منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة 14: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية

ذ. محمد الغالي

0

الحلقة 14: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛

دراسة أصولية تطبيقية

بقلم: ذ. محمد الغالي

تنزيل أحكام السياسة الشرعية في السيرة النبوية

تمهيد.

بالرغم من أن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هي النبوة وتبليغ الرسالة، فإنه عليه الصلاة والسلام مارس وظيفة قيادة المسلمين وإمامتهم السياسية بكل ما يستلزم ذلك من قدرة الحكم والتنفيذ. وهذا المقام يختلف عن مقام النبوة والرسالة والقضاء والفتيا، يقول القرافي موضحا هذا النوع من التصرفات “وأما تصرفه بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء؛ لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح ودرء المفاسد وقمع الجناة وقتل الطغاة وتوطين العباد في البلاد، إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس”[1]. وهنا وجب الفصل والتمييز بين التصرفات السياسية -أو التصرفات بالإمامة- عن باقي التصرفات النبوية.

فالتصرفات النبوية السياسية نعني بها “تصرفاته صلى الله عليه وسلم بوصفه رئيسا لدولة المسلمين في عهده، يدير شؤونها ويتخذ الإجراءات والقرارات الضرورية بما يحقق المصالح العامة وفق المقاصد الشرعية في المجتمع”[2]، وهذا ما يسميه العلماء “بالسياسة الشرعية”[3]، ويسميها البعض “بالسلطنة”[4]، ويسميها ابن عاشور “الإمارة”[5]. وكلها تتعلق بتدبير الشأن العام من جلب المصالح العامة للأمة ودرء المفاسد العامة عنها.

وما يميز هذه التصرفات عن غيرها، أن الاقتداء بتصرفات الإمامة النبوية وتنزيل أحكامها يحتاج إلى إذن الإمام الحاضر؛ “كقسمة الغنائم وتفريق أموال بيت المال على المصالح وإقامة الحدود، وترتيب الجيوش وقتال البغاة وتوزيع الإقطاعات في القرى والمعادن، ونحو ذلك، فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطرق الإمامة وما استبيح إلا بإذنه”[6].

فما هي خصائص هذه السياسة؟

وكيف نفهم التصرفات النبوية السياسية؟

وبأي إرادة ننزلها؟ وما آثار ذلك على الواقع؟

 

تفصيل ذلك في المطالب التالية:

المطلب الأول: خصائص السياسة الشرعية في العهد النبوي.

تتميز السياسة الشرعية عموما عن غيرها من السياسات الوضعية بعدة خصائص، تقوم في مجملها على أساس الشريعة الإسلامية، وتستمد كافة مبادئها وقوانينها من مصادرها التشريعية المعتبرة عند فقهاء الأمة.

الفرع الأول: في معنى السياسة الشرعية ومقاصدها:

1- معنى السياسة الشرعية:

تستعمل كلمة “سياسة” في لغة العرب مصدرا ل”ساس-يسوس”؛ بمعنى القيام على الشيء بما يصلحه[7]. وتطلق هذه الكلمة بمعاني كثيرة، لكن دلالاتها في جميع إطلاقاتها، تدور حول تدبير الأمر والقيام بإصلاحه ورعاية الآداب والمصالح. جاء في الحديث الشريف: “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء”[8] بمعنى؛ يتولون أمورهم، كما يفعل الأمراء والولاة بالرعية.

أما في الاصطلاح الشرعي: فقد استعملت بمعنى الأحكام التي تُساس بها الرعية، وبمعنى “القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال”[9].

أما السياسة الشرعية فقد عرفها ابن خلدون بقوله: “هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم-الرعية- الأخروية والدنيوية الراجعة إليها”[10]، ونقل الإمام ابن القيم عن ابن عُقيل أنه قال: “السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به الوحي”[11]. ومن خلال هذا التعريف يظهر لنا الفرق بين السياسة الشرعية والسياسة الوضعية؛ “فالسياسة الشرعية هي التدابير والأحكام المتفقة مع روح الشريعة وأصولها الكلية، والمحققة لمقاصدها وأغراضها الاجتماعية، أما السياسة الوضعية فهي التدابير المحكومة بالعرف والخبرة والموروث ومطلق المصلحة، دون علاقة بالشريعة، ودون ضبط للمصلحة بكونها شرعية معتبرة”[12].

فالدين الإسلامي الحنيف شامل لكل مجالات الحياة، والسياسة الشرعية جزء من الدين، ولا بد منها لتحقيق مقاصده ومسايرة التطورات الاجتماعية، والقدرة على الوفاء بمطالب الحياة وتحقيق مصالح الأمة في كل حال وزمان، وعلى وجه يتفق مع المبادئ العامة في الإسلام. فمن باب السياسة الشرعية “يستطيع ولاة الأمر في الأمة أن يسنُوا من القوانين ما يحقق مصلحتها، ويستجيب لداعي حاجاتها العارضة ومطالبها المتجددة،(…) وأن تسن الدولة والمجتمع اليوم قوانين تفرض على أهل اليسار والقدرة ضرائب فوق ما هو مقرر في الكتاب والسنة من الزكاة والعشر، فإنه ليس في النصوص التشريعة ما يمنع ذلك”[13]؛ لأن مرجع السياسة الشرعية إلى قواعد: رفع الحرج، ودفع الضرر، والحكم بالعدل، والمصالح المرسلة، وأن أحكامها تهدف في جملتها إلى التيسير والتواصي بالخير، وأن أمر المسلمين بينهم شورى، وهذه كلها مبادئ محكمة مقررة دل عليها الكتاب وبينتها السنة.

ولقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم السياسة العادلة بين رعيته، فأنصف المظلوم، ونصر الضعيف، وأقام العدل، وحقق الأمن، وقام بتدبير شؤون الرعية بما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة. وإن الأمة اليوم، في أشد الحاجة إلى العمل بالسياسة الشرعية، “خصوصا مع تغير الأزمان والأحوال، لذلك فإن كل ما من شأنه أن يحقق مصالح الأمة في المعاش والمعاد هو من السياسة الشرعية”[14]،  بحيث تكون متماشية ومتناغمة مع روح الشريعة ومبادئها.

2- مقاصدها:

وإن الدارس لأبواب السياسة الشرعية في شتى مجالاتها يجد أنها تقصد في جملتها إلى حفظ الدين، وإصلاح حياة الناس؛ ويمكن بيان ذلك من خلال مقاصد أساسية وأخرى فرعية على الشكل التالي:

أ- مقصدان أساسيان[15]:

الأول: إقامة الدين؛ ونعني بذلك، حراسته من الزوال والتحريف والتبديل، أي حفظه وجودا وعدما، وذلك من خلال إبقاء حقائقه ومعانيه بين الناس كما بلغها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم وورثها الصحابة الكرام، ومن خلال تطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم.

والثاني: سياسة الدنيا؛ والمقصود بها حفظ مصالح الخلق، أو بكلمة جامعة، هي إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة.

ب- مقاصد فرعية[16]:

وهي ملازمة للأولى ويُبنى الحكم عليها، وهي كثيرة نذكر منها ما يلي:

* إقامة العدل: ونعني به عدل الحكم؛ وهو الفصل فيما يقع بين الناس من خصومات، وعدل القسمة؛ وهو تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع، وتحقيق التكامل الاجتماعي.

* تحقيق الاستقرار: وذلك بحفظ الأمن الداخلي والخارجي حتى يأمن الناس على أعراضهم وأموالهم وأرواحهم في حلهم وترحالهم.

* توفير أسباب العيش: وذلك بتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الحِرف والصناعات والعلوم…، ومتطلبات الحياة عموما.

* حفظ الحريات: وهو أساس متين تُبنى عليه كل المقاصد الشرعية، ومعناه “أن يكون للرعية فسحة وحرية للرأي والتعبير وتقديم النصيحة والإسهام في بناء المجتمع”[17]، ومشاركة الجميع في بناء المستقبل.

* حفظ النظام وعمارة الأرض:  ونعني بذلك؛ عمارة الأرض بما يحفظ نظام التعايش فيها، لأن صلاح النظام يصلح ساكني الأرض والمستخلفين فيها، ويساعد على حراسة الدين وحسن سياسة الدنيا بالقيم الخلقية والنبيلة.

* حسن استثمار خيرات البلاد: وذلك بما يحقق لأفراد الأمة العيش الكريم والرفه الاقتصادي، وهي من مظاهر سياسة الدنيا بالدين.

وقد جمع معاني هذه المقاصد الإمام الماوردي في قوله: “فاعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة، وأمورها ملتئمة، ستة أشياء هي قواعدها وإن تفرعت، وهي: دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح. وأما ما يصلح به حال الإنسان ويرقى، فثلاثة أشياء؛ هي قواعد أمره ونظام حاله، وهي: نفس مطيعة إلى رشدها منتهية عن غيها، وألفة جامعة، ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده به”[18].

بهذا تكون السياسة الشرعية المقصودة هنا في البحث هي تنظيم شؤون حياة الناس في المجتمع عامة، انطلاقا من الشرع الإسلامي الحكيم وتحقيقا لمقاصد معتبرة؛ وهو حقٌ للأمة و واجب على ولاتها.

الفرع الثاني: خصائص السياسة الشرعية في العصر النبوي:

بالإضافة إلى الخصائص العامة المشتركة مع خصائص الشريعة الإسلامية، تتصف السياسة الشرعية في العهد النبوي بخصائص معينة كانت سببا مباشرا في نجاح الدعوة واستمرارها، وهي:

1- بناء الشخصية الإيمانية: ففي بداية الأمر ركز الرسول صلى الله عليه وسلم على بناء القلوب المؤمنة، وذلك بتعميق التربية الإيمانية في قلوبهم والاهتمام بتزكية نفوسهم “وقد حرص النبي الأكرم على عمق الإيمان في الأدوات البشرية المنجزة، البانية، الباذلة، العاملة في أرض الله، ووسط خلق الله تعالى. وإذا كان الاصطفاف الإلهي قد سبق في شأن من تعرض للتربية النبوية، فإن أساليب تعميق هذه التربية في النفوس كان له الأثر المباشر في ذلك”[19]، وهذا كان واضحا في فعله وأمره صلى الله عليه وسلم بقيام الليل والمداومة على الذكر وإقامة الصلاة والتربية على المجاهدة، لكي تتجذر في الطليعة المجاهدة الأولى كلمة الحق والصدق، ويكونوا قاعدة قوية صلبة تتكسر عليها كبرياء المشركين والكافرين، ويُبنى عليها كيان المسلمين وآمال المؤمنين، تمهيدا لحمل زمام القيادة والتوجيه في العالم.

