الحلقة 13: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة 13: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الاجتهاد التنزيلي في العهد النبوي
تمهيد:
تقوم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وحركته في اتجاه إصلاح شؤون الأمة وهداية الناس إلى الطريق المستقيم ومن أجل نجاتهم في العاجل والآجل؛ على أساسين كبيرين متينين، انبنت عليهما كل ركائز ومرافق البناء الإسلامي فيما بعد، وهما: الوحي الكريم والاجتهاد المسدد.
– فالوحي بنوعيه، القرآن الكريم والسنة الشريفة، كان هو المصدر الأساس لكل خطوات الحركة النبوية القولية والعملية، وهو منبعث جميع القواعد المؤسسة للتعاليم والتوجيهات الشرعية في الحياة العامة للأمة، والرسول صلى الله عليه وسلم هو رمز وقدوة التطبيق العملي الكامل لما ينزل من السماء، فهو صاحب الرسالة وهو إمام الأمة، وهو منقذ البشرية وموجهها إلى تحقيق مقاصد الوحي، قال تعالى:”يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمومنين“[1]؛ هي مقاصد أربعة إذن: موعظة وشفاء وهدى ورحمة، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بوظيفة المرسل بها لتبليغها للناس وبيانها لهم.
– أماالركن الثاني: فهو الاجتهاد؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على طول سيرة حياته، المرجع الوحيد لفض ما يظهر من نوازل ومستجدات تقتضي حلا، أو قضايا عاجلة تستوجب حكما سماويا عن طريق وحي منزل، أو اجتهاد مسدد.
المطلب الأول: اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام، طيلة حياته، المرجع الوحيد لفض ما يظهر من نوازل تقتضي حلا، وقضايا تستوجب حكما، سواء عن طرق الوحي أو عن طريق الاجتهاد حينما ينقطع الوحي، أو حين لا يفصح الوحي السماوي عن حكم الواقعة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في الأحكام والقضايا التي لم ينزل بها وحي من الله عز وجل، وهذا الاجتهاد هو العنوان والعلامة على بشريته وإنسانيته. وإن المتابعة للنصوص ترشدنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له بالاجتهاد، فقد أجمع العلماء على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو “سيد المرسلين والناس أجمعين، وهو قدوتهم وأوْبَتُهم إذا أخطأوا الطرق، وتشابهت عليهم السُّبُل. كما وقع الإجماع على أنه يجوز عقلاً تعبد الأنبياء بالاجتهاد كغيرهم من المجتهدين، كما أجمعوا أيضا على أنه يجوز له الاجتهاد فيما يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب وغيرها”[2].
وقبل ذكر أنواع التصرفات الاجتهادية النبوية، نبين بإيجاز مواقف الفقهاء حول هذه المسألة.
- الفرع الأول: تحرير الخلاف في مسألة اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
اختلف الأصوليون في جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم جواز ذلك إلى عدة مذاهب، ويمكن تلخيص هذه الآراء في قولين أساسيين هما:
–القول الأول: طائفة من الأصوليين[3] يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز له عقلا أن يجتهد في الأمور الشرعية فيما لم ينزل به الوحي ويعمل بالرأي فيما لا نص فيه، وإلى هذا ذهب ابن الحاجب والآمدي والحنفية والحنابلة، وإليه كذلك ذهب بعض الشافعية. وفي هذا يقول الغزالي:”اختلفوا في النبي، عليه السلام، هل يجوز له الحكم بالاجتهاد فيما لا نص فيه؟ والنظر في الجواز والوقوع؟ والمختار جواز تعبده بذلك؛ لأنه ليس بمحال في ذاته و لا يفضي إلى محال مفسدة”[4]، وبنفس المعنى يقول ابن تيمية:”يجوز لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يحكم باجتهاده فيما لم يوح إليه”[5].
ومن داخل هذا القول اختلف المجوزون في محل اجتهاده صلى الله عليه وسلم؛ هل يجوز ذلك في أمور الدين والدنيا، أم في أمور الدنيا فقط؟.
فقد ذهب الإمام القرافي إلى أن الخلاف وقع في الفتوى، أما في الأقضية فقد حكى الاتفاق على جوازه، قال: “ومحل الخلاف في الفتاوى، أما في الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها بالإجماع”[6]. ووافقه على ذلك جمال الدين الإسنوي حيث قال: “اتفقوا على وقوع الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في الأقضية وفصل الخصومات”[7]. كما نقل عبد العزيز البخاري الاتفاق على جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الحروب وأمور الدنيا، حينما قال: “وكلهم اتفقوا على جوازه في الحروب وأمور الدنيا”[8]. وبهقال الشوكاني في إرشاد الفحول: “أجمع العلماء على جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم عقلا وقد وقع ذلك منه فعلا، كما في مصالحة غطفان مقابل ثمار المدينة، وفي تأبير النخل بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة”[9]. وسنعود لواقعتي تأبير النخل ومصالحة غطفان بالتفصيل في مبحث التطبيقات من هذا الفصل.
–القول الثاني: ذهبت طائفة أخرى إلى عدم جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام الشرعية، ومنهم؛ ابن حزم وأبو علي الجبائي وأبو هاشم-ابنه- وغيرهم. وفي هذا يقول ابن حزم: “ومن ظن أن الاجتهاد يجوز للأنبياء عليهم السلام في شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كُفر عظيم، ويكفي من إبطال ذلك قوله تعالى:”قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي، إن اتبع إلا ما يوحى إلي“[10].
ونسب الإمام الشوكاني هذا القول إلى الأشعرية، وهو قول جمهور المعتزلة[11]. ودليلهم بالإضافة إلى الآية التي اعتمد عليها ابن حزم في حجته سابقا، قولهم:”أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي في كثير من الحوادث؛ كالطهارة(…) وقالوا: لو كان في الأحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا يجعل أصلا للقياس، وأن يخالف فيه، وأن لا يكون مخالفا مخطئا، بيد أن هذه اللوازم باطلة فيما يرجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم(…)وقالوا: إن الاجتهاد لا يفيد إلا الظن، والنبي صلى الله عليه وسلم، قادر على اليقين بانتظار تلقي الوحي، والقادر على تحصيل اليقين لا يلجأ إلى الظن”[12].
وفي حقيقة الأمر أنه حتى هؤلاء المانعين اتفقوا على جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا ومكايد الحرب وأمور السياسة الشرعية. فهذا ابن حزم يقول:”وأما أمور الدنيا ومكايد الحرب، مالم يتقدم نهي عن شيء من ذلك وأباح الله تعالى له التصرف فيه كيف شاء، فلسنا ننكر أن يدبر عليه السلام كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا، فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره، وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع”[13].
وهكذا يبدو أن العلماء إنما اختلفوا في جواز اجتهاده في الأحكام الشرعية والفتاوى الدينية[14]، ولم يختلفوا في قضايا السياسة الشرعية، فقد نقل الإجماع على جواز الاجتهاد في ذلك.
فإذا كان لا بد للعلماء ولأولي الأمر في الدين أن يجتهدوا؛ سواء في القضايا التي ورد فيها نص وذلك بالاجتهاد في فهم الأحكام الشرعية بعد استنباطها، أو الاجتهاد في تطبيقها على واقع المكلفين، وسواء بالاجتهاد في الأمور المستجدة التي لا نص فيها، لأن “الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة”[15]، ولأن الله عز و جل شرع للحاكم المسلم أن يجتهد، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر”[16]. فإذا كان هذا مقام المجتهدين من أهل الحكم والعلم، لأنه مستطاعهم، فإن “غَوْره هو اللائق بمرتبة أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد فيه وحي، فبحثه عن الحكم أوسع مدًى من مدى أبحاث عموم المجتهدين، وتنقيبه عن المعرض أعمق غورا من تناوشهم، لئلا يفوت سيد المجتهدين ما فيه من صلاح ولو ضعيفا، ما لم يكن إعماله يُبطل ما في غيره من صلاح أقوى”[17]، ولذلك قال الشافعي: يجوز أن يكون في أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم ما صدر عن الاجتهاد، وهو قول أبي يوسف أيضا، زد على ذلك أن للعلماء وراثته في الاجتهاد، فإن لم يكن مجتهدا عليه الصلاة والسلام كيف يرثونه عنه وقد قال: “إن العلماء ورثة الأنبياء”[18]. كما أنه لو جاز لغيره صلى الله عليه وسلم الاجتهاد مع كونه معرضا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ أولى[19].
ومنه يمكن القول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهد وحق له ذلك، كما أجاز لمن بعده أن يجتهد. وزيادة في التوضيح سنعرض فيما يستقبل من المباحث لمجموعة من التصرفات الاجتهادية الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم مصنفة حسب مراتب الاجتهاد التنزيلي.
- الفرع الثاني: تصنيف تصرفاته صلى الله عليه وسلم حسب مناصب الاجتهاد التنزيلي:
إن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ليست على نوع واحد من حيث علاقتها بالأحكام والتشريع، لأن الأنشطة الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم تتعدد باختلاف القرائن والأحوال التي تصاحب هذه التصرفات. وهذا التميز تظهر أهميته في بناء منظومة فقهية اجتهادية تعتمد كدعامة أساسية في مواكبة مصالح الناس عبر العصور، وتفتح للأمة باب الارتقاء والتطور ومسايرة مختلف الأحوال والظروف.
وقد استنتج العلماء من خلال استقراء تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم أنها تنقسم إلى عدة أقسام، وذلك بحسب القرائن والدلالات المصاحبة:
– ويعتبر ابن قتيبة الدينوري، في القرن الثالث الهجري؛ أول من لفت الأنظار إلى أن السنة النبوية تنقسم إلى عدة أقسام[20]؛ “من حيث كونها تفيد التشريع الملزم لجميع الأمة، أو كونها وحيا محضا، أو وحيا مفوضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الترخيص فيه، أو كونها للاختيار المستحب الباعث على الترقي والكمال دون إلزام”[21]، وأساس فكرته هي أن التصرفات النبوية ليست كلها في درجة واحدة من حيث الإلزام التشريعي.
– وجاء الإمام القرافي المالكي في القرن السابع الهجري؛ فميز بين التصرفات النبوية بين أربعة أنواع من المناصب من حيث الجهة وطرق الصدور، فقال: “اعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم إمام الأمة، وقاضي القضاة، وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولى منصبا في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا وهو متصف به، في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، لأن وصف الرسالة غالب عليه. ثم تقع تصرفاته، فمنها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من يغلب عليه رتبة، ومنهم من يغلب عليه أخرى”[22]. فالقرافي حدد تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في أربعة أنواع: تصرفه بوصف التبليغ وتصرفه بوصف الفتوى، وتصرفه بوصف القضاء، وتصرفه بوصف الإمامة.
– أما ابن القيم، في القرن الثامن، فلم يتجاوز تقسيمات الإمام القرافي، حيث قسم-هو الآخر- التصرفات النبوية إلى أربعة أنواع، فقال: “إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام، والحاكم(القاضي)، والمفتي، وهو الرسول، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة، فيكون شرعا عاما إلى يوم القيامة(…)وقد يقوله بمنصب الفتوى(…) وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي صلى الله عليه وسلم زمانا ومكانا وحالا”[23].
– ومن المتأخرين ذهب المحدث الهندي شاه ولي الله الدهلوي (ت1176هـ)، إلىأن السنة النبوية تنقسم إلى قسمين[24]:
القسم الأول: ما سبيله سبيل التبليغ والرسالة، ومنه علوم المعاد وعجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي وليس إلى الاجتهاد فيه مدخل. ومنه شرائع وضبط العبادات والارتفاقات، وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد. واجتهاده صلى الله عليه وسلم بمنزلة الوحي، لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطأ، ولا يلزم أن يكون اجتهاده استنباطا من النصوص، كما يظن، بل أكثره يكون مما علمه الله مقاصد الشرع، وقانون التشريع والتيسير، فيبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون. ومنه حكم مرسلة ومصالح مطلقة، لم يوقتها، ولم يبين حدودها كبيان الأخلاق الصالحة، وأضدادها، ومستندها غالبا الاجتهاد؛ بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط منها حكمة، وجعل فيها كلية. ومنه فضائل الأعمال ومناقب العمال، وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد.
والقسم الثاني: ما ليس من تبليغ الرسالة؛ وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة دون العبادة، وبحسب الاتفاق دون القصر.
ويؤخذ من كلام الدهلوي أن السنة التي يجب على الجميع إتباعها في كل زمان ومكان؛ هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حالة التبليغ والفتوى، أما ما كان عنه في حالة القضاء والإمامة فالأمر فيه سعة ولا يلزم الجميع اتباعها؛ لأنها تخضع لمتغيرات الوقائع والظروف وأحوال المكلفين عند التطبيق.
