- التنزيل هو: تطبيق قاعدة كلية على جزئياتها، ويشفع لهذا التعريف قول السيوطي: “إن تنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه و أدائه”[29] .
2- التنزيل هو: حمل أمر على أمر أو إلحاقه به، كقولهم: “تنزيل الزبيب منزلة نبيذ الخمر”[30]، أي حمله عليه، ويقول الزركشي في معنى الإلحاق: “إذا دارت الحادثة بين تنزيلها على القضاء أو على الفتوى، فعندنا تنزيلها على القضاء أولى”[31] ، أي إلحاقها بباب القضاء أولى من إلحاقها بباب الفتوى.
3- التنزيل هو: تطبيق الأحكام الشرعية على الواقع، إلى هذا المعنى يشير الإمام ابن القيم بقوله: “والواقع شاهد بهذا، والفقه تنزيل المشروع على الواقع”[32]، وجاء في قول الإمام ابن نجيم[33] نفس المعنى حيث قال: “…وعلم القضاء، الفقه بالأحكام الشرعية الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على النوازل الواقعة”[34]، بمعنى تطبيق الحكم الشرعي على محله المناط به.
4- التنزيل هو: حمل المطلق على المقيد، وتخصيص العام بالخاص، وتأويل ما يحتمل، يقول الشاطبي:” فالحاصل أن الشارع حكم على أفعال المكلفين مطلقة ومقيدة، وذلك مقتضى إحدى المقدمتين وهي النقلية، ولا ينزل الحكم بها إلا على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد”[35]. وهو معنى مرادف لما سبق، فيفرض وجود حكم ووجود مناط.
أما التنزيل في الأحكام فهو تقريرها على المكلفين وإلزامهم بها أمرا أو نهيا “فالتنزيل هو حكم الشرع على فعل المكلف في الواقع محاطا بملابساته وظروف حدوثه”[36]، وهو الذي نسمي النظر فيه بفقه التنزيل، وهو المقصود في هذا الدراسة.
المطلب الثالث: المقصود بفقه التنزيل.
1- إن ذكر هذا الفقه باعتبار المعنى اللقبي أو المركب الوصفي، أو باعتباره علما مستقلا، لم يكن معروفا من قبل، إذ لا نجد في علم أصول الفقه – وهو أقربها إليه – ولا علم مقاصد الشريعة، بابا من الأبواب أو فصلا من الفصول أو فرعا من الفروع خاصا به، يوصل كلياته، ويبين قواعده، ويضبط تفاصيله.
لكن الناظر في المدونات الأصولية والفقهية، يجد أن لفظ التنزيل والإشارة إلى معنى” فقه التنزيل” منثور في بطون بعض هذه المدونات، وأن هذا المفهوم حاضر عند الفقهاء في كلامهم باعتباره منهجا علميا يسدد العمل الاجتهادي عندهم. ومن هذه الإشارات الفقهية التي نشم فيها رائحة هذا الفقه قول أبي الحسن التسولي:” وإنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وتطبيقها على جزئيات الوقائع وهو عسير على كثير من الناس”[37]، وفي مقالته كان يتحدث عن الفرق بين الفتوى والقضاء، وما يميز القضاء عن الفتوى، وفي كلامه إشارة إلى معنى فقه التنزيل، وإن لم يذكره بالاسم، حيث أن فقه التنزيل –كما سنرى لاحقا- هو أن يستعمل المجتهد كليات الشريعة وإنزالها على الواقع.
ويعد الإمام الشاطبي من الأوائل الذين تكلموا عن التنزيل بالمعنى الأصولي، بل كان أول من جسد وأصل لفكرة التنزيل الأصولي، والاجتهاد التنزيلي (تحقيق المناط وتحقيق المآل وتحقيق المقاصد)، قال رحمه الله: “إن الدليل المأخوذ بقيد الوقوع معناه التنزيل على المناط المعين”[38].
