منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فتوى الزكاة والحقائق المغيبة

الأستاذ عثمان غفاري

0

فتوى الزكاة والحقائق المغيبة

بقلم: الأستاذ عثمان غفاري

أصدر المجلس العلمي الأعلى وهو أعلى مؤسسة دينية رسمية بالمغرب، فتوى شرعية في موضوع أحكام الزكاة، نُشرت يوم الجمعة 24 أكتوبر 2025 على الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بعد اطلاع الملك عليها وإذنه بنشرها، وقد صُدرت هذه الفتوى بجملة من التوضيحات التي وصفت بالضرورية، قبل أن تعرج على مجموعة من الأحكام الشرعية، التي يحتاج إليها المكلف ابتداء من أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقدار ما يجب في كل نوع، ومتى يتعين إخراجها، ومن يستحق أن تعطى له، وزعم المجلس في فتواه أنه استوعب كل ما ورد تقريره في كتب الفقه في هذا المجال، وبأنه سيظل مواكبا للموضوع في اجتهاد مفتوح لمعالجة النوازل المستجدة، والتي يمكن معالجتها بالقياس على الأحكام الأصلية أو بالنظر إلى المقاصد الكلية، وقبل الخوض في تقييم وتقويم ما تضمنته الفتوى من توجيهات ضرورية، واجتهادات شرعية، وإجراءات تدبيرية، والذي سنعود إليه في مقالات قادمة بحول الله وقوته، سأتناول في هذه المقالة بمشيئة الله تعالى بعض الحقائق التي لا ينبغي تغييبها عند الحديث عن فقه الزكاة، والتي غابت عن فتوى المجلس العلمي الأعلى إما كليا أو جزئيا.

الحقيقة الأولى: للزكاة مساق وللفتوى سياق

للزكاة مساق فهي ثالِث أركان الإسلام، ومبانِيهِ العِظام، تحكمه ملّة شاملة مستقيمة، وشريعةِ عادِلة قويمة، لا تقبل الاجتزاء أو الانتقاء، ولا يُعَطَّل الكثير من مقتضياتها تبعا للأهواء أو استجابة لضغوط الأقوياء.

فالزكاة برهان على صِدْقِ إِيمَانِ المزكي، فلا يبْذلُ المال المحبوب إِلَّا من يبتغي مَحْبُوبا أَكْثَرَ مِنْهُ، حب الله تعالى الذي فرضها على عباده ابتلاءً وامتحانًا، ولطفًا بالمؤمنين وامتنانًا، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم الذي فعَّلها عدلا وإحسانا، وجعلها سبيلا لطعم الإيمان وبرهانا، فأهل الإيمان يزكون مالَهم بإخلاصٍ واحتساب، وبانشراحٍ وطِيب نفسٍ رجاءَ الثّواب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: “ثلاثةٌ من فعلَهنّ فقد طعِم طعمَ الإيمان: من عبد الله وحدَه وأنّه لا إله إلا الله، وأعطى زكاةَ ماله طيِّبةً بها نفسُه رافدةً عليْهِ كلَّ عامٍ، ولاَ يعطي الْهرمةَ ولاَ الدَّرنةَ ولاَ المريضةَ ولاَ الشَّرطَ اللَّئيمةَ ولَكن من وسطِ أموالِكم فإنَّ اللَّهَ لم يسألْكم خيرَهُ ولم يأمرْكم بشرِّهِ ” (1)

والزكاة إيقان بفضائلها التي لا تعَدّ، وبَركاتها التي لا تحَدّ، فالمسلمون يؤدونها بدافع الإيمان، وتعرضا لموعود الوهاب المنان، لا خوفا من قهر أعوان السلطان، إذ أن “إيتاء الزكاة وتوزيع محصولها (..)وسيلتان يستمطر بهما العبد رضى الله عز وجل وصلاة رسول الله، وتستمطر بهما الأمة بركة السماء(2)، فأهل البَذل والسّخاء، والإنفاق والعَطاء، بشرهم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بحسنِ الجزاءِ والخَلَف والبركة والنّماء، حين قال: “ما نقَصَت صدقةٌ من مال”(3).