– وقد سلك كثير من العلماء مسلكا آخر في تقسيم السنة يغلب عليه التفصيل والتفريع، منهم الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه:”مقاصد الشريعة الإسلامية”[25]، والإمام محمد شلتوت في كتابه:”الإسلام عقيدة وشريعة”[26]، والدكتور محمد مصطفى شلبي في كتابه:”الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية”[27]. وتبعهم من المعاصرين الدكتور يوسف القرضاوي[28] والدكتور عبد الحميد المتولي[29]…وآخرون.
وبعد استعراضنا لأهم تقسيمات العلماء للسنة والتصرفات النبوية، القولية منها والفعلية، يمكننا تصنيف هذه التصرفات على سبعة مناصب مختصرة، نعرفها على الشكل التالي:
–الأول: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الرسالة والتبليغ: ونقصد بذلك؛ التصرفات التي صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه رسولا من عند الله تعالى، فالرسول؛ إنسان بعثه الله إلى الخلق لتبليغ الأحكام[30]، ومكلف بتبليغ تكاليف الشرع وأحكامه إلى الأمة، ولذلك قال الله تعالى آمرا:”يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك“[31]. فالأساس الذي قام عليه التصرف بالرسالة هو التبليغ عن الله، يقول القرافي موضحا ذلك: “وتصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ هو الرسالة، والرسالة هي أمر الله تعالى له بذلك التبليغ، فهو صلى الله عليه وسلم ينقل عن الحق للخلق في مقام الرسالة ما وصل إليه عن الله تعالى فهو في مقام مبلغ وناقل عن الله تعالى”[32]، بهذا يكون كل ما قاله أو فعله عليه الصلاة والسلام على هذا السبيل، حكما عاما على الناس، يلزم منه تنفيذ مقتضاه على الوجه الذي ورد لفظا ومعنى.
– الثاني: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الإفتاء:والفتيا تعني “الجواب عما يشكل من الأحكام”[33]، والمقصود به؛ إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالى عن دليل شرعي لمن سأل عنه في أمر نازل، يقول القرافي: “إن تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتيا هو إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تبارك وتعالى”[34]، وهذا التصرف منه عليه السلام هو شرع لنا إلى يوم الدين باعتبار أن الرسالة والفتيا كلاهما تبليغ وإخبار عن الله سبحانه، والفتيا جزء من الرسالة ووسيلة من وسائل بعض ما جاءت به الرسالة.
– الثالث: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء: ونعني به التصرفات النبوية التشريعية التي تقضي وتفصل في الخصومات وتقطع وتحل المنازعات، وهو قضاء يلزم المشاجرين ببينة وإقرار، يقول الله تعالى:”فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما“[35]. وقد عرف العلماء الحكم القضائي النبوي، حينما تطرقوا لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء، فقالوا: “الحكم إنشاء وإلزام من قبله صلى الله عليه وسلم بحسب ما يسنح من الأسباب والحجاج”[36]، وصفة الإلزام هذه هي أهم ما يميز القضاء عن الإفتاء.
فالمجتمع الإسلامي الأول كغيره من المجتمعات عرف منازعات ومخالفات حول الأنفس والأموال والأعراض والدماء وباقي أصول المعاملات[37]، فاحتاج ذلك إلى فصل في المنازعات حفاظا على حقوق الناس، لذا كان القضاء ضروريا لأداء هذا الدور، والرسول صلى الله عليه وسلم بصفته صاحب الشريعة العادلة هو من تصدى لهذا المنصب.
– الرابع: تصرفاته صلى الله عليه وسلم بوصف الإمامة: ونعني بذلك التصرفات النبوية الزائدة على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء؛ هي تصرفات تتعلق بتدبير الشأن العام من جلب المصالح العامة للأمة ودرء المفاسد العامة عنها؛ لأن مسؤولية الإمام، كما أشار الإمام الجويني[38]، تتعلق بمهمات الدين والدنيا، وتناط به مهمة حفظ الحوزة ورعاية الرعية. والإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة وقتل الطغاة وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس من مهمات ووظائف إمامة الأمة.
فالرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى أنه نبي مرسل مبلغ عن الله تعالى، فهو إمام وحاكم للدولة الإسلامية في زمانه، فهو يشغل أعلى منصب سياسي في الدولة. ولهذا وجب التفريق بين تصرفاته بوصفه رسولا مبلغا مفتيا، وبكونه إماما يتصرف بحسب أحوال وظروف ذلك الزمان. فتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة منوط بالمصلحة الشرعية في الغالب، وهذا ما تقرره القاعدة التي تقول: “أن تصرف الإمام منوط بالمصلحة”[39]، وما قرره الرسول عليه الصلاة والسلام بطرق الإمامة لا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمامه الشرعي في زمانه[40]. وسنعود للأمثلة بالتفصيل لا حقا إن شاء الله.
– الخامس: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الطبيعة البشرية: وهذه التصرفات-والتي بعدها- لا تدخل ضمن الرسالة والتبليغ ولا ضمن الفتيا والقضاء والإمامة، وإنما هي تصرفات بشرية، باعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم بشر كغيره من البشر من حيث الخَلْق والتكوين، قال تعالى:”قل إنما أنا بشر مثلكم“[41]. هذا يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتصرف في كثير من الأحوال على سجيته وبمقتضى طبيعته البشرية، في أكله وشربه وطريقة مشيته وشكل لباسه، وكل ما أصله الإباحة؛ فهي أمور تصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بحكم العادة الجارية والجبلية، بل تبقى على أصل الإباحة[42].
– السادس: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الخبرة الفنية: ونعني بها مجمل التصرفات النبوية التي صدرت عنه في بعض المجالات المعينة التي تحتاج إلى دربة وفن وخبرة، كمجال الحرب أو الفلاحة أو الصناعة، فيكون هذا التصرف منه صلى الله عليه وسلم اجتهادا قابلا للحوار والتعديل، بل لا مانع من إبداء الرأي فيه والتوجيه من قبل أهل الاختصاص والخبرة في هذا المجال. وبالطبع هذه التصرفات لا يقصد بها الإلزام للأمة، والأمثلة على هذا كثيرة سنذكر بعضها في المطالب التطبيقية الموالية.
– السابع: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الخصوصية[43]: وهي مجموعة من التصرفات النبوية خص الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام من دون سائر المكلفين من المؤمنين، فهي تصرفات بمقتضى الخصوصية، وهي غير واجبة على الأمة. فقد انفرد صلى الله عليه وسلم عن غيره بالزواج بأكثر من أربعة، وعدم أخذه الصدقة، والوصال في الصوم وغير ذلك.
وقسم الإمام الآمدي أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والشرب ونحوه، وإلى ما ثبت كونه من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد، كاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم، وصفية المغنم، وخمس الخمس، ودخول مكة بغير إحرام، والزيادة في النكاح على أربع نسوة إلى غير ذلك من خصائصه[44]؛ مثل أمره بالسواك، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “أمرت بالسواك ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة”[45]. وهذه الأفعال إن كانت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة، فبعضها في حق الأمة نوافل مستحبة من قصد بها الإتباع والتأسي فهو متاب على فعله وعمله، إلا ما اختص به وحُرم على أمته.
المطلب الثاني: مؤسسة الاجتهاد في العصر النبوي.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفز الناس ويشجعهم على تبليغ الدعوة، ويحرضهم على الاجتهاد في ذلك بتوجيهاته عليه الصلاة والسلام؛ “بلغوا عني ولو آية”[46]، وفي التحفيز على ذلك بما يتاح من وسائل، قال صلى الله عليه وسلم: “لَأَنْ يُهْدى بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حُمْرِ النًعَمِ”[47]. فالوظيفة الأساسية لمقام النبوة الشريفة هو دوام تذكير الناس بمصيرهم، والعمل لآخرتهم، والدعوة إلى ذلك بالحسنى.
وفي كثير من الأحيان كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض المشكلات تقع لهم من خلال ممارستهم للعبادات أو المعاملات مع غيرهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يجيبهم بما يعلمه من الوحي أو ينتظر وحيا، أو يجتهد في ذلك؛
– فهذه عائشة رضي الله عنها تقول: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهدُ؟ فيجيبها صاحب الشريعة بما يصلح لها ولمثيلاتها، قال:”لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور”[48].
– وروى البخاري أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شِرَاجِ الحَرًةِ التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه. فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: “اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك”، فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: “اسق يا زبير، ثم أحبس الماء حتى يرجع إلى الجدار”[49]. وهذا يدخل ضمن اجتهاده صلى الله عليه وسلم في فتوى الحكم والقضاء.
– وعن جابر بن عبد الله قال: أقبل رجل بناضحتين وقد جنح الليل، فوافق معاذا يصلي، فترك ناضحه وأقبل على معاذ، فقرأ معاذ بسورة البقرة والنساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذا، فقال عليه الصلاة والسلام: “يا معاذ أفتان أنت؟ -وفي رواية: أفاتن ثلاث مرات- فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة”[50].
فإذا كان تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم يكتسي من جهة التبليغ صفة الثبات، حيث يبلغ حكم الله ويبينه للناس دون تبديل أو تغيير، فإن تصرفه عليه الصلاة والسلام بالقضاء والإمامة يكتسي صفة التغير والتحول، ويختلف باختلاف الأحوال والأوصاف والزمان والمكان والأشخاص، ونلمس ذلك من خلال ما سيأتي من نماذج تطبيقية لاجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم.
- الفرع الأول: أمثلة تطبيقية من الاجتهادات العملية في السيرة النبوية:
1- قصة عبوسه صلى الله عليه وسلم في وجه عبد الله بن أم مكثوم:
عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: أُنزلت{عبس وتولى} في ابن أم مكثوم الأعمى،أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا نبي الله أرشدني، وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ من عظماء المشركين، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يُعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول:”يا فلانأترى بما أقول بأسًا؟” فيقول: لا والدماء، ما أرى بما تقول بأسا، فنزلت:عبس وتولى…“[51].
فالنبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في الإعراض عن الأعمى عندما جاءه وهو مشغول بدعوة أكابر قريش إلى الإسلام، وقد بدت له بارقة رجاء في إسلامهم من خلال حديثهم معه، مطبقا من خلال اجتهاده قاعدة إعمال أرجح المصلحتين بحسب الظاهر، ولأن السرائر موكولة إلى الله تعالى سبحانه، فإسلام أسياد قريش وزعمائها فتح ونصر كبير للإسلام وقوة في انتشاره، وهذا المقصد مقدم في إسلام شخص واحد وضعيف سياسيا واجتماعيا. فالواقع الذي تعيشه الدعوة في مكة من معارضة شرسة وقلة حاملي الدعوة وضعفهم رجح الرأي في دعوة أسياد قريش وكبراءها بدل شخص واحد ينضاف إلى لائحة المضطهدين. واجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطئ “بحسب ما نصبه الله من الأدلة، ولكنه قد يخالف ما في علم الله تعالى، والله سبحانه لا يقر رسوله على ما فيه مخالفة لما أراده الله في نفس الأمر”[52]؛ وهو دليل لما تقرر في أصول الفقه من جواز الاجتهاد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم.
2 – أخذه صلى الله عليه وسلم الفداء من أسرى بدر:
روى الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال:”(…) فلما أسروا الأسارى، يوم بدر، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: “ما ترون في هؤلاء الأسارى؟” فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة-وفي رواية: قومك وأهلك- أرى أن تأخذ منهم الفدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله: “ما ترى يا ابن الخطاب؟” قال عمر:لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، فأنزل الله بعدها:”ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض….الآيات”[53]، فأحل الله الغنيمة لهم”[54]. وهذا الحكم كان في أول الإسلام، ثم جعل الخيار للإمام بين القتل أو المفاداة أو المن عليهم دون فداء[55]، ما عدا الأطفال والنساء، إذ لا يجوز قتلهم.
وهذه القضية شبيهة بالتي قبلها والموقف فيهما متماثل، فتدخل الوحي بعد اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليبين ضرورة التوازن بين مراتب المصالح فيما بينها، فرجح الإثخان عن الفداء لأهميته ومصلحته لواقع المسلمين حينها، وهم في بداية التكوين والإعداد والبناء.
والملاحظ في هذه الحادثة الاجتهادية أن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على مشاورته لأصحابه، خصوصا الصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أمر بالغ الأهمية في بناء مؤسسة الاجتهاد في كل عصر ومصر، فقد قال أبو هريرة: “ما رأيت أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم”[56].