ويؤكد حضور هذا النمط الاجتهادي في ذهن المجتهدين من الأصوليين المتقدين تأكيدهم على ضرورة معرفة عادات الناس في أقوالها، وأفعالها، ومجاري أحوالها…حالة تنزيل الأحكام والفتوى، يقول الإمام ابن القيم:” … ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا”[39]، وقد جمع هذا التعريف بين فقه الاستنباط وفقه النص والفهم والواقع وهي مقدمات ضرورية لفقه تنزيل الأحكام.
2- و يمكن القول أن مصطلح “فقه التنزيل” هو مفهوم معاصر ذو جذور قديمة سطرها العلماء السابقون في ثنايا كتبهم، وتطبيقاتهم الفقهية جسدت تلك الفكرة. وجاء الفقهاء المعاصرون ونظروا لهذه التطبيقات المتناثرة هنا وهناك، وصاغوا تعريفات لهذا “العلم”.
ولعل أبرز من أشار لهذا العلم من العلماء المعاصرين، نجد الدكتور عبد المجيد النجار، الذي حاول تعريف هذا الفن بالقول:” نعني بالتنزيل: صيرورة الحقيقة الدينية، التي وقع تمثلها في مرحلة الفهم، إلى نمط عملي، تجري عليه حياة الإنسان في الواقع”[40]، ويضيف في موضع آخر :” وأما التطبيق – ويقصد فقه التنزيل- فهو الإجراء العملي لما تم تحصيله بالفهم من الأحكام الشرعية على واقع الأفعال”[41].
وعرفه بشير بن مولود بقوله: “وأما الاجتهاد في التطبيق – يقصد التنزيل-؛ فهو الإجراء العملي لما حصل على مستوى الفهم التجريدي للأحكام الشرعية على واقع الأفعال، وتكييف السلوك بها”[42]، وهو تعريف بالنتيجة شبيه بتعريف الدكتور النجار السابق. وفي موضع آخر يستدرك على تعريفه الأول ويقول:” وخلاصة القول أن فقه التنزيل هو: إعمال العقل من ذوي ملكة راسخة متخصصة في إجراء حكم الشرع الثابت بمدركه على وقائع فردية وجماعية وأوضاع واقعة أو متوقعة، تحقيقا لمقاصد الشارع، وتبصرا بمآلات تنزيل أحكامه”[43]، وهذا تعريف أشمل من سابقه بذكره لآليات فقه التنزيل ومآلاته.
وذكر الدكتور بلخير عثمان بأن فقه التنزيل هو:” النظر الشرعي لاستخلاص حكم شرعي يحكم أفعالا أو تصرفات أو قضايا، مقترنا بحيثيات تلك الوقائع والنوازل”[44]، وهذا التعريف أقرب إلى فقه النوازل، وقوله “مقترنا بحيثيات تلك الوقائع والنوازل” يبين ذلك، لأن اقتران الحكم الشرعي بالواقعة والنازلة هو عين فقه النوازل، وأما فقه التنزيل فهو وضع الآليات المناسبة لتنزيل أحكام النصوص الشرعية على الواقع.
ومن التعاريف المعاصرة التي استفادت مما سبق وجمعت أطرافها، وذكرت بأركان وشروط وآليات فقه التنزيل، تعريف الدكتور أحمد مرعي حسن المعماري الذي قال فيه:” إن فقه التنزيل يعني الفهم الدقيق في تطبيق الكليات الشرعية المجردة على وقائع المكلفين المشخصة، مع مراعاة تحقيق مقاصدها ومآلاتها”[45]. ويؤكد الدكتور أيت أمجوط على ضرورة إفضاء التعيين إلى المقاصد الشرعية من الأحكام المنزلة، لبيان أساس فقه التنزيل المتمثل في “رعاية المراد الإلهي، إذ بدونه يفقد التنزيل مشروعيته، ويصبح بذل الجهد واستفراغ الوسع فيه تعطيل للشريعة”[46].