والزكاة فرقان بين مجتمع العمران ومجتمع الخذلان؛ فإيتاء الزكاة يطهر المجتمع الإسلامي ماديا من الفقر والبؤس والتسول، ويطهره نفسيا من البغض والحقد والحسد، ويطهره من صراع الطبقات وما يترتب على ذلك من المآسي والآفات، في حين الامتناع عن إعطاء الزكاة يقود المجتمع إلى الخسران والخذلان، “ومن الخذلان غرق المتمولين في الترف والمتاع واللذة والتبذير الاستهلاكي، بعيدين عن ذكر الله وعن ذكر الآخرة والاستعداد لها”(4).

خلاصة القول إن الزكاة شريعة واجِبة، في آيٍ وأَخبار، وإجماعِ العلَماء على مرِّ الأعصَار، وهي حقٌّ معلوم، وجُزء مَقسوم، وسَهم محتوم، “على كل فرد له من المال والمتاع نصاب، ونظاما لسد ثغرات الفاقة والحاجة في دولة العدل”(5)، ولن يتأتى كل ذلك إلا في بيئة تُحَّكِمُ الشريعة وتحتكم إليها في صغير الأمر وكبيره، وفي ظل رؤية منهاجية متكاملة لا تنظر إلى الزكاة باعتبارها مجرد عبادة مالية فقط، بل باعتبارها عملية تربوية ونفسية تساعد على تنمية المال والمجتمع، ولا تحقيق للتنمية إلا بإنصاف تعجز السياسات البهلوانية المتأرجحة عن تأمينه للفقير، “لأن استئصال الفقر من أهم غايات الزكاة، ومن أبرز أهداف نظام التكافل الأسري والعائلي والإنساني. فقد «كاد الفقر أن يكون كفرا» كما جاء في الأثر. وبما أن الزكاة لا يمكن أن تقتطع من اقتصاد منهار، فإن المعركة من أجل التكافل وضد الفقر تبتدئُ بالتنمية العاجلة”(6).

وكل هذا غائب عن سياق الفتوى، إذ صِيغت ونُشرت بناء على إذن وطلب؛ وأَقرت مؤشرات مجحفة مخافة اللوم والعتب؛ مثل الحد الأدنى للأجور، ومؤشر الفقر الوطني، والتصنيف المغربي للأنشطة الاقتصادية؛ وسلَّمت بتعطيل كبار القوم لبعض مصاريف الزكاة “مصرف العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم مثلا”، وبعض مجالاتها “مثل زكاة المعادن” اتقاء أن يطال مصدريها أذى أو غضب؛ وتغافلت عن وقائع تشرع فساد الساسة والنخب، وتجهز على القدرة الشرائية لفئات جمة من الشعب صارت تعيش التعب والنصب؛ من قبيل سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، وتعطيل مقررات مجلس المنافسة للحد من التلاعب بالأسعار، و تبذير أموال الأمة في الترف والمتاع واللذة، فتبصر أخي القارئ لترى البون الشاسع والمدى السحيق بين مساق مفقود منشود وسياق موجود مفروض.

 الحقيقة الثانية: الزكاة تشريع والفتوى تطبيع

الزّكاة تشريع لأنها فريضةٌ دوريّة تتمتّع بأعلى درجاتِ الإلزامِ الخلُقيّ والشرعيّ، وليست إحسانًا اختياريًّا، فمانعها آثم مذموم، ولجمعها وتوزيعها واستثمارها نظام محكم معلوم، “فتدبير مداخيل الزكاة تسند إلى إدارة نزيهة نشطة تملك من سعة الأفق ما يدفعها إلى تخصيص حصة لا بأس بها للاستثمار الإنتاجي بدل توزيع الحصيلة كلها على ذوي المتربة. بحيث تُؤسَّسُ مقاولات صغيرة ومتوسطة توزع الأسهم على الفقراء القادرين بمساهماتهم النشطة على تشغيل المقاولة. وهكذا، سيتمتن النسيج الاقتصادي وتُشَغَّل المقاولات المنبثقة عن أموال الزكاة وسيلة لاستئصال الفقر بمشاركتها في المجهود التنموي العام”(7)

