منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وأتبعه ستا من شوال

 وأتبعه ستا من شوال/ الدكتور أحمد كافي

0

 وأتبعه ستا من شوال
بقلم: الدكتور أحمد كافي

سئلت من طرف بعض أهل بيتي: متى ستصوم الست من شوال؟ فكان جوابي:

صيام الست من شوال من موضوعات الخلاف:

صيام هذه الأيام من شوال قد ثبت فيها الخلاف بين أهل العلم. بين من رأى استحبابها، ومن رأى كراهتها. فلا عتب إذن على من ترجح عنده أيا من الرأيين. غير أن من ترجح الاستحباب عنده، فيجب أن يعلم أن ترجيحه ليس بناء على صحة الحديث الوارد فيها، وإنما على شيء آخر سوف أبينه إن شاء الله تعالى.
الحديث في صحيح مسلم بن الحجاج القشيري:

وأما كون حديث صيام الست من شوال قد ورد في صحيح مسلم، في كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعا لرمضان…فصحيح هذه النسبة. والقشيري رحمه الله تعالى من أهل الصناعة، وهو أمير المؤمنين في الحديث.
لكن كتابه الصحيح صحيح في الجملة لا في التفصيل. فقد رد عليه العلماء إيراده لجملة من الأحاديث حقها أن لا يتضمنها كتابه، وحديث صيام الست من شوال واحد منها.
وما رد على مسلم من هذه الأحاديث أكثر مما رد على صحيح البخاري، ولذلك كانت التقدمة للجعفي على القشيري عند التعارض عند أهل هذا الفن.
﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾:

وهناك مسألة عقدية ترتبط بالموضوع وهو قوله تعالى:﴿ ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾[البقرة:1ـ2]،﴿وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾[يونس:37]، ﴿ ألم تنزيل الكتاب لا رب فيه من رب العالمين﴾[السجدة:1ـ2]. ففي هذه الآيات تأكيد منه عز وجل على أن ما يكتبه الناس مهما علت جلالتهم، وحسنت نياته أو فسدت، إلا وفيه شيء من الريب، يقل أو يكثر. ولم يسلم من الريب مما بين أيدي الناس من الكتب سوى هذا الكتاب الخاتم.
وهي مقالة الإمام الشافعي: أبى الله أن يتم إلا كتابه. وقوله الآخر رحمه الله تعالى فيما رواه عنه البويطي إذ قال:” وسمعت الشافعي يقول: لقد ألفت هذه الكتب ولم آل جهدا فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ، لأن الله تعالى يقول:﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا[النساء:82]“.

وإذن، فالكاتب مهما بلغت في العلم جلالته، وتفوق في الصنعة بين أقرانه، إلا ولأهل العلم من أقرانه ونظرائه ومن هم دونه، ما يلاحظونه عليه فيما كتبه وخطته يمينه.

الحديث غير صحيح وإن كان في صحيح مسلم:

وقد تناول الحديث الذي في صحيح مسلم كثير من الفقهاء وأهل الصنعة. ومن فقهاء الحديث الذين تعرضوا له:

* ابن المبارك(181هـ): قال رحمه الله تعالى:” إن صام ستة أيام من الشهر متفرقة، فهو جائز. ثم ذكر أن هذا الحديث من رواية سعيد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وأنه قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه”( ).

* الترمذي(ت279هـ): قال عن هذا الحديث بعد أن أورده:” وروى شعبة، عن ورقاء بن عمر، عن سعد بن سعيد هذا الحديث. وسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سعد بن سعيد من قبل حفظه”( ).

* الطحاوي(ت321هـ): قال رحمه الله تعالى:” هذا الحديث لم يكن بالقوى في قلوبنا من سعد بن سعيد، ورغبة أهل الحديث عنه، حتى وجدناه قد أخذه عنه من ذكرنا من أهل الجلالة في الرواية والتثبت، ووجدناه قد حدث به عن عمرو بن ثابت: صفوان بن سليم وزيد بن أسلم ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبد ربه بن سعيد الأنصاري “( ).

* الإمام القرطبي(ت656هـ): قال رحمه الله تعالى:” وحديث أبي أيوب المتقدم، وإن كان قد خرجه مسلم ليس بصحيح، وهو من جملة الأحاديث الضعيفة الواقعة في كتابه؛ وذلك لأن في إسناده: سعد بن سعيد بن قيس؛ قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وغيره يضعفه، كما ذكره الترمذي، وقد انفرد به عن عمر بن ثابت، قال أبو عمر بن عبد البر: أظن أن الشيخ عمر بن ثابت لم يكن عند مالك ممن يعتمد عليه”( ). فالحديث إذن، تكلموا فيه من جهة راويه كما قال غير واحد، منهم هؤلاء الذين أوردنا أسماءهم..

الحديث مضطرب:

فهو أولا دخله الضعف من جهة راويه: سعد بن سعيد، أخو يحيى بن سعيد الأنصاري.
وثانيا وقع الاضطراب في روايته عن أبي أيوب. حيث ورد: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أنه حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر”. ومرة قال أبو أيوب الأنصاري: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر”، فكأنه اجتهاد وفتوى منه. ولذلك ردها الحسن البصري بأن عد صيام رمضان كصيام الدهر من غير حاجة إلى ستة أيام من شوال كما سيأتي.

