منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بعض فتاوي وتطبيقات الإمام مالك

بعض فتاوي وتطبيقات الإمام مالك/ كمال براشد

0

بعض فتاوي وتطبيقات الإمام مالك

ذ. كمال براشد

إن الأفعال الإنسانية والحوادث غير متناهية، أما النصوص الشرعية وتطبيقها على الحوادث فهي متناهية، ومن البديهي أن المتناهي لا يضبط ما ليس بمتناه، ولما كانت الدنيا قائمة على الإبتلاء  والإختبار في الأقوال والأفعال، ولما كان الإنسان مطالبا بإدخال أقواله وأفعاله ضمن أحكام الشرع، وأن يزن كل ذلك بميزانه إبتلاه الله سبحانه وتعالى وإختبره بإرجاع الوقائع والأحداث إلى نصوص الشرع إما بالنص أو الإجتهاد.

من باب السير على الناس، فتح باب الإجتهاد من أجل التعرف على الحل الشرعي في ما لا نص فيه أو فيما كانت دلالته على الحكم غير بينة، وفي هذا الفلك تدور الفتوى، ومن هذا الباب كان جلوس الإمام مالك وتصوره للفتوى وساره على نهجه تلاميذته من بعده، وسنعرض بعض فتاويه وتطبيقاته.

 علوم القران:

– سئل مالك عن تفسير قوله تعالى: ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا) المزمل الآية 6 ، قال: (هي قيام الليل وهي بليل الحبشة إذا قام الرجل قالوا قد نشأ فلان)[1].

– وسئل مالك عن تفسير قوله تعالى: ( وليوفوا نذورهم) الحج الآية 27 قال هو رمي الجمار[2].

الحديث وعلومه:

– جاء في العتبية: وسئل مالك أي أخذ  من لا يحفظه وهو ثقة صحيح، أتؤخذ عنه الأحاديث؟ قال لا، ثقيلة يأتي بكتب فيقول قد سمعتها وهو ثقه أتؤخذ منه؟ قال لا تأخذ منه أخاف أن يزاد في كتبه بالليل[3].

-و سئل عن قولهم حدثنا وأخبرنا، هل بينهما فرق أم لا؟ فأجاب لا فرق عند البخاري[4].

أصول الفقه:

سأل هل ينسخ الحديث القرآن والقرآن الحديث؟ فأجاب يجوز أن ينسخ الحديث القرآن لقوله تعالى :( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا) البقرة الآية 189، فإنها منسوخة بحديث الترمذي وغيره لا وصية لوارث.

كما يجوز أن ينسخ القرآن الحديث، أحاديث الترمذي في التوجه إلى بيت القدس فإنه منسوخ بقوله تعالى: ( فول وجهك شطر المسجد الحرام)[5].

 العبادات:

قال يحيى سئل مالك عن رجل توضأ فنسي فغسل وجهه قبل أن يتمضمض، أو غسل ذراعيه قبل أن يغسل وجهه. فقال:( أما الذي غسل وجهه قبل أن يتمضمض، فليمضمد ولا يعد غسل وجهه وأما الذي غسل ذراعيه قبل وجهه فليغسل وجهه ثم ليعود غسل ذراعيه حتى يكون غسلهما بعد وجهه إذا كان ذلك في مكانه، أو بحضرة ذلك[6].

تتعلق فتوى الإمام مالك هنا بعدم مراعاة ترتيب المسنون مع المفروض، ولا سيما في حالة النسيان، وإنما تجب مراعاة ذلك في المفروض مع جلوسه إذا لم تجز في الأعضاء أو لم تحصل الصلاة، فإن وقع ذلك أعيد المنكس فيما يستقبل من الصلاة، وهذا يفيد أن الترتيب ليس على الوجوب.

– وسئل مالك عن رجل تيمم لصلاة حضرت ثم حضرت صلاة أخرى، أيتيمم لها أم يكفيه تيممه لذلك؟ فقال: بل يتيمم لكل صلاة، فمن إبتغى الماء فلم يجده فإنه يتيمم[7].

ومبنى فتوى الإمام مالك في هذه المسألة، أن مريد الصلاة مطالب بالماء لكل صلاة، لأن عدمه انتقل الى التيمم.

