مصادر التربية الإسلامية
بقلم: ياسين زنوتي
يذكر عبد الرحمن النحلاوي “التربية الإسلامية هي التنظيم والاجتماعي الذي يؤدي إلى اعتناق الإسلام وتطبيقاته كلياً في حياة الفرد والجماعة . والتربية الإسلامية ضرورة حتمية لتحقيق كما أراده الله سبحانه وتعالى أن يتحقق، وهي بهذا المعنى تهيئة النفس البشرية لتحمل هذه الأمانة وهذا يعني بالضرورة أن تكون مصادر الإسلام هي نفسها مصادر التربية الإسلامية وأهمها القرآن الكريم والسنة “[1] من خلال هذه الفقرة يتضح أن مصادر التربية الإسلامية من مصادر الإسلام ذاته، ذلك أن التربية الإسلامية هي من روح الإسلام وتعاليمه السمحة، وأهم مصادر التربية الإسلامية هي من روح الإسلام وتعاليمه السمحة، وهي إما مصادر معصومة (القرآن-السنة) وإما مصادر غير معصومة وهي ما سوى ذلك مما يرجع إلى التفكير البشري والاجتهاد، وأهم مصادر التربية الإسلامية يمكن إجمالها في الآتي:
القرآن الكريم: وهو المصدر الأساسي الأول للتربية الإسلامية والذي تستمد منه، وفي هديه أهدافها، ومادته، وطرقه ووسائلها، والذي على ضوئه تقيم تلك التربية، فهو كلام المعجز المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منجماً، والمتعبد بتلاوته، والمكتوب في المصحف، والمحفوظ في الصدور، والمنقول إلينا نقلاً بتواتر. وللقرآن أسلوباً تربويا رائعا وفريداً في تربية المرء على الإيمان بوحدانية الله، وباليوم الآخر، وعلى قيم الإيمان وأخلاقه، إنه يفرض الإقناع العقلي مقترناً بإثارة العواطف والانفعالات الإنسانية،فهو يربي العقل والعاطفة جميعاً، متمشياً مع فطرة الإنسان في البساطة، وعدم التكلف، ويبدأ القرآن من المحسوس المشاهد والمسلم به مثل: الأمطار، والرياح، والنباتن، والرعد، والبرق،ثم ينتقل إلى استلزام وجود الله تعالى وعظمته وقدرته، وسائر صفات كماله، مع اتخاذ أسلوب الاستفهام أحياناً، إما للتقريع، وإما للتنبيه، والتذكير بالجميل مما يثير في النفس الانفعالات الموجهة الربانية كالخضوع ،والذكر، والمحبة لله تعالى ، والخشوع لله.
وقد بدأ القرآن نزوله بآيات تربوية فيها أهم أهداف تربية الإنسان بأسلوب علمي فكري عن طريق الاطلاع والقراءة والملاحظة العلمية لخلق الإنسان منذ كان علقه في رحم أمه.[2] قال تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق◌ خلق الإنسان من علق◌ اقرأ وربك الأكرم ◌الذي علم بالقلم ◌علم الإنسان مالم يعلم◌﴾[3]
ويلخص أحمد الحمد الأسلوب التربوي في القرآن الكريم كما يلي[4]:
- أنه يبدأ بالإقناع العقلي الإنساني مقروناً بإثارة العواطف والانفعالات الإنسانية
- أنه يبدأ بالمحسوس المشهود توصلاً إلى الإقناع بالمعنويات
- أنه يضرب الأمثلة بالأشياء المسلمة توصلاً إلى الإقناع بالأمور غير المسلمة في نظر الإنسان
- إنه يستخدم الأساليب المتنوعة توصلاً للإقناع، مثل الأسلوب القصصي، والأسلوب الاستفهامي، الأسلوب الحواري، الأسلوب الخبري.
السنة النبوية: وهي ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل أو قول أو تقرير أو صفة خلقية ، وهي المصدر الثاني من مصادر التربية، فقد بين الله تعالى تعالى في كتابه وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وقرنها عز وجل بطاعته، وهناك من الآيات القرآنية مما يؤكد ذللك، كما في قوله تعالى :﴿ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ﴾[5] كما أنها تعد بمثابة الإطار التربوي النظري التطبيقي الذي نستلهم منه التربية الإسلامية المقومات الأساسية لبناء الشخصية المتوازنة السوية وطبعها بطابع متميز.
والسنة النبوية مليئة بأساليب التربية والتوجيه إلى الخير، والأمثلة على ذللك كثيرة، فمن ذللك قوله صلى الله عليه وسلم:”اتق الله حيثما كنت، واتبع الحسنة السيئة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”[6]، وعن ابن عباس قال: “كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ،وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الإقلام والصدور.[7]
وتتميز السنة النبوية باعتبارها مصدراً تربوياً بعدة مميزات منها [8]:
- تركيزها على الجانب العملي التطبيقي للتربية الإسلامية وذللك من خلال توظيف الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء في القرآن الكريم من مبادئ وأصول تربوية .
- رسمها لمعالم الشخصية السوية والمتكاملة، وذللك في شخصية الرسول الله صلى الله عليه وسلم
- تضمنها لأبعاد العملية التربوية كافة ، وتطبيقاتها في مواقف الحياة المختلفة
- تحق مخرجاتها التربوية السامية في جيل قرآني فريد، عمل على تربيته وتكوينه الرسول صل الله عليه وسلم عبر مواقف حياته المتنوعة
- ارتباطها بتلك الشخصية الوجدانية القوية والمؤثرة في حياة المسلم بما يكنه للرسول محمد صل الله عليه وسلم من حب وإجلاء وولاء
- الفكر التربوي الإسلامي: ويبدأ من الأوائل الذين اتبعوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون وصحابة رسول الله، وفكرهم التربوي النابع من الدين الإسلامي، ومستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية، والتابعون هم كل من اتباعهم بإحسان، في التمسك بكتاب الله وسنة نبيه والتربي على أساسهما، والتربية الإسلامية تنهل من فكر وتطبيقات هؤلاء السلف والتباعين لهم بإحسان، ومن سلوكياتهم وتعاملاتهم ،ومما قاموا به من أعمال وما قدموه من خدمات.[9]
وكذلك الفكر التربوي الذي لا يتعارض مع تعاليم الإسلام لأن(الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها) ، فالتربية الإسلامية في الوقت الحاضر ليست تربية منغلقة على ذاتها، بل تربية منفتحة ونامية لأن هناك أمور لا متغيرة ، تتغير تبعاً لما في المجتمع والعصر من تغيرات ، مما يجعل هناك ضرورة لوجود مرونة كافية لمواجهة مثل هذه المتغيرات.[10]
[1] عبد الرحمن النحلاوي ، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ، ص21
[2] عبد الرحمن النحلاوي ، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، مصر السابق، ص24-25
[3] سورة العلق الآية 1-5
[4] أحمد الحمد ، التربية الإسلامية ، مرحع سابق ،ص31
[5] سورة آل عمران الآية 23
[6] الترميذي، سنن الترميذي ،باب ما جاء في معاشرة الناس، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1987 رقم (2)،(7957) ص 1318
[7] الترميذي، باب أبواب صفة القيامة رقم 2630/1 ص 1318
[8] ماجد الجلاد، تدريس التربية الإسلامية ، مرجع سابق ، ص48
[9] سعد القاضي ، أصول التربية الإسلامية ، عالم الكتب، القاهرة، ص68-70