2- بناء الجماعة المؤمنة والحرص عليها: فبناء الأفراد بشكل مُنْزوٍ وانفرادي، لا أثر له في بناء المجتمع، لذلك كان ضروريا وجود وبناء جسم قوي متماسك بالأخوة والتآزر والتناصر بين أفراده المؤمنين في جماعة تمثل الدعوة وتتكلم باسمها وتدافع عنها. ويظهر ذلك من خلال حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الجماعة الأولى في بداية الأمر بالإذن في الهجرة والدعوة إلى الصبر وتحمل الأذى والإعراض عن المشركين وعدم القتال قبل إعداد القوة، والبحث عن مكان آخر آمن ومساعد على تأمين مستقبل الدعوة[20]، والتفكير في بناء  موطن جديد لجماعة الدولة النبوية.

3- التركيز على مكامن القوة والتأثير في المجتمع: كانت سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة تنبني على استهداف أشخاص لهم المكانة المادية والمعنوية الهامة والمؤثرة في أوساط مجتمع قريش والقبائل المجاورة –رغم أن الدعوة تستهدف الجميع- لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كانت سياسته الشرعية تستفيذ من السنن الكونية والقوانين الجاري بها العمل؛ فقد دخل في جوار أبي طالب، وكان أبو بكر في جوار أبي الدغِنة[21]، كما كان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل لتؤويه حتى يبلغ رسالات ربه، ومثل هذا كثير في السيرة[22] الدعوية النبوية.

4- مراعاة المرحلية في البناء: فالسياسة التشريعية النبوية العامة، كانت تتجنب التهور والتسرع والحماس، وليس هناك في منهج هذه السياسة قفز على الأحداث؛ بل كانت السياسة التشريعية في العهد النبوي تعتمد خطا تصاعديا ثابتا يراعي المرحلية والتدرج وفقه الواقع والتنزيل.

5- التحرك التدافعي وسط المجتمع: ويظهر ذلك في المراحل التي نهجها القائد العظيم صلى الله عليه وسلم في تجميع المؤمنين وبناء الفرد ثم تأسيس الجماعة من أجل الحركة والتدافع وسط المجتمع الجاهلي.

وقد مر هذا التحرك المُمنهج والمدروس عبر الخطوات التالية:

* غرس النبتة وتعهدها بالسقي الإيماني والتكتم عليها في بداية الأمر؛

* الجهر بالدعوة وتحدي المشركين خصوصا بعد إسلام كل من عمر[23] وحمزة؛

* انتزاع الحق في عبادة الله تعالى، وأداء الصلوات ولو وسط الأصنام ومجتمع الكفر؛

* إقناع بعض القوى المجاورة[24] بمشروعية قضية المسلمين وقبول حماية المهاجرين إليها؛

* إرساء قواعد البيعة[25] وشروطها بين القائد والجماعة المسلمة؛

* تثبيت قواعد الشورى والاستشارة والاجتهاد إزاء النوازل والقضايا المطروحة على أرض الواقع؛

*بالإضافة إلى إنشاء عقد الأخوة لبناء الدولة على العدل والحرية والشورى وحماية الصف الداخلي ومحاربة المنافقين، والتوسع على المستوى الخارجي لقيادة العالم.

6- السياسة الشرعية النبوية ميراث للأمة المستخلفة: إن المنهج النبوي في تربية الأمة الإسلامية، وتدريبها على قواعد الشورى وأساليب الاجتهاد وتحمل المسؤولية واتخاذ القرار المناسب وغير ذلك، كله يهدف إلى إعداد الأمة لتحمل مسؤوليتها في وراثة النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وهي كلها توجيهات في السياسة الشرعية للأمة بعده. لكي تكون في مستوى الوراثة والاستخلاف، وبشكل متوازن يرفض الاستبداد ويحث على الشورى، ويقابل حق الطاعة بحق الرعاية، وسياسة الرعية بالعدل والرحمة وحفظ الأمانة.

وهكذا تكون السياسة الشرعية المرجوة والموروثة عن النبوة هي التي تسعى لتحقيق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، “فتجعل من الدنيا مزرعة للآخرة، وتجعل من عمارة الأرض والحياة والنهوض بواجب الاستخلاف وسيلة لتحقيق العبودية الخالصة لله تعالى ونيل رضاه، والنجاة من عذابه، والفوز بجنته”[26]. وهذا لن تحققه سياسة أخرى غير السياسة الشرعية التي ورثنا مبادئها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

المطلب الثاني: التصرفات النبوية السياسية بين الفهم والتنزيل.

لفهم التصرفات النبوية في السياسة الشرعية وإمكانية تنزيلها على الوقائع، نستعرض مجموعة من الأمثلة والمواقف النبوية في السياسة العامة  وفي المجالين المالي والاقتصادي الدالة على الفقه المقاصدي والاجتهاد التنزيلي في السيرة النبوية.

الفرع الأول: فقه تنزيل الأحكام من خلال التصرفات النبوية بالإمامة والرياسة:

المراد بالإمامة هنا؛ خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين وحفظ حوزة الإسلام ورعاية دنيا العباد، فهي عبارة عن “رئاسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين”[27]. والتصرفات النبوية بالإمامة “ليست شرعا عاما ملزما للأمة إلى يوم القيامة، بل هي أحكام مؤقتة قابلة للتغيير بحسب المصلحة التي تقدرها السلطة السياسية. وعلى الأئمة وولاة الأمور بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يجمدوا عليها، وإنما عليهم أن يتبعوه صلى الله عليه وسلم في المنهج الذي بنى عليه تصرفاته وأن يراعوا المصالح الباعثة عليها، والتي راعاها زمانا ومكانا وحالا”[28]، وهذا هو المراد بفقه تنزيل أحكام تصرفاته صلى الله عليه وسلم بالإمامة.

ونحن إذ نعرض هنا لبعض اجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم، لا نقصد ذلك الاجتهاد الذي تكون ثمراته أحكاما من الفقه العام الثابت الذي يؤخذ على وجه واحد لجميع الناس وفي جميع العصور؛ وإنما نقصد منه ما يمس السياسة، ويتصل بمبادئها، ويكون في الإدارة وأعمال السلطة التنفيذية وفي الطرق والإجراءات التي يتضح بها وجه الحق والقانون وتحقق العدالة الاجتماعية، وينتج عن ذلك أحكاما من مقتضاها الاختلاف والتبدل عند التنزيل على حسب اختلاف وتغير الأحوال والأزمنة وتطورها.

والأمثلة التطبيقية في السيرة النبوية العطرة يصعب حصرها، حسبنا أن نذكر منها ما يلي:

1- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع الغال[29] من الغنيمة سهمه، وحرق متاعه ؛

روى عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه”[30]، وهذا تصرف اجتهادي تشريعي خاص بهذه الحالة، حيث إن حكم السارق محسوم قطعا بنص القرآن، وهذا الحكم الجديد من النبي صلى الله عليه وسلم يخص الخائن والسارق من الغنيمة قبل القسمة؛ عقوبة شرعية سياسية من حق أولي الأمر أن يجتهدوا في مثلها لا أن يقلدوها.

2- منعه صلى الله عليه وسلم القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير السرية؛

روى مسلم أن خالدا بن الوليد منع من القاتل سلب القتيل، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: “ما منعك أن تعطيه سلبه” قال: استكثرته يا رسول الله، قال: “ادفعه إليه”. فمر خالد بعوف، فجر بردائه -أساء الأدب مع خالد- ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فا ستغضب، وقال: “لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد؛ هل انتم تاركون لي أمرائي؟”[31]. فتراجعه عليه الصلاة والسلام عن حكمه الأول هو تصرف اجتهادي بالإمامة.

3- عزمه عليه الصلاة والسلام على حرق بيوت تاركي الجمعة والجماعة؛

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم”[32]. هي عزمة الإمام المسؤول عن إقامة الدين بين العباد كما هو مكلف برعاية الدنيا؛ لم يمنعه من تنفيذها إلا الرحمة بمن في هذه البيوت من النساء والأطفال والعجزة.

4- ضاعف -صلى الله عليه وسلم- الغرم على سارق ما لا قطع فيه، وشرع فيه جلدات، نكالا وتأديبا؛

عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس في شيء من الماشية قطع إلا فيما آواه المراح فإذا بلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات كمال”[33]. تأديبا له وزجرا لأمثاله حفاظا على الغاية والمقصد من الحدود.

5- وضاعف- صلى الله عليه وسلم- كذلك الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها؛

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معه”[34]. لأن حبس ضالة الإبل وكتمها في ذلك الزمان يشبه السرقة مع سبق الإصرار والترصد، وهو ما كان ممنوعا شرعا. وفيه جواز تعزير المتهم بما يرى الحاكم أنه مؤد إلى إظهار الحق، وهذا من السياسة المعتبرة شرعا.

