نوازل تضمين الصناع والأجراء وأهميتها في توفير الحماية للمستهلك
«دراسة فقهية وفق أحكام المذاهب الفقهية الأربعة»
نوازل تضمين الصناع والأجراء وأهميتها في توفير الحماية للمستهلك
«دراسة فقهية وفق أحكام المذاهب الفقهية الأربعة»
Manufacturers and Employees Assurance Issues and Its Importance in Consumer Protection
“a Jurisprudence Study in Accordance with the Provisions of the Four Doctrines”
د. حميد رمضان الصغير
أستاذ باحث في الدراسات الإسلامية
مفتش تربوي ممتاز للتعليم الثانوي – المغرب
نشر هذا المقال في مجلة ذخائر، العدد الثالث عشر (13)، (التنزيل مجاني)
ملخص:
ما من شك لذي لب أن تشريع التضمين في الفقه النوازلي جاء لحفظ حقوق أموال المستهلكين، وصيانة مصالحهم المشروعة، كما أنه جبر للضرر النازل بهم من جراء تقصير الصناع والأجراء، وتفريطهم في حفظ أموال الناس وأمتعتهم. ويعتبر التضمين أيضا زجرا للمعتدين من الصناع الذين ثبت في حقهم مسؤولية تضييع أغراض المستهلكين، أو مخالفة شروط عقد الاستصناع معهم من حيث المقدار أو اللون أو الصفة أو الغرض وغيرها، وبذلك كان هذا التضمين آلية مهمة من آليات حماية عموم المستهلكين.
الكلمات المفاتيح:
نوازل – التضمين – الصناع – الاجراء – المستهلك – الحماية.
Abstract:
There is no doubt that the embedding legislation in the status of controversial issues in jurisprudence came to preserve the rights of consumers’ money as well as their legitimate interests, as it was a remedy for the harm inflicted on them as a result of the negligence of manufacturers and workers and their negligence in preserving people’s money and belongings. The assurance is also considered as a rebuke to the aggressors of the manufacturers who have been proven responsible for wasting the consumers’ items, or for violating the terms of the manufacturing contract in terms of quantity, color, quality, purpose and others, and thus this assurance was an important mechanism of protection for the general consumers.
Keywords:
Calamities, controversial issues, manufacturers, employees, Consumer, Assurance.
توطئة:
إن حاجة المستهلك إلى مختلف خدمات الصناع والحرفين والأجراء حاجة ماسة، فلا يعقل أن يخيط كل مستهلك ثوبه، أو يبني داره، أو يعالج نفسه… لذلك اهتم الفقهاء بمسألة تضمين الصناع، وأولوها عناية خاصة بكثرة ما شرعوا في مباحثها وفروعها من أحكام وفتاوى. وباستقراء نوازل التضمين في التراث الفقهي نستطيع التأكيد أن أحكام التضمين شكلت في مجموعها دروعا واقية لحماية جمهور المستهلكين، وحفظ حقوقهم المشروعة خاصة منها ما يتعلق بالمنافع والأموال.
لقد وفر الفقهاء النوازليون – من خلال نوازل التضمين – حماية شاملة للمستهلك في كل معاملاته وتعاقداته الاستهلاكية، خاصة عند إبرام عقود الاستصناع مع مختلف أنواع الصناع والأجراء، وذلك بتحميل مسؤولية ضمان أمتعة المستهلكين وحفظ أموالهم لكل صانع أو أجير، ثبت في حقه التفريط والتقصير في الحفظ والرعاية لأموال الناس وممتلكاتهم.
وسأفصل الحديث في هذا البحث عن آليات حماية المستهلك من خلال نوازل تضمين الصناع والأجراء في مبحثين.
المبحث الأول: مفهوم التضمين لغة وفي اصطلاح الفقهاء
المطلب الأول: التضمين لغة
بالرجوع إلى معاجم اللغة يفيد التضمين عدة معان أوردها على النحو التالي:
أولا: الكفالة: حيث يقال: «ضمن الشيء ضمانا وضمنا، فهو ضامن وضمين بمعنى: كفله، فهو كافل وكفيل، والضمين: الكفيل، وضمنه إياه: كفله»[1]. ومن هذا المعنى يقال: «ضمن المال منه: كفل له فهو ضمينه»[2].
ثانيا: الالتزام: ومنه قول العرب: «ضمنت المال، وبه ضمانا، فأنا ضامن وضمين بمعنى: التزمته…، وضمنته المال: أي: ألزمته إياه»[3].
ثالثا: التغريم: يقال: «ضمنته الشيء تضمينا، فتضمنه عني أي: غرمته فالتزمه»[4]. وجاء في «مختار الصحاح»: «وضمنه الشيء تضمينا فتضمنه عنه مثل: غرمه»[5].
رابعا: الاشتمال والإيداع والاحتواء: يقول ابن فارس: «الضاد والميم والنون أصل صحيح، وهو جعل الشيء في شيء يحويه، ومن ذلك قولهم: ضمنت الشيء: إذا جعلته في وعائه»[6]. ويقال: «ضمن الشيء الشيء: أودعه إياه، كما تودع الوعاء المتاع والميت القبر»[7]، ومنه: «ضمن الوعاء الشيء وتضمنه، وضمنه إياه، وهو في ضمنه إياه»[8]. وكل شيء جعلته في وعاء فقد ضمنته إياه[9]. ومن هذا المعنى قولهم مضمون الكتاب كذا وكذا أي: ما اشتمل عليه وحواه من المعنى والكلام[10]. ويقال: «فهمت ما تضمنه كتابك أي: ما اشتمل عليه، وكان في ضمنه»[11].
خامسا: الحفظ والرعاية: ومن هذا المعنى ما ورد في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكيدر: «ولكم الضامنة من النخل»، وهو ما كان داخلا في العمارة، وتضمنته أمصارهم وقراهم، وقيل: سميت ضامنة لأن أربابها ضمنوا عمارتها وحفظها فهي ذات ضمان»[12]. وهذا المعنى أيضا ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن»، أراد بالضمان هنا الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة، لأن الإمام يحفظ على القوم صلاتهم. وقيل: إن صلاة المقتدين به في عهدته، وصحتها مقرونة بصحة صلاته، فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم»[13].
ومما تقدم فإن معنى التضمين في اللغة يأتي بمعان مختلفة أهمها: الكفالة، والالتزام، والتغريم، والاشتمال، الاحتواء، والحفظ والرعاية.
وهذه المعاني جميعها في حقيقتها متقاربة تدور على معنى الكفالة والالتزام، فكل شيء تضمنته، فقد تحملت مسؤولية كفالته وحفظه ورعايته، فإذا ضاع وهو في حوزتك صرت ملزما بغرامته.
المطلب الثاني: التضمين في اصطلاح الفقهاء
اختلفت عبارات الفقهاء في بيان حد التضمين اصطلاحا، وذلك تبعا لمقصودهم من التعريف، إذ نجد اختلافا كبيرا بين تعريف الأحناف من جهة وجمهور الفقهاء من جهة أخرى. ولبيان هذا الاختلاف سوف أبدأ بتعريف الأحناف للتضمين – على غير العادة في ترتيب المذاهب الفقهية – فعرفه الحموي بقوله: «الضمان هو: رد مثل الهالك إن كان مثليا، أو قيمته إن كان قيميا»[14]. وجاء في «مجلة الأحكام العدلية» أن: «الضمان هو: إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات، وقيمته إن كان من القيميات»[15].
وهذا المعنى للتضمين عند الحنفية يغاير تماما حقيقته عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، فعرفه المالكية أنه: «شغل ذمة أخرى بالحق»[16].
وعرفه الشافعية أنه: «التزام حق ثابت في ذمة الغير»[17].
وقال الحنابلة: «الضمان هو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق»[18].
أما العلماء المعاصرون فقد بينوا حقيقة التضمين بعبارات متقاربة المعاني، فعرفه العلامة مصطفى الزرقا أنه: «التزام بتعويض مالي عن ضرر الغير»[19].
وقال الدكتور وهبة الزحيلي: «الضمان هو الالتزام بتعويض الغير عما لحقه من تلف المال أو ضياع المنافع، أو عن الضرر الجزئي أو الكلي الحادث بالنفس الإنسانية»[20].
وعرفه الدكتور محمد فوزي فيض الله أنه: «شغل الذمة بحق التعويض عن الضرر»[21].
ومن التعاريف السابقة يمكن أن نخلص إلى تعريف شامل للضمان، فنقول إنه: «الإلتزام بتعويض الغير عما لحقه من تلف أو ضياع في ماله، أو منافعه بمثله في المثليات أو بقيمته في القيميات».
إن التعريف – أعلاه – يشمل ضمان الأعيان والمنافع، محددا كونه إما بالمثل أو القيمة، مخرجا ضمان النفس وما دونها، وذلك لأنها تضمن بالجناية لا بالعقد. وهذا التعريف الذي صغته هو أقرب إلى مضمون البحث الذي نحن بصدده، خاصة ونحن نؤصل فيه لآليات حماية المستهلك في الفقه النوازلي، ومن هذه الآليات: التضمين، لذلك فتضمين الصانع أو الأجير هو عبارة عن جبر ضرر لاحق بالمستهلك، وبذلك يتحمل الصانع أو الحرفي مسؤولية ما فرط فيه من مال أو متاع المستهلك، ويقوم بتعويضه عما لحق به من تلف أو ضياع في المال أو المنافع.
المطلب الثالث: أهمية التضمين في توفير الحماية للمستهلك
إن للشريعة الإسلامية مقاصد في الخلق تحفظها بتكاليفها، وأهم هذه المقاصد وأعلاها الضرورية منها، والتي يذكر الإمام الشاطبي أنه « لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الناس على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين»[22]. فالضروريات هي الحاجات الضرورية التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة لتحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام بالإخلال بها، بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش[23].
وتشمل هذه الضروريات – في عالم الاستهلاك – كافة السلع والخدمات التي لا بد منها للمحافظة على الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، «لأن مقصود الشارع من الخلق خمسة هو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، وهذه الأحوال الخمسة حفظها واقع في رتبة الضروريات، فهو أقوى المراتب في المصالح»[24].
ومن التكاليف المشروعة لحفظ نفس المستهلك، وصيانة ماله: التضمين، فهو مبدأ مقرر لجبر ما يحصل من ضرر في حق المستهلك، كما أنه زجر لبعض المعتدين من الصناع والأجراء فيما يتعاقدون على استصناعه فيفرطون فيه أو يضيع من أيديهم. فكثيرا ما كان المستهلك يجد صعوبة بالغة في استخلاص حقوقه من الصناع والحرفيين المقصرين في حفظ أمتعة الناس، أو المخالفين لشروط المصنوع المتفق عليها، وبسبب ذلك كانت حقوق المستهلك وأمواله عرضة للضياع، ولا سبيل له إلى ضمانها إلا بتضمين الصناع والأجراء.
وفي سبيل حماية المستهلك في الفقه النوازلي تناول الفقهاء بالبحث والتفصيل مسألة تضمين الصناع وهم الأجراء الذين يتم التعاقد معهم لصنع شيء، أو إصلاحه كالخياط يستودع لديه القماش ليصنع منه ثوبا، فهو في الأصل مؤتمن لا يضمن لما قرره الفقهاء من أن يد المودع يد أمانة، إلا أن من الفقهاء من استهدى بمقاصد الشريعة الإسلامية الهادفة إلى صيانة الأموال فذهبوا إلى القول بتضمينهم استثناء من قاعدة عدم تضمين القابض على وجه الأمانة لمنفعة غيره[25].
إن القول بتضمين الصناع آلية من آليات حماية المستهلك التي قررها الفقهاء منذ عهد الصحابة، وقد بني هذا القول على المصلحة المرسلة وسد الذريعة إلى الفساد. يقول الإمام الشاطبي: «إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، وقال علي رضي الله عنه: « لا يصلح الناس إلا ذاك»[26].
