إذا سقط الإمام …
بقلم: رشيد الداكر
الدين: وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إيّاه إلى الصّلاح في الحال والفلاح في المآل[1]، فالدين الصحيح ليس نتاج عقول بشرية، وإنما هو وحي الله تعالى، ولهذا عندما يكون الإنسان ممارسا لهذا الدين عليه أن لا ينظر إلى تصرف غيره في تطبيق الدين، وإنما قصده مرضاة الله تعالى، سواء أصاب الناس أم أخطئوا.
لكن هذا الدين الذي هو وضع من عند الله تعالى يقينا وصدقا: إنما تلقيناه وعرفاه عن طريق المبلغ لنا أياه والذي كانت بدايته: من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جُمع فيه من الدلائل ما جعل الناس يقبلون منه ما بلغهم من الدين، والتي تجلت في:
النظر في أخلاقه: إذا قد جمعت قمم الخُلق الكريم، ويأتي على رأسها الصدق والأمانة.
النظر في دلائل نبوته: والتي هي القرآن من حيث الأصل وكذا معجزاته، فكل طالب حق كان يجد عنده ما يكون دليلا على الإيمان به وتصديقه.
النظر في غرضه من دعوته: إن من العلامات البارزة في صدق النبي صلى الله عليه وسلم، عدم تطلبه الأجر من الناس على مقابل الدعوة التي يقوم بها.
النظر في أوامره ونواهي دعوته: والتي لاتجد فيها إلى الخير، والحث عليه.
النظر في ثمار دعوته: فكل من أسلم وأعلن الانضمام إلى مسلك دعوته إلا وظهر التغير الإيجابي الكبير في فكره وسلوكه وأخلاقه.
كل هذا وغير مما قام عليه أصل النبوة، فدخل الناس في دين الله أفواجا.
ونحن في هذا الزمان قد وصلنا هذا الدين المبارك من عدة مصادر:
أولا: الأسرة: وهي أول من سمعنا منها شيء عن إسلامنا، فرأينا الوالدين مرددين لكلمات (الله، لا إله إلاالله، محمد رسول الله، الصلاة، والصوم…) ثم شاهدنا ذلك منهم تطبيقا، في الصوم والصلاة… وخاصة في شهر رمضان الذي لا تجد أسرة مسلمة تفرط فيه، وربما تجد العديد من الناس: مصدر عِلْمِه بالصلاة وكيفية أدائها ما تعلمه من الأسرة.
ويلحق بالأسرة أفراد المجتمع الذين يحيطون بنا وخاصة الأصدقاء…
ثانيا: المدرسة: سواء في صورة الكتاتيب القرآنية أو الدراسة النظامية، فلا يوجد قسم في التعليم الأساسي إلا وفيه مادة التربية الإسلامية، والتي حقيقة أخذنا منها العديد من القيم الدينية والمبادئ الإسلامية.
الإمام: وهذا هو الأصل الذي بنينا عليه تصحيح ديننا، فكم من المعلومات الدينية التي تلقيناها في الأسرة أو المدرسة، ثم قمنا بتأكيد صحتها أو كشف خطئها عند عرضها على الإمام، فمعيار الصحة والخطأ عند عامة الناس في المسائل الدينية هو الإمام.
والإمام في تصورنا يطلق على عدة أفراد:
أولا: علماء الدين وطلبته: فكيفي أن نكون على معرفة بشخص معدود في سلك العلماء، أو طلبة العلم، إلا ووجدت الناس يُقْبِلون على سؤاله، لمعرفة قول الدين فيما يريدون معرفته من القضايا: جائز أم ممنوع، حلال أم حرام…
ثانيا: الخطباء: الذين تكون مهمتهم خطبة الجمعة والتي هي المصدر الأول للناس اليوم في معرفة الدين، وذلك للحرص الكبير عليها من قبل المسلمين.
ثالثا: الوعاظ: وهؤلاء على قلتهم في المساجد لهم دور كبير جدا في دروسهم الوعظية، والتي يفوقون فيها أحيانا، أداء العلماء من جهة لغتهم المفهومة من قبل الناس.
رابعا: أئمة الصلاة: سواء كان إماما أو مؤذنا: وهؤلاء هم الأكثر احتكاكا بالناس، وقد تجد من الناس من لا يسأل غيرهم في مسائل الدين.
خامسا: أساتذة التربية الإسلامية: وهؤلاء عندما يحملون بجد مهمة التعليم الرسالي، يفوقون دور العلماء والخطباء والوعاظ … وذلك للارتباط المباشر بينهم وبين المتعلمين، فيأخذ منهم الإنسان العلم والعمل والتدين الصحيح، وذلك من خلال ما يزرعون في نفسية المتعلم: من حب المعرفة، ومنهج الاستدلال والنظر، وحب الدين، والعمل به، ونشره والدفاع عنه.