6- أخذه – صلى الله عليه وسلم- حق الزكاة وشطر المال من تارك الزكاة؛

قال صلى الله عليه وسلم لمن امتنع عن دفع الزكاة أو تحايل على عدم دفعها: “من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله؛ عزمةً من عزمات ربنا”[35]؛ عقوبة وتأديبا لمن ترك إخراج حق الزكاة، وعبرة ودرسا لغيره من العباد، وتوجيها ربانيا نبويا لكل أمير مسؤول على الناس. لكن “أخذ شطر المال ممن يمتنع عن أداة الزكاة المقدرة شرعا ليس من التشريع العام الذي يجب أن يسير عليه ولي الأمر في كل حال وزمان، وإنما عقوبة سياسية رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم”[36].   ولكل أمير مسلم مجتهد الحق في مثل هذه الواقعة أن يأخذ بلون آخر من العقوبات، زيادة أو نقصانا على الوجه الذي يراه مناسبا.

7- أمره – صلى الله عليه وسلم- بكسر دنان الخمر؛

روي عن أبي طلحة أنه قال: يا نبي الله، إني أشتري خمرا لأيتام في حجري، قال صلى الله عليه وسلم: “أهرق الخمر واكسر الدنان”[37]. وهذا التصرف الاجتهادي منه صلى الله عليه وسلم في كسر أواني الخمر والحرام يمكن أن يتغير حسب ظروف أخرى ويُأمر بغسلها.

8- أمر- صلى الله عليه وسلم- بكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام، ثم أمر بغسلها؛

عن سلمة الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نيرانا توقد يوم خيبر، فقال: “على ما توقد هذه النيران؟” قالوا: على الحمر الإنسية، قال: “اكسروها وأهرقوها”، قالوا: ألا نُهرقها ونغسلها؟ قال: “اغسلوها”[38]. فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وسمح بغسلها لتطهيرها واستعمالها بعد ذلك.

9- أمر- صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين، فسجرهما في تنور؛

عن عبد الله قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: “أأمك أمرتك بهذا؟” قلت: أغسلهما؟ قال:”بل أحرقهما”، وفي رواية إضافة بلفظ “إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها”[39].

10- أمر- صلى الله عليه وسلم- المرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها؛

عن عمران بن حصين قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت، فلعنتها، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة”[40]. وفيه نهي عن لعن البهيمة.

11- أمر-صلى الله عليه وسلم- بقتل شارب الخمر بعد الثالثة والرابعة؛

فعن معاوية بن أبي سفيان مرفوعا قال: “من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه”[41]، والظاهر أنه لم ينسخ، ولم يجعله حدا لا بد منه؛ بل هو بحسب المصلحة إلى رأي الإمام، كما يقول ابن القيم[42].

12- حَبَسَ- صلى الله عليه وسلم- في تهمة؛

عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة[43]. ثبت عنه كذلك –صلى الله عليه وسلم- أنه عاقب في تهمة لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم؛ فمن أطلق كل متهم وحلفه وخلى سبيله-مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذ إلا بشاهدي عدل- فقوله مخالف للسياسة الشرعية[44] وإغفال لدور الإمام في الاجتهاد.

13- أمر- صلى الله عليه وسلم- بقتل الذي كان يتهم بأم ولده، فلما تبين أنه خصي تركه؛

روى مسلم عن أنس بن مالك “أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لعلي بن أبي طالب: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي فإذا هو ركي يتبرد فيها، فقال له علي: أخرج، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مَجْبُوبٌ ليس له ذكر، فكفّ عليٌ عنه”[45].  فالنبي صلى الله عليه وسلم أصدر حكم القتل باعتباره الإمام، حماية للمجتمع من تفشي الأخلاق السيئة، وليس باعتباره الرسول أو القاضي. لكن الإمام علي رضي الله عنه لم يطبق الحكم بحرفيته؛ وإنما نظر في المقصد والغاية منه، فأوقف تنفيذ الحكم لتحقق مقصده، وهو براءة حرم الرسول صلى الله عليه وسلم من الريبة، وبراءة الرجل من تهمة الزنا.

14- أمر- صلى الله عليه وسلم- بإمساك اليهودي الذي أومأت الجارية برأسها أنه رضخه بين حجرين؛    فأخذ اليهودي فأقر”فرضخ رأسه بالحجارة”[46] جزاء وفاقا. وهذا يدل على جواز أخذ المتهم إذا قامت قرينة التهمة، والظاهر أنه لم تقم عليه بينة، ولا أقر اختيارا منه للقتل، وإنما هدد أو ضرب فأقر[47].

15- أمره –صلى الله عليه وسلم- بقتل من قتل عبده، وجلده ونفيه؛

ومن ذلك ما رواه أصحاب السنن من حديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”من قتل عبده قتلناه؛ ومن جدّع عبده جدّعناه”[48]، فإن قتل السيد بعبده كان يمكن أن يكون من الفقه الثابت والتشريع العام لولا فعله صلى الله عليه وسلم المخالف لهذا؛ فقد روى الدارقطني من حديث الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم، ونفاه سنة، ومحا سَهْمَهُ من المسلمين، وأمره أن يعتق رقبة ولم يقده به”[49]. فهذا يدل على أن الحكم الأول وهو قتل السيد بعبده إنما هو حكم سياسي للإمام أن يأخذ بغيره على حسب ما يرى من المصلحة.

16- أمره- صلى الله عليه وسلم- بقتل من تزوج امرأة أبيه؛

ومن ذلك ما رواه أحمد والنسائي وغيرهما عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال: “أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده؛ أن أضرب عنقه أو أقتله”[50]. يقول الشوكاني معلقا على الحديث: “وفيه أيضا متمسك لقول مالك أنه يجوز التعزير بالقتل”[51]. والذي يظهر من هذا الحكم أنه سياسي ثبت استثناء من الحكم العام المقرر في باب الزنى وباب الوطء بشبهة، وأنه تعزير وعقوبة شديدة؛ نظرا لفحش هذه الجريمة وعظم ضررها.

فهذه بعض الأمثلة -وغيرها كثير- التي تدخل ضمن التصرفات السياسية الجزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة، “فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكل عذر وأجر، ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين، وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها في تأويل القرآن والسنة”[52]. ويذهب بعض المعاصرين إلى أن كثيرا مما يدخله العلماء الأوائل في باب النسخ من السنة إنما هو”في الحقيقة تصرفات بالإمامة، وزالت بزوال الأسباب التي أملتها”[53]، بمعنى أنها مجرد إجراءات أو تشريعات مؤقتة أصدرها النبي صلى الله عليه وسلم من باب جلب المصالح ودرء المفاسد عن مجتمع المسلمين، فإذا لم يبق داع لها تم التوقف بالعمل بها. ولعل هذا الرأي يصدق على تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وتشريعاته السياسية الخاصة والجزئية باعتباره الإمام ولا يدخل ضمنها الأحكام المنسوخة في المجالات العبادية الأخرى. والله أعلم.

الفرع الثاني: موقف الصحابة من التصرفات السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم:

كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يدركون أن من تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو تشريع عام مصدره الوحي لا يجوز مخالفته، والتمييز بينها وبين ما هو سياسة عامة للدولة ولجماعة المؤمنين في عهده، من أجل تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولذلك فالصحابة يفقهون تنزيل ذلك على واقعهم، سواء في حضرته أو بعد غيابه. والأمثلة الآتية تبين هذا الأمر بوضوح وجلاء:

أ- مراجعة الصحابة للنبي الله صلى الله عليه في بعض قراراته؛   ومن ذلك:

1- أصاب جيش المسلمين في غزوة تبوك[54] مجاعة، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”افعلوا”. فجاء عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله:”نعم”. قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم(…) فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال:”خذوا في أوعيتكم”. قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة”[55].

فهذا دليل على أن عمر بن الخطاب فهم أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بنحر الإبل غير صادر من مقام النبوة، وإنما من مقام القيادة السياسية والعسكرية التي فرضتها المصلحة الآنية. يقول القرطبي: “كان هذا الهم من النبي صلى الله عليه وسلم بحكم النظر المصلحي، لا الوحي. ألا ترى كيف عرض عمر بن الخطاب عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم رجحانها، فوافقه عليها وعمل بها”[56].

2- أثناء كتابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لوثيقة الصلح بين المسلمين والمشركين يوم الحديبية[57]، فقد كتب: “هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله…” فقال المشركون للنبي عليه السلام: لا تكتب رسول الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب:”أمحه”. فقال علي: “ما أنا بالذي أمحاه”، فمحاه الرسول صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة[58]. يعلق الإمام النووي على القصة بقوله: “وهذا الذي فعله علي رضي الله عنه من باب الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من النبي صلى الله عليه وسلم تحتيم محو علي بنفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولو حتم محوه بنفسه لم يجز لعلي تركه ولما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على المخالفة”[59]، وهو مثال عن اجتهاده الحكيم صلى الله عليه وسلم وسياسته الرشيدة في تصريف الأمور وتدبير الشأن الاجتماعي السياسي العام، ولم يكن أمرا تشريعيا ملزما في الدين.

3- خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقال:”إن الله حرم مكة، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت له ساعة من نهار، لا يُختلى خلاها[60]، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لعرف” فقال عمه العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله إلا الإدخر لصاغتنا ولقبورنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” إلا الإدخر”[61]. وعلى هذا الموقف يقول شهاب الدين القرافي: “وهذا يدل على أنه لما بين له الحاجة إليه أباحه بالاجتهاد للمصلحة”[62]. وهذا يشبه موقف عمر بن الخطاب السابق في الاعتراض على نحر الإبل؛ ففي الحالتين معا لم ينتظر الرسول صلى الله عليه وسلم وحيا لكي يجيب عمر أوالعباس على اقتراحهما وإنما وافقهما اجتهادا لما رأى في ذلك مصلحة.

4- ومن ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا -أعطاهم من المال- وأنا جالس فترك رجلا منهم هو أعجبهم إلي، فقمت فقلت له: يا رسول الله ! أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن، فقال”أو مسلم” ذكر ذلك سعد له ثلاثا، وأجابه بمثل ذلك، ثم قال صلى الله عليه وسلم:”إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه”[63]. فمراجعة سعد بن أبي وقاص لرسول الله دليل على أنه فهم أن هذا التصرف هو اجتهاد نبوي مبني على المصلحة، وهذا ما ذهب إليه النووي[64] في سرده لفوائد هذا الحديث، بحيث يجوز للإمام أن يصرف المال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم.