و يمكن الجمع والتنسيق بين هذه التعاريف ونقول أن فقه التنزيل هو: علمٌ ضروري يساعد المجتهد على الفهم العميق للواقعة والنظر الدقيق للحكم الشرعي، ومنهج يساعد على حسن تطبيق الكليات الشرعية وتحقيق مقاصدها وفقه مآلاتها. ونعني بذلك؛ أن فقه التنزيل:
- يحتاج إلى فهم عميق ونظر دقيق لفقه طريقة التطبيق.
- منهج يوائم بين طبيعة النص الشرعي العام المجرد، وبين الحوادث المعينة والمشخصة.
- لا بد له من عناصر ثلاثة وهي: الحكم و المحل والمكلف.
- يعتمد على أسس ثلاثة و تعتبر شروطا منهجية لهذا العلم وهي: فقه المحل أو تحقيق المناط، وفقه المقاصد أو تحقيق المقاصد الشرعية، وفقه المآل أو النظر في المآلات.
المبحث الثاني: تأصيل فقه التنزيل ومشروعيته.
يعتبر فقه التنزيل منهجا شرعيا تضافرت الأدلة بالاستقراء على مشروعيته من القرآن والسنة وتطبيقات الخلفاء الراشدين وعمل الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
المطلب الأول: القرآن الكريم وفقه التنزيل:
وردت شواهد وأمثلة عديدة تؤصل لفقه التنزيل في القرآن الكريم ومن بينها:
1- التدرج في النزول والخطاب: إن نزول القرآن الكريم منجما على حسب الوقائع والأحداث وجوابا على الأسئلة والإشكالات لدليل واضح على مشروعية فقه التنزيل، وإن خطاب التدرج في تنزيل الأحكام، والفرق بين الخطاب القرآني المكي ما قبل الهجرة وخطاب القرآن المدني بعد الهجرة لخير تأصيل على مشروعية فقه التنزيل. فقد بدأ القرآن الكريم مع “المجتمع الإنساني من حيث هو، فنزل عليه الأحكام المناسبة لاستطاعته”[47] وتدرج به نحو الالتزام الكامل بالشريعة، وما كان المجتمع العربي “ليسلس قياده طفرة للدين الجديد لولا أن القرآن الكريم عالجه بحكمة وتدرج، فبدأ بأصول الإيمان وما يتعلق بها في الدنيا والآخرة، وتدرج بعد ذلك في تنزيل الأحكام باختبار الأحوال العامة”[48] ، كما في تحريم الخمر، و الربا وتأخر تحريم الزنا وطريقة محاربة الرق في المجتمع… وغيرها من الأحكام.
2- الواقعية وتشريع الرخص ورفع المشقة والحرج: قال تعالى:”ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله بغير علم”الأنعام؛108. يستفاد من الآية أنه ليس كل أمر مباح أو مشروع يصح تنزيله على الواقع وفي كل زمان أو مكان، بل يجب قراءة الواقع والتمعن في المصالح والمفاسد التي يمكن أن تنتج عن هذا التنزيل، ” فالآية تبين أن سب المشركين والكفار أمر لا خير فيه عند الضرورة، بل فيه مصلحة إغاظة الكفار، ولكن عندما يلحق هذا السب، وهذه المصلحة، مفسدة أعظم وهي سب الله، تترك هذه المصلحة”[49]، لأن الواقع لا يصلح للتطبيق حينها، وهذا أصل أصيل في فقه التنزيل، بل هو عين فقه التنزيل.
والآيات على هذا النحو كثيرة، مثل قوله تعالى: “وماأرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم” ابراهيم؛4. والواقعية في الآية أنه سبحانه وتعالى؛ “ذكر أنه ما بعث رسولا إلى قومه إلا بلسان أولئك القوم، فإنه متى كان الأمر كذلك، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة ووقوفهم على حقائقها أسهل، وعن الغلط والخطأ أبعد”[50]، ويدخل فيه مراعاة أحوال الناس وعاداتهم وواقعهم المعيشي ولسان قومهم، حتى نضمن صحة وواقعية التنزيل.