ولمعرفة دور الشورى في بناء مؤسسة الاجتهاد في العهد النبوي، نورد بعض الأمثلة التي تحض على الشورى وتدل على تمسك الرسول صلى الله عليه وسلم بها، ونزوله على رأي أصحابه، وتأكيده صلى الله عليه وسلم على أن الشورى أساس العلاقة بين الإمام والرعية، بل وعليها تقوم الدولة العادلة:
أ – مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الخروج يوم بدر:
روى ابن إسحاق خبر المشورة بسند صحيح، قال: فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: إمض لما أراك الله، فنحن معك (…) ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “أشيروا علي أيها الناس؟”؛ وإنما يريد بذلك الأنصار-تتمة للشورى، فقد سمع من المهاجرين ويريد رأي الأنصار في الحرب- فأجابه سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال: أجل، قال: فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، قال: فسُر الرسول صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ثم قال:”سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم”[57].
والذي يهمنا من هذه الحادثة هو إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على مشاورة أصحابه والاستماع إليهم والنزول عند رأي الأنصار كذلك، لأن الأمر يهم مصير الدعوة الإسلامية كما يهم مصير الدولة الجديدة. وهنا يبرز دور الشورى في تنزيل الأحكام على الوقائع.
ب – استشارته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في غزوة أحد في الخروج أو البقاء في المدينة:
كعادته في مثل هذه الموافق؛ شاور صلى الله عليه وسلم أصحابه في البقاء في المدينة والتحصن فيها، “وكانت المدينة قد شبكت بالبنيان فهي كالحصن”[58]، أو الخروج لملاقاة جيش قريش؛ فقال ناس من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو وفي الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه؛ فأبرز إلى القوم، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته. فتلاوم القوم-رأوا أنهم أحرجوا رسول الله بالخروج فأرادوا التراجع عن ذلك وتحدثوا إلى رسول الله- فقال: “إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل”[59].
وهذا دليل آخر على أن الرسول صلى الله عليه وسلم عود أصحابه على التصريح بآرائهم عند مشاورته لهم حتى ولو خالفت رأيه، “فهو إنما يشاورهم فيما لا نص فيه تعويدا لهم على التفكير في الأمور العامة ومعالجة مشاكل الأمة، فلا فائدة من المشورة إذا لم تقترن بحرية إبداء الرأي، ولم يحدث أن لام الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا لأنه أخطأ في اجتهاده ولم يوفق في رأيه. وكذلك فإن الأخذ بالشورى ملزم للإمام، فلا بد أن يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم التوجيه القرآني:” وشاورهم في الأمر“[60]، لتعتاد على ممارسة الشورى”[61]. وفي نفس الوقت هو تمرين و تنمية للوعي السياسي للصحابة وللأمة على مر التاريخ في كيفية تنزيل حكم الشورى في دولة الإسلام في كل زمان ومكان.
ج – استشارته صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية:
واستشار النبي صلى الله عليم وسلم أصحابه في أن يُغِير على ديار الذين ناصروا قريشا، وأجمعوا معها ليدعوا قريشا، ويعودوا للدفاع عن ديارهم، فقال صلى الله عليه وسلم:”أشيروا أيها الناس عليَ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محرومين؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال:”امضوا على إسم الله”[62]. فنزول الرسول صلى الله عليه وسلم على رأي أصحابه حكمة بليغة في بناء مرافق الاجتهاد ومؤسساته، وحتى لا يكون الرأي الواحد والوحيد يولد استبدادا تعيش فيه الأمة مع حكامها، كما هو واقعها اليوم.
د- مشاورته صلى الله عليه وسلم أصحابه في مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة:
لما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة الأحزاب يوم الخندق، رأى أن يخفف الضغط على المدينة، فتشاور مع أصحابه على أن يصالح غطفان؛ بأن يعطيهم ثلث ثمار المدينة لعام، لكنه لما شاور سعد بن معاذ زعيم الأوس وسعد بن عبادة زعيم الخزرج قالا: لا والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الإسلام. وفي رواية للطبراني أنهما قالا: يا رسول الله أَوَحْيٌ من السماء؟ فالتسليم لأمر الله، أو على رأيك وهواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك، فإن كنت تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قِرى. فقطع المفاوضة مع الأعراب[63]. وهكذا اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم موقف سادة الأوس والخزرج ورجح رأيهما عن رأيه، تمسكا منه عليه الصلاة والسلام بمبدأ الشورى كآلية من آليات الاجتهاد التنزيلي.
يعقب الدكتور العوا على ما ذكر من وقائع في السيرة النبوية وأمثلة عملية لاستشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بقوله: “ومن هذه السنة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يستفاد قاعدة عامة مؤداها أن الحاكم أو الإمام يستشير الأمة –أو أولي الرأي فيها- فيما يحتاج الوصول إلى قرار بشأنه إلى تبادل الآراء. وذلك في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصر على الأمور التي لم يكن فيها وحي بفعل أمر معين أو تركه، فإن ما كان محالا لوحي فلا مجال للمشاورة فيه.
أما بعد عصر الرسالة فإن الشورى قد تمتد حتى تغطي تلك المسائل المنصوص على أحكامها، إذا كانت المناقشة خلال الشورى ترمي إلى التوصل إلى اتفاق على فهم ملائم –لظروف الوقائع أو الزمان أو المكان- لتطبيق النصوص، بالإضافة إلى شمول الشورى –بطبيعة الحال- لتلك الأمور التي لم يرد فيها نص معين، أي الأمور التي تركت للاجتهاد”[64].
وامتناع الحاكم -الإمام أو الأمير- عن الشورى، يعد استبدادا؛ والاستبداد يؤدي إلى الظلم، والظلم مؤذن بالخراب كما يقول ابن خلدون. ويكون الاستبداد ممنوعا في الشريعة الإسلامية، لأنه تجبر حاربه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، وعلم ذلك وأورثه لمن بعده من المؤمنين. قال تعالى:” قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني“[65].
3 –قضية تأبير النخل:
روى مسلم عن رافع بن خديج قال: قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم وهم يأبرون النخل- يقولون: يلقحون النخل- فقال:”ما تصنعون؟” قالوا: كنا نصنعه، قال:”لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا” وفي رواية”ما أظن يغني ذلك شيئا” فتركوه، فنفضت أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال:”إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر. وفي رواية مسلم:”أنتم أعلم بأمر دنياكم”[66] وفي رواية أخرى: “ما أنا بزارع ولا بصاحب نخل، لقحوا”[67].
فاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم كان في أمر دنيوي، وتقديره كان بناء على مدى معرفته بموضوع الاجتهاد، لكن عدم معرفته بواقع المدينة الفلاحي وحاجة النخل إلى التأبير؛ كانت نتيجة اجتهاده خلاف الواقع الذي يتقنه أهل هذه الحرفة.
4 – قصة: ” الإدخر”.
يروي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد من قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها، و لا ينفر صيدها، ولا يلتقط لقطتها، إلا لمعرِف”، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإدخر[68]؛ فإنه لصاغتنا وقبورنا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”إلا الإدخر”. وفي رواية قال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم على الإدخر، لقينهم وبيتهم”[69].
فالرسول صلى الله عليه وسلم أباح الإدخر بعد ملتمس العباس دون أن ينتظر في المسألة نزول “وحي في تلك الحالة، فكان الاستثناء بطريق الاجتهاد”[70]، مما يمكن القول أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم باجتهاده في صيغة العموم قطع الإدخر، ثم عدل عن تحريمه إلى إباحته عندما تكشفت له الحاجة إليه؛ وهي حاجة الناس للإدخر في حياتهم اليومية.
5 – نهيه صلى الله عليه وسلم عن إدخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام:
روى مسلم ومالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا فوق ثلاث” قال عبد الله بن أبي بكر، فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرت الأضحى، زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:”ادخروا ثلاثا، ثم تصدقوا بما بقي”، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجعلون منها الودك، فقال رسول الله:”وماذاك؟” قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال:”إنما نهيتكم من أجل الدافة، التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا”، وفي رواية قال: “إن ذلك عام كان الناس فيه بجهد فأردت أن يفشوَ فيهم”[71].
فاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في النهي عن الادخار فوق ثلاثة أيام؛ ناتج عن وضع إجتماعي خاص تمر به المدينة المنورة، وجب التفاعل معه واحتواؤه عن طريق التضامن والتعاون بين أفراد جماعة المسلمين، وسد حاجة الأعراب التي دفت على المدينة، كل هذا تحقيقا للمصلحة العامة، فإذا زال السبب زال معه النهي لانتفاء الحاجة لذلك، وإن عاد السبب كان تنزيل الحكم من جديد اجتهادا معتبرا.
- الفرع الثاني: موقف النبي صلى الله عليه وسلم من اجتهاد أصحابه في عصره:
لكي يضمن إمام الأمة عليه السلام لمؤسسة الاجتهاد الاستمرار بعده، لم يقف فعله فقط على اجتهاده، بل تعدى ذلك إلى تحفيز أصحابه وتشجيعهم على الاجتهاد.
فكان النبي صلى الله عيه وسلم يوصي أصحابه بالاجتهاد ويغريهم بممارسته، مبينا لهم طرائق الاجتهاد المسدد وقيمته الإستراتيجية في حياة الأمة، وأجر المجتهد عند الصواب والخطأ معا، بل كان صلى الله عليه وسلم ينزل عند اجتهادات بعض أصحابه ويتنازل عن رأيه حتى يعلمهم مبادئ الشورى والشعور بالمسؤولية والتعود على حل المشكلات العامة، وتعويد الأمة على ممارسة واجب الشورى.
ولبيان هذا الأمر نستعرض بعض الأمثلة التطبيقية في ذلك :
1 – اجتهاد الحُباب بن المُندر يوم بدر:
قال ابن كثير، قال ابن إسحاق: خرج صلى الله عليه وسلم يوم بدر يبادر قريشا على الماء. ونزل المسلمون على أول ماء بدر، فجاء الحُباب بن المندر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؛ أمنزلاأنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:”بل هو الرأي والحرب والمكيدة” قال: يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لقد أشرت بالرأي”[72]. فعمل برأيه ونفذ المجاهدون ما أشار به عليهم صاحب الخبرة والتجربة، وكانت النتائج حميدة.
فالرسول صلى الله عليه وسلم في أول الأمر اجتهد في تعيين المكان الذي يراه مناسبا لمواجهة العدو، إلا أن خبرة الصحابي في الحرب والمكيدة بينت أن هذا المكان غير مناسب، بعدما علم أن الأمر ليس فيه وحي منزل، ولم يكن من النبي الكريم بعدما استمع واقتنع برأي الحباب رضي الله عنه إلا أن ينوه بكفاءته وخبرته في الحرب ويأمر بتنفيذها.
2 – اجتهاد الصحابي معاذ بن جبل:
لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث معاذا إلى اليمن قال له:”كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟” قال أقضي بكتاب الله. قال:”فإن لم تجد في كتاب الله؟” قال فبسنة رسول الله. قال:”فإن لم يجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟” قال أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال:”الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله”[73].
الحديث النبوي المذكور يبين منهج الاجتهاد المقبول والمطلوب الذي يرضي الله ورسوله، ويدعو إلى التجديد ونبذ الجمود، ويفتح الآفاق أمام المجتهد لتقرير الحكم المناسب في الزمان والمكان، لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية كما هو معلوم.
3 – حكم سعد بن معاذ في بني قريظة:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأتاه على حمار، قال: فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله:”قوموا إلى سيدكم” أو”خيركم” ثم قال:”إن هؤلاء نزلوا على حكمك”. قال سعد: تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:”لقد قضيت بحكم الله” وربما قال”قضيت بحكم الملك”[74].
إن تأييد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لحكم سعد والتأكيد على صوابيته وموافقته حكم الله تعالى؛ هو تشجيع وتحفيز له ولمن يأنس من نفسه الكفاءة والأهلية للاجتهاد وفق المقاصد العامة للشريعة.
4 – الاجتهاد في صيغة الآذان للصلاة:
صح عن أبي داود والترمذي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقال بعضهم: انصب راية عند حضور وقت الصلاة، وذكر بعضهم البوق وبعضهم الناقوس، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم، فرأى رؤيا فيها كيفية الآذان. قال عبد الله: فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال:”إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى[75] صوتا منك”. فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب، وهو في بيته فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول، لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”فلله الحمد”[76].
ففي هذا إثبات سماع عمر رضي الله عنه لمثل ما سمع عبد الله بن زيد رضي الله عنه وهو أذان بلال رضي الله عنه، وهذا أثر ثابت لا إشكال فيه[77].