ووجه المصلحة في التضمين أن المستهلكين لهم حاجة إلى الصناع، وهؤلاء يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب في تصرفاتهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى خدماتهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين[27]:
– إما ترك الاستصناع بالمرة، وذلك شاق على الخلق ومخالف لقواعد الشريعة ومقاصدها السامية.
– وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فيكون ذلك ذريعة إلى تضييع أموال الناس وأكلها بالباطل، فيقل الإحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة تقتضي التضمين.
وقد علل الفقهاء تضمين الصناع على ذلك، فينقل المكناسي عن ابن رشد قوله: « فلو علموا أنهم لا يضمنون ما تلف، لسارعوا إلى أخذ أموال الناس، والضرورة داعية إليهم إذ لا يحسن كل أحد أن يخيط ثوبه مثلا»[28]. ويؤكد المعداني هذا المعنى الظاهر من التضمين ويقول: « وهذا ظاهر»[29].
فكان تضمين الصناع حماية للمستهلك، وهو من باب سد ذريعة الفساد، وتحقيقا للمصلحة العامة، وذلك لضرورة الناس إلى خدمات وأشغال الصناع والأجراء، فلا طاقة لأي مستهلك في الاستغناء عن خدمات صاحب حرفة أو صنعة كيفما كان، كالخياط والنجار والبناء وغيرهم كثير. فلو علم أحد هؤلاء أنه يؤتمن ولا يضمن، ويصدق فيما يدعيه من التلف والضياع، لكان ذلك ذريعة سهلة إلى أكل أموال الناس بالباطل، خاصة في وقت ظهر فيه الإهمال والتقصير من الصناع، وتساهل الناس في أكل أموال غيرهم بالحرام، فكان اجتهاد الفقهاء في القول بتضمين الصناع يتفق مع مقاصد الشريعة في صيانة أموال المستهلكين، والحفاظ عليها بعيدا عن كل شطط أو اعتداء.
والملاحظ في اهتمام فقهاء المذهب المالكي بالقول بتضمين الصناع أنه كان قديما ممتدا عبر مراحل تاريخ التشريع وأطوار تدوين الفقه، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على واقعية الفقه المالكي، وحرص فقهائه على مسايرة الحياة العامة للناس، وحفظ حقوقهم المشروعة بما يناسب تشريع الأحكام وإصدار الفتاوى والاجتهاد.
ونجد في «المدونة الكبرى» كتابا بعنوان: «تضمين الصناع»، تحته فصول كثيرة[30]، مع توزيع لمسائل الضمان ومباحثه في أبواب أخرى منها. وفي «أصول الفتيا» خصص ابن الحارث الخشني بابين متواليين لمسائل الضمان، أورد في كل باب منهما فروعا متعلقة بالصناع والأجراء[31]. وفي «تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام « عقد ابن عاصم الأندلسي فصلا عن العارية والوديعة والأمناء[32] وفصل فيها مباحث تضمين الصناع.
إن الاهتمام بحماية حقوق المستهلك ورعاية مصالحه بناء على القول بتضمين الصناع بدأ مبكرا جدا في الفقه المالكي، واستمر هذا الاهتمام مع فقهاء النوازل والذين خصصوا حيزا مهما من النوازل لبحث مسألة تضمين الصناع وحفظ حقوق المستهلكين[33].
وما من شك لذي لب في أن تشريع التضمين في الفقه النوازلي جاء لحفظ حقوق أموال المستهلكين، وصيانة مصالحهم المشروعة، كما أنه جبر للضرر النازل بهم من جراء تقصير الصناع والأجراء، وتفريطهم في حفظ أموال الناس وأمتعتهم. ويعتبر التضمين أيضا زجرا للمعتدين من الصناع الذين ثبت في حقهم مسؤولية تضييع أغراض المستهلكين، أو مخالفة شروط عقد الاستصناع معهم من حيث المقدار أو اللون أو الصفة أو الغرض وغيرها، وبذلك كان هذا التضمين آلية مهمة من آليات حماية عموم المستهلكين.
المبحث الثاني: تطبيقات حماية المستهلك من خلال نوازل تضمين الصناع والأجراء
لعل من نافلة القول إن تضمين الصناع يعتبر آلية من آليات حماية المستهلك في الفقه النوازلي، وذلك لحاجة عموم المستهلكين إلى خدماتهم ومنافعهم، ولكنهم كثيرا ما يغيبون عن الأمتعة، والأغلب في تصرفاتهم التفريط وترك الحفظ، ولو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى ضياع أموال المستهلكين، فكانت المصلحة تقتضي التضمين.
قد يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة صناع أنها مرادفة لكلمة أجراء، ولكن عند البحث عن معناها تبين لي أنها ليست كذلك ضبطا – على الأقل في اصطلاح الفقهاء – ولإزالة هذا الالتباس لا بد من البدء ببيان معنى كلمة أجراء.
المطلب الأول: التمييز بين الأجراء والصناع
– الأجراء لغة: جمع أجير: من أجر، يأجر، أجرا، والمفعول مأجور، والأجير: المستأجر، وهو: الإنسان الذي يعمل لغيره على مال معين[34].
وهذا المعنى اللغوي هو نفسه المعنى الاصطلاحي للكلمة، فعرف الأجير في اصطلاح الفقهاء أنه: «من أجر نفسه أو أجره وليه، وهو على نوعين: خاص وعام»[35].
عرف المالكية الأجير الخاص أنه: «الذي ملكت منافعه»[36]. وقال أبو علي الحسن بن رحال المعداني: «الأجير الخاص هو الذي يستعمله الرجل في بيته من أن يشاركه فيه غيره أو يكون لجماعة دون غيرهم»[37].
وذهب الشافعية إلى أن الأجير الخاص هو: «الذي يمكنه أجر نفسه مدة مقدره العمل، فلا يمكنه تقبل مثل ذلك العمل لغيره في تلك المدة»[38].
وإلى قريب من هذا التعريف قال الحنابلة إن الأجير الخاص هو: «الذي يقع عليه العقد في مدة معلومة، يستحق المستأجر نفعه في جميعها»[39].
وعرفه الأحناف أنه: «الذي يعمل لواحد عملا مؤقتا بالتخصيص»[40].
ومن التعاريف السابقة يتضح لنا معنى الأجير الخاص فهو: « الذي يعمل لشخص واحد بعينه أو لمجموعة باعتبارها واحدا – كشركة – في مدة معلومة محددة، لا يقبل خلالها عملا لأي شخص آخر».
ومن أمثلة الأجير الخاص: الموظف للدولة، والعامل في الشركات والمصانع الذي يعمل فيها لساعات محددة، ولا يجوز له ممارسة أي عمل آخر أثناء فترة عمله الرسمي، لذلك نجد بعض الفقهاء يطلق عليه «أجير الواحد»[41]. أما عن سبب تسميته «بالخاص» فذلك لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس.
أما الأجير المشترك، فعرفه المالكية أنه: «هو الذي نصب نفسه للعمل للناس»[42]. وقريب من هذا التعريف قال الحنفية أنه هو: « من يعمل لا لواحد أو لواحد من غير توقيت»[43].
بينما ذهب الشافعية إلى أن الأجير المشترك هو: «الذي يتقبل العمل في ذمته»[44].
وعرفه الحنابلة أنه هو: «الذي يقع العقد معه على عمل معين»[45].
ومن هذه التعاريف يمكن القول إن الأجير المشترك هو: «من يتم التعاقد معه على عمل معين دون منعه من القيام بنفس العمل ذاته لا على المدة، لذلك لا يستحق الأجر إلا إذا عمل مهما كانت الموانع، ولا يشترط تحديد المدة، بخلاف الأجير الخاص فإنه يستحق الأجرة بمجرد تسليم نفسه وإن لم يعمل، إذا لم يوفر له المستأجر شروط العمل».
ومن أمثلة الأجير المشترك: الحداد والنجار والبناء والطبيب وغيرهم، فهؤلاء جميعا يستطيعون الالتزام بأكثر من عمل لأكثر من شخص في نفس المدة، وقد سمي «بالمشترك» لذلك، لأنه يمكنه أن يلتزم لأكثر من واحد على عمل ما، فكأنه مشترك بين الناس جميعا.
وبعد أن بينت معنى الأجراء في اصطلاح الفقهاء، فهل يوجد فرق بين الأجير والصانع؟
بعد البحث والتقصي تبين لي أن الفقهاء يطلقون لفظ الصانع في الغالب على الأجير المشترك، بينما يطلقون لفظ الأجير ويريدون به الأجير الخاص. قال الإمام مالك مجيبا عن سؤال: « من استأجر رجلا شهرا ليخدمه؟ فأجاب: «حكم الأجير غير حكم الصانع…»[46].
وجاء في «كشف القناع»: «ويجب الضمان على الصانع لأنه قد قبض لغرض نفسه وجلس لجميع الناس، ونصب نفسه للصنعة في مكانه الذي عرف به، ومن هنا فرقنا بين الصناع والأجراء»[47].
ومن فقهاء المالكية من فرق بين الصانع والأجير من حيث حيازة المصنوع للعمل به أو عدم حيازته، فقد جاء في «أسهل المدارك»: «الفرق بين الأجير والصانع أن الأجير هو الذي يعمل بدون أن يكون شيء مما يعمله في حيازته كالبناء، فإنه يبني وينصرف ويترك ما عمله تحت يد المستأجر، ومثله كل صانع يعمل في حيازته كالنجار الذي يصلح الأبواب والشبابيك، وأما الصانع فهو الذي يعمل فيما هو تحت يده كالخياط والحداد والصانع»[48]. ويقول المرغيناني: «وكل صانع لعمله أثر بالعين كالقصار والصباغ… «[49]. ويقول الشافعي في معرض حديثه عن الأجراء: «والصانع والأجير لا يضمن بحال»[50]. وقال ابن قدامة: «والأجير المشترك هو الصانع الذي ذكره الخرقي في قوله: وما حدث في السلعة من يد الصانع ضمن»[51].
ومن النصوص السابقة يتضح لنا جليا أن الفقهاء يطلقون لفظ الصانع على الأجير المشترك، وهذا الذي أرجحه، وذلك أن الصانع هو الأجير المشترك سواء حاز المصنوع أو لا، وسيكون الكلام عند التفصيل عن الأجير المشترك بلفظ الصانع.
وبعد هذا البيان، سأفصل الحديث عن أحكام التضمين ونوازله، وأثر ذلك في المستهلك.
المطلب الثاني: تضمين الأجير الخاص وأثر ذلك في حماية المستهلك
اتفق جمهور الفقهاء من المالكية[52] والشافعية[53] والحنفية[54] والحنابلة[55] والظاهرية[56]، على أن الأجير الخاص لا يضمن ما هلك في يده، أو من فعله إلا إذا تعمد الإفساد أو فرط، فإنه يكون ضامنا لما جنت يداه.
هذا ما يتبين باستقراء أقوال الفقهاء المبثوثة في الكتب الفقهية على اختلاف المذاهب، ففي الفقه المالكي، سئل الإمام مالك: عن تضمين الأجير الخاص؟ فأجاب: «لا يضمن إلا أن يتعدى، فإن لم يتعد فلا يضمن»[57].
وهذا ما يؤكده الشافعي أيضا بقوله: «الصانع والأجير لا يضمن بحال، إلا ما جنت يده سواء كان خاصا أو عاما»[58]. ويقول ابن عابدين من الحنفية: «ولا يضمن ما هلك في يده أو عمله… إلا إذا تعمد الفساد فيضمن كالمودع»[59]. ويؤكد ابن قدامة ما ذهب إليه الفقهاء السابقون بقوله: «فأما الأجير الخاص فلا ضمان عليه ما لم يتعد»[60]. ويقول ابن حزم: «ولا ضمان على أجير مشترك أو غير مشترك، ولا على صانع أصلا»[61].
