الإسراء والمعراج
بقلم: هانم داود
فيضُ الأنوار و الانتصار
بين ليلٍ سدَل أستاره، وفجرٍ أشرقت أنواره، انبثقت من قلب مكة معجزةٌ حارَت فيها العقول، وتجلت فيها قدرة الملكوت. لم تكن الإسراء والمعراج مجرد انتقالٍ مكاني، بل كانت ترياقاً ربانياً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، وجسراً نورانياً ربط الأرض بالسماء، والواقع باليقين.
أولاً: الإسراء.. حين عانق الحرمُ الأقصى
في ليلةٍ هادئة، وبصحبة الروح الأمين “جبريل” عليه السلام، امتطى النبي الكريم البراق؛ تلك الدابة التي تضع حافرها عند منتهى طرفها، لتقطع المسافات وتطوي الزمن.بأرادة الله جل جلاله ، انطلقت الرحلة من مكة المكرمة، معقل التوحيد الأول، إلى بيت المقدس، مجمع الأنبياء ومهد الرسالات.
هناك، في المسجد الأقصى، تجلى مشهدٌ مهيب؛ حيث أمَّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم الأنبياء جميعاً، ليعلن للعالمين أن الرسالة واحدة، وأن نبوته هي مسك الختام ومهيمنة الأديان.
ثانياً: المعراج.. رحلةٌ فوق مدارك البشر
لم ينتهِ الإعجاز عند حدود الأرض، بل فُتحت أبواب السماء. عرج النبي صلى الله عليه وسلم في طبقات السموات السبع، ليلتقي في كل سماء بنبي من إخوانه، حتى تجاوز حدود المادة والمنطق، ووصل إلى سدرة المنتهى، حيث ينتهي علم الخلائق ويفتح فيض الخالق.
“مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى”
وفي تلك الحضرة القدسية، (فرض الله عز وجل الصلاة؛) الهدية الأسمى للأمة. بدأت بخمسين صلاة، وبفضل رحمة الله وشفاعة نبيه، خُففت لتصبح خمسة في الفعل وخمسين في الأجر، لتكون معراجاً يومياً لكل مؤمن يتصل فيه بخالقه.
ثالثاً: دلالات التوقيت
لم تأتِ هذه الرحلة عبثاً، بل جاءت بعد عام الحزن؛ ذلك العام الذي فقد فيه النبي نصيرة بيته (زوجته السيده خديجة) وعضد دعوته (عمه أبو طالب).
فكانت الإسراء والمعراج:
تكريماً نبوياً: لتؤكد له أن جفاء أهل الأرض يقابله ترحيب أهل السماء.
تثبيتاً للمؤمنين لتمحيص الصفوف وتمييز الصادق من المرتاب.
إعجازاً علمياً وغيبياً ثبتت بالقرآن في سورتي (الإسراء والنجم) وبالسنة المتواترة، لتظل شاهدة على قدرة الله التي لا تحدها قوانين الطبيعة.
عبق الذكرى في 2026
بينما نستقبل ذكرى هذه الليلة العظيمة في (27 رجب)، ندرك أن الإسراء والمعراج لم تكن مجرد واقعة تاريخية، بل هي رسالة أمل مستمرة؛ مفادها أن بعد كل ضيقٍ مخرجاً، وأن الصلاة هي المعراج الذي نعرج به من هموم الدنيا إلى سعة رحمة الله.