ويستفاذ من الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أن يجتهد في الأحكام، قال الحافظ ابن حجر: “وقد نص الأصوليون على أنه؛ يجوز له صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الأحكام، والله يقره على ما يشاء”[78]. كما أن حديث الآذان فيه دلالة على مراعاة المصالح العامة للمسلمين والعمل بها، ولما شق على الناس التبكير للصلاة فتفوتهم بذلك أشغالهم، أو التأخير فتفوتهم وقت الصلاة؛ فإنهم أجمعوا أمرهم واجتهدوا لما يصلح حالهم ويحفظ لهم أداء صلاتهم دون حرج أو مشقة، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم على اتفاقهم واجتهادهم في صيغة الأذان وزكى اختيارهم الوحي عن طريق المبشرات وهي الرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو ترى له.
5 – الاجتهاد في اتخاذ الخاتم وصنع المنبر:
أ – روى البخاري عن قتادة، قال:”سمعت أنس ابن مالك يقول: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة، فكأني أنظر إلى بياضه في يده، ونقش عليه: محمدٌ رسولُ الله”[79]. وهو اجتهاد مسدد يساير الواقع و مستجداته.
في الحديث إشارة إلى التوسيع في مجالات الاجتهاد، وترسيخ ثوابت المؤسسة الاجتهادية في عصر النبوة، فأصبح هذا الاجتهاد يتناول السياسة الشرعية والعلاقات العامة كما أنه دليل واضح على مشاركة الصحابة في الرأي والمشورة، وهي صفة أصبحت مطردة في سيرته صلى الله عليه وسلم مع أصحابه.
ب –وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخطب وهو مستند إلى جذع -خشبة- فقال:”إن القيام قد شُق علي”، فقال له الصحابي تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبي صلى الله عليم وسلم في ذلك، فرأوا أن يتخذه. يقول سهل بن سعد الساعدي: أرسل رسول الله صلى الله عليم وسلم إلى فلانة -امرأة من الأنصار قد سماها سهل- فقال لها:”مري غلامك النجار أن يعمل أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس”[80]. ويعزي الحافظ بن حجر[81] سبب عمل المنبر، من خلال ما ذكر، إلى أمرين: إما لكثرة الناس، وإما زيادة جسمه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، فصار يشق عليه طول القيام. وهكذا فاتخاذ المنبر في الخطبة جاء على إثر اجتهاد الصحابة وموافقة الرسول الكريم على ذلك.
من خلال هذا وغيره، نقول أن الاجتهاد في اختيار الطرق والوسائل الملائمة للحال والزمان من أجل إنجاز عمل مهم، في الدين و أمور الدنيا، وأدائه بأسلوب جيد وذو فائدة مؤثرة ومثمرة، عمل مشروع صار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، وهو ديدان أصحابه في حضرته وبعد غيابه، ومن تبعهم بإحسان.
6 – وصيته صلى الله عليه وسلم لأصحابه بأن يكون الاجتهاد شورى بين المؤمنين:
عن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة، فقال:”ينظر فيه العابدون من المؤمنين”[82]. وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال علي: يا رسول الله!أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه القرآن، ولم تمض فيه سنة منك؟ قال صلى الله عليه وسلم:”تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين، ولا تقضونه برأي خاصة”. وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نزل بنا أمرٌ ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرنا؟ فقال:”تشاوروا الفقهاء والعابدين ولا تجعلونه برأي خاصة”[83].
هذه الأحاديث تتكلم عن الشورى فيما لم يرد فيه نص، وتؤكد على أصول الاجتهاد الجماعي ومشروعيته، فالرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم عن المؤمنين بصيغة الجمع لا بصيغة الفرد، وهي إشارة لطيفة منه إلى أن الاجتهاد المسدد والمطلوب هو الاجتهاد الجماعي الذي ينظر فيه ويجتمع عليه الفقهاء العابدون؛ فيضيف صلى الله عليه وسلم إلى شرط الكفاءة والعلم والقدرة على الاجتهاد، شرط التقوى والإيمان لتحصين مؤسسة الاجتهاد من الغفلة عن شرع الله تعالى. فهو إذن؛ اجتهاد جماعي تتكامل فيه الخبرات العلمية مع العلم بالنصوص، والتخصص الفقهي، وبعد النظر الأصولي.
نستنتج من ذلكأن الاجتهاد كان وسيبقى عن طريق الشورى، وأمره موكول إلى جماعة المؤمنين العابدين من أهل الفقه والعلم في الأمة. مع وجوب الابتعاد والنهي عن الاستئثار بالرأي، وضرورة الاجتهاد الجماعي في كل زمان.ذلك لأن مجمل اجتهاداته صلى الله عليه وسلم ناتجة عن شورى مع صحابته، خصوصا مع أهل السابقة والغناء في الدين والرأي والفهم، وعن طريق إشراكه عليه الصلاة والسلام لبعض الصحابة في قضايا الاجتهاد التي تواجههم ولم يرد فيها وحي من السماء. كل ذلك وغيره صادر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم بهدف تأسيس مفهوم التشاور والاجتماع داخل جماعة المؤمنين القوية، ومحاربة التفرد بالرأي والاستبداد المؤذن بالهلاك والخراب للأمم والمجتمعات.
المطلب الثالث: الاجتهادات النبوية الإدارية لبناء أول دولة إسلامية[84]:
في البداية وجب التنبيه إلى أن اختيارنا لمفهومي الإدارة والدولة، كان من باب الدلالة على المؤسسات العليا للمجتمع الإسلامي الأول، الذي بدأ التأسيس له في العصر النبوي، خصوصا بعد انتقال المسلمين إلى المدينة المنورة، وللدلالة على اجتهادات النبي عليه الصلاة والسلام المباشرة وغير المباشرة في تشكيل واقع اجتماعي وسياسي يشكل أرضية لحماية الدعوة وتطبيق المبادئ الكلية للحياة، باستحضار العلاقة الجدلية بين المثال والواقع، وبين الحكم الشرعي وفقه التنزيل.
- الفرع الأول: دعائم دولة الإسلام لبناء مجتمع العمران الأخوي.
إذا كانت الرسالة الإسلامية رسالة عالمية من حيث الزمان والمكان وموجهة للجنس البشري كله، فهي كذلك رسالة دين ودولة تنبثق منها شريعة ونظام اجتماعي منسجم ومتكامل، يهدف إلى تحقيق السعادة الكاملة للبشر في الدنيا والآخرة، وصاحب الرسالة والمجتهد الأول صلى الله عليه وسلم يعي ذلك جيدا، ولذلك تجده يبحث ويجتهد في طرق تنزيلها.
ذكر ابن إسحاق قصة قدوم عدي بن حاتم الطائي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرمه النبي وأجلسه على وسادته وجلس هو على الأرض. ثم قال: “لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول هذا الدين ما ترى من حاجتهم –يقصد فقر المسلمين- فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخولٍ فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، و إيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم…”[85]. فذكر له الركائز الكبرى التي تقوم عليها الدول وهي: المال والسلطان والقوة العسكرية.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الإمام، يفهم رسالته جيدا، ويدرك أن إنشاء دولة قوية تحمي هذه الرسالة وتقوم على نشرها؛ أمر أصيل وجوهري في الذود عن الدعوة وحمايتها، وتنظيم مجتمع العمران الأخوي والمجتمع المدني.
فإذا كان الوضع في مكة غير ممكن وغير مهيأ لذلك، فإن النبي عليه السلام لم يضيع وقتاً بعد هجرته إلى المدينة، وبدأ على الفور وضع لبنات ودعائم المجتمع الجديد، وكانت كالتالي:
أولا: المسجد مقر للحكم[86] وعاصمة الدولة الجديدة:
بناء المسجد النبوي في المدينة[87] لم يكن فقط مكانا للصلاة -كما الحال في عصرنا- وإنما كان كذلك مركزا للدعوة ومقرا للحكم، “وليس في هذه العبارة غرابة أو مبالغة، فكما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي فيه ويبلغه للناس ويشرح ويفسر ويعلم أصول الرسالة، كان كذلك يقضي ويحكم، وفيه يعلم الصحابة، رضوان الله عليهم، أمور الدين وأمور الدنيا ويدربهم على فنون الحكم والقيادة والإدارة، ويعدهم للدور الخطير الذي سيقومون به في الدولة وفي تاريخ العالم. ومن المسجد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد ألوية الحروب للقادة، ويبعث منه رُسله وسفراءه لملوك وأمراء العالم، ويستقبل الوفود”[88].
إن المسجد هو مقر الدعوة والحكم معا، ومركز إدارة الدولة، هو الجامعة الإسلامية الأولى التي يتلقى منها المسلمون العلم، وهو البرلمان الأول في تاريخ الأمة الإسلامية الذي عقدت فيه مجالس الاستشارة والتنفيذ، يقول صفي الرحمان المباركفوري عن المسجد: “لم يكن موضعا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقي وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزاعات الجاهلية وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع الشؤون وبث الانطلاقات، وبرلمانا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية”[89].
هذا الاجتهاد النبوي، المؤطر بالوحي الإلهي، بإنشاء أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض، هو إيذانٌ بظهور الدولة الإسلامية بإشراف منشئها الأول محمد عليه الصلاة والسلام[90]. وهكذا تظهر لنا أهمية المسجد – وحيه وروحه- في تثبيت ركائز الدولة الإسلامية وإنشاء المجتمع العمراني الإسلامي والأخوي. وهكذا يكون بناء المسجد أول الاجتهادات النبوية السياسية التنزيلية التي تستحضر الحاضر والمستقبل.
ثانيا: الدستور المدني وفقه المواطنة في الدولة الإسلامية:
معاهدة المدينة أو الصحيفة أو”وثيقة المدينة”[91] أو كتاب محمد صلى الله عليه وسلم أو الدستور المدني أو العهد النبوي؛ كلها أسماء لتلك الوثيقة النبوية التاريخية التي وضعها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “أساسا لتنظيم العلاقات بين مكونات المدينة بعد الهجرة إليها وإقامة مجتمع الإسلام ودولته فيها”[92].
تعتبر هذه الوثيقة أول أساس لقواعد التدوين الدستوري في الشريعة بين المسلمين، وبقية مواطنيهم. ومساحة التأصيل فيها، لا تقف عند مصطلحاتها التي يغيرها الزمان والمكان، ولكن مفهوم موادها، من “منابذة الفتنة وتعزيز التضامن، وتعظيم العدل ورفض الظلم، والتزام الحماية الجغرافية والسياسية للدولة، كما أنها في عمر الأمم، عهد متقدم بفكره وثقافته وعمقه الإنساني، المشرع من الرسول الهادي، وعليها تقاس كثير من القواعد الدستورية، كما تعتبر مرجعا للدولة المدنية الإسلامية ولمواطنيها”[93].
ويمكن اعتبار حق المواطنة لغير المسلمين في الدولة الإسلامية -انطلاقا من الوثيقة- أصلا ثابتا في نظام الدولة الإسلامية، بل يمكن اعتبار هذا الاجتهاد النبوي هو أول دستور سياسي في تاريخ الأمم يقرر مفهوم المواطنة الحقيقية، التي تقوم على ضمان حرية المعتقد للمواطنين، وتحقيق العدالة الاجتماعية والأمن الجماعي والتعايش السلمي وإقرار مبدأ المسؤولية الفردية وحقوق الإنسان.
كما يعد عنصر الإقليم -المدينة- والإقامة المرتبطة به عند نشأة الدولة؛ هو الذي منح غير المسلمين جميعا حق المواطنة وضمن لهم المساواة في الحقوق والواجبات، “ولا يخفى ما لوصف الرسول صلى الله عليه وسلم لمواطني الدولة المسلمة في دستور المدينة بأنهم “أمة مع المؤمنين” من دلالة دستورية على مساواتهم بالمسلمين وانتفاء العنصرية، واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، مما ينال من حقيقة المساواة أو ينقص منها”[94]. فالدولة الإسلامية الجديدة مجتمع سياسي منفتح لجميع الراغبين في الالتزام بمبادئه وقيمه، والنهوض بتبعاته، وليس “مجتمعا منغلقا تقتصر عضويته والتمتع بحقوقه وضماناته على فئة مختارة”[95]. فالضوابط التي تحدد العضوية في الأمة هي اللحاق والإتباع والجهاد.
وبهذا يعد دستور المدينة من أعظم اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم التي تأسست عليها معظم الاجتهادات التنزيلية في الفقه السياسي و الدستوري.