والزّكاةُ تشريع لأنها أنواع وأقسامٌ، ومسائِل وأحكام، فيتعين أن نسأل أهلَ العلم عمَّا أُشكَل، ونراجع أهلَ الذّكر عمَّا أُقفل، ونستعين بأهل النظر للاجتهاد فيما اسْتُجِّد ونَزل، وأن ينبري أهل السبق والصدق من رجال الدعوة للحفز على  إعمال ما أُغفل، وأن يعمد أهل الاستحقاق بالشورى من رجال الدولة لتنزيل ما تقرر وأُصِّل، لذلك لا نمل من التأكيد على أن الكفاءة البشرية ونزاهة الرجال والنساء ونياتهم الحسنة هي العوامل الحاسمة في تلافي الخلل المركب في أداء الزكاة، خلل أَضعف وظيفتها، فأكثر الأغنياء يتحايلون لمنع الزكاة بشتى الطرق والوسائل، ومن أخرجها منهم وضعها في أيدي من لا يستحق مجاملة للمعارف والأقارب، أو دفعا لأول سائل مطالب، متاجر يوظفها لخدمة بعض المآرب، لذا فمن أولى الأولويات بعد توسيع وعاء الزكاة للرفع من عدد المزكين، نجد الاجتهاد في توسيع وتدقيق مصاريف الزكاة لتواكب العصر.

والزكاة تشريع لأن تنزيلها يحتاج إلى إجراءات تدبيرية واتخاذ للأسباب التي وضعها الله عز وجل في الكون، وهي شرع مرتبط ارتباطا لا فكاك له عن الإيمان بقدر الله وقضائه، مصداقا لقوله تعالى: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ”(8)

ومن الأخذ بالأسباب نجد الاجتهاد لمواكبة توسع وتعقد النشاط الاقتصادي في هذا العصر، وكذا التخطيط لإيصال الزكاة لمستحقيها حتى تبرأ الذمَّة منها، وكذا السعي لتصحيح القصد عند أداءِ الواجب، والصّبر عن معصية الآمر الواهِب.