ويدخل في هذا المعنى آيات التداول كقوله تعالى: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”آل عمران؛140. وآيات الاختلاف كقوله تعالى:” ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك”هود؛118.
ومن واقعية القرآن الكريم تشريع الرخص إلى جانب العزائم. والرخصة هي: ” ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه”[51]، ويقابل ذلك العزيمة باعتبارها “اقتضاء أصلي لا يختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض، ولا ببعض الأحوال دون بعض، كالصلاة فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم في كل شخص، وفي كل حال، وكذلك الصوم والزكاة والحج والجهاد، وسائر شعائر الإسلام الكلية”[52]. وهذا يعني أن العزائم ترتبط بالأحوال الاعتيادية، أي بالمناطات الأصلية، لكن تأتي الرخص لترفع المشقة والحرج في الأحوال الاستثنائية والخاصة أو ما يسمى بالمناطات التبعية، كالسفر والمرض والحمل وغير ذلك.
كما يدخل في هذا تمييز الخطاب القرآني للإنسان العاقل الكامل الأهلية، والخطاب الواقعي عند تعرض الإنسان لعوارض تخرجه من مقام التوازن والاعتدال إلى أحوال أخرى من الاضطراب والاختلال، كالجنون والعته والنوم والإكراه. وبيانا للضرر الذي يسبب مشقة للمكلف ويجب إزالته ورفعه حفاظا على مقصد الشريعة من التكليف يقول ابن العربي:” الضرر الذي بيناه يلحق إما بإكراه من ظالم، أو بجوع في مخمصة، أو بفقر لا يجد فيه غيره، فإن التحريم يرتفع عن ذلك بحكم الاستثناء”[53]، ولذلك فالمشقة غير المعتادة لا تدخل ضمن منطق الابتلاء والاختبار، فالتكليف بها مرفوع عن الفرد والأمة بناء على أصل نفي الاضطرار ورفع الحرج المعلوم من الشريعة بالاستقرار.
وفي هذا الإطار أسس المشرّع قواعد الاستثناء والتخصيص عند الضرورة، قال تعالى: “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه” البقرة؛173.
3- ربط التكليف في القرآن الكريم بالاستطاعة في كثير من النصوص القرآنية كقوله تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”البقرة؛286. وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم خمس مرات تأكيدا على ربط التكليف بالاستطاعة. فالله سبحانه وتعالى لا يكلف الإنسان ما لا يقدر عليه أو فوق طاقته، فإنه لا تكليف مع العجز كما هو معلوم.
فالواجبات الشرعية لا تتوجب إلا على القادر عليها؛ فالزكاة لا تجب إلا على الغني، و الحج لمن استطاع لقول سبحانه: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا” آل عمران؛97، فالوجوب مرهون في القرآن الكريم بشرط الاستطاعة وهذا أصل من أصول فقه تنزيل الأحكام.
المطلب الثاني: فقه التنزيل في السنة النبوية:
تعد السنة النبوية المصدر الأكبر لمعرفة كيفية التنزيل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المأمور الأول بتبليغ الدين وإقامته، يقول الله تعالى: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك” المائدة؛67، والتبليغ يحتاج من الرسول الكريم عليه الصلاة وأزكى التسليم فقها للنص وللواقع وفقها للتنزيل، “فهو المفوض من الله تعالى بمختلف المناصب، فقد كان صلى الله عليه وسلم الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم، والمؤدب المعلم، والصادر في كل ذلك عن وحي ربه”[54].