ثالثا:أخوة الرسالة والدولة أو الميثاق الإيماني:
قد لا يتصور البعض أهمية عقد الأخوة بين الأنصار والمهاجرين[96]، ودوره في إقامة الدولة الإسلامية، لكن النبي صلى الله عليه و سلم يدرك جيدا أن هذين العنصرين -الأنصار والمهاجرين- هما نواة المجتمع الجديد، وبالتالي فتوثيق العلاقات بينهم يعتبر الحجر الأساس لما سيأتي من مسارات الاستخلاف التي ستؤسس عليها الدنيا؛ إنه ميثاق جديد، لمعنى التعبد وعلاقة الخلق بالخالق، لم تعهده العرب و لا غيرهم من قبل، يقوم على العقيدة والعقيدة وحدها ولا يؤمن بالعصبية، رابطته: إنما المؤمنون إخوة.
يقول محمد الغزالي: “الإخاء الذي تمحى فيه كلمة {أنا} و يتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانا، ولا امتدادا إلا فيها(…). ويضيف لتوضيح المعنى: ومعنى هذا الإخاء؛ أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن”[97].
فهذه المؤاخاة تعتبر إعلان ميثاق الإيمان والضمير وقيم الروح والتعاون البشري حين يؤمن بالله، وبالدار الآخرة، ليكون جسوره العروة الوثقى، وصفاء أخيه وتضحيته، وليس مصالح الدنيا، “ولأن الله يعلم خلقه وأوحى بذلك لنبيه، فقد علم ما سيغشى البشرية والمجتمع المسلم من صراع وتنافس، وأوصاهم ببقاء الأخوة في العهود التي تليه، وإن سجل لهم واقعية اختلاف الناس والمجتمعات وطبائعهم، لكن بقي ذلك النموذج المتآخي في حلقة تاريخ أصيل لكل العهود الإسلامية”[98]. وكان في نفس الوقت دليلا عمليا على طبيعة الدعوة الإسلامية العالمية.
بهذه الخطوات الثلاثة الاجتهادية العملية الغير المسبوقة: تشييد مقر الدولة وعاصمتها، وكتابة دستور الدولة وقانونها، وتأسيس ميثاق الأخوة والمواطنة فيها، تكون الدولة الإسلامية الجديدة بالمدينة قد أعلنت عن نفسها للعالم كبديل عن باقي دويلات الكفر والظلم والاستبداد.
لكن لحمايتها وضمان استمرارها وانتشار عدلها، لا بد من دعامة أساسية رابعة؛ وهي: القوة العسكرية اللازمة لحماية الدولة الجديدة ودعم الحرية بضوابط العدل والرحمة وفتح المجال للناس لاعتناق الإسلام.
رابعا: التأمين العسكري للدولة الإسلامية:
بعد تأمين النبي صلى الله عليه وسلم للميثاق الإيماني الدستوري المدني لبناء المجتمع الإسلامي الحديث، وتثبيت الدعائم الكبرى والمؤسسات المركزية للدولة، بادر رئيس الدولة وإمامها عليه الصلاة والسلام إلى التأمين العسكري، وذلك ببناء الجيش الإسلامي لحماية الدعوة والدولة، والحفاظ على المكتسبات الضرورية الشرعية، وتحقيق أهداف الدعوة والتوسع، وتأمين طرق انتشارها، وحماية المستضعفين في الأرض ونصرة المظلوم ومحاربة الظالم ونشر العدل، وردع المعتدين ومنعهم عن الاستبداد والفساد.
كان إمام الأمة وقائدها العسكري يعلم -بخبرته ومعرفته بالمجتمع الجاهلي- ويدرك أن الحق لا بد له من قوة، فلم يكن حينئذ للضعيف وللمظلوم حق الحياة، فالواقع يقول أن الذي يملك القوة ينتصر وينتشر. مما دفع سيد المجتهدين عليه الصلاة والسلام، في بداية أمر الدولة، بتأسيس سرايا[99] عسكرية تختلف المهام الموكولة إليها حسب الظروف المحيطة والمستجدات الحادثة. فهناك دوريات استطلاعية أو اكتشافية، وأخرى اعتراضية هدفها خلق الرعب والفزع في الدول المجاورة والمناهضة للدعوة الإسلامية، وهناك مجموعات أمنية دورها تصفية بعض الأفراد من أعداء الدولة الإسلامية ودعوتها المندسين في صفوفها، أو تأديب العدو وردعه بطرق سريعة ومباغتة لنظام الطغاة، ودوريات أخرى تعقبية أو تمويهية[100]. وغير ذلك من الوظائف الخاصة التي كانت السرايا تقوم بها لحماية الدولة الجديدة.
وبعد تكوين جيش الدولة وعسكرها المدافع عنها والحامي لحدودها، كان القائد الرحيم صلى الله عليه وسلم يحرص على استعراض جيشه وتفقد رجاله، واختيار بعضهم للمهمات الصعبة يوم الكريهة؛ فقد ذكر ابن عبد البر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام، ويجيز في البعث – أي الخروج للجهاد- من كان قويا مصارعا وبلغ من العمر الخامس عشرة[101]، ويرد ما دون ذلك؛ وعلى هذا الأساس حدد سن التجنيد للقتال في دولة الإسلام.
كما كان ينوه بالأبطال ويشيد بهم ويشجعهم، فقد روى مسلم وأبو داوود وأحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة”[102]، وقال لأبي دجانة يوم أحد: “هذه خُيلاء يبغضها الله عز وجل إلا في هذا الموطن”[103]. فتشجيع الأبطال واعتماد الشارات والأوسمة والرايات والنياشين العسكرية وغيرها من وسائل التنظيم العسكري للدولة، كلها اجتهادات نبوية وسنن حميدة أسسها القائد المعصوم صلى الله عليه وسلم، شريطة صفاء النفوس وتجنب الأبهة والاستكبار.
وبهذا يمكن رصد أهم الأهداف من وراء التأمين العسكري في عهد النبوية في ما يلي:
أ – الإشعار بوجود الكيان الإسلامي وبدولته الجديدة وعاصمتها المدينة المنورة؛
ب – إظهار أن الهيمنة للحق، وأن الحكم لن يدوم في يد الكفر والظلم والاستبداد؛
ج – إشارة لضرورة حماية الدعوة الإسلامية وتأمين انتشارها وإزاحة كل العقبات أمامها؛
د – إقرار الأمة وبسط السلام والدفاع عن المستضعفين في الأرض.
- الفرع الثاني: الإدارة[104] في العصر النبوي – نماذج تطبيقية-
يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم -بنص وثيقة المدينة- هو رئيس الدولة الإسلامية الفعلي، فقد أقام الحدود، ونفذ القضاء، وقضى في الحقوق المدنية والجنائية، وجبى المال من مواضعه الشرعية، ووزعه على مستحقيه وفي مرافقه القانونية، وعقد المعاهدات وأعلن الحرب، وعقد الصلح. يقول ابن القيم في هديه صلى الله عليه وسلم في الأقضية والأنكحة والبيوع: “وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيته الخاصة تشريعا عاما، وإنما الغرض ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم، وكيف كان هديه في الحكم بين الناس”[105].
والوقائع التي اجتهد فيها النبي صلى الله عليه وسلم وشاور أصحابه، كثيرة قد ذكرنا بعضها سابقا. بقي أن نشير هنا أن ظروف تدبير شؤون الدولة تقتضي أن يستعين رئيسها -القائم على مهمة الحكم- في الإدارة بموظفين كل حسب استطاعته وتخصصه وكفاءته، مما يمكن أن نقول بلغة السياسة أن النبي صلى الله عليه وسلم شكل حكومته لمساعدته في أمر الحكم وحل قضايا الناس ومشاكل الدولة، وذلك “من خلال الإيمان بالمشاركة والتفاعل والاعتماد على جهود القيادة والعاملين بشكلها التطوعي، وتراعي المستجد من المؤثرات والمواقف وتتفاعل في ظلها مع حالاتها الطارئة، لتتسم بالحيوية وعدم الجمود”[106].
على هذا المنوال كان يجتهد صلى الله عليه وسلم في اختيار الرجل المناسب على رأس العمل المناسب؛ فاتخذ له وزراء من صحابته ذوي السابقة والحظ والغناء يستشيرهم في الأمور الكبرى، وعين آخرين في مهام حساسة، وشجع البعض الآخر على اجتهاداته الإدارية ومبادراته الخادمة للدعوة والدولة. فكان النبي صلى الله علي وسلم رجل الإدارة الأول بحق. ومن المناصب الإدارية في زمن النبوة نذكر ما يلي:
1 – الوزراء في الحكومة النبوية:
كانت سلطاته صلى الله عليه وسلم الإدارية تشمل الدولة كلها، فيما يتعلق بتحديد الأهداف ورسم السياسات العامة، فهو يمثل الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا[107]. وقد شاركه في إدارة الدولة مجموعة من الصحابة المعروفين بالعقل والبصيرة والسابقة وكثرة الملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى أصبح يطلق عليهم الوزراء، قال الحاكم: “كان أبو بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره”[108]. ورى الإمام الترمذي في سننه قال؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر”[109]، ويقول ابن الجوزي في حق عمر بن الخطاب: “وكان هو وأبو بكر وزيرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعطي إلا ذلك”[110]. ومن ذلك ما حدث عندما شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر في تولية أمير على الطائف بعد إسلام ثقيف؛ فأشار عليه أبو بكر بتولية عثمان بن أبي العاص، وقال له: “يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. فعمل صلى الله عليه وسلم بمشورة أبي بكر و ولاه”[111]. حتى أن العرب التي كانت على دراية بحكم الفرس والروم كانوا يلقبون أبا بكر وعمر بوزيري محمد(صلى الله عليه وسلم).
وكان “مجلس الشورى” أو “مجلس النقباء”[112] أو ما يمكن تسميته بالحكومة النبوية؛ يتكون من أربعة عشر وزيرا تم اختيارهم من السابقين إلى الإسلام، والذين يتمتعون بنفوذ وقوة في القول والعمل، وهم سبعة من الأنصار وسبعة من المهاجرين، روى الإمام أحمد في مسنده أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “ما من نبي كان قبلي إلا أعطي سبعة نقباء وزراء نجباء، وإني أعطيت أربعة عشر نقيبا؛ حمزة وجعفر وعلي وأبو بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وسلمان وعمار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال والحسن والحسين”[113].
واستعمالنا لكلمة “وزير” و”حكومة” ليس كوظيفة إدارية ثابتة، فهذا المعنى لم يتبلور إلا في زمن العباسيين كما ذكر الماوردي[114]، وإنما ذكرنا ذلك بمعنى التفويض والتشاور والأعمال التي تقوم بها الحكومة و يقوم بها الوزير وإن لم يسمى كذلك في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ابن خلدون:” كان يشاور أصحابه، ويفاوضهم في مهماتهم العامة والخاصة، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها من كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره، ولم يكن لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب الملك بسذاجة الإسلام”[115]. والمهم عندنا هو ذلك الحس الإداري المبكر في اجتهاداته صلى الله عليه وسلم.
2 – جهاز القضاء والولاة في عهد دولة النبوة:
اشتهر من الصحابة القضاة في عهد النبوة كلا من عمر وعلي ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري وسعد بن معاذ وغيرهم. فقد “قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاء لعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم”[116]، وروى أبو داوود عن علي بن أبي طالب قوله: “بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا”[117]، كما حدث ذلك مع معاذ بن جبل أيضا. وقد سبق وأن ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رد الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ وحكم فيهم بحكم الله عز وجل. وهي إشارات ومعالم تؤكد وجود مؤسسة القضاء في زمن النبوة. يقول النووي: “فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إلا الخوارج(…) وفيه جواز محاكمة أهل قرية، أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم، أمين على هذا الأمر”[118]. ويحدث أن يكون القاضي هو الوالي نفسه، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يرسل أصحابه للأمصار ويعينهم قضاة وولاة في نفس الوقت.
وكانت سياسته صلى الله عليه وسلم الاجتهادية أن يولي على كل قوم زعيما منهم[119].ومن الولاة الذين ذكرتهم السيرة النبوية وقد ولاهم النبي صلى الله عليه وسلم على الأقاليم التي دخلت تحت سيادة الدولة الإسلامية وأصبحت وحدات إدارية تابعة للحكومة النبوية؛ نذكر على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أ – ولاية اليمن: ومن ولاة اليمن معاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وخالد بن سعيد، ويعلى بن أمية[120]؛ كل منهم على طرف من أطرافها[121]. وكانت الوصية النبوية الخالدة لهم جميع ولمن بعدهم: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”[122].
ويحدد إمام الأمة سياسته للولاة التابعين لحكومته في مجموعة قوانين وآداب شرعية يجب الإلتزام بها؛ يقول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: “إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب”[123]،هي مبادئ عامة تلزم الأمراء والولاة في دولة الإسلام أين ما ذهبوا.