لقد سبقت الإشارة إلى أن الأجير الخاص هو الذي يعمل لشخص واحد بعينه أو لمجموعة باعتبارها واحدا، في مدة معلومة ومحددة لا يقبل خلالها عملا لأي أحد آخر. فهذا النوع من الأجراء يكون المستهلك في أمس الحاجة إليه للاستفادة من خدماته ومنافعه، لكن الأصل فيه أنه لا يضمن باعتباره مؤتمنا والنبي صلى الله عليه وسلم أسقط الضمان عن الأمناء إذ قال عليه السلام: «لا ضمان على مؤتمن»[62].
ولكن حماية لمصالح المستهلك، ورعاية لحقوقه، وصيانة لأمواله، فقد ضمّن الفقهاء الأجير الخاص في حالة التعدي والتفريط، فإذا ثبت تعمد الأجير الخاص إتلاف مال المستهلك، أو تفريطه في متاعه، فإنه يضمن ما أتلفه من مال الغير على وجه التعدي. وهذا القول من الفقهاء بتضمين الأجير الخاص لما جنت يداه، أو إذا ثبتت مسؤوليته في عدم حفظ أمتعة الناس، يعتبر تدبيرا تشريعيا مهما لحماية عموم المستهلكين، وتوفير الأمن لهم في سائر تعاقداتهم الاستهلاكية، لأن الأجير الخاص إذا علم بأنه لا يضمن فإنه يغلب على تصرفاته اللامبالاة، وبذلك تصير أموال المستهلكين عرضة للضياع والإهمال بين يديه، فكانت المصلحة تقتضي تضمينه في حالة التفريط أو التعدي.
وفي مقابل ذلك يعدّ تضمين الأجير الخاص – في حالة التعدي – زجرا لباقي الأجراء، وردعا لهم على تهاونهم في حفظ ورعاية أمتعة الناس وأموالهم. وفي ذلك أيضا مصلحة راجحة لعموم المستهلكين، وحفظ أموالهم وصيانتها بعيدا عن كل استهتار أو لا مبالاة من قبل الأجراء.
المطلب الثالث: تضمين الصانع وأثر ذلك في حماية المستهلك
إن مما يجدر التذكير به هنا، هو اتفاق الفقهاء[63] على تضمين الصانع بالتعدي، حيث جاء في «المدونة»: «أصحاب الصناعات كلهم ضامنون لما دفع إليهم»[64].
ويقول السغدي في معرض حديثه عن الحالات التي يضمن فيها الصانع: «… أن يكون هلاكه المصنوع من جناية يده، فإنه يضمن اتفاقا»[65]. وهذا ما يؤكده السرخسي بقوله: «الأجير المشترك ضامن لما جنت يداه»[66].
نفس الأمر يؤكده الشافعي بقوله: «فأما ما جنت يده، ولأن الجناية لا تبطل من أحد، وكذلك لو تعدوا ضمنوا»[67].
ويقول ابن حزم – مؤكدا ما سبق ذكره -: «فإن قامت عليه بينة بالتعدي أو الإضاعة ضمن»[68].
ولكن في مقابل ذلك اختلف الفقهاء في تضمين الصانع ما هلك في يده، أو بفعله من غير تعد، سواء كان منفردا أو يعمل في حضرة المالك، على عدة أقوال أبينها فيما يلي حسب المذاهب الفقهية:
– أولا: عند المالكية:
ذهب الإمام مالك رحمه الله وأصحابه إلى تضمين الصانع ما هلك – ضاع أو أتلف – في يده، أو من فعله، سواء عمل في حانوته أو بيته، وسواء عمل بأجر أو بغير أجر. ويقول ابن رشد: «وأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما أتي على أيديهم من حرق، أو كسر في المصنوع، أو قطع، إذا عمله في حانوته، وإن كان صاحبه قاعدا معه، إلا ما كان فيه تغرير من الأعمال»[69].
ويؤكد هذا قول القرافي: «ويده – الصانع – يد ضمان عمل في بيته أو حانوته، وبأجر أو بغير أجر، يلقب بصنعته أم لا إن انتصب للصنعة»[70]. وجاء في «المدونة»: «أصحاب الصناعات كلهم ضامنون لما دفع إليهم»[71].
وقد حدد فقهاء المالكية شروطا لتضمين الصناع، أجملها فيما يلي[72]:
أ- أن ينصب الصانع نفسه للصنعة لعامة الناس، فلا ضمان على الصانع الخاص بجماعة.
ب- أن يكون المصنوع مما يغاب عليه، أي: يترك عند الصانع كالحلي والثوب، فلا ضمان على معلم الصبيان.
ج- أن يغيب الصانع عن الذات المصنوعة، أما إذا صنعها في بيت صاحبها، أو بحضرته في محل الصانع فلا ضمان عليه، وقيل: يضمن حتى ولو بحضرة صاحبها.
د- ألا يكون في الصنعة تغرير، وإلا لا ضمان عليه، كنقش الفصوص، أو البيطار يطرح الدابة لكيها فتموت.
هـ- ألا تقوم بينة على ما ادعاه من تلف أو ضياع، فإن كانت البينة فلا ضمان، وخالف في ذلك أشهب وقال: «يضمن الصانع وإن قامت البينة على التلف».
و- ألا يكون الصانع أحضر المتاع لربه مصنوعا على الصفة المطلوبة، ثم يتركه ربه اختيارا فيضيع.
– ثانيا: عند الشافعية:
ذهب الشافعي إلى القول بعدم تضمين الصناع ما تلف في أيديهم أو من أعمالهم إلا إذا تعدوا، وأن يد الصانع على المتاع يد أمانة. وهذا هو الراجح من مذهب الشافعية، وهناك قول مرجوح في المذهب وهو القول بتضمين الصناع[73]، إلا أن المعتمد في المذهب الشافعي ما أسلفت وهو القول بعدم تضمين الصناع. يقول الشافعي: «الصانع الأجير لا يضمن بحال، إلا ما جنت يده، سواء كان خاصا أو عاما»[74]. والمقصود بقوله: «ما جنت يده»، أي: في حالة التعدي وتعمد العدوان، وهذا ما يوضحه بقوله: «فأما ما جنت أيدي الأجراء والصناع فلا مسألة فيه وهم ضامنون، كما يضمن المستودع ما جنت يده، والجناية لا تبطل عن أحد، وكذلك لو تعمدوا ضمنوا»[75]. وقال الربيع: «الذي يذهب إليه الشافعي فيما رأيت أنه لا ضمان على الصناع، إلا ما جنت أيديهم، ولم يكن يبوح بذلك خوفا من الضياع»[76].
– ثالثا: عند الحنفية:
ذهب أبو حنيفة وزفر إلى أن المتاع أمانة في يد الصانع، إذا هلك قبل العمل فلا يضمنه، سواء هلك بأمر يمكن التحرز منه كالسرقة والغصب، أو بأمر لا يمكن التحرز منه كالحريق الغالب، والعدو والمكابر. وخالفهما في ذلك الصاحبان أبو يوسف ومحمد بن الحسن وقالا بتضمين الصانع ما هلك بيده قبل العمل، إلا إذا هلك بأمر لا يمكن التحرز منه كالحريق الغالب، أما إذا هلك بأمر يمكن التحرز منه كالسرقة فإنه يضمن[77].
وهناك رأي ثالث في المذهب الحنفي، إذ أفتى المتأخرون منهم بالصلح على نصف القيمة، وذلك عملا بالقولين – قول أبي حنيفة بعدم الضمان وقول الصاحبين بالضمان-، ومعناه: العمل في كل نصف بقول حيث حط النصف وأوجب النصف. وقيل: إن كان الأجير مصلحا فإنه لا يضمن، وإن كان بخلافه يضمن، وإن كان مستور الحال يؤمر بالصلح على نصف القيمة.
وأما ما تلف بعمله، فقد اتفق الأئمة – أبو حنيفة والصاحبان- على تضمينه، وخالف في ذلك زفر.
وقد لخص ابن عابدين جميع ما سلف تفصيله بكلمات قليلة، فقال: «اعلم أن الهلاك إما بفعل الأجير أو لا، والأول إما بالتعدي أو لا، والثاني إما ما يمكن الاحتراز عنه أو لا، ففي الأول بقسميه يضمن اتفاقا، وفي ثاني الثاني لا يضمن اتفاقا، وفي أوله لا يضمن عند الإمام مطلقا، ويضمن عندهما مطلقا»[78].
ومعنى كلامه: أن ما هلك بفعل الأجير فإنه يضمنه عند الحنفية سواء كان بتعد أو بغير تعد، وأما ما هلك بغير فعله فإن كان بسبب لا يمكن الاحتراز منه فإنه لا يضمنه، أما إذا كان بسبب يمكن التحرز منه فلا يضمنه عند إمام المذهب، ويضمنه عند الصاحبين.
– رابعا: عند الحنابلة:
ذهب فقهاء الحنابلة[79] إلى القول بتضمين الصانع ما تلف بعمله مطلقا، سواء عمل في بيته أو في بيت مالكه، أو كان رب العمل حاضرا أو غائبا. يقول الخرقي: «وما حدث في السلعة من يد الصانع ضمن»[80].
وعلق ابن قدامة على كلام الخرقي السابق بقوله: «فظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين كونه في ملك نفسه أو ملك مستأجره، أو كان صاحبه حاضرا معه، أو نائبا عنه»[81].
أما إذا عمل الصانع متبرعا بغير أجرة، فإنه لا يضمن جناية يده[82].
أما إذا تلف المصنوع بغير فعله فللحنابلة ثلاث روايات:
– الأولى: أن الصانع لا يضمن، وهي أصح الروايات عن أحمد. قال ابن مفلح: «وما تلف بغير فعله، ولا تعديه، لا يضمنه في ظاهر المذهب، ولا أجرة له»[83].
– الثانية: أنه يضمن.
– الثالثة: فيها تفصيل: فإن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق واللصوص فلا ضمان عليه، وإن كان بأمر خفي كالضياع فعليه الضمان[84].
– خامسا: عند الظاهرية:
ذهب فقهاء الظاهرية إلى القول بعدم تضمين الصانع إلا إذا قامت عليه بينة أنه تعدى أو فرط، فإذا لم تقم بينة وادعى عليه صاحب المتاع التعدي أو التفريط، فالقول قول الأجير أو الصانع مع يمينه[85].
وبعد بيان آراء الفقهاء في مسألة تضمين الصانع – الأجير المشترك – فإنني أميل إلى ترجيح ما ذهب إليه فقهاء المالكية، وذلك للأسباب التالية:
أولا: قوة الأدلة التي استندوا إليها[86].
ثانيا: إن هذا الرأي ينسجم مع روح الشريعة، ويخدم مقاصدها التي جاءت لحفظ مصالح العباد في العاجل والآجل.
ثالثا: إن هذا الرأي ينسجم مع الواقع الذي نعيشه ونحياه، خاصة بعد فساد الذمم، وتجرؤ الناس على أكل أموال غيرهم بالباطل.
رابعا: إن هذا القول يخدم أطروحة البحث والقاضية بإيجاد الآليات والتشريعات التي توفر الحماية للمستهلك في الفقه الإسلامي عامة، وفي الفقه النوازلي خاصة، والقول بتضمين الصناع يعتبر آلية مهمة لتوفير الحماية للمستهلك، وصيانة أمواله من التلف والضياع.
أما تطبيقات تضمين الصانع في كتب النوازل الفقهية المالكية فكثيرة، وقد اعتنى الفقهاء بها أيما اعتناء، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على واقعية الفقه النوازلي المالكي، ومسايرته الدقيقة للمعيش اليومي للناس.
وحماية لجمهور المستهلكين، وصيانة لأموالهم، فقد أفتى فقهاء المالكية بتضمين الصانع كيفما كانت صنعته، وألزموه بضمان ما أتلف من المصنوع في يده، أو من فعله، سواء عمل في حانوته أو بيته، وسواء عمل بأجر، أو بغير أجر. وفي كل ذلك حماية شاملة ومطلقة للمستهلك، الذي كثيرا ما كان يحتاج إلى خدمات الصناع ومنافع الأجراء، لكنه كان يعاني دائما من ضياع أمواله وأمتعته، مما كان يعرض مصالحه الشخصية والاجتماعية والاقتصادية للضياع.