لكن في المقابل نجد بأن الفتوى طَبَّعَت مع نحلة الغالب فعدت الخدمات البنكية وخدمات التأمين وخدمات الترفيه والفن والتسلية بدون تمييز بين المحرم والمباح، من الأموال التي تجب فيها الزكاة؛ وطَبَّعَت مع النظام الناكب عن تطبيق الشريعة، فلم لتقنين وتنظيم مؤسسة الزكاة، بل زعمت أن مصرف العاملين عليها غير وارد في زمننا الحاضر؛ وطَبَّعَت مع الفساد الراغب في الإجهاز على الطبقة المتوسطة لصالح الطبقة البورجوازية، حينما ميزت بين أجور القطاع العام والخاص، ومداخيل المهن الحرة في مجال الخدمات، فحددت للفئة الأولى الحد الأدنى للأجور لاحتساب النفقات الشخصية والعائلية، مدعية أن ترك النفقات بدون تحديد بدعوى اختلاف معايش الناس أمر لا يستقيم، لكنها عند الحديث عن نفقات التسيير للفئة الثانية تركتها بدون تحديد، وطَبَّعَت مع اقتصاد الريع حين لم تتحدث عن زكاة المعادن، و لم تفصل في زكاة الأسهم والسندات وغيرها؛ وطَبَّعَت مع الأوليغارشية الفلاحية على حساب الغالبية من الفلاحين الصغار حين جمدت على مشهور المذهب المالكي في وجوب الزكاة في فلاحة الحبوب دون غيرها من المزروعات، وجعلت زكاة هذه ضمن زكاة الأموال بشروطها، ولا يخفى عليكم البون الشاسع بين العشر أو الخمس المحدد للأغلبية، وربع العشر المحدد للأقلية النافذة، لكنها أباحت لنفسها الخروج عن مشهور المذهب في قضايا أخرى لم تطل مصالح الأوليغارشية، و طَبَّعَت مع إعطاء الأسبقية للضريبة على الزكاة مع أن لا أحد من العلماء قال بذلك، بل الإجماع على أن الضريبة الاجتماعية بأهداف محددة رخصة تلحق بإلزامية الزكاة عند الحاجة لحماية المجتمع، والدفاع عن الدولة، والتكافل بين المسلمين، وضمان حقوق الضعفاء في الرخاء والأمن الاجتماعيين، “فلا مجال إذن لإرهاق الضعفاء بالضرائب والجبايات. وليس المكس والمال المنهوب من موارد الدولة الإسلامية، ولا تفقير الناس هدفا لها”(9)، وطَبَّعَت مع تغييب العدالة الاجتماعية حين اعتمدت المؤشر الوطني للفقر الحاط من الكرامة، وجعلت الحد الأدنى للأجور مؤشرا على تلبية النفقات الضرورية، في حين جعل الإسلام هدف الزكاة إغناء المستحق لسَنَتِه، بل كفايتُه لمدة عمْره كما هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ومذهب طائفة من الفقهاء، الذين بنوْا على فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أعطى رجلا ما بين جبلين من إبل وغنم سائمة، وقول الفاروق عمر رضي الله عنه: “إذا أعطيتم فأغْنُوا”(10).

الحقيقة الثالثة: الزكاة تحتاج لإرادة التجديد والفتوى إدارة للتسديد

لتفعيل حكم وأحكام الزكاة نحتاج لرجال سامقي الهمم، متوفري الخبرة، قادرين على العطاء بلا حساب، نحتاج لعلماء عاملين، ودعاة مصلحين يرومون إبطال الواقع الموجود، وإحياء النموذج المفقود، وإيجاد البديل المنشود، وكثير من هؤلاء الرجال ولله الحمد يزخر بهم المجلس العلمي الأعلى وباقي المجالس الجهوية والمحلية، لكن مع كامل الأسف اختار من وراء فتوى الزكاة أن يبقيهم في إطار محدود لا يتجاوز الولاء والتمجيد، ولا يتعدى مهمة التبليغ والترشيد، ولا يبرح مربع تسويغ قرارات التسديد؛ “تسديد التبليغ” التي صيرت المساجد مؤممة، وأفواه العلماء مكممة، و”تسديد المدونة” والتي تروم تخريب البيوت، والآن “تسديد الديون” والتي ستعمد في المستقبل على تفريغ الجيوب للحد من ارتفاع الدينين الداخلي والخارجي، وسد عجز الصناديق، التي بذر المترفون أموالها في غير أوجهها.

تلكم بعض الحقائق التي ينبغي أن تسبق أي تقييم وتقويم لفتوى المجلس العلمي الأعلى، والتي سنعود إليه في المقال القابل.


(1) أخرجه أبو داود في سننه رقم الحديث 1582.

(2) عبد السلام ياسين، في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الصفحة 53.

(3) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه رقم الحديث 2588.

(4) عبد السلام ياسين، في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الصفحة 53.

(5) عبد السلام ياسين، وصيتي، ص 20.

(6) عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، الصفحة 222.

(7) عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، الصفحة 222.

(8) سورة الأعراف، 96.

(9) عبد السلام ياسين، في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، الصفحة 56.

(10) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم الحديث 7286، وكذا ابن أبي شيبة في مصنفه رقم الحديث 10526.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.