ب – ولاية مكة: يقول الطبري: “إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة ترك فيها أبا بكر رضي الله عنه ليدبر الأوضاع بعد الفتح ويعلم الناس، ثم تولى ولاية مكة عتاب بن أسيد وظل واليا عليها حتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم”[124]، وفرض للأمير عتاب درهما واحدا في اليوم كراتب، وكان بن أسيد يقول: أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله درهما كل يوم فليست لي حاجة إلى أحد، وهذا الراتب من أول ما وضع من رواتب للعمال[125].
ج – ولاية الطائف: بعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من تبوك، وبعد ما يقرب من عام من حصار الطائف، قدمت إليه ثقيف مسلمة، فكتب لهم رسول الله كتابا، وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من اقتراح أبي بكر الصديق[126]. وهذا نوع آخر من الاجتهاد النبوي في تنصيب الولاة بكتاب التعيينات.
د – ولاية البحرين: بعد إسلام أهل البحرين أبقى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أميرهم المنذر بن ساري يحكمهم نيابة عنه، وكان ذلك بعد أن أسلم المنذر ورد على الرسول صلى الله عليه وسلم بقبول الدعوة هو ومن أسلم من قومه، وأبقى معه العلاء بن الحضرمي- مبعوثا لرسول الله لأهل البحرين- قاضيا ومعلما وجامعا للصدقات[127]. ومن بعده أبان بن سعيد بن العاص، وأوصاهم عليه السلام بأهل البحرين خيرا[128].
هـ – ولاية عمان: أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ملك عمان – وكان يحكمها الأخوان الملكان جيفر وعباد إبنا الجلندي- ويدعوهما للإسلام، وبعد مناقشات طويلة استطاع إقناعهما فأسلما وأسلم قومهما بإسلامهما، وبقيا يحكمان بلدهما وبقي عمرو بن العاص مكلف بجمع الصدقات والقضاء بين الناس، وكانا عونا له في ذلك[129]. وكانت هذه سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في الأمصار والولايات التي يسلم قادتها وكبراءها مع قومهم، تكريما لكبراء القوم وتنزيلا لهم في المقام المناسب.
و – خلفاء النبي صلى الله علي وسلم على المدينة: عندما يكون موجودا في المدينة المنورة -عاصمة الدولة الإسلامية- فهو صلى الله عليه وسلم القائد الأعلى والمشرف على جميع الأمور، وهو الذي يوزع المهام والأعمال على الصحابة كل في مجاله واختصاصاته. لكن حينما يغادر المدينة -ولو ليوم واحد- كان صلى الله عليه وسلم يعهد بأمرها لأحد أصحابه، إيمانا منه بضرورة الإمارة، وتدريبا منه لأصحابه على ممارسة الحكم والإدارة، وليكون هناك العدد الكافي للاضطلاع بحكم الولايات بعد اتساع الدولة. ومن هؤلاء: ابن أم مكتوم، وسعد بن عبادة، وزيد بن حارثة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وبشير بن عبد المنذر، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وسباع بن عرفطة الغفاري …وآخرون[130]، كان يؤمرهم ويعينهم على إدارة المدينة عند خروجه عليه الصلاة والسلام للغزوات أو الحجة والعمرة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالرئاسة حيث يوجد عمل جماعي، وذلك يظهر من قوله: “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم”[131]، وكانت هذه قاعدة عامة يطبقها عليه الصلاة والسلام في جميع أحواله.
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخير أمراءه[132] ويختارهم من الصحابة على أساس العلم والكفاءة والجاه والسلطان والقدرة على بعث الإيمان في قلوب الناس؛ لأن مهمتهم لم تكن إدارية فقط، بل كانت مهمة دعوية تعليمية فهم يعلمون الناس الإسلام ويؤمونهم في الصلاة ويفصلون بينهم في النزاعات. وهكذا، وفي مدة وجيزة، أصبحت الجزيرة العربية منظمة في وحدة سياسية ودينية بقيادة أمراء وقضاة بزعامة رئيس الدولة الإسلامية الجديدة عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأول مرة في تاريخها.
3 – الحراس والشرطة وحُجاب النبي صلى الله عليه وسلم.
أ- كان للرسول صلى الله عليه وسلم حراس[133]-والله سبحانه حارسه وحافظه- يقومون بحراسته تطوعا واجتهادا، منهم: سعيد بن زيد الأنصاري، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعد بن معاذ، ومحمد بن مسلمة…وآخرون. وكان صلى الله عليه وسلم لا ينهاهم عن ذلك، بل يشجعهم وينوه بهم.
ب- وكان قيس بن سعد بن عبادة أمير الشرطة، فعن أنس بن مالك قال: إن قيس بن سعد كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة الشرطة من الأمير؛ قال ابن حجر في الفتح: وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده؛ لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال وإنما حدث في دولة بني أمية، فأراد أنس بن مالك تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه[134].
وما نستفيده نحن هو أن الصحابة الكرام كانت لديهم كفاءات إدارية وكانوا يجتهدون في تطبيقها وتنفيذها من داخل الحكومة النبوية والنبي صلى الله عليه وسلم يقرهم على ذلك.
ج- ومن الصحابة من كان يقوم على حراسة المدينة ليلا، ويتناوبون على ذلك؛ على صفة العسكر المنظم، منهم: سعد بن أبي وقاص، وبديل بن ورقاء، وأوس بن ثابت، ورافع بن خديج وابن عمر…وآخرون[135]. وهذا يمكن تسميته بالحرس المدني، وهو أصل لتجنيد الشباب في مهام داخلية للمساهمة في حفظ الأمن والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العامة أصول دينهم؛ إنه التجنيد الدعوي.
د- وكان للنبي صلى الله عليه وسلم حُجاب يقفون على بابه ليستأذنوا للناس في الدخول عليه، ولو لم تكن هذه “الحِجابة” بمراسيم أو أنظمة معقدة، بل كان الصحابة يتطوعون في الإذن على رسول الله في الأوقات التي كان يجب أن يخلو فيها بنفسه في المسجد أو في حجرة من حجرات أزواجه[136]. ومن هؤلاء: أنس بن مالك وسفينة ورباح الأسود(من موالي رسول الله)، وأبو هريرة…وغيرهم[137]. وقد ورد في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال:”جاء أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يؤذن لهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر بن الخطاب فاستأذن فأذن له”[138]. وفي السيرة النبوية كثير من الحوادث الصريحة الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له حجاب يستأذنون للناس في الدخول عليه، وهناك إشارات تبين أنهم قاموا بهذه المهمة بتكليف منه صلى الله عليه وسلم.
4 – صاحب السر، وحامل الخاتم ، والمشرفون على استقبال الوفود، والسفراء:
أ- اقتضت ضرورة تحصين أمن الدولة الإسلامية الجديدة مجموعة من المهام التي اجتهد قائد الأمة صلى الله عليه وسلم بتنزيلها مع أصحابه حسب الحاجة، ومن هذه المهام؛ صاحب سر الإمام أو”أمين السر”[139]، فكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هو صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة أعلمه بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسبب ذلك “أن حذيفة بن اليمان كان صاحب سر الرسول صلى الله عليه وسلم لقربه منه وثقته به وعلو منزلته عنده”[140]. فهذه وظيفة ارتبطت بشكل مباشر وكبير بالإدارة العليا للدولة لأهميتها وخطورتها في نفس الوقت.
ب- وقد ذكرنا سلفا في بعض اجتهادات رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اتخذ خاتما يختم به الرسائل للملوك والأمراء؛ وكان حنظلة بن الربيع بن صيفي والحارث بن عوف المري هما حاملي خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، إذا غاب أحدهما ناب عليه الآخر[141]. وبقي الخاتم يستعمل من طرف خلفاء الرسول بعده حتى سقط من يد الخليفة الراشد عثمان بن عفان في بئر أريس[142].
ج- وفي اجتهاد آخر -وهو ما يمكن أن نطلق عليه الآن بنظام البروتوكول الرئاسي- فهناك من يقوم باستقبال الوفود وتعليمهم كيف يتحدثون مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو كيف يحيونه، وأشهر من قام بهذه المهمة هو صاحبه الصديق رضي الله عنه، فقد ذكر ابن إسحاق قصة قدوم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليم وسلم في رمضان سنة 9هـ[143]، وعند وصولهم إلى المدينة التقوا بالمغيرة بن شعبة -وهو ثقفي مثلهم- فأخبر المغيرة أبا بكر بقدومهم، فدخل أبو بكر على الرسول وأعلمه بأمرهم واستأذن لهم، وخرج إليهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د- وقد نهج النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في اختيار رسله وسفراءه نهجا لا يخرج عن المألوف والعرف الجاري لدى الدبلوماسية الحديثة، من تبادل السفراء ومراعاة الأناقة، وجمال الخلقة، والكفاءات الممتازة بصفتهم ممثلين لأمتهم[144]. وقد بلغ من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تنزيل هذه القواعد وتطبيقها في إدارة دولته تحديد الصفات والتركيز عليها بالقول: “إن أبردتُم إلي بريدا، فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم”[145]، وعلى هذا المقياس كان يختار الرسل والسفراء وأهل البريد؛ كدحية الكلبي ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن حذافة وغيرهم من أعقل الصحابة وأجملهم صورة وأحسنهم حديثا وأطلقهم لسانا وقوة وحجة. وهي أمور كلها اجتهادات فرضتها الضرورة ومسايرة الواقع في تدبير وتسيير شؤون الحكم في دولة الإسلام الجديدة.
5 – الكتابة الخاصة وجهاز الإعلام، والمخابرات العامة:
أ- من اجتهاداته صلى الله عليه وسلم الإدارية؛ أنه اتخذ كتابا حسب الاختصاص والكفاءة: فالبعض مختص في كتابة الوحي[146]، والبعض الآخر في الشؤون العامة للدولة من عهود وضرائب ومواثيق وغيرها.
* فكان عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الله بن الأرقم[147] وأبي بن كعب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص…وآخرون؛ يكتبون الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
* وكان علي بن أبي طالب من المختصين في كتابة العهود والمواثيق وعقود الصلح، فهو الذي كتب وثيقة صلح الحديبية “فهو الكاتب لعهوده صلى الله عليه وسلم إذا عاهد وصلحه إذا صالح”[148].
* وكان مُعيْقب بن أبي فاطمة، وكعب بن عمرو بن زيد الأنصاري يكتبان المغانم، حتى كان ينعت كعب بن عمرو بصاحب المغانم.
* واختص حذيفة بن اليمان بكتابة خرص تمر الحجاز، والزبير بن العوام بكتابة أموال الصدقات، والمغيرة بن شعبة يكتب المداينات والمعاملات، والعلاء بن عتبة يكتب بين الناس في قبائلهم ومياههم.
* وهذا زيد بن ثابت الأنصاري قد عُرف بترجمة الرسائل الفارسية والعبرية[149]، حتى سمي بمترجم رسول الله؛ وذلك لمعرفته باللغات[150]. وهذه الوظيفة كانت ضرورية لتيسير للعلاقات الخارجية مع الدول المجاورة.
ب- وفي مجال الإعلام؛ كان للنبي صلى الله عليه وسلم عدد من الخطباء والشعراء الذين يدافعون عن الإسلام ويساهمون في نشر دعوته، ويردون الأباطيل عن دولته ضد من كانوا يهجون الرسول صلى الله عليه وسلم ويهاجمون دعوته، وبذلك كانوا يمثلون بشعرهم وخطابتهم حربا إعلامية شديدة التأثير على العدو لاحتلال الشعراء والشعر مكانة خاصة في تلك البيئة. وهي وظائف إدارية ذات طبيعة إعلامية.
* ومن هؤلاء الشعراء حسان بن ثابت الأنصاري، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك[151].
* وكان ثابت بن قيس الخزاعي يقوم بمهمة “الخطابة” فيرد على خطباء الوفود؛ يروي ابن إسحاق أن وفد بني تميم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم (سنة:9هـ)، فقام شاعرهم وخطيبهم، فقالا شعرا ونثرا، فأمر النبي عليه السلام حسان بن ثابت وثابت بن قيس بإجابتهما ففعلا[152]. حتى أن خطبة ثابت كانت سببا في إسلام الأقرع بن حابس وقومه. وهكذا كانت الكفاءات تختار للوظيفة المناسبة في الدولة الإسلامية.
* وكان المعلمون في ذاك الزمان يقومون بمثل دور الشعراء والخطباء؛ فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بإعداد معلمين، إعدادا يؤهلهم للقيام بهذه الوظيفة بجدارة واقتدار[153]. ومن أوائل هؤلاء المعلمين مصعب بن عُمير الملقب “بالمقرئ”[154]؛ بعثه النبي عليه الصلاة والسلام معلما وسفيرا إلى يثرب. وتشير المصادر إلى وجود معلمين آخرين في المدينة يعلمون الناس القراءة والكتابة، ومنهم: عبادة بن الصامت[155] وعبد الله بن سعد بن أبي العاص[156]. حتى أصبح التعليم والعلم سمة من سمات المجتمع المسلم على عهد النبوة .
