هل “عرفة” علم على الزمان أم المكان؟
هل "عرفة" علم على الزمان أم المكان؟/ د. محمد جعواني
هل “عرفة” علم على الزمان أم المكان؟
د. محمد جعواني
باحث في الفقه الإسلامي والمالية الإسلامية
إن يوم عرفة من أيام الله المشهودة، وفيه يتجلى ربّ العزة بكريم عطائه وجميل عفوه وإحسانه فيغفر لعباده ويعفو عنهم ويصفح. وقد رغَّب الشرعُ غيرَ الحاج في صيامه. ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صيام يوم عرفة، أحتَسِب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله”.
وحرصا على إدراك ذلك الفضل يتساءل كثير من المسلمين عن تحديد يوم عرفة عندما تختلف رؤية هلال ذي الحجة بين المملكة العربية السعودية وغيرها من البلدان الإسلامية، وهل المعتبر في ذلك يوم وقوف الحجاج بصعيد عرفات، أم اليوم التاسع من ذي الحجة في كل بلد.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم قديما وحديثا على رأيين:
الأول: يرى بأن “عرفة” علم على المكان، وبالتالي يكون يوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الحجاج بصعيد عرفات، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة بمكة المكرمة. وعليه يكون من هم خارج مكة تبعا لأهل مكة في تحديد يوم عرفة.
الثاني: يرى بأن “عرفة” علم على الزمان، وبالتالي فيوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة في كل بلد، وافق ذلك اليوم وقوف الحجاج أم لم يوافق.
ولكل فريق أدلته التي بنى عليها رأيه.
ومن البحوث التي أفردت لبحث هذه المسألة بحث عبد الرافع بن محمود العمري “بلوغ البغية في تحديد يوم عرفة عند اختلاف الرؤية” وبحث أحمد بن محمد بن خليل ” النور الساطع من أفق الطوالع في تحديد يوم عرفة إذا اختلفت المطالع”.
ومن خلال النظر في أدلة الفريقين أجدني أميل إلى الرأي الثاني للاعتبارات التالية:
– أن الصيام في الإسلام مرتبط بالزمان دائما، ولم يرد صيام قط ربط بالمكان. فعندنا صيام شهر رمضان، والست من شوال، والأيام البيض، وتسع ذي الحجة، والاثنين والخميس…وفي كل ذلك قُيّد الصيام بزمن معين وليس بالمكان. وجريا على هذا السَّنَن والمعهود الشرعي يحدد صيام يوم عرفة. ثم إن الصيام أضيف إلى “يوم” عرفة، واليوم ظرف زمان لا مكان.
وقد جاء مصرّحا بصيام التاسع من ذي الحجة في الحديث الذي أخرجه النسائي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسعا من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين”.
قال الخرشي المالكي في شرح مختصر خليل:” ولم يرد بعرفة موضع الوقوف بل أراد به زمنه وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وأراد بعاشوراء اليوم العاشر من المحرم”.
– أن ما أثار هذه المسألة ومثيلاتها هو ما فتح الله به على العباد من تطور في تقنيات ووسائل التواصل مما سهّل معرفة أخبار الدول والشعوب، ومن ذلك معرفة مطالع الشهور في كل بلد ومتابعة مناسك الحجاج خطوة بخطوة.
وهذا من النعم الجليلة والمنح الكريمة من ربنا سبحانه، والتي لا يتجادل عاقلان في أهميتها وفوائدها.
لكن ليس هذا محل النزاع في المسألة، وإنما هو كيفية العمل قبل ورود هذا المستجد. بمعنى كيف كان المسلمون قبل هذه الوسائل -طوال قرون- يتعاملون في تحديد يوم عرفة وصيامه، وهل كانوا مرتبطين في ذلك بعمل أهل مكة. وهل الشرع أناط هذا التحديد بمعرفة واقع الحال بمكة المكرمة.
لا شك أن الجواب المقرر شرعا وتاريخا سيكون بالنفي، فالشرع أناط أحكامه بأسباب وشروط قائمة زمن ورود الخطاب الشرعي حتى يتسنى للمكلف فعلها، وينتفي التكليف بما لا يطاق، ولم ينطها بأسباب أو شروط مستقبلية، إذ في ذلك تعطيل لها حتى يرد ذلك المناط المنتظر.
ولذلك جرت عادة المسلمين في ما مضى أن يتحروا رؤية هلال بلدهم بوسائلهم المتاحة ويمضوا على ذلك عباداتهم. ولم يكونوا أبدا ينتظرون أهل مكة ليقرروا لهم متى يصوموا أو يفطروا…
ثم إنّ سَبْق أهل المشرق أهل المغرب إلى رؤية الهلال يُعَدّ منافيا لمقررات علم الفلك الدقيقة، وبناء على هذه الحقيقة العلمية لو رأى أهل بلد هلال ذي الحجة قبل أهل مكة -وقد وقع في إحدى السنوات- فسيكون يوم عرفة في مكة المكرمة هو يوم العيد عند أهل ذلك البلد. فهل في هذه الحال نلزمهم بصيام يوم عرفة مع أهل مكة لنيل ثوابه العظيم وهو يوم عيدهم الأضحى المحرم شرعا صيامه، أم يصومون يوم عرفة حسب بلدهم.
– أن بعض البلدان يكون فيها وقت الفجر هو وقت الغروب عند أهل مكة، فيصادف وقت الوقوف بعرفة الليل عندهم، فهل يعقل أن يصوموا ليلا لتتم الموافقة مع أهل مكة.
وبالتالي فالاختلاف في زمن عرفة كالاختلاف في ليلة القدر والعيدين وأوقات الصلاة…تبعا لاختلاف المطالع بين مناطق العالم (منطقتين كبيرتين لكل منهما رؤيتها) الذي يقرّه علم الفلك ويؤكده.
– أنه في وباء “كورونا” عطلت مناسك الحج ولم يقف الحجاج بعرفة ومع ذلك صام المسلمون عرفة كل حسب تاسع ذي الحجة في بلده، ولم يقل أحد بترك الصيام لعدم تحقق الوقوف بعرفة.
وختاما نقول بأن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية التي تتسع لاختلاف وجهات النظر، والقاعدة تقول إنه “لا إنكار في مسائل الخلاف”.
وعليه، ينبغي أن يلتمس المسلم العذر لأخيه المسلم ولا ينكر عليه في الأمور الاجتهادية. فمن رأى اتباع الحجيج فله ذلك ومن رأى اتباع أهل بلده فله ذلك. ومن أراد الاحتياط فليصم تاسع أهل مكة وتاسع بلده مع التفويض لله سبحانه بالقبول.
والله تعالى أعلى وأعلم سبحان، والحمد لله رب العالمين.