وقوع ما حذر منه الإمام مالك:

حيث أصبح رمضان عند بعض الناس ستا وثلاثين. وأدرجه العوام في الوجوب، أو بتعبير مالك: وأن يلحق برمضان ما ليس منه، أهل الجهالة والجفاء.
فوجدنا مساءلة الناس عنها، ومحاسبتهم عليها…وفي بعض الأقطار الإسلامية أصبح الناس جميعا بعد يوم العيد مباشرة صائمون، والعيد في اليوم السابع.

استحباب الصيام لا يعود للحديث:

قد ثبت مما سبق أن الحديث لم يصح من جهة الرواية، وبه لم يعمل به عدد من الأئمة والسلف. وأما من قال باستحباب صيام الست من شوال، فليس مرد الاستحباب عنده إلى الحديث وقد عرفت درجته، وإنما هو قول من جهة أخرى، ألا وهي: العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال. فما دام الأمر لا يتعلق بالحقوق والأحكام، فقد رأوا الأمر يسيرا في باب فضائل الأعمال.

حديث مالك في الموطأ:

جاء في الموطأ: كتاب الصيام: باب جامع الصيام. قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان، إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها. ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف. وإن أهل العلم يكرهون ذلك. ويخافون بدعته. وأن يلحق برمضان ما ليس منه، أهل الجهالة والجفاء. لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم. ورأوهم يعملون ذلك»
مستفادات من قول الإمام مالك وبلاغه:

  • وهذا القول من مالك، يستفاد منه ما يلي:

1ـ إن علماء المدينة وفقهاؤها لم يصوموا الست من شوال، بل وكرهوا صيامها، وما ذلك منهم إلا لأن الحديث بلغهم ولم يصح عندهم فأنكروه. وقد أكد ابن عبد البر أن الحديث بلغهم، وأنه لم يصل عندهم درجة الاحتجاج به، فقال في الاستذكار:” لما وجد مالك علماء المدينة منكرين العمل بهذا احتاط بتركه”( ).

وأكد ابن رشد أن مالكا لم ير صحة صوم الست من شوال لعدم ثبوت الرواية بذلك، وهو الصحيح من التأويلات التي قيلت في ترك مالك صيامها. وصحح مذهب مالك، فقال:” وأما الست من شوال فإنه ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر”، إلَّا أنَّ مالكًا كره ذلك: إما مخافة أن يُلحِق الناس برمضان ما ليس من رمضان، وإما لأنه لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده وهو الأظهر”( ).

2ـ إن جماعة من السلف الصالح لم يصم هذه الست. فيما بلغ الإمام مالك فأخبرنا بما بلغه.
وقوله: فيما بلغني: يعني أنه سأل عن أحوالهم معها، فلم يبلغه أن أحدا منهم صامها.

3ـ إن أهل العلم يكرهون صيامها، ويخافون على الرجل أن إذا صامها أن يكون قد ابتدع شيئا في دينه.
وذكر بعض علماء المالكية تأويلا لمقالة مالك هذه، ولكنها تأويلات لا ترفع حكم الكراهة عنها في نظر الإمام، وليست تأويلات متينة كما قال ابن رشد.
الأئمة الذين قالوا بكراهة صيام الست من شوال:

وهم كثر، منهم: أبو حنيفة، والحسن البصري، والثوري، ومالك، وأبو يوسف…وممن روى عنهم الكراهة في ذلك:

* قال النووي(ت676هـ):” وقال مالك وأبو حنيفة يكره صومها”( ).

* قال خليل المالكي(ت776هـ):” وَكَرِهَ مَالِكٌ صِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ وَإِنْ وَرَدَ، لِلْعَمَلِ”( ).
أي أنه رد الحديث من جهة العمل، كما هي عادته في جملة من الأخبار التي ردها من أصل العمل عنده. وعلماء المدينة وفقهاؤها ومحدثوها في هذه المسألة بالضبط أقوم بها من غيرهم من علماء الأمصار الأخرى.
وفي مختصره، قال:” وكره ـ أي الإمام مالك ـ البيض: كستة من شوال”( ). أي كره مالك صيام الأيام البيض، كما كره صيام الست من شوال.

* قال ابن رجب الحنبلي(ت795هـ):” وروي عن الحسن أنه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة قال: لقد رضي الله بهذا الشهر لسنة كلها…وكرهها الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف”( ).

فهؤلاء جملة من الأعلام كرهوا صيام الست من شوال.

الحسن البصري:

وفي سنن الترمذي أن الحسن البصري كان لا يرى صوم الست من شوال، فجاء في السنن:” إن الحسن البصري كان إذا ذُكر عنده صيام ستة أيام من شوال، فيقول: والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها”( ).

الإمام التباني:

وقد نظم الإِمام الجلال التّبَّاني الحنفي في موضوع صيام الست من شوال، فقال:
وفي صيامِ السِتِّ من شوالِ * كراهةٌ عند أُولي الأَفضالِ

وأتبعه شيئا:

وهناك رواية عن بعض المشايخ أبدلوا فيها السين شينا، وعندهم أن المقصود شيئا من غير تحديد بعدد معين. وقد أورد هذه الرواية القاضي عياض، وعلق عليها قائلا:” ثم أتبعه ستا من شوال أي صوم ستة أيام، هذا المعروف ورواية الجمهور. ورواه بعض المشايخ وأتبعه شيا بشين معجمة وياء وهو وهمٌ”( )

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.