إن هؤلاء العظماء المؤثرون في فكر الناس وسلوكهم ومدى ارتباطهم بالإسلام، لن يبقى لهم أي تأثير، إذأ أُسْقطوا أو سَقطوا عن مكانتهم ودورهم.
إن الناظر اليوم في حياة الناس وعلاقتهم مع الإمام ليجد سعيا كبير في إسقاط الإمام وزحزحت دوره من حياة الناس، وإلغاء تأثيره في المجتمع.
وإن الأفكار الموجه لهذه الرغبة – أي اسقاط الإمام عن مكانته ودوره في حياة الناس – يجد لها عدة محركات، منها:
سيطرة الفكر الغربي على حياة الإنسان المعاصر: إن الفكر الغربي يحمل في طياته الكراهية الكبرى للدين، وخاصة الإسلام فهو يرآه: يشكل خطرا عليه وعلى هيمنته، فكل دين استطاع الإنسان الغربي تدجينه وإخضاعه لثقافتهم إلا الإسلام، ولهذا يقفون موقف العداء الدائم منه، ويعملون على تشويه صورته في كل المجالات: الفنية، والصحافية، والتعليمية…
سيطرة النظرة المادية على الإنسان المعاصر: وتكمن خطورة هذا الأمر في النظر المادي للجانب الديني ولرجاله، ففي الوقت الذي تجد التجافي عن العمل في المجالات الدينية لغياب الدعم المادي والأجر المناسب، تجد لدي بعض الناس النظر إلى علماء الدين، أنهم آكلون لأموال الناس بالباطل. وهذا يقلل من وجود المتفرغين للعمل الديني، ويبعد البعض عن الاقتداء بالعملين في هذا المجال.
سيطرة الضعف العلمي على العاملين في المجال الديني: يعتبر أكثر الناس تمثيلا للدين: خطباء الجمعة والوعاظ… وهؤلاء هم الواسطة العلمية مع الناس في الدين والتدين، وإذا كان هؤلاء ضعاف في الجانب المعرفي بالإسلام وبعلوم العصر: فإن هذا يضعف عملهم، ويسقطهم من تقدير الناس واحترامهم.
سيطرة فكرة المنهج الأحادي في الدعوة: إن من القضايا المهمة التي غابت عن العاملين في الصف الدعوي اليوم هو مبدأ التعاون، ليحل محله مبدأ: الصواب ما عندنا، وما عند غيرنا انحراف يجب محاربة صاحبه والعمل على إسقاطه.
هذا إذن من أهم الجوانب الفكرية الدافعة للإنسان المعاصر عن الابتعاد: عن تقدير واحترام الإمام والسعي للتعلم منه، وإن من العاملين في الميدان والذين هم نتيجة لهذه المحركات والساعين جهدهم لإسقاط الإمام سواء عن قصد أو عن غير قصد نجد:
الإعلام: يعمل الإعلام في الأوطان الإسلامية في غالبه عكس التوجه الإسلامي للشعوب، فلا تجد لهم عناية بالمكون الديني، ولا بالحياة الروحية للمسلمين… وإنما بث كل مظاهر الانحراف عن الدين والتدين.. بل تصوير الإمام بنمط معين يعمل على إسقاطه من نفوس الناس، فهو كلب الاحتلال في الأفلام التاريخية، وهو الساحر والمشعوذ في الأفلام الاجتماعية، وهو الجلاد في الأفلام التعليمية ..
التيار العلماني: إن التيار العلماني العربي هو نسخة مشهوة من التيار العلماني الغربي، وإذا كان الأول يكره الدين، فالثاني أشد كرها وحربا له، ولهذا لا تسمع منه إلا تنقصا واستهزاء بالدين وأهله، وطعنا في الإمام والسخرية منه، وتشهير أخطائه.
الإمام المنحرف: وسقوط هذا له أثر عظيم على المسلمين، فالناس عادة تنظر لرجل الدين: أنه الإنسان التقي، والورع، بل شبه معصوم من الخطأ… فإذا ما خالف الإمام هذا الأمر، وانجر إلى الانحراف: أسقط نفسه وأسقط معه غيره من الصالحين.
حركة التصنيف للدعاة: هي حركة حديثة تربط نفسها بعالم معين، وترى كل من ليس على شاكلته، يجب التحذير منه، وبالتالي العمل على إسقاطه.