– وسئل مالك عن الحائض تطهر فلا تجد ماء، هل تتيمم؟ قال نعم لتتيمم فإن مثلها مثل الجنب إذا لم يجد ماء تيمم[8].

وسند فتوى الإمام مالك هنا مبني على القياس، إذ الجنابة والحيض مستويان في علة عدم الطهر.

 صلاة الجماعة بعد صلاة جماعة الراتب:

جاء في المدونة الكبرى: قلت فلو كان رجل هو إمام مسجد قوم، ومؤذنهم إذن، وأقام فلم يأتي أحد فصلى وحده، ثم أتى أهل المسجد الذين كانوا يصلون فيه؟ قال فليصلوا افذاذا ولا يجمعوا، لإن إمامهم قد أذن وصلى، قال وهو قول مالك[9].

ولم ينفرد الإمام مالك بهذا القول فقد ذهب إليه من شيوخه إبن شهاب الزهري ويحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومن أقرانه الليث بن سعد[10].

وتعليل هذه الفتوى وسد ذرائع ما يترتب عليه من ضرر لأنه يؤدي إلى التباغض ، والتشاجر بين الأئمة وإذا يتهم، أو تطرق أهل البدع أو التهاون بالصلاة، أو تفريق الجماعة، وقد أمر الشارع بالألفة[11].

في المعاملات:

  • توريث المطلقة في مرض الموت:

جاء في الموطأ: قال مالك: وإن طلقها وهو مريض قبل أن يدخل بها، فلها نصف الصداق ولها الميراث، ولا عدة عليها، وإن دخل بها ثم طلقها فلها المهر كله والميراث، البكر والثيب في هذا عندنا سواء[12].

والتحليل في هذه الفتوى هو أن الطلاق في هذه الحالة مظنة لإخراج الزوجة من الإرث فسدا لهذه الذريعة حوفظ على الأصل وهو إمتداد الزواج مع مراعاة أثاره.

  • أكل المفطر للميتة أو غيرها:

ورد في الموطأ: وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة أيأكل منها وهو يجد ثمر القوم أو زرعا، أو غنما بمكانه ذلك.

قال مالك: إن ظن أهل ذلك الثمر أو الزرع، أول غنم يصدقونه بضرورة حتى لا يعد سارقا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه، لا يحمل منه شيئا، وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة، وأن هو خشي أن لا يصدقونه، وإن يعد سارقا بما أصاب من ذلك، فإن أكل الميتة خير له عندي، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعد وعاد، ممن لا يضطر إلى الميتة يريد إستجازة أخذ أموال الناس وزروعهم، وثمارهم بذلك بدون إضطرار[13].

  • بيوع الآجال:

ورد في الموطأ : قال الإمام مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل، فإذا أحلت قال له الذي عليه الدين يعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل، هذا بيع لا يصلح ولم يزل أهل العلم ينهون عنه،

قال مالك: … فهذا مكروه ولا يصح وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قالوا للذي عليه الدين أما أن تقضي وإما إن تربي، فإن قضى أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم وزادهم في الأجل[14]،


[1] ) البيان والتحصيل ج 17 ص 131

[2] ) البيان والتحصيل ج 17 ص 164

[3] ) البيان والتحصيل ج 18 ص 249

[4] ) الأجوبة الناصرية الملزمة لإبن ناصر الدرعي ج 12 ص 2

[5] ) الأجوبة الكبرى لعبد القادر القاسمي ص 168

[6] ) الموطأ بتنوير الحوالك ج 1 ص 43

[7] ) الموطأ ج 1 ص 75

[8] ) الموطأ ج 1 ص 78

[9] ) المدونة الكبرى ج 1 ص 89

[10] ) المدونة الكبرى ج 1 ص 90

[11] ) كفاية الطالب الرباني لإبن خلف المنوفي ج 2 ص 22

[12] ) الموطأ بتنوير الحوالك ج 2 ص 93

[13] ) الموطأ بتنوير الحوالك ج 2 ص 44

[14] ) الموطأ ج 2 ص 162

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.