والجانب الاجتهادي للنبي صلى الله عليه وسلم يعتبر المستند والأصل الذي يرجع إليه كل مجتهد في كل زمان لتقرير الأحكام على الوقائع. والأمثلة الدالة على أصالة فقه التنزيل ومشروعيته في السنة النبوية وتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة في السيرة النبوية، فقد كان يُسأل أسئلة عديدة ومتشابهة، ويجيب بأجوبة مختلفة، مراعاة لحال السائل و تنزيلا للأحكام حسب ما يناسب كل مكلف، فكان يُسأل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فيجيب بأجوبة مختلفة: ” إيمان بالله” “الجهاد في سبيل الله” “الصلاة لوقتها” “الذاكرون الله كثيرا والذاكرات”[55]، فاختلف الجواب باختلاف السائلين ومراعاة لمقتضى خصوصية المناط في كل فرد. قال الشاطبي: “إن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال، وخير الأعمال، وعرف في بعض الأوقات من غير سؤال، فأجاب بأجوبة مختلفة، كل واحد منها لو حُمل على إطلاقه، أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفضيل”[56]. ولو اجتمعت هذه الأجوبة لاقتضت التعارض، لكن المدرك لأصالة فقه التنزيل يكتشف أن الأجوبة كانت تختلف باختلاف السائل وحاله وما يحتاجه كل واحد حسب زمانه ومكانه وظروفه.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء شاب فقال: يا رسول الله: أُقبل وأنا صائمٌ؟ قال: لا. فجاء شيخ فقال: أُقبل وأنا صائمٌ؟ قال: نعم. قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قد علمتُ لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه”[57]، فاختلفت الفتوى النبوية في حكم واحد لاختلاف قدرة السائلين على التحكم في شهواتهم.
المطلب الثالث: مشروعية فقه التنزيل عند الصحابة:
يعتبر فقه التنزيل منهجا متبعا من لدن الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد مماته، قال ابن القيم: “ثم قام بعده عصابة الإيمان وعسكر القرآن، وجند الرحمان، أولئك أصحابه أبر الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأحسنها بيانا وأصدقها إيمانا وأعمقها نصيحة وأقربها إلى الله وسيلة”[58]، وقد روي عنهم ما لا يكاد يحصى من صور وأمثلة تؤصل لمنهج فقه التنزيل في فتاويهم واجتهاداتهم لتحقيق المناط من الأحكام الشرعية.
فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعتبر طلاق الثلاث[59] ثلاث طلقات بعدما كانت تعتبر طلقة واحدة في زمن النبوة وخلافة أبي بكر الصديق؛ وذلك مراعاة منه لمقتضيات الواقع وتغير أحوال الناس من الأناة إلى العجلة. وعمر رضي الله عنه نفسه، وهو أمير المؤمنين حينها، قد منع الصحابة من الزواج بالكتابيات[60]، خلافا لمنطوق الآية القرآنية[61]، وطالب حذيفة بطلاق يهودية قد تزوجها، وذلك استحضارا لخطر العنوسة الذي سينتشر بالمجتمع الإسلامي في صفوف النساء المسلمات.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله”[62]، بمعنى حدثوا الناس بما يعرفون ولا تحدثونهم بما ينكرون فيكذبوا الله ورسوله، وهذا يبين فقه سيدنا علي بالتنزيل وواقعه مما جعله يقيد تنزيل الشريعة والخطاب، ومنه إلقاء العلم، بقدرة الناس واستيعابهم، ومخاطبة القوم بحسب عقولهم، فرب مسألة تصلح لقوم دون غيرهم، وهذا حفظ للشريعة ولا يعد كتمانا لها. والخطاب الخارج عن قدرة المكلف، تكليف مستحيل يتنافى ومقاصد الشريعة حيث لا تكليف مع عدم الاستطاعة.
والأمثلة في سيرة الصحابة خصوصا الخلفاء الراشدون كثيرة سنعود لها إن شاء الله بالتفصيل في الفصل الثالث من هذا الكتاب.