فكان القول بتضمين هؤلاء خير حماية له. وقد جعل الإمام مالك رحمه الله من ضمن تعليله لضمان الصناع مصلحة الناس، فيقول في ذلك: «إنما يضمن ما دفع إليهم مما يستعملون على وجه الحاجة إلى أمانتهم لهلكت أموال الناس، وضاعت قبلهم، واجترأوا على أخذها، ولو تركوها لم يجدوا مستعتبا، ولم يجدوا غيرهم، ولا أحد يعمل تلك الأعمال غيرهم، فضمنوا ذلك لمصلحة الناس»[87].
وهذا ما يؤكده القاضي عبد الوهاب في علة تضمين الصناع فيقول: «لأن في ذلك مصلحة ونظر للصناع وأرباب السلع، وفي تركه ذريعة إلى إتلاف الأموال، وذلك أن بالناس ضرورة إلى الصناع، إذ ليس كل أحد يحسن أن يخيط ثوبه أو يقصره أو يطرزه، فلو قبلنا قولهم في الإتلاف مع علمهم بضرورة الناس إليهم، لتسرعوا إلى ادعائه ولأجبروا على الناس، وللحق أرباب السلع أشد ضررا، فكان الحق للجميع دفعها على التضمين»[88].
إن القول بتضمين الصناع حماية واقعية لحقوق المستهلك، ورعاية شاملة لمصالحه، خاصة إذا علمنا أنه قد يحتاج إلى إبرام عقد الاستصناع عدة مرات في اليوم الواحد، وذلك لكثرة حاجاته اليومية وتنوعها، فالمستهلك قد يحتاج إلى خدمات كثير من الصناع في الآن نفسه، فحاجاته المعيشية قد تضطره إلى التعامل مع الصناع والأجراء بكثرة، مثل الخياط والصباغ والقصار والبناء وغير هؤلاء كثير. فهؤلاء جميعا ضامنون لما تلف في أيديهم من أموال المستهلك أو أمتعته.
ومن ذلك ما سأل عنه عيسى بن دينار قال: سألت ابن القاسم وابن وهب: عن الصناع مثل الصباغ أو القصار أو غيره يفسد الثوب يقطعه أو يحرقه؟ فقال: «هو ضامن». قلت: «غر من نفسه أو لم يغر»؟ قالا: «نعم، وإن كان رب الثوب سار به إلى منزله فيعمله عنده في المنزل فأحرق شيئا أو أفسده، فليس عليه ضمان، إلا أن يكون غر من نفسه لأنه أجير»[89].
إن ضمان الخياط أو الصباغ أو القصار ما أفسده من الثوب، يعتبر آلية من آليات حماية المستهلك، وحفظ أمواله، حيث أفتى الفقهاء بأن ضمان قيمة الثوب يكون كحاله يوم دفعه إليه أول مرة. وهذا ما أكده الإمام مالك في «المدونة»: إذ سئل ابن القاسم: «أرأيت إن دفعت إلى قصار ثوبا ليقصره، فقصره، فضاع بعد القصارة فأردت أن أضمن قيمة ثوبي، كيف أضمنه في قول مالك»؟ قال: قال مالك: «تضمن قيمته يوم دفعته إليه»، قلت: «ولا يكون له أن يضمن قيمته مقصورا، أو يغرم له كراء قصارته في قول مالك»؟ قال: «لا»[90].
إن ضمان القصار قيمة الثوب يوم دفعه إليه المستهلك أول مرة إذا أفسده أو ضاع منه، يعتبر تدبيرا تشريعيا مهما لحفظ أموال المستهلكين، ورعاية مصالحهم بعيدا عن كل اعتداء أو شطط.
وحماية لأموال المستهلك، يضمن الخياط قيمة الثوب والقماش إذا أفسده أو ضيعه، فقد سئل ابن القاسم: «أرأيت إن استأجرت خياطا يقطع لي قميصا ويخيطه، فأفسده؟ قال: قال مالك: «إذا كان الفساد يسيرا فعليه قيمة ما أفسده، وإن كان الفساد كثيرا ضمن قيمة الثياب، وكانت الثياب للخياط»[91].
إن تضمين الخياط قيمة ما أفسده من ثوب المستهلك سواء كان قليلا أو كثيرا يعدّ خير حماية من تجاوزات الصناع وتقصيرهم في حفظ الأموال والأمتعة. فإن كان الفساد قليلا لا يضر بالثوب أو القماش ضمنه الخياط. وفي هذا يقول ابن يونس: قال مالك: « ويضمنون الصناع ولو قل العمل، كوضع زر في ثوب أو رقعة»[92]. أما إذا كان الفساد يضر بالثوب فإن الخياط يضمن قيمته كما استلمه أول مرة. وفي ذلك حماية شاملة لحقوق المستهلك وصيانة لأمواله.
وتأكيدا لما سبق بيانه، يقول أبو الوليد الباجي: «والصناع ضامنون لما تلف عندهم، وعليهم غرم قيمة ذلك يوم القبض»[93].
وحماية للمستهلك في خدمات الطحانين والفرانين والخبازين، فقد أفتى الفقهاء بتضمينهم إذا فسد الطحين، أو احترق الخبز أو ضاع من الفرن. قال أصبغ: «سمعت أشهب: سئل عن الذي يدفع قمحه إلى الرجل فيطحن على أثر النقش، فيفسده بالحجارة؟ قال: «يضمنه مثل قمحه»[94].
وقد سئل ابن القاسم أيضا: «إذا نقص عنه الدقيق»؟ فأجاب: «على الطحان ضمان ما نقص ما يخرج مثل قمحه إذا عرف»[95]. وقال محمد بن رشد في «بيانه»: «أما قول أشهب: إنه يضمنه مثل قمحه إذا طحنه إثر النقش فأفسده بالحجارة فهو بين لا إشكال فيه، لأنه لما أفسد عليه قمحه في الطحين كان مخيرا بين أن يسقط عنه الحكم فيأخذه مفسودا ويؤدي إليه أجره على طحينه، وبين أن يغرمه مثل القمح الذي أفسده عليه»[96].
ويؤكد البرزلي في «فتاواه» ما ذهب إليه الفقهاء سابقا من وجوب ضمان الطحان ما أفسده في القمح في الرحى بقرب نقشها، وأضاف إليه التأديب فقال: «وينهى الفران أن يطحن القمح في الرحى بقرب نقشها، فإن فعل غرم قمحا مثله، وأدب»[97].
وكذلك يضمن الخباز إذا ظهر منه تقصير أو تفريط في حفظ الخبز أو إنضاجه، فقد سئل ابن القاسم: «أرأيت الخباز الذي يخبز بالأجر للناس في الفرن أو التنور فاحترق الخبز، أيضمن أم لا؟ قال: «سألنا مالكا عن الخبازين في الأفران، أيضمنون أم لا؟ قال: قال مالك: «لا ضمان عليهم. قال مالك: «لأن النار تغلب، وليست النار كغيرها»[98].
وهذا ما يؤكده القاضي أبو الوليد الباجي بقوله: «ولا ضمان على الفران فيما أحرق من الخبز، والقدر، والغزل، من ذلك ما يستدل به على تصحيح ما يدعيه، ويضمن ما سرق، أو تلف منها كالضياع»[99]. ويقول القرافي: «إذا لم يفرط الفران في إحراق الخبز، ولا غر من نفسه لم يضمن لغلبة النار عليه، وإلا ضمن. قال ابن يونس: قال ابن حبيب: ذلك إذا بقي من الخبز شيء يدل على احتراقه، أما لو ذهب جملة ضمن للتهمة»[100]. وقال ابن لبابة: «يضمن صاحب الفرن الخبز إذا ضاع أو احتراق بتفريط منه»[101].
وبذلك تضافرت أقوال الفقهاء في تضمين الخباز أو الفران إذا أفسد الخبز أو غر من نفسه بسبب إهمال أو تفريط أديا إلى ضياع الخبز أو احتراقه، فإنه في هذه الحالة يضمن ما أفسده، أما إذا لم يصدر منه ما يدل على تقصيره كأن تغلبه النار فلا يضمن.
كما أفتى الفقهاء بوجوب حماية المستهلك من خلال أحكام التضمين فيما يتعلق بنوازل الإجارة والكراء، فأفتوا بضمان صاحب مطمورة إذا علم أنها تسوس فقام بكرائها، فقد سئل ابن عبد السلام: عن امرأة اكترت مطمورة، وخزنتها فوجدت القمح مسوسا، وصاحب المطمورة عالم بأنها تسوس؟ فأجاب: «إنه يضمن»[102]. وكذلك يجب الضمان على صاحب خابية لحفظ الزيت إذا قام بكرائها وهو عالم بكسر فيها[103].
وبذلك شكلت أحكام التضمين خير حماية لجمهور المستهلكين من تجاوزات الصناع وألاعيبهم، بتحميلهم مسؤولية أفعالهم، والقول بتضمين ما ضاع بين أيديهم من أموال الناس وأمتعتهم، أو ما فقد منها في حوانيتهم، أو ما تلف منها بغير بينة أو دليل.
المطلب الرابع: تضمين أجير الصانع وأثر ذلك في حماية المستهلك
كثيرا ما يدفع المستهلك متاعه إلى الصانع لإنجازه أو إصلاحه، ولكن هذا الأخير يدفع ما قبضه إلى أجير خاص لعمل ما طلب منه، وقد يتعرض المصنوع إلى التلف، أو الضياع وهو بين يدي الأجير الخاص. فمن يتحمل مسؤولية حفظ متاع المستهلك؟ ومن يضمن قيمته؟ وكيف وفر الفقهاء الحماية للمستهلك في هذه حالة؟
لقد اتفق جمهور الفقهاء[104] على القول بعدم تضمين أجير الصانع في كل ما يفعله في المتاع – المصنوع – مما هو مأذون فيه للصانع، سواء أدى هذا العمل إلى تلف المتاع، أو نقصان قيمته، إلا إذا تعدى أو فرط. وما سوى ذلك فلا شيء عليه، وأن ما يلحق بالمتاع من التلف أو النقصان إنما يكون ضمانه على الصانع لا على الأجير.
قال ابن عرفة: «لا ضمان على أجير الصانع لا للصانع ولا لرب الشيء المصنوع الذي تلف، لأنه أمين للصانع ما لم يفرط، ولا ضمان عليه مطلقا سواء غاب على مصنوعه أم لا»[105].
وقال ابن عابدين: «وفعل الأجير في كل الصنائع يضاف إلى أستاذه، فما أتلفه يضاف إلى أستاذه»[106].
وقال المرداوي: «لو استأجر أجير مشترك أجيرا خاصا… فحرقه أو أفسده لم يضمنه الخاص، ويضمنه الأجير المشترك لربه»[107].
ولم يفرق الشافعي رحمه الله بين الأجراء إذ اعتبر أيديهم يد أمانة، ولا ضمان على أحد منهم[108]، وكذلك ذهب الظاهرية إلى ذلك[109].
يتضح لنا من الأقوال الفقهية السابقة أن أجير الصانع لا يضمن ما أفسده من متاع المستهلكين، مما مأذون فيه للصانع، سواء أدى هذا الفساد إلى تلف المتاع، أو نقصان قيمته إلا إذا تعدى أو فرط، ففي هذه الحالة فإنه يضمن ما أفسده، وما سوى ذلك فلا شيء عليه، وما يلحق المتاع من الهلاك أو الضياع إنما يكون ضمانه على الصانع.
إن المستهلك في كلتا الحالتين قد ضمن حقوقه، وحفظ أمواله، سواء ضمن ما هلك من متاعه الصانع نفسه، أو أجيره في حالة التعدي والتفريط. وقد فطن فقهاء المالكية إلى أمر في غاية الأهمية في مسألة تضمين أجير الصانع، حيث استثنوا حالة معينة يكون فيها الضمان على أجير الصانع، وهي إذا كان الصانع يؤجره على أشياء يتم صنعها بعيدا عن أعين الصانع، أو كان الأجير يأخذها إلى بيته فينجزها ثم يعيدها إليه مصنوعة، ففي هذه الحالة أوجب فقهاء المالكية الضمان على أجير الصانع لا على الصانع.