ج- ومن باب التأمين العسكري للدعوة وإعداد القوة لحماية الدولة، لا بد للحكومة الإسلامية من جهاز مختص بجمع المعلومات السياسية والاقتصادية والعسكرية عن دول الأعداء والأفراد المناهضين لدعوة الإسلام ودولته في الداخل والخارج، وهذا ما يسمى في عصرنا بجهاز المخابرات.
* وممن كان يقوم بهذه المهمة في دولة الإسلام الأولى[157]: بسبسة بن عمرو الجهني؛ حيث كلفه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يذهب إلى بدر لجمع المعلومات عن قريش قبيل المعركة.
* وقام بمهمة المخابرات كذلك كل من طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد حيث أرسلهما رسول الله عليه وسلم إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار عن قافلة أبي سفيان.
* ومنهم حذيفة بن اليمان الذي قام بجمع المعلومات عن الأحزاب في غزوة الخندق. وبسر بن سفيان الخزاعي الذي كان مختصا بجمع المعلومات عن قريش.
* وقام العباس بن عبد المطلب بدور العين -مخبر- لرسول الله على أهل مكة يمده بكل تحركاتهم، فهو الذي أخبر المسلمين بمسير قريش في غزوة أحد، وخروجهم في غزوة الأحزاب.
كما كان لهذا الجهاز وللجيش الإسلامي عموما كلمات سر، وشعارات، ونداءات؛ ومنها كلمة السر “أنت أنت” و”يا منصور”، وقد يجمع الشعار وكلمة السر بين وظيفة التعارف ومعنى التذكير؛ كشعارهم “حم، لا ينصرون” و”يا أصحاب سورة البقرة”، وكان صلى الله عليه وسلم يرمز إلى الخزرج ب”بني عبد الله” وإلى الأوس ب”بني عبيد الله” وغير هذا كثير[158].
وهكذا كان لهذا الجهاز قوة وفعالية في رصد تحركات أعداء دعوة الإسلام ودولته على جميع الجبهات. ومكن حكومة الدولة الجديدة بإعداد القوة والحيطة والحذر في الوقت المناسب.
هذا بإيجاز بعض الاجتهادات الإدارية في الجهاز الحكومي الذي كان يساعد النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة دولة الإسلام لجديدة.
ويستفاد من هذا الاجتهاد الإداري في السيرة النبوية؛ اتسام الإدارة النبوية بالحيوية والاجتهاد وعدم الجمود، فقد استطاعت القيادة الحكيمة أن تخرج الإدارة الإسلامية من إطارها الأحادي الضيق إلى الإطار الجماعي المتكامل الذي يساير المستجدات ويوائم بين المتغيرات العقائدية والمفاهيم الإنسانية، ويوافق بين الوسائل والغايات، ويربط بشكل عملي بين الفكرة وتطبيقها على الواقع العملي؛ “فهي الإدارة التي انتظم تحت قيادتها المجتمع في ضوء التنظيم والتوجيه والتأهيل وإدامة العلاقات والإشراف المباشر، بما يحقق لذلك المجتمع الجديد غايته في حماية الدين وسياسة أموره المعاشية والحياتية”[159].
خلاصة.
تمخض عن هذا مجموعة من المباديء؛ من أهمها:
- توجيه الأمة إلى ضرورة التسليح باليقين والإيمان لتحقيق هدفها.
- التدبير والتخطيط في انتقاء الوسائل واختيار الأدوات وتحديد المراحل التنفيذية، حسب الظروف والمواقف والأهداف.
- الاعتماد على العمل الجماعي، وبناء الجماعة المؤمنة حاملة مشروع المجتمع الأخوي.
- ضرورة التنظيم الجيد والمحكم، ووجود قيادة قوية وصادقة لتدبير الأزمات والتوجيه العام.
- اتخاذ القرارات الحاسمة يتطلب استشارة أهل الخبرة والحكمة والاختصاص.
- ولاستمرار المؤسسات التابعة لمركز الدولة الإسلامية لا بد من إقامة الحق ودولة العدل، واحترام الضوابط الأخلاقية والقيم الروحية الحية بين الراعي والرعية.
في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الحديث حول خصائص السياسة الشرعية في العهد النبوي والتصرفات النبوية السياسية وآثارها فهما وتنزيلا.
…..يتبع…..
[1]سورة يونس، الآية: 57.
[2] إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، الشوكاني، ص:426.
[3] ينظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تاج الدين السبكي، تحقيق: علي محمد عوض، 4/165. والإحكام في أصول الإحكام، الآمدي، 4/165. وأصول السرخسي،1/194. وكشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، عبد العزيز البخاري، 3/925. وإجابة السائل شرح بغية الآمل، الصنعاني،1/386.
[4] المستصفى في علم الأصول، أبو حامد الغزالي، 1/346.
[5] المسودة في أصول الفقه، ابن تيمية، ص:507.
[6] شرح الإسنوي على المنهاج، الإسنوي، 3/194.
[7]المصدر السابق، 3/194
[8] إرشاد الفحول، الشوكاني، ص:255
[9]المصدرالسابق، ص:255.
[10] الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، 5/701.والآية من سورة يونس، الآية:15
[11] ينظر: إرشاد الفحول، الشوكاني، ص:255.
[12] الاجتهاد ومقاصده في الفكر الإسلامي؛ النشأة والإمتداد، عبد السلام الرافعي، ص:26.
[13] الأحكام، ابن حزم، 5/703.
[14] ينطر: إرشاد الفحول، الشوكاني، ص:255. و شرح الإسنوي على المنهاج، 3/194.
[15] الموافقات، الشاطبي، 4/66.
[16]أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم:7302. ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم:4507.
[17] التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، 30/109.
[18] أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم:3641. والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم:2682. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم:2682.
[19] ينظر: المحصول في أصول الفقه، الرازي، 6/7.
[20]تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة وصلتها بالتشريع الإسلامي، الدكتور أحمد يوسف، مجلة بحوث السيرة والسنة، جامعة قطر، العدد الثامن، سنة 1415هـ/1995م، ص:415.
[21] تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة الدينوري، ص:196.
[22] الإحكام في تميز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص:99، والفروق، القرافي، الفرق36، 1/205.
[23] زاد المعاد، ابن القيم، 5/375.
[24] حجة الله البالغة، أحمد شاه ولي الله الدهلوي، 1/240-241 بتصرف.
[25] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص:30.
[26] الإسلام عقيدة وشريعة، محمد شلتوت، ص:499 وما بعدها.
[27] الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، محمد مصطفى شلبي، ص:116.
[28] ينظر: كيف نتعامل مع السنة النبوية، والمدخل لدراسة السنة، يوسف القرضاوي.
[29] ينظر: مبادئ الحكم في الإسلام، عبد الحميد المتولي، ص:241.
[30] التعريفات، الجرجاني، ص:110.
[31]سورةالمائدة، الآية:67.
[32] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، القرافي، ص:99.
[33] معجم مفردات القرآن، الراغب الأصفهاني، ص:417.
[34] الإحكام، القرافي، ص:99.
[35]سورةالنساء، من الآية:65.
[36] الفروق، القرافي، ص:100.
[37] من الأمثلة التي ذكرها القرافي على ما فعله عليه الصلاة والسلام بطرق القضاء: “التمليك بالشفعة، وفسوخالأنكحة والعقود، والتطليق بالإعسار عند تعذر الإنفاق والإيلاء والفيئة، ونحو ذلك”. الإحكام، ص:105.
[38] ينظر: غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، ص:15.
[39] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص:83.
[40] ينظر تفصيل المسألة في: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، ابن فرحون، ص:17 وما بعدها.
[41]سورة الكهف، من الآية: 110.
[42] هذا قول الجمهور، ونُقل عن الغزالي أنه يندب التأسي به. ينظر: المنخول، ص:225. والإحكام، الآمدي، 1/228.
[43] ينظر: السياسة الشرعية في تصرفات الرسول صلى الله علية وسلم المالية والاقتصادية، محمود أبو ليل، ص:49.
[44] ينظر: الإحكام، الآمدي، 1/227-228
[45]متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، رقم:847. ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، رقم:252، واللفظ له.
[46]أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم:3461، بلفظه.
[47] الطرف الأخير من حديث سهل بن سعد الساعدي، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي، رقم:2934. ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب، رقم:2306.
[48] أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، رقم:1520.
[49] أخرجه البخاري في كتاب المساقاة، باب سَكْر الأنهار، رقم:2359. ومسلم في الفضائل، باب وجوب إتباعه صلى الله عليه وسلم، رقم:2357.
[50]أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب من شكا إمامه إذا طول، رقم:701. ومسلم برقم:465.
[51] أخرجه ابن حبان في صحيحه، ذكر ما يستحب للمرء الإقبال على الضعفاء والقيام بأمورهم، برقم:535. والترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة عبس، رقم:3331. وإسناده صحيح، انظر صحيح الترمذي للألباني.
[52]تفسير التحرير والتنوير، ابن عاشور، 30/111.
[53]سورة الأنفال، الآيات: 67-69. ويقول الطاهر ابن عاشور: “وهذه الآية تدل على أن لله حكمًا في كل حادثة، وأنه نصب على حكمه أمارة هي دليل المجتهد، وأن مخطئه من المجتهدين لا يأثم بل يؤجر”. التحرر والتنوير، 10/77.
[54]أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، رقم:4610.
[55] ينظر: المغني، ابن قدامة، 8/372-374.
[56] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الجهاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الشورة، رقم:1714، وقال:”حديث حسن”. وقال ابن حجر: “رجاله ثقات”، فتح الباري، 13/352.
[57] البداية والنهاية، ابن كثير،3/262-263، من رواية ابن اسحاق بإسناد صحيح، وقال: ” وله شواهد من وجوه كثيرة”. ينظر: السيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، ص،404.
[58] المصنف، عبد الرزاق، 5/363.
[59] أخرجه البخاري معلقا، رقم:7368 مختصرا. و النسائي مطولا في السنن الكبرى، رقم7648. إسناده صحيح، و رجاله ثقات على شرط مسلم، انظر السلسلة الصحيحة للألباني،3/91.
[60]سورة آل عمران، من الآية: 159
[61] ينظر: السيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، ص:427.
[62] أخرجه البخاري في الصحيح باب في صلح الحديبية رقم:4178.وانظر:السيرة النبوية لابن هشام، 3/308.
[63] ينظر: السيرة النبوية الصحيحة، ضياء العمري، ص:478.
[64] في النظام السياسي للدولة الإسلامية، محمد سليم العوا، ص:181 وما بعدها. وينظر كذلك: في الفقه السياسي الإسلامي، عبد الخالق فريد، ص: 58 وما بعدها.
[65]سورة يوسف، الآية: 108.
[66]أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي، رقم: 6202-6203.
[67] أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار،4/425.
[68]الإدخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب. يظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، 1/33.
[69]أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة، رقم:1750.
[70] أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي، 2/1059. وينظر: اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد الجليل عيسى، ص:62.
[71] أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه إلى متى شاء، رقم:5144 و5151.
[72]السيرة النبوية، ابن هشام، 2/303. والإصابة، ابن حجر، 1/302. وانظر: السيرة النبوية الصحيحة لضياء العمري، ص:406.
[73] أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، رقم:3592، وقال ابن تيمية: “إسناده جيد”، مجموع الفتاوي، 13/364.
[74] أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرجع النبي صلى الله عليم وسلم من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريضة ومحاصرته إياهم، رقم:3891.
[75]أي: أرفع وأعلى، وقيل: أحسن وأعذب “، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 5/36.
[76] أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، برقم: 499. وابن ماجة في السنن، كتاب الآذان والسنة فيه، باب بدء الأذان، برقم:313. وصحح إسناده النووي في المجموع، 3/58، والألباني في صحيح أبي داود، برقم:512. ولفظ الآذان أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب صفة الأذان، رقم:840.
[77] ينظر: الأحكام الفقهية التي اتفق عليها الخلفاء الراشدون؛ جمعا ودراسة، ياسين الحاشدي، 1/332.
[78] فتح الباري، 3/71.
[79] أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب دعوة اليهود والنصارى، رقم:467.
[80] الإصابة، ابن حجر،1/16. وقصة سهل بن سعد أخرجها البخاري في الصحيح، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، رقم:875.
[81] التلخيص الحبير، ابن حجر، 2/62.
[82] أخرجه الدارمي في السنن، باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، 1/69. ورواه الطبراني في معجمه 2/176، رقم353. قال الحافظ في الفتح: “مرسلان يقوي بعضهما بعضا”13/266-267.