أمام هذه التيارات الجارفة لمكانة الإمام فإن الواجب على المسلمين بما فيهم الإمام العمل الجاد على حماية هذه المكانة ليس لذات الإمام فحسب، بل للدين والتدين، ولأجل هذا وجب التذكير بواجبات الناس وواجبات الإمام من أجل الحماية من السقوط:
أولا: واجبات الإمام:
إن الناس في العادة لا تنظر إلى صحة الإسلام في مصدريه: القرآن والسنة، ولكن تنظر للإسلام من خلال حامله، والداعي إليه، فإن صلح الإمام صلح النظر إلى الدين، وإن فسد الإمام فسد النظر للدين. ولهذا وجب على الإمام إن يحافظ على جمال صورته في النظر الاجتماعي إليه ولتحقيق ذلك يجب الالتزام بما يأتي:
الترفع عن الظهور بمستوى الإنسان الطماع الذي همه تحصيل المال من خلال الدعوة: فالدعوة إلى الله، والعمل لهذا الدين ليس القصد منه، أن تكون غنيا من خلاله، وإنما القصد وجه الله تعالى، {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]
الاستثمار الذاتي في المجال التجاري أو غيره، حماية من النظر إلى الإمام أنه إنسان متسول، وخاصة في ظل التدني لأجرة الإمام في كثير من الدول الإسلامية.
تجويد العمل الدعوي: من خلال الاهتمام بالخطاب العقلي والبرهاني والعاطفي للناس، ومعالجة قضايا وتساؤلاتهم المعاصرة، وتطوير مهارات الخطابة والإلقاء بما يتناسب ونوعية المخاطبين، مع العمل على ربط المسلمين بأصول الإسلام ودلائل صحته ويقينه، ومصادر معرفته.
صدق التوكل على الله، والتجديد المستمر للنية في الدعوة إلى الله: فإن التوفيق من الله تعالى، فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ” إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض “[2]
ثانيا: واجبات المسلمين:
الادراك التام أن الدين ليس هو الإمام، فالدين وضع إلهي، ومصدره القرآن والسنة، والإمام مجرد ناقل لهذا الدين، وعليه إذا سقط الإمام فلا يسقط الدين، لأنه محفوظ من جهة مصدره، ولهذا يجب على الإنسان دائما أن يربط نفسه بالدين، وإن ينظر إلى الإمام: أنه إنسان مجهتد في خدمة الدين، يُصيب ويخطأ، وإن من الخطأ ما قد يُسقطه، فإذا ما كنت معجبا به فسقط إمامك، فلا يؤثرن ذلك على علاقتك بالدين.
الاستحضار الدائم لإمكانية وجود إمام غير عامل بما يقول، يدعو الناس إلى الخير ولا يفعله، وينهى الناس عن الشر ويفعله، وقد ثبت في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال النبي صلى اله عليه وسلم: ” يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه “[3] وهذا الحديث فيه تنبيه للإمام: أن لا يكون قنطرة يعبر الناس عليها إلى الجنة، ويلقى هو في النار.
الحفاظ على العلاقة الجيدة مع الإمام، والنظر إليه بعين المحبة: وذلك أنه يسير في طريق خدمة الدين، وهو حامل لكتاب الله تعالى، وكل حامل لكتاب الله وجب تبجيله واحترامه: فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط»[4]، ولكي يتم هذا ويستمر يجب الحذر من الصورة المشهوة التي يُقدم بها الإمام في الإعلام والفكر العلماني.. لأن هذا مما يُضعف محبة الإمام واحترامه والتعلم منه.
خدمة الإمام ماديا ومعنويا: في كثير من الأحيان ما يكون الإمام متفرغا للعمل في المجال الديني، وخاصة أئمة الصلوات الخمس، وأساتذة المعاهد الشرعية، وطلاب العلم، فهؤلاء بحاجة منا للدعم المادي، ليس لذات الإمام وإنما خدمة لهذا الدين، فإننا لو كفينا هؤلاء هم الدنيا، لكنا عونا لهم في زيادة العلم وخدمة الدعوة إلى الله تعالى. أما الخدمة المعنوية، فتكون بالتعلم منهم، وبحضور مجالسهم الوعظية، وبتشجعهم على الاستمرار في دعوتهم وخدمتهم لهذا الدين.
إننا إذا ما سلكنا هذا الطريق، وقام كل واحد منها بواجبه، حمينا الإمام من الاسقاط والسقوط، وحافظنا على ديننا الذي هو سبب عزتنا وفخرنا ولنتذكر جميعا تلك الكلمة الذهبية التي سجلها لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: « إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»[5]
[1] أيوب بن موسى الحسيني أبو البقاء الكفوي، الكليات، تحقيق عدنان درويش – محمد المصري، مؤسسة الرسالة، 443
[2] صحيح البخاري، باب ذكر الملائكة، رقم الحديث (3209)
[3] صحيح البخاري، باب صفة النار وأنها مخلوقة، رقم الحديث (3267)
[4] سنن أبي داود، باب في تنزيل الناس منازلهم، رقم الحديث (4843)
[5] مستدرك الحاكم، رقم الحديث (207) وهو حديث مشهور جدا