وأنا أرى أن هذا الرأي سديد يؤخذ به، لأنه في هذه الحالة يصبح الأجير الخاص صانعا، أو في حكم الصانع، فتنطبق عليه أحكام الصانع نفسه، وهذا الرأي ينسجم تماما مع مقاصد الشرع في حفظ أموال المستهلكين وصيانتها من الضياع؛ فقد جاء في «المدونة»: قال سحنون لابن القاسم: «أرأيت القصار إذا أفسد أجيره شيئا أيكون على الأجير شيء أم لا؟ قال: «نعم». قلت: «وهذا قول مالك». قال: «لم أسمع من مالك فيه شيئا، وهو رأيي»[110]. قال القرافي: «يضمن الصانع فيما أفسد أجيره، ولا شيء على الأجير إلا أن يتعدى أو يفرط، لأنه بمنزلة الصانع عند رب السلعة»[111].
ومن أمثلة ضمان أجير الصانع ما أتلفه، أن يكون عاملا في مشغل خياطة، أو حياكة، فيأخذ الأثواب والأقمشة معه إلى بيته، فيخيطها، ثم يعيدها في اليوم التالي إلى الصانع، ففي هذه الحالة إذا حصل أي تلف أو فساد في الأثواب والأقمشة، فإن الضمان يكون على العامل مع أنه أجير للصانع، وذلك لأنه عمل بعيدا عن أعين الصانع.
ومن أمثلة فقهاء المالكية لتضمين أجير الصانع ما قاله أشهب: «إذا كان الغسال يبعث بالثياب إلى البحر مع أجرائه، والخياط يذهب أجراؤه بالثياب إلى بيوتهم ضمنوا، لأنهم كالصانع يغيب عن السلعة»[112].
ومن نماذج حماية المستهلك من أجير الصانع، أنه إذا استأجر مستهلك صانعا على عمل ما ودفع إليه أجيره، ولكن هذا الأخير استأجر أجيرا خاصا ليعمل عمله، فوجد المستهلك متاعه عند الأجير الخاص فله أن يأخذه. هذا ما أفتى به الفقهاء في مثل هذا صنيع، حيث جاء في سماع ابن القاسم: وسئل مالك: عن القصار يدفع إليه الثياب ويدفع إليهم الأجر، فيعمد الذي دفع إليه الأجر فيستأجر عليه قصارين مثله ويدفع إليهم الثياب ثم يفر الأول، فيجد أصحاب الثياب ثيابهم معمولة فيريدون أخذها، فيقول الأجراء: لم نقبض أجرتنا؟ قال: «أرى أن يأخذوا ثيابهم إذا وجدوها، ويتبع الأجراء الذي دفعها إليهم بأجرتهم، وكذلك الخياط والفتال يستعمل فيستعمل هو غيره مثل ذلك»[113].
وحماية للمستهلك من هذا الصنيع مع أجير الصانع، قبل الفقهاء أن يشترط المستهلك على الصانع عمل يده، فيكون هذا الشرط مانعا للصانع من استئجار غيره من الأجراء، حيث جاء في «العتبية»: قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن رجل دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه، فأراد الخياط أن يستخيط غيره فمنعه؟ قال: «إن لم يكن شرط عليه أنه يخيط بيده، فله أن يستخيط غيره»[114].
المطلب الخامس: حالات تضمين الصانع ونوازلها وآثارها على المستهلك
إن استقراء أحكام تضمين الصناع واستنطاق نوازله يفيد بما لا يدع مجالا للشك أن مسألة التضمين تعتبر تدبيرا تشريعيا مهما لتوفير الحماية اللازمة لعموم المستهلكين، وحفظ حقوقهم، وصيانة أموالهم من الضياع. وقد عدد الفقهاء النوازليون حالات تضمين الصناع وحصروها في كل مخالفة صريحة لرغبة المستهلك في كيفية نظرته إلى المصنوع من حيث اللون أو المقدار أو الشكل أو وقت التسليم وغيرها، فإذا أخل الصانع بشرط من شروط عقد الاستصناع المبرم مع المستهلك، فإنه يتحمل مسؤولية ذلك، ويعتبر ضامنا لما أفسدت يداه من أوصاف المصنوع وخصائصه.
لقد شكلت أحكام التضمين – من خلال النوازل الفقهية – خير حماية ممكنة للمستهلكين من أخطاء الصناع وتجاوزاتهم الكثيرة، وعلى أساس ذلك اتفق جمهور الفقهاء على تضمين الصانع إذا خالف رغبة المستهلك في صناعة المصنوع، أو إصلاحه بما يخالف إرادته، وسوف أعدد حالات التضمين هذه، وأبسطها بالشرح والتحليل مستدلا على ما يناسبها من النوازل الفقهية، ويمكن عموما إجمال هذه الحالات في ما يلي:
- النوع الأول: الضمان بسبب المخالفة في الصفة واللون
لقد اتفق جمهور الفقهاء[115] على وجوب ضمان الصانع عند مخالفته في صفة المصنوع، أو لونه، لأنه بذلك يكون متعديا، ولكنهم اختلفوا فيما لو اختلف الصانع ورب المتاع في صفة المصنوع أو لونه، ولم يكن لواحد منهما بينة يحكم بموجبها، فهل القول في ذلك قول الصانع أم المستهلك؟
اختلف الفقهاء في ذلك على عدة أقوال، أوردها مع أدلتها مختصرة:
القول الأول: ذهب الحنفية[116]، والحنابلة[117] في رواية رجحها ابن قدامة، بأنه إذا اختلف المالك والصانع في صفة المصنوع أو لونه، فالقول قول رب المتاع المصنوع مع يمينه، كأن يختلف صاحب الثوب والخياط، فيقول صاحب الثوب: «أمرتك أن تخيطه قميصا «فيقول الخياط: «بل إزارا». أو يقول صاحب باب للنجار: «أمرتك أن تنقشه زخرفة إسلامية»: فيقول النجار: «بل إفرنجية»، أو يقول صاحب ثوب: «أمرتك بصبغه أصفرا»، فيقول الصباغ: «بل أسودا».
فالقول في كل ما سبق ذكره لرب المتاع – المستهلك -، وحجج أصحاب هذا القول ما يلي[118]:
– إن الإذن يستفاد من جهته، فكان أعلم بكيفيته، ولأنه ينكر تقويم عمله، ووجوب الأجر عليه.
– لأنه لو أنكر أصل الإذن لكان القول قوله.
– إن القول للمالك، لأنه غارم، فإذا حلف رب المتاع فالصانع ضامن، لأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه.
وأما مقدار الضمان عند أصحاب هذا القول فهو: إما قيمة المتاع غير معمول، ولا أجرة للصانع، وأما إن شاء صاحب المتاع أخذه فأعطى الصانع أجرة المثل على أن لا يزيد على المسمى[119].
القول الثاني: ذهب إليه المالكية[120] والحنابلة في الأظهر عنهم[121]، وبه جزم المرداوي[122]، ويفيد: أنه إذا اختلف المالك والصانع في صفة المصنوع أو لونه، فالقول قول الصانع مع يمينه. وقد استدل هذا الفريق بأدلة منها ما يلي[123]:
– ما رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»[124]. فمضمون الحديث يفيد أن مجرد الادعاء دون بينة لا يثبت الحق، ويكون القول للمدعى عليه مع اليمين.
– لأنهما اتفقا في الإذن واختلفا في صفته، فكأن القول قول المأذون له كالمضارب. ووجه الدلالة: قياسا على المضارب فمع أن المال لشريكه فإن إذن الشريك يخول المضارب التصرف، ويكون القول قوله عند الاختلاف.
– وكذلك لأنهما اتفقا على أن ملك الصانع العمل – الخياط: القص والخياطة، والصباغ: الصبغ – والظاهر أنه فعل ما في ملكه، واختلفا في لزوم الغرم له، والأصل عدمه.
– لئلا يغرم نقصه مجانا لمجرد قول ربه.
وعلى كل ما سبق ذكره، يحلف الصانع، ويسقط عنه الغرم ويكون له أجرة مثله.
القول الثالث: ما ذهب إليه الشافعية[125]، إذ إن لهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال أبينها على النحو التالي:
أولا: إن القول قول المالك، وهذا الذي اختاره المزني، وذلك:
– لأنهما اتفقا على الإذن في القطع، والظاهر أنه لا يتجاوز المأذون.
– لأن المالك يدعي الغرم، والأصل عدمه.
وعلى هذا يحلف الصانع ولا ضمان عليه.
ثانيا: إن القول قول المالك، وهذا الذي اختاره المزني، وذلك:
– لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قول المالك، فكذلك إذا اختلفا في الصفة.
– لأنه لو قال: دفعت هذا المال إليك وديعة، فقال الآخر: بل رهنا. كان القول قول المالك.
ثالثا: أنهما يتحالفان، وذلك لأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فالمالك يدعي الأرش والصانع ينكره، والصانع يدعي الأجرة والمالك ينكرها، فيتحالفان كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن. زد على ذلك أنه لو اختلفا قبل مباشرة العمل بالعين، مثل أن يقول المالك للخياط: استأجرتك لتخيطه قميصا، وقال الخياط: بل قباء، لم يعمل على قول واحد منهما، ويتحالفا عليه، فكذلك إذا اختلفا بعد العمل وجب التحالف عليه، لأنه ما وجب التحالف مع بقائه وجب التحالف مع تغير أحواله.
وإلى هذا الرأي ذهب القفال، فقال: «هو الأصح في المذهب، ورجحه الغزالي والشيرازي، وقال الماوردي: «هو الصحيح من مذهب الشافعي»[126].
أما إذا خالف الصانع في الصفة المتفق عليها مع المالك، وكان يمكنه إعادة صناعة المتاع على الصفة المتفق عليها – إعادة تشكيل المصنوع – فهل يلزمه ذلك؟ ومثال ذلك كأن يأمر مستهلك صانعا بأن يضع له خاتما من ذهب على صفة معينة، فخالف الصانع الصفة المطلوبة، فهل يلزم الصانع بإعادة الصياغة للخاتم؟
ذهب الفقهاء المالكية إلى القول إن للمالك حمل الصانع على إعادة الصناعة من جديد، قال القرافي: «لو استأجرت صانعا على صياغته فصاغ خلافها، خير الصانع بين إعادة صياغته كما استؤجر عليه بعد التصفية من اللحام المخالط، أو يغرم مثل الذهب ويصوغه ثانية، إلا أن يكون فاسد الذمة، فلصاحبه جبره على كسره وإعادته، ولا يلزمه أخذ المثل»[127].
أما إذا كانت إعادة صنع المتاع تنقص من قيمته، مثل أن يخيط للمالك قميصا خياطة رديئة، ولكن إذا أراد أن يفتقه ويعيد خياطته من جديد، فإن ذلك يظهر عيبا في القماش، فعلى صاحب الثوب إلزامه بإعادة صنعه وتضمينه مقدار النقص، أما إذا كانت إعادة صنعه تؤدي إلى فواته، مثل أن يبني سورا فيخطئ في بنائه، فعليه هدمه وإعادة بنائه وقيمة ما أتلف من مواد البناء، وللمالك إبقاء السور، ولا أجرة له، لأنه في حكم المهدوم[128].
وبعد عرض الأقوال السابقة والنظر في أدلتها وتمحيصها، فإنني أرجح القول الأول والقاضي بالأخذ بقول رب المتاع مع يمينه، لأن هذا القول يخدم مصالح المستهلك، ويوافق العقل والمنطق، ولأن من شروط عقد الاستصناع التوافق على خصائص المصنوع من حيث اللون والصفة، حسب رغبة المالك واختياره، لا رغبة الصانع، لذلك إن اختلفا بعد الصنع كان القول قول المالك كما قبل الصنع مع يمينه، والله أعلم.