هذه بعض الأمثلة -وقد ذكرت غيرها في مواضع أخرى سالفة من هذا البحث- نكتفي بها تدليلا على مراجعة الصحابة لبعض قرارات النبي صلى الله عليه وسلم ومناقشته فيها، وتغيير صورة تنزيلها على الوقائع، وهو يقبل منهم ذلك  وينزل عند رأيهم في كثير من الأحيان ويوافقهم عليه. وهي كذلك دلالة واضحة على مستوى الفقه والإدراك والتمييز الذي اختص الله به الصحابة تجاه تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم السياسية الاجتهادية التي ترتبط بالمصلحة وقابلة للمراجعة والتغيير عند التنزيل.

ب- مراجعة الصحابة لبعض قرارات النبي صلى الله عليه وسلم  وتصرفاته السياسية:

كان الصحابة رضي الله عنهم -خصوصا الخلفاء الراشدون- أفقه الناس بالتنزيل بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى أنهم كانوا يجتهدون في تغيير وتنزيل بعض السنن المروية عنه صلى الله عليه وسلم، لعلمهم أنها صدرت باعتبار حال الأمة حينها، وبمقتضيات البيئة وزمن التشريع “على أنهم كانوا أحرص الناس على الاهتداء بهديه والتمسك بسنته”[65]، وبالحرص على تحقيق المقاصد والغايات من التشريع.

فقد حكموا بإرث المرأة التي طلقها زوجها في مرض موته مع أن الأصل هو انتهاء الإرث بانتهاء العلاقة الزوجية، لزوال الموجب للميراث، وهو الزوجية. كما قضوا بتضمين الصناع مع أنهم مؤتمنون، والمؤتمن غير ضامن. وقد أفتوا بمشاركة الإخوة الأشقاء للإخوة لأم في سهمهم من الميراث في المسألة المشتركة. فهذه الأحكام والفتاوى صدرت منهم تطبيقا لمبدأ الاستثناء بناء على ما اقتضته المصلحة[66]. وهي كثيرة منها:

1- ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرض العراق، حيث رفض قسمة الأراضي المفتوحة، ورأى أن تصبح ملكا عاما للدولة، ومحبسة على الأجيال اللاحقة من المسلمين، وقال: “أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس بَبّانًا[67] ليس لهم شيء، ما فُتِحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم النبي خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها”[68]. وهذا الاجتهاد من عمر بن الخطاب كان عكس تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في تقسيم أرض خيبر، وعلى عكس تقسيم الغنائم المنقولة. وكان تصرف عمر موافق لرأي جماعة من الصحابة من أمثال: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ومعاذ بن جبل وغيرهم، رغم معارضة البعض الآخر الذين رأوا أن هذا التصرف مخالف لمفهوم الآية الكريمة “واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل[69]. لكن الذي يجب أن يفهم هو أن هذا الإجراء العمري إنما هو تصرف سياسي واجتهاد اقتضته مصلحة المسلمين في زمانه. ويمكن أن يسير عليها من بعده أو يخالفه.

2- الحكم في”ضالة الإبل”؛ فقد شهد التعامل مع ضالة الإبل تطورا واختلافا مر بمراحل من عهد النبوة إلى عهد الخلفاء الراشدين. فعن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة؟ فقال:”أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها”. قال فضالة الغنم؟ قال:”هي لك أو لأخيك أو للذئب”. قال: فضالة الإبل؟ قال:”مالَك ومالَها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها”[70].

فلم يأذن صلى الله عليه وسلم في التقاط ضالة الإبل ما دامت في أمان ولا خوف عليها من الجوع والعطش. وظل الأمر على هذا زمن النبوة وطيلة خلافتي صاحبيه أبي بكر وعمر. فلما كانت خلافة عثمان بن عفان اختلف الأمر على ما كان عليه، وأمر بالتقاطها وتعريفها وبيعها، يقول ابن شهاب الزهري: “كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلا مؤبلة تَنَاتَجُ لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمن عثمان بن عفان أمر بتعريفها، تم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها”[71]، فعثمان رضي الله عنه خالف ظاهر نص الحديث ولم يقف عند حرفيته، لأنه “رأى الحال قد تبدل، وأن الحديث ورد في عهد ما كان يُخشى فيه على ضالة الإبل أن تضيع وتمتد إليها الأيدي؛ فلما رأى هذه الأيدي قد امتدت إليها أمر بجمعها وبيعها، ليحفظ ثمنها لأصحابها أو ينتفع به في المصالح العامة إن لم يظهر لها صاحب.

إن عثمان رضي الله عنه وإن كان قد خالف في الظاهر هذا الحديث فهو في الواقع وباطن الأمر، عمل به وتمسك بروحه؛ من “حيث إن ذلك العرض الذي خاف معه على الإبل الضالة قد اختلف به الأمر، ولم تعد الحالة الثانية من جنس الأولى التي ورد فيها الحديث”[72]. وهذا إدراك جميل لفقه تنزيل الأحكام من طرف خليفة المسلمين عثمان رضي الله عنه.

3- ومنها ما جاء في شأن “دية القتيل”؛ حيث جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان مائة دينار أو ثمانية آلاف درهم حسب تقديره بمائة من الإبل. فلما اسْتُخلف عمر بن الخطاب فرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشام ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة[73].

وجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم على عاقلة الجاني، وجعلها عمر رضي الله عنه على أهل الديوان. قال الموصلي صاحب الاختيار: “وقد صح أن عمر رضي الله عنه فرض العقل على أهل الديوان، وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم؛ لأنه أول من وضع الديوان فجعل العقل فيهن وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، فكان إجماعا منهم، وهو على وفاق ما قضى به رسول الله عليه الصلاة والسلام معنى؛ فإنهم علموا أن رسول الله قضى به على العشيرة باعتبار النصرة ثم الوجوب بطرقة الصلة، فإيجابه فيما يصل إليهم صلة وهو العطاء أولى، وأهل كل ديوان فيما يصل إليهم من ذلك كنفس واحدة”[74]. وهذا يعني أن الإمام له الصلاحية في تغيير الحكم إذا تغيرت العلة المقتضية له، ولم يكن ذلك مخالف لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث المعنى.

فإذا جاء الإمام الآن وفرض قيام “تأمينات تعاونية بين أهل كل حرفة مثلا لدفع دية القتيل على من تجب عليه الدية، لم يكن خارجا عن تقدير الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قدر هذه الدية بهذه الكيفية وجعلها على من بينهم تناصر في عصره”[75]، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بهذا التصرف بمقتضى الرياسة والإمامة التي له على الأمة حينئذ لا بصفة النبوة.

4- ومن ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لسهلة بنت سهيل في إرضاع سالم وكان كبيرا، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أن سالما مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت-ابنة سهيل- النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “أرضعيه، تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة”، فرجعت، فقالت: إني أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة”[76].

ولكن هذا الأمركان في رأي سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -غير عائشة- أمرا خاصا به، فقد روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا”[77].

والشاهد عندنا في هذه الأمثلة وغيرها، هو أن الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم جميعا، كانوا يدركون تنوع التصرفات النبوية ويميزون بينها، “و يفرقون بين ما كان من أوامر الرسول صادرا من مقام التشريع وما كان صادرا من غير مقام التشريع وإذا أشكل عليهم أمرا سألوا عنه”[78].

وهكذا كان دأبهم رضوان الله عليهم حتى كانوا ممن ورثوا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا عليه رواية ودراية، ولقنوه لأبنائهم وتلامذتهم.

المطلب الثالث: التصرفات النبوية بالإمامة وآثارها الفقهية عند التنزيل:

حاول كثير من العلماء التفريق بين أنواع تصرفات صاحب الشريعة وتتبع آثارها الفقهية وعلاقتها بالتشريع الإسلامي، وكثر اختلافهم في التمييز بين ما هو من الفتوى أو القضاء وما هو من النبوة والرسالة، ولا حاجة لنا بذلك الآن، فحسبنا أن نقف على بعض تصرفاته صلى الله عليه وسلم باعتباره إماما فيما يختص بمصالح المسلمين العامة، وما يلحق بها من السياسات الشرعية، والتدابير العامة المتعلقة بالشأن العام، والوقوف على آثارها في التشريع “فتصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة منوط بالمصلحة الشرعية في الغالب”[79]، ولذلك قرر العلماء قاعدة: “أن تصرف الإمام منوط بالمصلحة”[80]. وهكذا تتميز  الإمامة عن القضاء بأنها أعم منه، وتميزت عن الفتوى لأن أحكامها نافذة، وللإمام حق المشروعية للتوسع في السياسات الشرعية[81].

ومن التصرفات النبوية في مقام الإمامة، وتأثيرها الفقهية على التشريعات العملية في العبادات والمعاملات، نذكر عددا من الصور تجسد تصرفه صلى الله عليه وسلم باعتباره إماما:

الفرع الأول: في مجال العبادات:

  • ما صدر منه في زكاة الأموال:

عن أنس بن مالك من كتاب الصدقات[82]، أن أبا بكر الصديق كتب فريضة الصدقة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ في حديث طويل، قال: “ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين أو شاتين”[83].