خلاصة:
بصفة عامة نقول؛ إن الناظر في السنة النبوية، وفتاوي وتطبيقات فقهاء الصحابة، ليجدهما مفعمين بالأدلة والشواهد على صحة اعتبار هذا الأصل التطبيقي المهم، بل يجد أن السمة التي تسِمُ فتاواهم وتوجيهاتهم الشخصية هي “تحقيق مناط الأحكام العامة، والقواعد الكلية تبعا لظروف المستفتي، أو الشخص محل التوجيه، وملابسات الواقعة المُفْتى فيها..”[63]. وعلى هذا الأصل جرى التطبيق الفقهي لأحكام كثيرة كالحرابة، والتخيير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء[64]، وغير ذلك من الأمثلة.
وإن القول بتأصيل حكم شرعي واستنباطه، يقتضي لزوما الحديث عما يجب معرفته من مسالك تنزيل الحكم على محله بخصوصيته وقيوده، وهو الملقب أصوليا بتحقيق المناط.
السؤال إذن: أين تتجلى أهمية فقه تنزيل الأحكام؟
ذاك ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى
يتبع….
[1] باحث في السيرة النبوية وأصول الفقه.
[2] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/69.
[3] فقه التدين؛ فهما وتنزيلا، عبد المجيد النجار، ص:128.
[4] المناهج الأصولية، فتحي الدريني، ص:31.
[5] لسان العرب، ابن منظور (مادة:فقه). والقاموس المحيط، الفيروزآبادي (مادة:فقه).وتاج العروس، الزبيدي (مادة:فقه).
[6] لسان العرب، ابن منظور(مادة: فقه).
[7] مقاييس اللغة ، أبو الحسين أحمد ابن فارس، (مادة: فقه).
[8] القاموس المحيط، الفيروزآبادي، (مادة: فقه).
[9] طرف من حديث أخرجه أحمد (5/183)، والترمذي في كتاب العلم ، باب ما جاء في البحث على تبليغ السماع، رقم:2665، وقال: “حديث حسن”. قال البصيري في الزوائد(1/252):”هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة بنحوه، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به”.انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم:404 للألباني.
[10] المحيط في اللغة، أبوالقاسم الطالقاني، (مادة: فقه).
[11] ينظر القاموس المحيط، الفيروزآبادي، (مادة: فقه).
[12] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني، ص: 3.
[13] اللمع في أصول الفقه، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، 1/101.
[14] الذخيرة في فروع المالكية، شهاب الدين القرافي،1/42.
[15] أصول الفقه، تاريخه ورجاله، محمد إسماعيل شعبان، ص 14.
[16] متفق عليه؛ وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، رقم:143. ومسلم في الجامع كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن عباس، رقم:2477.
[17] كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، عبد العزيز بن أحمد البخاري، تحقيق عبد الله محمود،1/11.
[18] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، تقديم وتعليق محمد عبد القادر عطا، 1/79.
[19] منهاج الوصول في معرفة علم الأصول، ناصر الدين البيضاوي، ص2. وينظر: الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكرياء بن محمد الأنصاري، تحقيق مازن المبارك، 1/97.
[20] ينظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، عبد الرحمان بن الحسن الأسنوي، تحقيق محمد حسن هيتو،1/50.
[21] فقه التنزيل وقواعده وتطبيقاته، عبد الحليم أيت أمجوض، ص 71.
[22] إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، ضبطه وخرج آياته محمد بن عبد السلام إبراهيم،1/69.
[23] ينظر: تاج العروس، الزبيدي (مادة: نزل). والقاموس المحيط، الفيروزآبادي، (مادة: نزل).
[24] لسان العرب، ابن منظور(مادة: نزل). والمعجم الوسيط، إخراج: إبراهيم مصطفى و آخرون، (مادة: نزل).
[25] مختار الصحاح، أبو بكر الرازي، (مادة: نزل).
[26] ينظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، وتاج العروس، الزبيدي، ومختار الصحاح، الرازي، (مادة: نزل).
[27] ينظر: السجدة:2، يس:5، الزمر:1، غافر:1، فصلت:2 و42، الجاثية:2، الأحقاف:2، الواقعة:80، الحاقة،43.