- النوع الثاني: الضمان بسبب المخالفة في القدر:
لا خلاف بين جمهور الفقهاء[129] في تضمين الصانع إذا خالف القدر المتفق على صناعته مع المالك، فلو دفع إلى الصانع غزلا لينسجه سبعا في أربع، فعمله أكبر من ذلك أو أصغر، فالمالك بالخيار، فإن شاء ضمنه مثل قيمة الغزل، وإن شاء أخذه فإن كان أكبر أعطاه الأجر المسمى، ولا أجر له على الزيادة، وإن كان الغزل أصغر من القدر المتفق عليه أعطاه الأجر بحساب ما نقص، لأنه في الزيادة تبرع، وفي النقصان نقصان في العمل[130].
هذا ما يؤكده فقهاء المالكية، فقد سأل سحنون ابن القاسم: «أرأيت إن دفعت إلى حائك غزلا ينسجه لي سبعا في ثمان، فنسجه لي ستا في سبع، فأردت أن آخذه أيكون ذلك لي في قول مالك؟ قال: «نعم». قلت: «ويكون للحائك أجره كله»؟ قال: «نعم، يكون للحائك أجره كله «. قال سحنون: «قال لي غيره: يكون له من الأجر بحساب ما عمل. قلت: «فإن أردت أن لا آخذه منه وأضمن الحائك؟» قال: «لك ذلك»[131].
إن القول بتضمين الصانع إذا خالف القدر المتفق على صناعته مع المستهلك، يعدّ تدبيرا تشريعيا مهما لحماية جمهور المستهلكين من أخطاء الصناع وتجاوزاتهم العديدة في حقهم، فإذا اشترط رب المتاع نسج غزله تسعا في خمس فخالف الصانع هذا المقدار، كان المستهلك مخيرا بين أخذه وللصانع الأجر كاملا، أو بين تضمينه قيمة الغزل لتعديه[132].
ومن حالات تضمين الصانع بسبب المخالفة في القدر أن يشير أحد الصناع على المستهلك بأن هذا القدر يكفيه لصناعة ما هو بحاجة إليه، ولكن بعد الصناعة يخرج المصنوع بصورة أصغر، فلو قال رجل لخياط: «انظر إن كان يكفيني هذا الثوب قميصا، فاقطعه لي، فقطعه ولم يكفه كان ضامنا، أما إذا قال: أيكفيني هذا الثوب قميصا؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه، فقطعه، فلا ضمان عليه، وذلك لأن الأول شرط – أي أذن له بالقطع بشرط الكفاية -، أما الثانية فهي استفهام، ولم يشترط عليه الكفاية، فهو إذن بالقطع مطلقا»[133].
- النوع الثالث: الضمان بسبب المخالفة في وقت التسليم:
إن من حقوق المستهلك في الفقه الإسلامي تسلم متاعه في الوقت المتفق عليه مع الصانع، ولكن أحيانا كثيرة قد يخلف الصانع موعده، فلا يسلم المصنوع المتفق عليه إلا بعد مرور وقته بأيام أو شهور، مما يلحق بالمستهلك ضررا نفسيا وماديا، خاصة إذا علمنا أن تفويت وقت تسليم المتاع قد يترتب عليه أحيانا نقصان قيمته، أو رجحان فساده، مما يزيد في معاناة المستهلك وضياع أمواله سدى.
وقد فطن الفقهاء إلى أهمية وقت التسليم للمستهلك، وجعلوه حقا خالصا له، وجب على الصانع الإلتزام به، وأكدوا ضرورة تسليم المصنوع إلى صاحبه في الوقت المتفق عليه. أما في حالة المخالفة وقت التسليم، فقد انقسم الفقهاء في ذلك على قولين، وهما:
*- القول الأول: ذهب الشافعية إلى أنه لا ضمان على الصانع إذا خالف وقت التسليم. قال الأردبيلي: «لو دفع غزلا إلى نساج لينسجه، وشرط أن لا يعمل لغيره حتى يفرغ من نسجه، فعمل لغيره، فامتد الزمان فسرقت الكرباس أو الغزل، فلا ضمان عليه، لأن الأجير بالتأخير لا يضمن»[134].
*- القول الثاني: ذهب الحنابلة[135] والمالكية[136]، أنه إذا كانت الإجارة عمل في الذمة، فيجب عليه القيام به في الوقت المحدد، لأن العقد يقتضي التعجيل، وفي التأخير إضرار به.
والراجح عندي ما ذهب إليه المالكية والحنابلة، خلافا لما ذهب إليه الشافعية لأن قولهم هذا فيه تضييع لأموال الناس، وتفويت لمصالحهم المشروعة، إذ يعدّ الالتزام بموعد التسليم من أساسيات العقود، خاصة في وقتنا الراهن، وقد يترتب عن هذه المخالفة في موعد التسليم أضرار نفسية واجتماعية ومالية للمستهلك. وحماية لمصالح المستهلك ورعاية لحقوقه المشروعة ضمن الفقهاء الصانع إذا خالف موعد تسليم المتاع أو المصنوع في أجله المتفق عليه في عقد الاستصناع.
- النوع الرابع: الضمان بسبب هلاك العين:
كثيرا ما كان المستهلك يتعرض لضياع أمواله، وذلك بهلاك متاعه أو مصنوعة عند مختلف أنواع الصناع، وقد يتكرر هذا الأمر، مما يزيد من متاعبه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وحماية لعموم المستهلكين من هذا الصنيع الذي يتورط فيه بعض الصناع نتيجة تقصيرهم في حفظ أمتعة المستهلكين، فقد أفتى الفقهاء بضمان الصانع بسبب هلاك العين، وذلك صيانة لحقوق الناس وحماية لأموالهم من الضياع.
وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تضمين الصانع وعدمه، إذا هلكت العين في حرزه قبل الصنع، وذلك تبعا للظروف التي تم فيها هذا الهلاك، ولا يعدو حدوث هذا الهلاك للعين عن حالتين:
– الأولى: هلاك العين بتقصير وتفريط من الصانع.
– الثانية: هلاك العين بشيء غالب خارج عن طاقة الصانع وإرادته.
وفيما يلي استعراض لآراء الفقهاء في الحالتين: ففي الحالة الأولى: إذا هلكت العين بتقصير من الصانع، كأن سرقت، أو انسكب عليها سائل فأفسدها، فقد ذهب أبو حنيفة[137]، والشافعية في الراجح[138]، والحنابلة في الراجح أيضا[139]، أنه لا ضمان عليه، وذلك للاعتبارات التالية:
أ- لأن الصانع أمين، ولا شيء عليه.
ب- لأنها غير مقبوضة بعقد الإجارة، ولم يتلفها بفعله، فلم يضمنها كالعين المستأجرة.
ج- لأنه قبضها بإذن مالكها، لنفع يعود إليهما، فلم يضمنها كالمضارب والشريك.
د- لأنها كما لو تلفت بأمر غالب.
بينما ذهب الإمام مالك[140] والصاحبان[141]، والشافعية في رواية[142]، والحنابلة في رواية[143]، أن الصانع يضمن متى ثبت تقصيره في حفظ أمتعة الناس، وقد احتجوا لذلك بما يلي:
أ- قول النبي صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»[144].
ب- إن عمر بن الخطاب كان يضمن الصانع احتياطا لأموال الناس، وهو المعنى في المسألة إذ إن هؤلاء الصناع الذين يسلم المال إليهم من غير شهود، تخاف الخيانة منهم، فلو علموا أنهم لا يضمنون لهلكت أموال الناس، لأنهم لا يعجزون من دعوى الهلاك[145].
ج- لأن الصانع قبض العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق، فلزمه ضمانها كالمستعير.
وما أرجحه في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام مالك، والصاحبان من الحنفية، وذلك لأن هذا الرأي فيه صيانة لأموال المستهلكين وحفظ لأمتعتهم، وكذلك لأن التفريط من الصانع هو نوع من التعدي والإخلال في حفظ أمتعة المستهلكين، وهو كذلك إهمال يجب أن يتحمل مسؤوليته، لا أن يكافأ بالإعفاء منها. وعلى أساس ما تقدم فإن القول بتضمين الصانع إذا فرط أو قصر في حفظ أموال المستهلكين يعتبر قولا سديدا ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ الأموال وصيانة الحقوق.
أما الحالة الثانية: والمتعلقة بهلاك العين بما لا يمكن التحرز منه كالحريق الغالب، والعدو المكابر، والفيضان الظاهر، فقد ذهب الفقهاء من المالكية[146] والشافعية[147] والحنفية[148] والحنابلة[149] إلى عدم تضمين الصناع هلاك العين.
وفي رواية عن المالكية، أن الصناع يضمنون على كل حال، حتى ولو قامت البينة على أن الهلاك كان خارجا عن إرادتهم، وأنهم لم يكونوا سببا فيه. يقول القرافي: «ويضمن الصناع إلا أن تقوم بينة بالهلاك من غير سببهم، لأنهم إنما ضمنوا للتهمة، وضمنهم أشهب وجعل أيديهم أيدي ضمان كالغاصب، سدا للذريعة، فلا تقبل البينة عنده»[150].
هذا في حال هلاك العين قبل الصنع، وقد تهلك في يد الصانع، أي عند الصنع، وكثيرا ما يقع ذلك، خاصة في وقتنا الراهن، حيث تطاول الناس على امتهان الحرف والصناعات بمختلف أنواعها، دون أن يكونوا أهلا لذلك، مما أصبح يعرض أمتعة المستهلكين وأموالهم للضياع بين أيدي الصناع والحرفيين. ومن أمثلة هلاك العين عند الصنع تلف الثوب في يد الخياط إذا أخطأ في قصه، وكذلك كسر لوح الزجاج عند تركيبه، أو كسر الرخام عند تبليطه.
وللفقهاء في هذه المسألة رأيان هما:
*- الرأي الأول: ذهب أصحابه إلى القول بتضمين الصانع ما هلك في يده من فعله، وهو قول المالكية[151] والحنابلة[152] والحنفية[153]،والشافعية في رواية[154].
وفي هذه المسألة فرق المالكية بين الخباز وغيره، إذ قالوا بعدم تضمين الخباز ما أفسد من عمله، وذلك لأن النار تغلب فهي ليست كغيرها، ولا يضمن الخباز إلا إذا تعدى، كأن لم يكن يحسن الخبز، أو لم يخرج الخبز حتى احترق[155].
*- الرأي الثاني: ذهب أصحابه إلى القول بعدم تضمين الصانع ما هلك في يده ومن فعله إلا إذا تعدى أو فرط، سواء عمل في ملكه، أو في ملك المستأجر، وهذا هو الراجح من مذهب الشافعية[156]، ومذهب الظاهرية[157].
ومثالا لتفريط الصانع عند أصحاب هذا الرأي أن يستأجر الإنسان خبازا ليخبز له، فيسرف في الوقود، أو يترك الخبز في الفرن ولا يخرجه حتى يحترق. أما إذا اختلف المستأجر والأجير في التعدي والتفريط، صدق الأجير بيمينه، إلا أن يقول عدلان خبيران أنه تعد[158].
وبعد استعراض رأي الفريقين في المسألة، فإن الراجح عندي هو قول الجمهور من المالكية والحنابلة والحنفية، والقاضي بتضمين الصانع ما هلك في يده ومن فعله، لأن هذا القول أكثر صيانة لأموال المستهلكين بعيدا عن كل إهمال أو استهتار. والله أعلم.
وهناك حالة ثالثة قد تتعرض لها العين، وهي: الهلاك بعد الفراغ من الصنع، وقبل تسليمها للمالك، فهل يضمن الصانع – في هذه الحالة – أم لا؟ فللفقهاء في هذه المسألة آراء، أفصلها كما يلي:
أولا: ذهب المالكية[159] والحنابلة[160]، والصاحبان من الحنفية[161]، إلى القول بتضمين الصانع ما يهلك عنده بعد صنعه، سواء كان الهلاك بفعله أم لا. وقد استثنى المالكية من تضمين الصانع ما لا يمكن إخفاؤه. فقد جاء في «سراج السالك»: «إذا ادعى ضياع الشيء من مصنوعه، أو تلفه، فإن الضمان يتوجب عليه فيما يغاب عليه ويمكن إخفاؤه كالحلي والثياب وشبههما، ولا ضمان عليه في لا يمكن إخفاؤه كسفينة حرقت قبل كمال صنعها، أو جدار انهدم بحادث مطر»[162].