فهل هذه التقديرات المحددة للفرق بين أنواع الماشية وسنها، هي قيمة فقهية ثابتة وجامدة لا يمكن تعديلها ولو تغيرت الأحوال والأسعار؟ والجواب هو “أن تعيين النبي صلى الله عليه وسلم لبعض هذه التقديرات كان بصفة الإمامة والرياسة التي له على الأمة حينئذ لا بصفة النبوة، وصفة الإمامة تعتبر ما هو الأنفع للجماعة في الوقت والمكان والحال المعين وتأمر به؛ ويدخل في هذا تحديد الفرق بين كل سن وسن بشاتين أو عشرين درهما، مع أن الفرق في مثل هذه الأحوال لا يثبت على قيمة واحدة جامدة، فإن النسبة بين الإبل والشاة، لو ظلت ثابتة؛ فإن تقويم الشاتين وبعشرين درهما لا يثبت. فقد تغلو قيمة الشاة، أو تنخفض القوة الشرائية للدرهم، أو يحدث العكس، كما هو معلوم ومشاهد الآن”[84]. فإذا كان هذا التقدير من النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره إماما؛ فهو تقدير حسب سعر ذلك الزمن، فإذا اختلفت القيمة والأسعار جاز تقدير قيمة أخرى بحسب الزمان والمكان والواقع ؛ حتى نوافق روح السنة عند تنزيل الأحكام على الوقائع.

  • في زكاة الفطر:

فرض الرسول صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر وجعلها صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب[85]، بناء على ما كانوا يطعمونه؛ لأن المقصود من زكاة الفطر هو إغناء الفقراء يوم العيد عن السؤال. فالتمسك بحرفية السنة أحيانا لا يكون تنفيذا لروح السنة ولا تطبيقا لمقصودها، بل يمكن أن يكون مضادا لها ولمقاصدها وإن ظهر لنا التمسك بها شكلا. مثال ذلك في واقعنا تشدد الذين يرفضون كل الرفض إخراج زكاة الفطر بقيمتها نقدا -كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر ابن عبد العزيز وغيره من فقهاء السلف- “ولو تأمل هؤلاء الإخوة في الأمر كما ينبغي له، لوجدوا أنهم خالفوا النبي صلى الله عليه وسلم في الحقيقة وإن اتبعوه في الظاهر، أقصد أنهم عنوا بجسم السنة وأهملوا روحها؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم راعى ظروف البيئة والزمن، فأوجب زكاة الفطر مما في أيدي الناس من الأطعمة، وكان ذلك أيسر على المعطي، وأنفع للآخذ”[86].  فإذا تغيرت الأحوال وأصبحت النقود هي عمود الحياة اليومية، ومتوافرة عند الغالبية العظمى من الناس، وأصبح الفقير غير محتاج إلى الأطعمة يوم العيد لأنها لا تلبي كل ما يحتاجه في هذا اليوم، كما هو الحال في عصرنا هذا، كان إخراج القيمة نقدا هو المفضل، لأنه هو الأيسر على المعطي والأنفع للفقير الذي سيأخذها؛ وهذا هو المعنى الحقيقي لفقه التنزيل عملا بروح التوجيه النبوي ومقصوده.

  • في الحج والعمرة:

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء، أمر أصحابه أن يكشفوا عن المناكب ويسعوا في الطواف، فعن ابن عباس أن قريشا قالت: “إن محمدا وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فلما قدم رسول الله عليه وسلم لعامه الذي اعتمر فيه؛ قال لأصحابه: أرملوا بالبيت ثلاثا ليرى المشركون قوتكم. فلما أرملوا قالت قريش: ما وهنتهم”[87]. ولما سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الرمل؟ قال: “ما لنا وللرمل، إنما راءَينا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال:  شيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه”[88].

وسئل ابن عباس كذلك عن الرمل أهو سنة؟ فإن الناس يقولون سنة! قال:”صدقوا وكذبوا” أي: “صدقوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وكذبوا-أي أخطئوا- في قولهم: أنه سنة مقصودة متأكدة مطلوبة دائما على تكرار السنن، وإنما أمر بذلك السنة لإظهار القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى”[89].

ففقهاء الصحابة يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في الطواف ليرى الكفار من المسلمين قوة، وهذا الفعل منه كان بمقتضى الإمامة والرياسة لا بالنبوة والرسالة، ففعله ليس فيه ضرر، كما أن تركه لسبب ما ولا أثر فقهي له على فريضة الحج وأحكامها، والحفاظ عليه من باب مصلحة عدم المخالفة كما يفهم من جواب الفاروق رضي الله عنه.

  • في الصلاة؛

فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث أنه كان يأمر بالتخفيف على الناس، وأخذ بعين الاعتبار واقعهم الاجتماعي والصحي والإيماني؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء”[90]. وفي حادثة أخرى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال: “يا أيها الناس إن منكم منفرين، فمن أمَّ الناس فليتجوز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة”[91]. وفي حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به”[92]. فهذا التخفيف والأمر به من طرف النبي صلى الله عليه وسلم، لا ينافي سنة التطويل المطلقة في حق الفرد، والمقيدة في حق جماعة محصورين، وأن يكون برضاهم، وألا يكون أحدهم معذورا، والمرجع في مقدار ذلك إلى السنة كما يقول العلماء. وبالتالي فسنة التخفيف أو التطويل في الصلاة خاضعة عند التطبيق لواقع المكلفين.

الفرع الثاني: في مجال المعاملات:

عرف هذا المجال صورا متعددة من تصرفاته صلى الله عليه وسلم بصفته إماما، وتجلى ذلك في قضايا منها:

  • سياسته صلى الله عليه وسلم في عدم التسعير:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله سعر لنا، قال: “إن الله هو المسعّرُ القابض الباسط الرزاق ، وإني لأرجو أن ألقى الله ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال”[93]، وفي رواية لأبي داود؛ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سعر لنا، فقال له: “بل أدعو الله. ثم جاء آخر، فقال يا رسول الله سعر لنا، فقال له: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل وليس لأحد عندي مظلمة”[94].

فعدم التسعير من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم، ليس حكما فقهيا مطردا أو ملزما، ولا يفهم منه أنه حرام في الشريعة، وإنما هو تصرف نبوي فرضه الواقع، ذلك لأن التسعير في تلك الحالة لكثرة الخلق وقلة الإنتاج، تزيد في الغلاء، ويحدث أضرارا بالبائع والمشتري على حد سواء. وبالتالي يصح أن نحكم على هذا الموقف منه صلى الله عليه وسلم بأنه اجتهاد نبوي، أملته المصلحة مع مراعاة الظروف وأحوال الناس في ذلك الزمان. والدليل على ذلك أن بعض الخلفاء الراشدون سعّر، وأن بعض التابعين والأئمة أفتوا بجواز التسعير[95]. لأن العدل الذي أمرتنا به الشريعة، ورعاية مصالح العباد، كلها تشهد على جواز التسعير، “فهل يعقل تحريم الشريعة للتسعير والتجار يتلاعبون بقوت الناس ويضيقون عليهم، خصوصا في أوقات الشدة والجوع، وأئمة المسلمين واقفون يتفرجون لا يتصرفون تجاه هذا الانحراف بحجة تحريم التسعير، فهذا مناف لمقاصد الشريعة منافاة واضحة وضوح الشمس لمن له فقه ونظر”[96].

وهذا من أمور السياسة الشرعية التي تتعلق بمصالح الناس العامة، فللأمة الحق في أن تجتهد فيه بما يحقق المصلحة ويدفع الضرر عن العباد.

  • إحياء الموات؛

والمراد بالموات[97] ما لا ينتفع به من الأرض لانقطاع الماء عنه أو لغلبة الماء عليه أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، والتي لم تكن ملكا لأحد ولم تكن من مرافق البلد. وتتعلق هذه المسألة بقضية إحياء الموات الواردة في قوله صلى الله عليه وسلم: “من أحيى أرضا ميتة فهي له”[98].

وقد ذهب أبو حنيفة[99] إلى أن هذا منه صلى الله عليه وسلم تصرف بالإمامة فلا يحيي أحد بدون إذن إمام الوقت، فجرت عنده مجرى مال بيت المال والغنيمة والفيء والإقطاعات، ففي كل زمان يجتهد إمام الوقت فيما يراه أصلح. وقال مالك[100] والشافعي أن هذا تصرف بالفتيا. والراجح قول أبي حنيفة[101]؛ لأنه لو أذن فيه لكل محيي بدون اشتراط إذن الإمام لأدى ذلك إلى الفوضوية والمخاصمات والمنازعات بين الناس. ولأنه ليس كل الأراضي مما يتهاون الناس بها، وليس القول بذلك مخالفة لنص الحديث النبوي بل هذا روحه ومقصده.

  • أخذ الحق بدون إذن ولا حكم قضائي:

ومثال ذلك؛ مسألة هند بنت عتبة عندما تقدمت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بشكوى ضد زوجها أبي سفيان، بأنه رجل شحيح بخيل لا يعطيها ما يكفيها من النفقة على أولادها ونفسها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف”[102].

وقد اختلف في مجال هذه المسألة أهو الإفتاء أو القضاء؟ فذهب الشافعي[103] وجمع من العلماء إلى أن هذا تصرف منه صلى الله عليه وسلم بالفتيا، ولذلك جاز لصاحب الحق أخذ حقه من غريمه دون حاجة لحكم القاضين، وهذا هو الراجح على ما أعتقد؛ لأنه لو كان قضاء لطلب الرسول صلى الله عليه وسلم أبا سفيان لأنه كان حاضرا، والقضاء على الغائب[104] إذا كان الرجل حاضرا بالبلد لا يجوز عند أحد. و ذهب مالك والمشهور عند الحنابلة[105] إلى أنه تصرف بالقضاء.

  • مدة الخيار في البيع:

ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل لمنقذ بن عمرو الخيار ثلاثة أيام؛ لأنه كان يُخدع في البيع والشراء لضعف في عقله بسبب شجة في رأسه أصابت أم دماغه[106]، فقال له؛ قل عند الشراء: “لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام”[107]. فذهب الحنفية والشافعية إلى أن مدة خيار الشرط لا تزيد عن هذه المدة المذكورة في الحديث. أما المالكية والحنابلة فرأوا أن الحاجة تقتضي الزيادة على الثلاثة أحيانا في بعض السلع. وأما ما ورد في الحديث النبوي أعلاه، فواقعة عين لا عموم فيه، وهذا هو الراجح، فتجوز الزيادة على المدة المذكورة في الحديث للحاجة التي تقتضيها ظروف السلع أو الأشخاص.