[83] رواه الطبراني في معجمه الأوسط،11/372، رقم:12042. وقال الهيثمي: “رجاله موثقون من أهل الصحيح”، مجمع الزوائد، 1/178.
[84]الدولة الإسلامية: هي البنية السلطوية للأمة التي توجه الفعل السياسي وتحدد وفق منظومة المبادئ السياسية الإسلامية”. العقيدة والسياسة، معالم نظرية عامة للدولة الإسلامية، لؤي صافي، ص:121.
[85]السيرة النبوية، ابن هشام، 4/249. وخبر قدوم الوفود ثابت بالروايات الصحيحة، فقد ذكر البخاري قدوم عدي بن حاتم الطائي وغيره من الوفود. وأشار الحافظ ابن حجر إلى بعضها. ينظر: فتح الباري، 8/83-103. والبداية والنهاية، ابن كثير، 5/40-98. والسيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، ص:605-609.
[86] ويطلق عليه في الفقه السياسي “المقر الرسمي للدولة” منه تصدر القوانين، وفيه تناقش الأمور، ومنه تذاع البلاغات، وفيه يفصل في الخصومات. ينظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد رواس قلعة جي، ص: 107 وما بعدها.
[87]ينظر:السيرة النبوية، ابن هشام،2/91. والبداية والنهاية، ابن كثير،3/219. وحياة محمد، حسين هيكل، ص:220.
[88] السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي؛ قراءة ورؤية جديدة، عبد اللطيف محمد عبد الشافي، ص: 140-141.
[89] الرحيق المختوم، ص:167، و إنك لعلى خلق عظيم، المباركفوري، 1/143.
[90] ينظر: فقه السيرة، محمد رمضان البوطي، ص:151 وما بعدها.
[91]راجع نص الوثيقة في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق، 2/94 وما بعدها. ينظر كذلك: عيون الأثر، ابن سيد الناس، 1/197-198. والبداية والنهاية، ابن كثير، 3/224-226. ومجموعة الوثائق السياسية، محمد حميد الله، ص:41-48.
[92] فقه السيرة النبوية، المفهوم والأسس والنماذج، رشيد كهوس، ص:348.
[93] فكرُ السيرة، قراءة ثقافية معاصرة للسيرة النبوية، الحبيل مهنا، ص:130.
[94]في الفقه السياسي الإسلامي، فريد عبد الخالق، ص:154.
[95] العقيدة والسياسة، لؤي صافي، ص: 104 وما بعدها.
[96]وتتفق المصادر على أن المؤاخاة التي جرت في المدينة كانت بين المهاجرين والأنصار، ولكن ابن سعد يذكر أن ثمة مؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم. وقد ترتب على نظام المؤاخاة حقوق خاصة بين المتآخيين؛ تعني كل أوجه المساواة==مطلقا، وأوجه العون على مواجهة أعباء الحياة، سواء كان عونا ماديا أو رعاية ونصيحة وتزاور ومحبة. ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 2/96-97. والطبقات الكبرى، ابن سعد، 1/9. وأنساب الأشراف، البلاذري، 1/270. والدرر في اختصار المغازي والسير، ابن عبد البر، ص:96. وعيون الأثر، ابن سيد الناس، 1/200. وزاد المعاد، ابن القيم، 2/79. والسيرة النبوية الصحيحة، أكرم ضياء العمري، ص: 277-280.
[97] فقه السيرة، محمد الغزالي، ص:163.
[98] فكرُ السيرة، مهنا الحبيل، ص:127.
[99]بلغ عدد بعوث وسرايا النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وثلاثين، وقيل (38) بعثا وسرية، وقيل أربت على الستين. أما الغزوات فقد بلغت 27 غزوة؛ قاتل صلى الله عليه وسلم في تسع غزوات منها. ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/591-592. وتاريخ خليفة بن خياط ، ص:56. وفتح الباري، ابن حجر ، 7/279.
[100] ينظر: فقه السيرة النبوية، المفهوم والأسس والنماذج، رشيد كهوس، ص: 264-266.
[101] ينظر للتقصي في موضوع الإدارة النبوية: التراتيب الإدارية، الكتاني، 1/231 وما بعدها.
[102]أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، رقم:3476.
[103] البداية والنهاية، ابن كثير، 4/15. والحديث عند مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة رضي الله تعالى عنه، رقم:4516.
[104] نعني بالإدارة: جميع العمليات التي تستهدف تنفيذ السياسة العامة، ويشمل مختلف الميادين المدنية والاقتصادية والعسكرية والقضائية وغيرها. ينظر: الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، حافظ الكرمي، ص:27-28.
[105] زاد المعاد، ابن القيم، ص: 824.
[106] إدارة الدولة في عصورها الإسلامية، عامر خضير الكبيسي، ص:57.
[107] قال الماوردي: “والإمامة موضوعة للخلافة النبوية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”. الأحكام السلطانية، ص: 5.
[108] المستدرك على الصحيحين، كتاب معرفة الصحابة، 3/63.
[109] أخرجه الترمذي في الجامع، أبواب المناقب، مناقب أبي بكر الصديق، رقم:3771، وقال: “هذا حديث حسن”.
[110] نظام الحكم في الشريعة الإسلامية، ظافر القاسي، 1/47. وفي السيرة النبوية، عبد الشافي، ص: 146.
[111] تاريخ الطبري، ابن جرير، 3/99.
[112] ينظر: نظام الحكم والإدارة، شيباني، ص:23. الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وحافظ الكرمي، ص:93.
[113]أخرجه أحمد في المسند، رقم:665، 1/148، قال المحقق أحمد شاكر: إسناده صحيح، تخريج المسند، برقم:665. وضعفه الألباني، ضعيف الترمذي، برقم:3785.
[114] ينظر: الأحكام السلطانية، الماوردي، ص:22-29.
[115] المقدمة، ابن خلدون، ص:237.
[116] الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، رفاعة بك رافع، ص: 429. ويرى علي عبد الرازق في كتابه: الإسلام وأصول الحكم، غير ذلك… والظاهر من كلامه أنه ينفي وجود مؤسسة القضاء زمن حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم. ينظر ص: 50 وما بعدها. وقد تم الرد عليه بأن مؤسسة القضاء ثابتة في الصحيح عند الترمذي والحاكم وغيرهما.
[117] أخرجه أبو داوود في السنن، برقم: 3582 واللفظ له، وابن ماجة في سننه، مختصرا، برقم:2310. قال شعيب الأرناؤوط: “حسن لغيره”، تخريج المسند، برقم:1282. وحسنه الألباني، صحيح أبي داود، برقم:3582.
[118]شرح صحيح مسلم، النووي، باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، رقم:1768، 12/438.
[119] يعتبر باذان بن ساسان جرون؛ أول ملوك العجم الذين أسلموا وولاه النبي صلى الله عليه وسلم الحكم باسم الإسلام على المناطق التي كان يتولاها تحت الإدارة الفارسية. ينظر: الاستيعاب، ابن عبد البر، 3/365. والإصابة، ابن حجر، 3/630.
[120] ينظر: الاستيعاب، ابن عبد البر، 3/1043. وأسد الغابة، ابن حجر، 3/246. والمقدمة، ابن خلدون، ص:844.
[121] تنقسم اليمن إلى عدة مناطق أو وحدات إدارية؛ فهناك شهر بن باذان على منطقة صنعاء، وزياد بن لبيد على منطقة حضر موت، ومعاذ بن جبل على منطقة الجند –عاصمة حمير- وكان له الإشراف على بقية المناطق. ينظر: فتوح البلدان، البلاذري، 1/82، وهو يستعمل كلمة: “المخلاف” بدل المنطقة أو الإقليم.
[122]الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم:1733.
[123]أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد على الفقراء حيث كانوا، برقم: 1425. ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم:19.
[124] تاريخ الطبري، ابن جرير، 2/82. والسيرة النبوية، ابن هشام، 4/69. وفتوح البلدان، البلاذري، 2/46.
[125] الإسلام والحضارة العربية، محمد كرد علي، 2/99.
[126] ينظر: تاريخ الطبري، ابن جرير، 3/99.
[127] ينظر: عيون الأثر في فنون المغازي والسير، ابن سيد الناس، 2/339. والسيرة النبوية، ابن هشام، 4/697.
[128] ينظر: الطبقات، ابن سعد، 4/360-361.
[129] عيون الأثر، ابن سيد الناس، 2/339-342. فتوح البلدان، والبلاذري، 1/92.
[130] ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/590-598. والطبقات، ابن سعد ، 2/ 121و165. وتاريخ الطبري، 1/407.
[131] أخرجه أبو داود في سننه، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، رقم:2608، وقال الألباني: “حسن صحيح”، صحيح أبي داود، برقم:2608.
[132] ينظر: الإدارة الإسلامية، محمد كرد علي، ص:12. والإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، حافظ الكرمي، ص:105.
[133] ينظر: عيون الأثر، ابن سيد الناس، 2/296. والعقد الفريد، ابن عبد ربه، 5/254.
[134]فتح الباري، ابن حجر، كتاب الأحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه، رقم:7157.
[135] ينظر: نظام الحكومة النبوية؛ المسمى التراتيب الإدارية، عبد الحميد الكتاني، 1/17و1/293. وتخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، أبي الحسن الخزاعي التلمساني، ص:303.
[136] ينظر: الاستيعاب، ابن عبد البر، 1/109.
[137] ينظر: العقد الفريد، ابن عبد ربه، 4/253. والاستيعاب، ابن عبد البر، 1/109. وتاريخ الطبري، 3/171-172. والدلالات السمعية، الخزاعي، 1/51. والتراتيب الإدارية، الكتاني، 1/21.
[138]أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب أن تخييره امرأة لا يكون طلاقا إلا بالنية، رقم:1478.
[139] ينظر: التراتيب الإدارية، الكتاني، 1/17-20.
[140] تخريج الدلالات، الخزاعي، ص:47.
[141] ينظر: التراتيب الإدارية، الكتاني، 1/21.
[142] ينظر: مجمع الزوائد، الهيثمي،5/156. والحديث صححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم:81.
[143] ينظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 4/197. والترتيب الإدارية، الكتاني، 1/39.
[144] الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليم وسلم، عجاج الكرمي، ص:130.
[145] أخرجه الحافظ أبو بكر البزار في المسند الكبير، رقم:4383. وقال الألباني: “إسناده صحيح”، صحيح الجامع، برقم:259. والسلسلة الصحيحة، رقم:4034
[146] ينظر: الاستيعاب، ابن عبد البر، 1/58-64. والتنبيه والإشراف، المسعودي، ص:245-256.
[147]ذكر ابن عبد البر: “أن عبد الله بن أرقم كان يجيب الملوك، وبلغ من أمانته عند الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطينه ويختمه وما يقرؤه لأمانته عنده”. الاستيعاب، 3/865.
[148]المصدر السابق، 1/96. وأسد الغابة، ابن الأثير، 1/50.
[149] جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن ثابت: “تعلم كتاب يهود، فإني ما آمن يهود على كتابي” فتعلمها زيد، وأصبح يقرأ للرسول عليه الصلاة والسلام ما يكتبه يهود، ويكتب إلى اليهود ما يريده النبي صلى الله عليه وسلم. ينظر: الثقات، ابن حبان، 1/646، وفتح الباري، ابن حجر، 27/216.
[150] ينظر: تخريج الدلالات، الخزاعي، ص:157 وما بعدها. والترتيب الإدارية، الكتاني، 1/97.
[151]ينظر أشعارهم في: السيرة النبوية، ابن هشام، 2/16-18-188-371-562. والطبقات، ابن سعد ، 1/294.
[152]ينظر خطب ثابت بن قيس وقصته مع وفد بني تميم في: السيرة النبوية، ابن هشام، 2/562. والطبقات، ابن سعد،1/294. وتاريخ الطبري، 3/116-117.
[153] ينظر: الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، عجاج الكرمي، ص: 122.
[154]وهذا لقب جديد أطلق على المعلم ولم يكن معروفا من قبل. ينظر: الطبقات، ابن سعد، 1/220.
[155]وكانت مهم عُبادة تتمثل في تعليم “أهل الصفة” القرآن الكريم. ينظر:السنن، أبو داوود، 3/701-702.
[156] ينظر: الإصابة، ابن حجر، 1/344. والترتيب الإدارية، الكتاني، 1/48.
[157] ينظر: الدلالات السمعية، الخزاعي، ص:473. والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، محمد عبد الشافي، ص: 150.
[158] ينظر: التراتيب الإدارية، الكتاني، 1/ 50 وما بعدها.
[159] إدارة الدولة في عصورها الإسلامية، عامر الكبيسي، ص: 57.