ثانيا: ذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى القول بتضمين الصانع ما هلك بعد صنعه إذا كان الهلاك بفعله، أما إذا كان بغير فعله فلا يضمن[163].
ثالثا: ذهب الشافعية في الراجح من مذهبهم، أن الصانع لا يضمن إلا إذا تعدى في إتلافه بعد الفراغ من الصنع[164].
والذي أرجحه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المالكية والحنابلة، والصاحبان، من القول بتضمين الصانع ما هلك عنده بعد صنعه، لأن في ذلك احتياطا لحفظ أمتعة المستهلكين وأموالهم، وتقديرا لمسؤولية الصنعة والجلوس بسببها إلى الناس. والله أعلم.
أما إذا سلم الصانع المصنوع للمستهلك، وهلك في يده فلا شيء على الصانع البتة[165]. وكذلك لا ضمان على الصانع إذا أحضر الشيء المصنوع لربه على الصفة التي عينها له، فدفع له الأجرة، وبعد ذلك تركه المالك عند الصانع، الذي ادعى ضياعه لصيرورته – المصنوع – وديعة عنده[166]. أي: أن المالك لم يترك المصنوع عنده كصانع، إنما يتركه عنده كمودع عنده.
وأما إذا دفع الصانع المصنوع لغير صاحبه ظانا أنه هو، فهل يضمنه؟
ذهب المالكية[167] والحنفية[168] والحنابلة[169]، إلى القول بأنه يضمنه، وذلك لأنه فوته على صاحبه.
وأما إذا ادعى الصانع رد السلع إلى أصحابها بعد صنعها، ونفى أصحابها ذلك؟ قال مالك رحمه الله: «إذا أقر الصانع أنه قبض المتاع فهو ضامن، إلا أن يقيم البينة أنه قد رده، ولو جاز هذا القول لهم لذهبوا بأموال الناس»[170].
وقال أبو حنيفة: «أن القول في ذلك قول الأجير، لأنه أمين في القبض، فالقول قول الأمين مع يمينه.
وقال الصاحبان: القول قول أصحاب السلع، لأنها قد دخلت في ضمانه، فلا يصدق على الرد إلا ببينة»[171].
أما مقدار الضمان، فذهب المالكية[172] والحنفية[173]، إلى أن التلف إذا كان بعد العمل فإن الصانع يضمن قيمته معمولا ويعطى الأجر. وقال المالكية في رواية أخرى[174]: «أن الضمان يكون بقيمتها يوم قبضها».
أما الحنابلة [175] فقالوا: «أن المالك مخير إن شاء ضمنه إياه معمولا وله الأجرة، وإن شاء ضمنه إياه غير معمول ولا أجرة للصانع».
وبذلك شكلت أحكام التضمين، ونوازله خير معين للمستهلك على حفظ أمواله ورعاية مصالحه، في مقابل شطط الصناع وتعدد أخطائهم، خاصة عند مخالفة رغبات المستهلكين، والإخلاف بشروط عقد الاستصناع إما من حيث لون المصنوع أو مقداره أو وقت تسليمه، أو هلاكه وغير ذلك.
إن القول بتضمين الصناع يعدّ تدبيرا مهما لحماية جمهور المستهلكين، وحفظ حقوقهم المشروعة، خاصة عند تنفيذ شروط عقد الاستصناع، وتطبيق ما تحتويه من أوصاف وخصائص حول المصنوع.
خاتمة:
لقد وفر الفقهاء النوازليون – من خلال نوازل التضمين – حماية شاملة للمستهلك في كل معاملاته وتعاقداته الاستهلاكية، خاصة عند إبرام عقود الاستصناع مع مختلف أنواع الصناع والأجراء، وذلك بتحميل مسؤولية ضمان أمتعة المستهلكين وحفظ أموالهم لكل صانع أو أجير، ثبت في حقه التفريط والتقصير في الحفظ والرعاية لأموال الناس وممتلكاتهم.
إن استقراء أحكام تضمين الصناع واستنطاق نوازله يفيد بما لا يدع مجالا للشك أن مسألة التضمين تعتبر تدبيرا تشريعيا مهما لتوفير الحماية اللازمة لعموم المستهلكين، وحفظ حقوقهم، وصيانة أموالهم من الضياع. وقد عدد الفقهاء النوازليون حالات تضمين الصناع وحصروها في كل مخالفة صريحة لرغبة المستهلك في كيفية نظرته إلى المصنوع من حيث اللون أو المقدار أو الشكل أو وقت التسليم…. وغيرها، فإذا أخل الصانع بشرط من شروط عقد الاستصناع المبرم مع المستهلك، فإنه يتحمل مسؤولية ذلك، ويعتبر ضامنا لما أفسدت يداه من أوصاف المصنوع وخصائصه.
إن القول بتضمين الصناع حماية واقعية لحقوق المستهلك، ورعاية شاملة لمصالحه، خاصة إذا علمنا أنه قد يحتاج إلى إبرام عقد الاستصناع عدة مرات في اليوم الواحد، وذلك لكثرة حاجاته اليومية وتنوعها، فالمستهلك قد يحتاج إلى خدمات كثير من الصناع في الآن نفسه، فحاجاته المعيشية قد تضطره إلى التعامل مع الصناع والأجراء بكثرة، مثل الخياط والصباغ والقصار والبناء… وغير هؤلاء كثير. فهؤلاء جميعا ضامنون لما تلف في أيديهم من أموال المستهلك أو أمتعته.
لائحة المصادر والمراجع:
– ابن أبي زمنين، محمد بن عبد الله، منتخب الأحكام، تحقيق عبد الله بن عطية الرداد الغامدي، المكتبة المكية ومؤسسة الريان، د. ط، د. ت.
– ابن جزي، محمد، القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية، تحقيق محمد بن سيدي محمد مولاي، د. ط، د. ت.
– ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، المحلى بالآثار، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، د. ت.
– ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام والشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات، تحقيق سعيد أحمد أعراب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ/ 1988م.
– ابن رشد، أبو الوليد، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، وضمنه «المستخرجة من الأسمعة المعروفة بالعتبية» لمحمد العتبي القرطبي، تحقيق أحمد الحبابي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1408هـ/ 1988م.
– ابن عابدين، محمد أمين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، المطبعة الأميرية الكبرى، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، د. ت.
– ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، د. ت.
– ابن قدامة، أبو محمد عبد الله، المغني: على مختصر أبي القاسم، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، 1981م.
– ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تحقيق مجموعة من الأساتذة، دار المعارف، د. ت.
– ابن وهب وأشهب، المجموع المذهب في أجوبة الإمامين ابن وهب وأشهب، جمع وتوثيق وتقديم حميد لحمر، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة فضالة، المحمدية، الطبعة الأولى، 1430هـ/ 2009م.
– أبو داود، السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا/ بيروت، د. ت، د. ط.
– الأردبيلي، يوسف، الأنوار لأعمال الأبرار، مطبعة المدني، القاهرة، 1969م.
– الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق نجيب الماجدي، المكتبة العصرية، صيدا/ بيروت، 143هـ/ 2012م.
– الباجي، سليمان بن خلف، المنتقى شرح الموطأ، مطبعة السعادة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1332هـ.
– البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار صادر، بيروت. د. ت.
– البرزلي، أبو القاسم بن أحمد، فتاوى البرزلي المسماة: جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام، تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 2002م.
– البغدادي، أبي محمد بن غانم بن محمد، مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى، 1999م.
– التاودي، أبو عبد الله محمد، حلي المعاصم لبنت فكر ابن عاصم، بهامش البهجة، مطبعة الشرق، مصر، د. ت.
– الجعلي، عثمان، سراج السالك شرح أسهل المدارك، طبعة البابي الحلبي، مصر، د. ت.
– الحطاب، محمد بن محمد، مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، تعليق الشيخ محمد يحيى بن محمد الأمين بن أبوه الموسوي اليعقوبي الشنقيطي، تصحيح وتحقيق دار الرضوان للنشر، نواكشوط، موريتانيا، الطبعة الأولى، 1431هـ/ 2010م.
– الحنفي، حسن، الفتاوى الخانية، المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، 1973م.
– الخشني، ابن الحارث، أصول الفتيا في المذهب المالكي، تحقيق المجذوب وأبو الأجفان وبطيخ، الدار العربية للكتاب، تونس، 1985م.
– الدار قطني، أبو الحسن علي بن عمر، سنن الدارقطني، تحقيق شعيب الأرنؤوط وحسن عبد المنعم شلبي وعبد اللطيف حرز الله، وأحمد برهوم، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1424هـ/ 2004م.
– الدمياطي، عثمان، إعانة الطالبين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1995م.
– الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، الدار النموذجية، بيروت، الطبعة الخامسة، 1420هـ/ 1999م.
– الرصاع، محمد، شرح حدود ابن عرفة الموسوم: الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية، تحقيق محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1993م.
– الزحيلي، وهبة، نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، سوريا، الطبعة الثانية، 1982م.
– الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر، أساس البلاغة، تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1419هـ/1998م.
– السرخسي، محمد بن أبي سهل، المبسوط، مطبعة السعادة لصاحبها محمد إسماعيل، 1324هـ.
– السغدي، علي بن الحسين، النتف في الفتاوى، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1404هـ.
– الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي، الموافقات، تحقيق الشيخ عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثامنة، 2011م.
– الشاطبي، إبراهيم بن موسى، فتاوى الإمام الشاطبي، تحقيق محمد أبو الأجفان، الطبعة الثانية، 1406هـ/1985م.
– الشافعي، محمد، الأم، المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، 1321هـ.
– الشربيني، محمد، مغني المحتاج إلى معاني ألفاظ المنهاج، مطبعة البابي الحلبي.
– الشيرازي، إبراهيم بن علي، المهذب في فقه مذهب الإمام الشافعي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1343هـ.
– العقباني، محمد بن أحمد بن قاسم، تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر، تحقيق علي الشنوفي، المعهد الفرنسي للدراسات الشرقية، دمشق، 1967م.
– علماء الهند، الفتاوى الهندية، المطبعة الأميرية، مصر، الطبعة الثالثة، 1973م.
– الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب، المكتبة العلمية، بيروت، 1980م.
– الفيروز آبادي، أبو طاهر مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، تحقيق الدكتور محمد مسعود أحمد، المكتبة العصرية بيروت، 1432هـ/2011م.
– فيض الله، محمد فوزي، نظرية الضمان في الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1982م.
– الفيومي، أحمد بن محمد بن علي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، تحقيق عبد العظيم الشناوي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية، د. ت.
– القرافي، أحمد بن إدريس، الذخيرة، تحقيق الأستاذ محمد بوخبزة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1994م.
– قلعه جي، محمد رواس، وقنيبي، حامد صادق، معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1408هـ/1985م.
– القيرواني، عبد الله، النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، تحقيق مجموعة من الأساتذة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1999م.
– الكاساني، أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مطبعة الإمام، 1971م.
– الكشناوي، أبو بكر بن حسن، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، د. ط، د. ت.
– المازري، أبو عبد الله محمد بن علي، فتاوى المازري، تقديم وجمع وتحقيق الطاهر المعموري، الدار التونسية للنشر، تونس، 1994م.
– مالك، بن أنس، المدونة الكبرى، مطبعة السعادة، مصر.
– المرداوي، أبو الحسن علي بن سليمان، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، الطبعة الأولى، 1374هـ/1955م.
– المرداوي، علي، تصحيح الفروع، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1985م.
– مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1425هـ/2004م.
– المطيعي، محمد نجيب، تكملة المجموع شرح المهذب، مكتبة المطيعي، مصر، د. ت.