  • إدخار لحوم الأضاحي:

وردت مسألة ادخار لحوم الأضاحي في حديثين، ظاهرهما التعارض، أحدهما ورد بصيغة: “نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث”[108]، والثاني  قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كلوا وادخروا(…)إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت”[109]. هذه المسألة يدخلها الفقهاء في مجال النسخ؛ ويقولون بأن الإباحة رخصة والقول بنسخ الإباحة للنهي، والقول بأن النهي كان لعلة[110]. والراجح أن النهي عن الادخار بعد ثلاث إنما كان من النبي صلى الله عليه وسلم لمعنى دف الدافة، وأن هذا التصرف منه إنما هو من مقام الإمام والحاكم فيما ينظر فيه لمصلحة الناس، وليس على سبيل التشريع في الأمر العام[111]. وقد ذهب إلى هذه النتيجة الدكتور القرضاوي حيث قرر “أن كثيرا مما قيل فيه بالنسخ ليس منسوخ حقيقة، بل كلا النصين كان يمثل سياسة شرعية نبوية في موقف معين ولأسباب وملابسات معينة، فلما تغير السبب الموجب تغير الحكم”[112]. وبهذه النظرة المتميزة والمدركة لأنواع التصرفات الصادرة عن صاحب الشريعة يمكن الاستغناء عن كثرة القول بالنسخ بدون دليل معتبر.

  • النهي عن بيع الثمرة قبل بدء صلاحها:

فعن زيد بن ثابت قال: “كان الناس يتبايعون الثمار، فإذا جدَّ الناسُ وحضر تَقَاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدُّمَانُ، أصابه مُراضٌ، أصابه قُشامٌ؛ عاهات يحتجون بها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ذلك:  فإما لا، فلا تتَبَايعوا حتى يبدو صلاح الثمر. قال زيد: كالمشورة يشير بها عليهم لكثرة خصومهم”[113].

وهذا النوع من التصرفات النبوية جمعها الشيخ الطاهر بن عاشور في قسم خاص سماه: التصرف بالمشورة، وقد أوصلها إلى إثنى عشر تصرفا[114]. أما الشيخ باقر الصدر[115] فقد جعل هذا الموقف من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة.

ورغم اختلاف الفقهاء في هذه المسألة بين المنع مطلقا والجواز مطلقا[116]، فإن الراجح هو أن هذا النهي من النبي صلى الله عليه وسلم محمول على التنزيه، وأنه نهي باعتبار مصلحة جزئية. وبالتالي فهذا نهي صادر من مقام الإمام باعتبار المصلحة وليس شرعا عاما. والله أعلم.

الفرع الثالث: في مجال الجهاد والحروب وما يترتب على ذلك:

  • الإذن بإعطاء القاتل سلب القتيل في المعركة:

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه”[117]، يقول ابن القيم: “وتنازعوا في السلب هل هو مستحق بالشرع كقول الشافعي، أو بالشرط كقول أبي حنيفة ومالك على قولين، وهما روايتان عن أحمد”[118]. ومأخذ النزاع أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام، والحاكم، والقاضي، والمفتي، وهو الرسول، فقد يقول الحاكم بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما إلى يوم القيامة، وقد يقول بمنصب الإمامة فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت وذلك الزمان[119]. والحديث النبوي الذي بين أيدينا يدخل في منصب الإمامة؛ لأن “هذا لا يفهم أنه شرع عام يجب العمل به في كل حال، بل الشأن فيه أنه من الأحكام السياسية التي تختلف باختلاف المصالح في كل عصر”[120]. فمنح السلب للقاتل هو من قبيل التنفيل الذي يقصد به التحريض على القتال، وأن للإمام الاختيار في فعله أو تركه[121]، فهو ليس من قبيل الشرع العام الثابت الذي لا يجوز مخالفته، بل سياسة شرعية اجتهادية.

  • سياسته صلى الله عليه وسلم في تقسيم الأرض المفتوحة:

ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر وزع جزءا كبيرا من أراضيها على المقاتلين[122]. وفتح مكة عُنوة على الصحيح[123] ولم يقسمها. فدل ذلك على أن تصرفه صلى الله عليه وسلم بالتقسيم إنما كان بمقتضى الإمامة؛ لأنه “لم يكن له تصرف واحد في الأرض المفتوحة عنوة، فكان يتصرف فيها باجتهاده في مصالح المسلمين، فأحيانا يقسمها على المقاتلين وأحيانا يتركها بيد أهلها من غير شرط كما فعل في أرض مكة”[124]. ولذلك فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما فتح أرض السواد رفض تقسيمها كما تقسم الغنائم من الأموال المنقولة، ورأى أن المصلحة تقتضي أن يوقف ملكيتها على الأمة كلها فتكون ملكية عامة، وهذا رأي أغلب الصحابة.

ونتيجة القول في هذه المسألة، أن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن من باب الفتوى والتبليغ وإنما كان من باب الرياسة والقيادة للأمة، وما ثبت عنه من تقسيم بعض الأراضي المفتوحة على المقاتلين، يدل على جواز اجتهاد الإمام في ما هو مصلحة للمسلمين.

  • حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في الجاسوس:

لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الجواسيس تعاملا واحدا في كل حالة يكتشف فيها أمر جاسوس ويقبض عليه؛ فمرة أمر بقتله ومرة أمر بإعفائه، وذلك حسب الظروف وحال الجاسوس ومصلحة المسلمين، فعن سلمة بن الأكوع، أنه جاء جاسوس من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل، فلما انسل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اطلبوه واقتلوه، فقتله، فنفله سلبه”[125]. ذلك أن الباعث على قتله هو “أنه اطلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه وكان في قتله مصلحة للمسلمين”[126]. ويفهم من هذا الكلام أن قتل الجاسوس الحربي المشرك ليس عقوبة حتمية وحكم ثابت وإنما هو خاضع لأمر الإمام السلطان يفعل في حقه ما يراه مناسبا لمصلحة المسلمين.

وفي الإعفاء عن الجاسوس، ما ثبت عن علي بن أبي طالب أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال لنا: “انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب فخذوه منها، وفي رواية: خذا منها الكتاب، وخليا سبيلها”[127]. والكتاب الذي معها من حاطب بن أبي بلتعة، وهو مسلم، يخبر أناسا من المشركين من أهل مكة ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين[128].         والشاهد عندنا هو أن النبي عليه السلام عفا عن حاطب بن أبي بلتعة، ولم يقتله أو يعذبه، لصدقه في دعواه، ولأنه من أهل بدر عسى الله أن يكون قد غفر لهم، كما عفى عن المرأة حاملة الكتاب.

ومنه اختلف الفقهاء في حكم قتل الجاسوس المسلم؛ وخلاصة كلامهم وأرجحه ما جاء عن الإمام مالك حينما سئل عن الجاسوس المسلم يؤخذ وقد كاتب الروم، فقال: “ما سمعت فيه بشيء وأرى فيه اجتهاد الإمام”[129].

وهكذا يكون قتل الجاسوس المسلم راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه، والله تعالى أعلم.

  • طلب الدعم المالي والإستخباري من غير المسلمين:

كان من سياسته عليه الصلاة والسلام في أمور الحرب والقتال الاستعانة ببعض المشركين والكفار غير المعادين للدولة الإسلامية، سواء في الدعم المالي أو الإستخباراتي، إذا اقتضت الضرورة الحربية والمصلحة العامة لذلك.

ففي الدعم المالي ما استعاره الرسول صلى الله عليه وسلم من الأسلحة من صفوان ابن أمية، وهو حينها لا زال مشركا ولم يسلم، لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يا صفوان هل عندك من سلاح؟ قال صفوان: عارية أو غصبا؟ قال:”لا، بل عارية”. فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حُنَيْنًا، فلما هُزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها درعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان: “إنا فقدنا من أدرعك أدرعا، فهل نغرم لك؟” قال: لا يا رسول الله! لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ”[130]. وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم. وفي مسند الإمام أحمد[131]؛ أنها كانت يوم خيبر وليس حنين.

وهذا الحديث دليل على مشروعية قبول المسلمين الدعم المالي من غيرهم؛ من أجل الاستعانة به في قتال أعدائهم أو في أمور دنياهم.

وأما طلب الاستعانة بغير المسلمين في القضايا الإستخبارية وجمع المعلومات عن العدو فهي كثيرة في السيرة النبوية؛ ففي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم استعان ببعض المشركين من قبيلة خزاعة، وهي لم تزل حينها في الشرك، في رصد تحركات قريش واستعداداتهم في غزوة الحديبية[132]. مما يعطي المشروعية على إمكانية الاستعانة بغير المسلمين الغير المعادين لدين الإسلام ودولته في القضايا الاستخباراتية، إذا كانت في مصلحة المسلمين. يقول ابن القيم: “الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائز عند الحاجة، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخبارهم”[133].

لكن لا بد لهذه المشروعية أن تضبط بضوابط المصلحة الشرعية عند تنزيل هذا الحكم في كل زمن يحتاج المسلمون فيه لذلك، وهذه الضوابط هي:

أ- أن تكون هناك حاجة ومصلحة شرعية في طلب هذا الدعم أو قبوله.

ب- أن لا يعطي المسلمون أي تنازلات شرعية تمس ثوابت الإسلام.

ج- أن لا يكون لهذا الدعم وهذه المساعدة عواقب مستقبلية سيئة على المسلمين.

ولا بأس أن يقبل المسلمون ببعض الشروط التي لا تضر بثوابتهم الدينية ولا تضر بمصالحهم الكبرى[134]. وهذا يقدر بقدره في كل وقت وحين، فما كان جائزا في زمن ما، قد لا يكون جائزا في زمن لاحق، والعكس كذلك؛ فما كان غير جائز في زمن ما ومكان ما قد يجوز في مكان وزمان آخرين، فكل ذلك خاضع إلى تقديرات المصلحة العامة، والحكم الشرعي تبعا له وجودا وعدما.

  • سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في أسرى الحرب:

وهنا يبدو تصرفه عليه السلام بالإمامة واضحا، فرغم أن الآية القرآنية خيرت الرسول صلى الله عليه وسلم في الأسرى بعد أن تضع الحرب أوزارها؛ أحد أمرين: إما المن عليهم وإما الفداء لقوله تعالى:”حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق؛ فإما منا بعد وإما فداء[135]؛  إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المسلمين، كان يمن على الأسرى أحيانا، ويأخذ الفداء منهم أحيانا أخرى ، وفي بعض الأحيان يقوم بمبادلة أسرى المسلمين بهم، أو تعليمهم بعض أبناء المسلمين القراءة والكتابة. بالإضافة إلى أنه كان يستعمل القتل والاسترقاق أحيانا أخرى، مع أن أحكام الأسرى واضحة في الآية الكريمة. كل ذلك كان يفعله بمنصب الإمامة إذا رأى في ذلك مصلحة عامة للدولة[136]. ولأن تصرفه في مثل هذه المواقف يكون حسب المصلحة الجزئية التي تفرضها البيئة الحالية الزمانية والمكانية.

أما الآن وقد تغيرت الأمور وأصبح القانون الدولي السائد يمنع قتل الأسرى ويمنع الاسترقاق، فعلى الإمام المسلم العادل أن يأخذ بعين الاعتبار هذه التطورات دون أن يغفل تحقيق الأهداف الكبرى للشريعة، ويتصرف بما تقتضيه الظروف الحالية ومصلحة الأمة؛ بتغيير الوسائل والحفاظ على الثوابت والمقاصد.

خلاصة:

والخلاصة مما سبق تقريره، أنه لا يلزم ولاة الأمور في وقتنا الحاضر تدبير المالية العامة وطريق إنفاذها، وترتيب الجيوش وطريقة حماية الثغور بنفس التدابير التي كانت عليها الأمة الإسلامية في بداية تكوينها لتغير الواقع وتطور الحاجات، إذ ليس مما يتفق مع طبيعة النظام وما تتطلبه حاجات الأمة في العصر الحاضر أن توزع غنائم الحروب على المجاهدين والمقاتلين كما كانت تقسم عليهم في صدر الإسلام، لأنه أصبح للجيوش نظام خاص وقانون يسري على جميع وحداتها، و صارت نفقات الجنود والعسكر ومعداتهم مكفولة من مال الدولة، يستوي في ذلك الغني والفقير، “ولا يصح في تصرف من التصرفات أو حكم من الأحكام التي تسن لتحقيق مصلحة عامة أن يقال إنه مناقض للشريعة بناء على ما يرى فيه مخالفة ظاهرية لدليل من الأدلة، بل يجب تفهم هذه الأدلة وتعرف روحها، والكشف عن مقاصدها وأسرار الشريعة فيها، والتفرقة بين ما ورد على سبب خاص وما هو من التشريع العام الذي لا يختلف و لا يتبدل، فإن مخالفة النوع الثاني هي الضارة المانعة من دخول أحكام السياسة في محيط شريعة الإسلام”[137].

إن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة تمثل التطبيق العملي للوحي، والتنزيل الواقعي لمفردات المنهج الرباني، وأهمية هذا الأمر يكمن في أن هذا التطبيق كان الوحي يواكبه بالتوجيه والتصويب، فهو بالتالي يعطينا مثالا للاحتذاء في حركية الشريعة وواقعيتها، وفي مرونتها وإمكانات مواكبتها للمستجدات.

و يمكننا استنتاج أهم فوائد هذه التصرفات في ثلاثة أنواع من التعليلات، وهي:

  -التدرج في تنزيل أحكام الدين على الوقائع،

 – مراعاة اختلاف أحوال الناس وخصوصيات الواقع،

 –  الأخذ بعين الاعتبار الأحوال الطارئة على المجتمع،

كل ذلك يوحي إلى البعد التنزيلي في فقه السيرة النبوية، وهذا ما سنفصل فيه في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.

…………يتبع…………


[1] الإحكام، القرافي، ص:105.

[2] التصرفات النبوية السياسية؛ دراسة أصولية لتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، العثماني سعد الدين، ص: 106.

[3] ينظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن القيم، ص: 29-30.

[4] ينظر: الأشباه والنظائر، ابن السبكي، 2/285-286.

[5] ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص: 215.

[6] الإحكام، القرافي، ص: 108-109.

[7] ينظر: لسان العرب، ابن منظور، (مادة: سوس).

[8] أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم:3267.

[9] المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تقي الدين المقريزي، 3/82.

[10] المقدمة، ابن خلدون، ص:191.

[11] الطرق الحكمية، ابن القيم، ص: 12-13.

[12] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمان تاج، تقديم وتعليق: محمد عمارة، ص: 25.

[13]المرجع السابق، ص: 26-27 بتصرف.

[14] السياسة الشرعية من التأصيل إلى التجديد، رشيد كهوس، ص: 26.

[15] ينظر: المرجع السابق ، ص:63.

[16] ذكر الماوردي جملة من هذه المقاصد الفرعية أثناء عرضه لوظائف الإمام ومهامه على رأس الحكومة والدولة. ينظر: الحكام السلطانية، ص: 40 وما بعدها.

[17] السياسة الشرعية، رشيد كهوس، ص: 69.

[18] أدب الدنيا والدين، الماوردي ، ص: 133.

[19] السياسة الشرعية في العهد النبوي، عبد الصمد الرضى،  مجلة منار الهدى، العدد:3، سنة: 2003م، ص:40-41.

[20] الهجرة إلى الحبشة نموذجا. ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/344. والطبقات، ابن سعد، 1/204.

[21] ابن الدًغِنة هو الحارث بن يزيد، والدغنة اسم أمه، وهو من قبيلة القارة أخو بني الحارث بن بكر، وكان سيد الأحابيش، كذا قال ابن حجر في الفتح، 4/475.وابن كثير في السيرة النبوية،2/63.

[22] الهجرة الأولى والثانية للحبشة، الرحلة إلى الطائف، بيعة العقبة…وغيرها. ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/334و1/419-422 و2/41-42-63. والطبقات الكبرى، ابن سعد، 1/204و1/221 .

[23] لم تصح رواية في تحديد وقت إسلام عمر بن الخطاب بدقة، ولكن ابن إسحاق جعل إسلام عمر بعد هجرة الحبشة الأولى. ينظر: فتح الباري، ابن حجر، 7/183. والسيرة النبوية الصحيحة، ضياء العمري، ص:204.

[24] قالت أم سلمة: “وأعطى النجاشي-ملك الحبشة- الأمان للمسلمين، فأقاموا مع خير جار وخير دار”. ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/289-293. والسيرة النبوية الصحيحة، ضياء العمري،  ص:199-201.

[25] ذكر بنود وشروط بيعة العقبة الثانية الإمام أحمد في مسنده، 3/322-323 بإسناد حسن. والحاكم في المستدرك، 2/624-625 وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي. ينظر: السيرة النبوية الصحيحة، ص:228-229.

[26] السياسة الشرعية من التأصيل إلى التجديد، رشيد كهوس، ص: 58.

[27] غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، ص: 15.

[28] التصرفات النبوية السياسية، العثماني، ص:146-147.

[29] هو الخائن في المغنم والسارق من الغنيمة قبل القسمة. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 3/380.

[30] أخرجه أبو داود في السنن، باب في عقوبة الغال، رقم:2713. والحاكم في المستدرك، كتاب قسم الفيء، رقم:2584، واللفظ له، وقال حديث حسن غريب صحيح ولم يخرجاه. وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الحدود، باب ما جاء في الغال ما يصنع به، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

[31] أخرجه مسلم في  كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، رقم:4669.

[32] أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، رقم:644. ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها.

[33] أخرجه النسائي في السنن، كتاب قطع السارق، باب الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين. وحسنه الألباني في إرواء الغليل، حديث رقم: 2413.

[34] أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب اللقطة، باب التعريف باللقطة. وعبد الرزاق في المصنف، كتاب اللقطة. وغيرهما. وصححه الألباني في صحيح أبي داوود، برقم:1411.

[35] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة، رقم:1575. والنسائي في السنن، كتاب الزكاة، باب عقوبة مانع الزكاة، رقم:2444. وحسنه الألباني، مشكاة الفقر، برقم:64.

[36] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمان تاج، ص: 207.

[37] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع الخمر والنهي عن ذلك. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، حديث رقم: 1293.

[38] أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم:2477. ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر، وكتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.

[39] أخرجه مسلم في  كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن لبس الثوب المعصفر، رقم:5557.

[40] أخرجه مسلم في  كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، رقم:6769.

[41] أخرجه أحمد في المسند، مسند الشاميين، حديث معاوية بن أبي سفيان،14/184، رقم:16847 واللفظ له. وأبو داوود في السنن، كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر، رقم:4482. وصححه الألباني في السلسة الصحيحة، رقم:1360، وفي صحيح النسائي رقم:5677.

[42] ينظر: الطرق الحكمية، ابن القيم، ص: 36.

[43] أخرج أبو داود في السنن، كتاب الأقضية، باب في الحبس في الدين وغيره، رقم:3630. والترمذي في السنن، كتاب الديات، باب ما جاء في الحبس في التهمة، وحسنه. ووافقه الألباني في صحيح الترمذي، برقم: 1417.

[44] ينظر: الطرق الحكمية، ابن القيم، ص:32.

[45] أخرجه مسلم في  كتاب التوبة، باب براءة حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الريبة، رقم:2771.

[46] أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره، رقم:1672 واللفظ له. والبخاري برقم:2746، بلفظ: “فرُضَّ رأسه بالحجارة”.

[47] ينظر: الطرق الحكمية، ابن القيم، ص:37.