[28] مفاتح الغيب، الرازي،1/3830.
[29] الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، جلال الدين السيوطي، ص179
[30] البرهان، الجويني،2/515
[31] البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشي، ضبط نصوصه وخرج أحاديثه محمد تامر، 6/219.
[32] زاد المعاد في هدي خير العباد، 5/472.
[33] هو زين الدين بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم الحنفي، الإمام العلامة، توفي سنة(970هـ)، ألف رسائل وحوادث ووقائع في فقه الحنفية منها: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، وشرح المنار في الأصول، والأشباه والنظائر في القواعد… ينظر ترجمته في: كشف الظنون، حاجي خليفة، 5/634، وشذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي،8/398.
[34] الأشباه والنظائر على مذهب أبو حنيفة النعمان، زين العابدين ابن نجيم، تحقيق: عبد العزيز محمد الوكيل، ص388.
[35] الموافقات، الشاطبي،3/35.
[36] البعد التنزيلي في التنظير الأصولي عند الإمام الشاطبي، بلخير عثمان، ص:27.
[37] البهجة في شرح التحفة، أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي، ضبطه وصححه: محمد عبد القادر شاهين،1/34. وينظر كذلك: شرح مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، شمس الدين الطرابلسي، 6/86.
[38] الموافقات، الشاطبي،؛ 3/7.
[39] إعلام الموقعين، ابن القيم، 6/280.
[40] فقه التدين، النجار، 1/10
[41] فقه التطبيق لأحكام الشريعة عند الإمام الشاطبي، مجلة الموافقات، العدد: 1/ 1992، ص:247.
[42] الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، المقدمة ص:12.
[43] فقه التنزيل، مفهومه وعلاقته ببعض المصطلحات، بشير بن مولود جحيش، مشاركة علمية في ندوة مستجدات الفكر الإسلامي حول: الاجتهاد بتحقيق المناط الواقع والتوقع، الكويت، سنة:2013م، رقم:11.
[44] البعد التنزيلي في التنظير الأصولي عند الإمام الشاطبي، بلخير عثمان، ص:34.
[45] فقه التنزيل دراسة أصولية تطبيقية، أحمد المعماري، ص:49.
[46] فقه التنزيل وقواعده وتطبيقاته، أيت أمجوط، ص:81.
[47] فقه الواقع؛ أصوله وضوابطه، أحمد بوعود، مقدمة الكتاب، ص:9
[48] فقه التنزيل وقواعده وتطبيقاته، عبد الحليم أيت أمجوض، ص:130
[49] الجامع لأحكام القرآن، شمس الدين محمد بن أبي بكر القرطبي، تحقيق: هشام سمير البخاري، 7/61.
[50] مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، 19/63.
[51] الموافقت، الشاطبي،1/224.
[52] المصدر السابق،1/223.
[53] أحكام القرآن، أبو بكر ابن العربي، تخريج وتعليق: محمد عبد القادر عطا، 2/82.
[54] فقه التنزيل حقيقته وضوابطه، وسيلة خليفي، ص:99.
[55] ينظر البخاري، كتاب الإيمان وكتاب مواقيت الصلاة.
[56] الموافقات، الشاطبي،4/99.
[57] مسند أحمد، رقم 6738، 11/351.
[58] إعلام الموقعين، ابن القيم، 2/17.
[59] ينظر: صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، الحديث1472.
[60] ينظر: مصنف عبد الرزاق، رقم الحديث13560، والسنن الكبرى للبيهقي، رقم الحديث13984.
[61] قال تعالى: “والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم” المائدة؛5.
[62] أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، رقم:127.
[63] في الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، ص:34.
[64] على خلاف بين الفقهاء، بحسب ما يراه الإمام الأصلح والأوفق لمصلحة الإسلام والمسلمين. ينظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي، 6/471-475.