– المعداني، الحسن بن رحال، كشف القناع عن تضمين الصناع، دراسة وتحقيق محمد أبو الأجفان، الدار التونسية للنشر، تونس، 1986م.
[1] – ابن منظور، لسان العرب، 4/2610.
[2] – الزمخشري، أساس البلاغة، 1/587.
[3] – الفيومي، المصباح المنير، ص 138.
[4] – ابن منظور، لسان العرب، 4/2610.
[5] – الرازي، مختار الصحاح، ص 161.
[6] – ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 3/372.
[7] – ابن منظور، لسان العرب، 4/2611.
[8] – الزمخشري، أساس البلاغة، 1/587.
[9] – الفيروز آبادي، القاموس المحيط، 3/929.
[10] – نفسه. والفيومي، المصباح المنير، ص 138.
[11] – الرازي، مختار الصحاح، ص 161.
[12] – ابن منظور، لسان العرب، 4/2611.
[13] – نفسه.
[14] – الحموي، غمز عيون البصائر، 4/06.
[15] – شرح المجلة، المادة رقم: 416، ص 235.
[16] – الحطاب، مواهب الجليل، 5/473.
[17] – الإقناع، 2/37.
[18] – ابن قدامة، المغني، 6/350.
[19] – الزرقا، مصطفى، المدخل الفقهي العام، 2/1032.
[20] – الزحيلي، وهبة، نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الإسلامي، ص 15.
[21] – فيض الله، محمد فوزي، نظرية الضمان في الفقه الإسلامي، ص 15.
[22] – الشاطبي، الموافقات، 2/4 و5.
[23] – ابن عاشور، الطاهر، مقاصد الشريعة، ص 79.
[24] – الغزالي، المستصفى، 1/287.
[25] – ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 364.
[26] – الشاطبي، الاعتصام، 2/102.
[27] – نفسه.
[28] – المعداني، أبي علي الحسن بن رحال، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص 76.
[29] – نفسه.
[30] – مالك، المدونة، 4/387.
[31] – الخشني، ابن الحارث، أصول الفتيا في المذهب المالكي، ص 384.
[32] – التاودي، محمد، حلي المعاصم لبنت فكر ابن عاصم، 2/258.
[33] – انظر نوازل التضمين في: ابن أبي زمنين، منتخب الأحكام، 2/341. والبرزلي، فتاوى، 3/196. والباجي، فصول الأحكام، ص 171. وابن وهب وأشهب، المجموع المذهب، ص 46 و132. والونشريسي، المعيار، 6/230، و8/285، و5/48.
[34] – انظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، 1/62.
[35] – قلعه جي و قنيبي، معجم لغة الفقهاء، 1/45.
[36] – المالكي، ابي الحسن، كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، 2/16.
[37] – المعداني، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص 80 و81.
[38] – النووي، روضة الطالبين، 4/299.
[39] – المرداوي، الإنصاف، 7/451.
[40] – الغنيمي، عبد الغني، اللباب في شرح الكتاب، 2/ 94.
[41] – البغدادي، محمد بن غانم، مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان،1/103.
[42] – الصاوي، بلغة السالك، 3/494.
[43] – الغنيمي، اللباب في شرح الكتاب، 1/93.
[44] – نفسه.
[45] – ابن قدامة، المغني، 7/451.
[46] – مالك، المدونة للإمام، 3/457.
[47] – المعداني، كشف القناع عن تضمين الصناع، ص 80.
[48] – الكشناوي، ابو بكر بن حسن، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك،2/326.
[49] – المرغيناني، علي، بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة، ص 187.
[50] – الشافعي، الأم، 4/38.
[51] – ابن قدامة، المغني، 7/451.
[52] – انظر: مالك، المدونة، 4/387.
[53] – انظر: الشيرازي، المهذب، 2/267. والشربيني، مغني المحتاج، 2/474.
[54] – انظر: الكاساني، بدائع الصنائع، 4/74.
[55] – ابن قدامة، المغني، 7/455.
[56] – ابن حزم، المحلى، 7/28.
[57] – مالك، المدونة، 4/391.
[58] – الشافعي، الأم، 4/37.
[59] – ابن عابدين، محمد، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، 9/ 79.
[60] – ابن قدامة، المغني، 7/255.
[61] – ابن حزم، المحلى، 7/28.
[62] – الحديث أخرجه، الدار قطني في سننه، كتاب رقم، 13، البيوع، رقم الحديث، 2961،3/455.
[63] – انظر: مالك، المدونة، 4/498. والشافعي، الأم، 4/40. وابن قدامة، المغني، 7/451. وابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 9/89. وابن حزم، المحلى، 7/28.
[64] – مالك، المدونة للإمام، 4/498.
[65] – السغدي، علي، النتف في الفتاوى، 2/561.
[66] – السرخسي، المبسوط، 16/10.
[67] – الشافعي، الأم، 4/40.
[68] – ابن حزم، المحلى، 7/28.
[69] -ابن رشد، بداية المجتهد، 2/222.
[70] -القرافي، الذخيرة، 5/502.
[71] – مالك، المدونة، 4/498.
[72] – انظر هذه الشروط في: مالك، المدونة، 4/387.
[73] – المطيعي، محمد نجيب، تكملة المجموع شرح المهذب، 15/354.
[74] -الشافعي، الأم، 4/37.
[75] – م. ن 4/40.
[76] – نفسه.
[77] – انظر: المرغيناني، الهداية، 3/274.
[78] – ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 9/89.
[79] – انظر: ابن قدامة، المغني، 7/454.
[80] – م. ن، 7/451.
[81] – نفسه.
[82] – البهوتي، كشاف القناع، 4/33.
[83] – ابن مفلح، الفروع، 4/450.
[84] – المرداوي، الإنصاف، 6/69.
[85] – ابن حزم، المحلى، 7/28.
[86] – تراجع أدلة كل فريق في مظانها المشار إليها في الهوامش حسب المذاهب الفقهية المذكورة.
[87] – مالك، المدونة، 4/388.
[88] – القاضي، عبد الوهاب، المعونة، 2/111.
[89] – ابن وهب وأشهب، المجموع المذهب، ص 46.
[90] – مالك، المدونة، 4/388.
[91] – نفسه.
[92] – القرافي، الذخيرة، 5/504.
[93] – الباجي، فصول الأحكام، 1/171.
[94] – الونشريسي، المعيار، 6/411.
[95] – القيرواني، النوادر والزيادات، 7/69.
[96] -ابن رشد، البيان والتحصيل، 4/249.
[97] – البرزلي، فتاوى، 3/197.
[98] – مالك، المدونة، 4/389.
[99] – الباجي، فصول الأحكام، 1/171.
[100] – القرافي، الذخيرة، 5/518.
[101] – الونشريسي، المعيار، 6/230 و8/285.
[102] – نفسه.
[103] – م. ن، 6/185 و5/48.
[104] – انظر: مالك، المدونة، 4/389. والسرخسي، المبسوط، 16/11. وابن قدامة، المغني، 7/456 والشافعي، الأم، 4/37. وابن حزم، المحلى، 7/28.
[105] – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 4/26.
[106] -ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، 9/103.
[107] – المرداوي، الإنصاف، 6/69.
[108] – الشافعي، الأم، 4/74.
[109] – ابن حزم، المحلى، 7/28.
[110] – مالك، المدونة، 4/389.
[111] – القرافي، الذخيرة، 5/518.
[112] – نفسه.
[113] – ابن أبي زمنين، منتخب الأحكام، 2/353.
[114] – نفسه، و354.
[115] – انظر: مالك، المدونة، 4/389. والشربيني، مغني المحتاج، 2/479 والسرخسي، المبسوط، 16/10. وابن مفلح، الفروع، 4/450.
[116] – انظر: السرخسي، المبسوط، 16/10.
[117] – انظر: ابن قدامة، المغني، 7/459.
[118] – انظر هذه الأدلة في: اللباب في شرح الكتاب، 1/103.
[119] – انظر: الكاساني، بدائع الصنائع، 4/81.
[120] – انظر: مالك، المدونة، 4/392. والقرافي، الذخيرة، 5/514 و515.
[121] – ابن قدامة، المغني، 7/459.
[122] – المرداوي، علي، تصحيح الفروع، 4/453.
[123] – انظر: القاضي، المعونة، 2/1113. وابن قدامة، المغني، 7/459.
[124] – أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب رقم: 65، التفسير، باب رقم: 03، باب: إن الذين يشترون بعهد الله…، رقمه: 4552،3/798. وأخرجه مسلم في، صحيحه، كتاب رقم: 30، الأقضية، باب رقم: 01، اليمين على المدعى عليه، رقمه: 4486، 3/657.
[125] – انظر: الشيرازي، المهذب، 2/269.
[126] – الماوردي، الحاوي الكبير، 7/439.
[127] – انظر: القرافي، الذخيرة، 5/515.
[128] – نفسه، 5/515 و516.
[129] – انظر: مالك، المدونة، 4/389.والبهوتي، كشاف القناع، 4/39.
[130] – انظر: مالك، المدونة، 4/389. وابن قدامة، المغني، 7/457.
[131] – مالك، المدونة، 4/387.
[132] – القرافي، الذخيرة، 5/514.
[133] – انظر: الرملي، نهاية المحتاج، 5/314.
[134] – الأردبيلي، يوسف، الأنوار لأعمال الأبرار في فقه الإمام الشافعي، 1/613.
[135] – ابن قدامة، المغني، 7/361.
[136] – القرافي، الذخيرة، 5/413 و435.
[137] – السرخسي، المبسوط، 16/100.
[138] -الدمياطي، عثمان، إعانة الطالبين، 3/201.
[139] – انظر: ابن قدامة، المغني، 7/463.
[140] – انظر: القرافي، الذخيرة، 5/503 و504.
[141] – السرخسي، المبسوط، 16/100.
[142] – الماوردي، الحاوي الكبير، 7/426.
[143] – ابن قدامة، المغني، 7/463.
[144] – أخرجه الترمذي في، سننه، كتاب رقم: 12، البيوع، باب: ما جاء في أن العارية مؤداة، رقمه: 1266، 3/558. وقال، حديث حسن. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب رقم: 22، البيوع، باب: في تضمين العور، رقمه: 3561، 3/296.
[145] – ابن رشد، المقدمات الممهدات، 2/243 و244.
[146] – القرافي، الذخيرة، 5/504 و505.
[147] – الماوردي، الحاوي الكبير، 7/426.
[148] – السرخسي، المبسوط، 16/100.
[149] – ابن قدامة، المعني، 7/463.
[150] – القرافي، الذخيرة، 5/504 و505.
[151] – مالك، المدونة، 4/389.
[152] – البهوتي، كشاف القناع، 4/33.
[153] – السرخسي، المبسوط، 16/33.
[154] – الرملي، نهاية المحتاج، 5/311.
[155] – مالك، المدونة، 4/389.
[156] – انظر: الشافعي، الأم، 4/37.
[157] – ابن حزم، المحلى، 7/29.
[158] – الرملي، نهاية المحتاج، 5/311.
[159] – انظر: مالك، المدونة، 4/391.
[160] – انظر: ابن قدامة، المغني لابن قدامة، 7/456.
[161] – الحنفي، حسن، الفتاوى الخانية، 2/338.
[162] – الجعلي، سراج السالك شرح أسهل المدارك، ص 182.
[163] – الحنفي، الفتاوى الخاينة، 2/338.
[164] – انظر: الشافعي، الأم، 4/37.
[165] – القرافي، الذخيرة، 5/441.
[166] – الجعلي، سراج السالك، ص 182.
[167] – مالك، المدونة، 4/389 و390.
[168] – الفتاوى الهندية، 4/507.
[169] – ابن مفلح، الفروع، 4/451.
[170] – مالك، المدونة، 4/391 و392.
[171] – الكاساني، بدائع الصنائع، 4/74.
[172] – مالك، المدونة، 4/391.
[173] – الكاساني، بدائع الصنائع، 4/72.
[174] – القرافي، الذخيرة، 5/513 و514.
[175] – ابن قدامة، المغني، 7/456.