[48] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب من قتل عبده أو مثل به أيقاد منه؛ برقم:4515. وعند الترمذي، رقم:1414 وقال:”حسن غريب”. وقال ابن العربي: صحيح، عارضة الأحوذي،3/382.

[49] منتقى الأخبار، ابن تيمية، 7/156-157. وينظر: السياسة الشرعية، عبد الرحمان تاج، ص:207.

[50] أخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب في الرجل يزني في حريمه، برقم: 4457، وابن حبان في صحيحه، ذكر الزجر عن تزوج المرء امرأة أبيه، رقم:4112. وصحح الألباني في صحيح النسائي، رقم:3331.

[51] نيل الأوطار، الشوكاني، 7/286.

[52] الطرق الحكمية، ابن القيم، ص:32.

[53] تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة، الدلالات المنهجية والتشريعية، سعد الدين العثماني، ص: 84.

[54] غزوة تبوك: كانت في شهر رجب سنة تسع من الهجرة، وكان الفصل صيفا والناس في عسرة من العيش. ينظر: السيرة النبوية الصحيحة، ضياء العمري ص: 583.

[55] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم عن النار.

[56] المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، 1/198.

[57] حديث صلح الحديبية أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط والجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، رقم:2583.

[58] أخرجه مسلم في  كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، رقم:1783.

[59] شرح صحيح مسلم، النووي، 12/189.

[60]  أي لا يقطع الرطب من نباتها.

[61] تقدم تخريجه، ص: 368.

[62] شرح تنقيح الفصول، ص:342.

[63] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، وكتاب الزكاة، باب من يخاف على إيمانه، رقم:150.

[64] ينظر: شرح صحيح مسلم، النووي، 2/293.

[65] تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم وأثرها في اختلاف الفقهاء، أسد الله بن شيرزمين، ص: 31.

[66] ينظر من أجل التفصيل: الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، محمد مصطفى شلبي، ص: 140.

[67] البَبّان:(بتشديد الباء الثانية) هو المعدم الذي لا شيء له، والمعنى: لولا أني أتركهم فقراء معدمين لا شيء لهم، أي متساوين في الفقر. النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 1/91.

[68] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم:4235.

[69] سورة الأنفال، الآية: 41.

[70] أخرجه البخاري في كتاب المساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب من النهار، رقم:2429. ومسلم في الصحيح، كتاب اللقطة، رقم:1722.

[71] أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في الضوال. وانظر الاستذكار لابن عبد البر،7/255.

[72] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، تاج عبد الرحمان، ص:54.

[73] الحديث أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب الدية كم، رقم::4544. وابن ماجة في السنن، كتاب الديات، رقم:2631. قال الألباني: “إسناده حسن”، تخريج مشكاة المصابيح، برقم:3428.

[74] الاختيار لتعليل المختار، عبد الله بن محمود الموصلي الحنفي، ، تعليق الشيخ محمود أبو دقيقة، 5/59

[75] تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة وصلتها بالتشريع الإسلامي، أحمد يوسف، رسالة دكتوراه، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، قسم الشريعة الإسلامية؛ ص:18.

[76] أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير، رقم:1453.

[77] أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير، رقم:3678.

[78] مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور، ص:28.

[79] ضوابط الاجتهاد التنزيلي، عبد الرزاق وورقية،  ص:65.

[80] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص:233. والأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص:123.

[81] ينظر: الطرق الحكمية، ابن القيم، ص: 14 وما بعدها، بتصرف.

[82] هو الكتاب الذي وجهه الخليفة الصديق رضي الله عنه إلى البحرين. وهذا الحديث رواه أنس، وقال فيه النووي: “مدار نصاب زكاة الماشية على حديثي أنس وابن عمر رضي الله عنهما”. ينظر: المجموع؛ 5/382.

[83] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، رقم:1454.

[84] فقه الزكاة، القرضاوي،  ص:190.

[85] حديث تقدير زكاة الفطر؛ أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخذري، كتاب زكاة الفطر، باب صاع من زبيب. وفي رواية عن ابن عمر، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك، رقم:1511.

[86] كيف نتعامل مع السنة النبوية، القرضاوي، ص:138.

[87] متفق عليه؛ أخرجه البخاري في  كتاب الحج، باب كيف كان بدء الرمل، رقم:1602. ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل، 1266.

[88] أخرجه البخاري في كتاب الحج ، باب الرمل في الحج والعمرة، رقم:1605.

[89] شرح صحيح مسلم، النووي، 9/10.

[90] أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، برقم: 467.

[91] أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طول، رقم:672. ومسلم في كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، رقم:466.

[92] أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، رقم:678. ومسلم في كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، برقم:470.

[93] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب البيوع، باب ما جاء في التسعير، وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم:1314.

[94] أخرجه أبو داود مطولا في السنن، كتاب الإجارة، باب التسعير، رقم:3450. وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، تخريج المسند، برقم:8852. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:2836.

[95]ذكر ابن عبد البر أن “الحق التسعير وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد”. ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، 1/630. ويذهب ابن تيمية إلى وجوب التسعير في بعض الأحيان وليس الجواز فقط، يقول: “هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز، ومنه ما هو عدل جائز؛ فإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو-أي التسعير- جائز بل واجب”. مجموع الفتاوي، ابن تيمية، 28/76.

[96] ضوابط المصلحة، البوطي، ص:183.

[97] ينظر: الاختيار لتعليل المختار، عبد الموصلي، 3/76.

[98] أخرجه البخاري في الصحيح معلقا ، كتاب المزارعة، باب من أحيى أرضا مواتا، رقم:2335. والترمذي موصولا في السنن، كتاب الأحكام عن رسول الله، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات، برقم:1379.

[99] ينظر: المبسوط، السرخسي، 3/29.

[100] ينظر: المدونة الكبرى، مالك، 4/473؛ ويشترط : أن تكون بعيدة عن العمران. وينظر: الإحكام، القرافي، ص:111.

[101] ينظر: كتاب الخراج، أبو يوسف، ص:77 وما بعدها.

[102] أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب القضاء على الغائب، برقم:6644. ومسلم في كتاب الأقضية، باب قضية هند، رقم:1714.

[103] ينظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي، أبو إسحاق الشيرازي، 3/424.

[104] ينظر للتوضيح: النظام القضائي في الفقه الإسلامي، محمد رأفت عثمان، ص:223.

[105] ينظر: المغني، ابن قدامى، 12/229. والمدونة الكبرى، الامام مالك، 4/445

[106] وتسمى الضربة التي تصل إلى أم الدماغ بالمأمومة. ينظر: النهاية، ابن الأثير، 1/68.

[107] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع، باب في الرجل يقول في البيع: لا خلابة، رقم:3500. وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، تخريج صحيح ابن حبان، برقم:5051.

[108] أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، برقم:3643. والنسائي في سننه، كتاب الضحايا، باب الإذن في ذلك، برقم:4350.

[109] أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي. وأبو داود في سننه، كتاب الضحايا، باب في حبس لحوم الأضاحي، برقم:2429.

[110] ينظر: الرسالة، الشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر، ص:135-241.

[111] المصدر السابق، هامش ص:242.

[112] السنة مصدرا للمعرفة والحضارة، القرضاوي، ص:61.

[113] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، رقم:2193.

[114] ينظر: مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص:34.

[115] ينظر: اقتصادنا، باقر الصدر، ص:658.

[116] ينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد، 2/149-151.

[117] أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلا فله سلبه، رقم:2909. ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، رقم:3295.

[118] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/337.

[119] ينظر: زاد المعاد، ابن القيم،  3/189-190

[120] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، تاج عبد الرحمان، ص: 56.

[121] ينظر: بدائع الصنائع، الكساني، 7/115.

[122] الحديث أخرجه أبو داود في السنن، رقم:3012. وقال فيه شعيب الأرناؤوط: “إسناده صحيح على شرط البخاري”، تخريج مشكاة الآثار، برقم:2912.

[123] قال ابن تيمية: “وقد ثبت أنه فتح مكة عنوة كما استفاضت به الأحاديث الصحيحة، بل تواتر ذلك عند أهل المغازي والسير”. ينظر: مجموع الفتاوي؛20/574. وقال ابن القيم: “فتحت مكة عنوة كما ذهب إليه الجمهور” زاد المعاد، 3/429، وقال المحقق الأرناؤوط: إسناده حسن، تخريج زاد المعاد، 3/291.

[124] فقه السياسة الشرعية في السنة النبوية، عباس أنس حميد، ص:248

[125] أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان، رقم:2886.

[126] فتح الباري، ابن حجر، 9/283.

[127] أخرج البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح وما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم، رقم:3007. ومسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة، رقم:4677.

[128] ينظر: أقضية الرسول، محمد بن فرج، ص:34.

[129] ونقل عن بعض المالكية جواز قتله، ومنعه أبو حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة. ينظر: السياسة الشرعية، ابن تيمية، 1/97. والتاج والإكليل لمختصر خليل، أبو القاسم محمد المواق، 3/357. وشرح السير الكبير، أبو سهيل السرخسي، 5/354. وزاد المعاد، ابن القيم، 3/371.

[130] أخرجه أبو داود في السنن، ما جاء في تضمين العارية، رقم:3563.  والطحاوي في شرح مشكل الآثار، رقم:4457، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم:11813، واللفظ له. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم:3563

[131]  المسند، أحمد بن حنبل، رقم:15337، 3/400. وذكر ابن سيد الناس في عيون الأثر أنها غزوة هوازن، 3/244.

[132] ينظر: صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب متى يستوجب الرجل القضاء، رقم: 3944. والسيرة النبوية، بتهذيب ابن هشام، 3/308.

[133] زاد المعاد، ابن القيم، 3/301.

[134] ينظر: فقه السياسة الشرعية في السنة النبوية، أنس عباس، ص:171.

[135] سورة محمد، من الآية:4.

[136] أنظر: زاد المعاد، ابن القيم، 5/62-63.

[137] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمان تاج، ص:57-58.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.