هكذا تكلم ابن سينا: في ظلال قصيدته العينية في النفس (2)
هكذا تكلم ابن سينا: في ظلال قصيدته العينية في النفس (2)/ ذ. محمد روي
هكذا تكلم ابن سينا: في ظلال قصيدته العينية في النفس (2)
بقلم: ذ. محمد روي
مقدمة
لقد قدمنا في الحلقة السابقة تعريفا لقصيدة ابن سينا في النفس؛ ولننصرف الآن إلى شرح أبياتها، وبث الظلال عليها، وسيكون البيت الأول هو المقصود، يقول أبو علي في البيت الأول من عينيته:
هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ وَرْقَاءُ ذَاتُ تعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ
أولا: معاني مفردات البيت
والتاء من قوله ‘هبطت’ يعود إلى الروح، والمخاطب هو الهيكل المحسوس المعبّر عنه بالبدن، و’المحل الأرفع’ هو عالم الأرواح، و’الورقاء’ هي حمامة يضرب لونها إلى الرماد، عبّر بها ابن سينا عن النفس الناطقة، لأن هذه الحمامة توصف بكثرة الشوق والحنين والبكاء على الإلف المهجور، ولأنها أذكى الطيور وأسرع رجوعا إلى المنزل المألوف، فكذلك النفس الناطقة، توصف بكثرة الشوق والتحنن إلى الاتصال بالمفارقات، والتلذذ بمصاحبة الأرواح والملائكة، وكذلك توصف بالبكاء على مفارقة المنزل المهجور، وصحبة الأعزة من الأحباب، و’التعزز’ من العزة بمعنى القوة والغلبة؛ لأنها تقدر على إدراك الأمور المشكلة، ولأنها غالبة على الجسم في التدبير، و’تمنعٍ’ أي ذات تمنّع عن الاطلاع على حقيقتها[1].
ثانيا: المفهوم الكلي للبيت
وبعد التوصل بمعاني مفردات هذا البيت يجدر قبل التعليق عليه الإلمام بالمعنى الكلي؛ له فالنفس “قبل اتصالها بالبدن كانت عالمة بكل شيء، فلما اتصلت بالجسم نسيت ما كانت تعلمه، والتعليم إنما هو تذكير بما كانت تعلم لا خَلْق للعلم، وبذلك كان يقول سقراط، وكان يقول: إنه استطاع أن يُعلم عبدًا له أدق نظريات الهندسة بمساعدات بسيطة، ولو كان التعليم خلقا ما استطاع ذلك، وربما أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيتهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بلَىٰ}[الأعراف:172]، والتعبير بالهبوط تعبير جميل، مما يدل على ذوق جميل، فهي خيرٌ من نزل أو سقط أو غيرهما من الكلمات التي تفيد معناهما؛ لأنها تدل على أن مهبطها دار عناء وبلاء، والورقاء الحمامة الرمادية، هذا في الأصل، ثم أطلقوها على كل حمامة، وهو يكنّي بالحمامة عن النفس، أي النفس الكلية، فهو يقول: إن النفس هبطت من المحل الأرفع إلى الحضيض الأخس الأوضع، والمراد بالمحل الأرفع عالم العقول المجردة، التي تفيض منه النفوس على الأبدان، عند استعداد البدن للفيضان”[2].
ثالثا: ماهية هبوط النفس
وعلى هذه المعاني ستدور هذه الظلال، فنقول أن هبوط النفس الإنسانية على مذهب من يقول بذلك؛ إذا جاريناهم فيه، يكون نظرنا إليها على أنها قد أتت من صقع دون رعاية ودون ائتمان، ومن ثمة ينبغي لصاحبها أن يكون قادرا على اكتساب هذه المعاني، حتى لا يتوه في هذا الوجود الصعب، فإنها على ذلك، قد نزلت فارغة دون محتوى تستطيع أن تدركه ولا غاية تتوخى الوصول إليها، ولكنها حالما تقع وتسيح في العالم الواقعي بإمكانها أن تتحلى بالعديد من المعاني.
وإذا رجعنا إلى فلاسفة اليونان القدماء نجد عندهم هذا الهبوط الخالي والفارغ للنفس؛ إذ هي التي تُحصّل وتكتسب، فـ”بحسب سقراط النفس ذاتٌ خالدة هبطت إلى الإنسان من عالم إلهي، وأنها حصّلت في هذا العالم من المعرفة ما صار بمنزلة الفطرة منها، ولم يكن هذا التحصيل في العالم الإلهي كسبا، ولا مِلكا لها كما هو شأن التحصيل في العالم الدنيوي، وإنما كان بمثابة إشهاد من الإله، إذ أُشهدت هذه الروح الخالدة ما لم تكن تعلم وبُثّ فيها ما لم يكن مبثوثا”[3].
رابعا: النفس المتخلقة والقوية
على أن كل نفس وما هي المعاني التي تكون فيها، فالعالم متغير فكذلك النفس، فارتباطها به ارتباط عضوي، فلو صادفت منحى طيّب وذا عمق لطيف فهي من الممكن أن تصبح مثل ذلك، والعكس تماما، غير أن بعض النفوس قد يستوجب إدراكها العميق لدنيا الوجود أن تتخلى عما تحلت به من المعاني الراقية وأن تخرج مما انصهرت فيه أياما، كالنفس التي خَبرت النفوس الأخرى، أو بعبارة أدق كالنفس التي توصلت بالقوانين التي يسير بها هذا العالم.
إن النفس التي تأمل في الوصول وتأمل في النجاح والفوز في هذا الوجود، والتي احتكت بالنفوس بمختلف مذاهبها الفكرية وطبائعها الموروثة؛ قد يحدث أن تستبعد بشكل ما الفضيلة والمفاهيم التي تجاورها، ولكن، هل هذا يعدّ من السقوط ومن التشيطن؟
إنه ليقال بأن لكل مجال وخُلقه الذي ينبغي التخلق به لكي يتم به المقصود للذات التي دخلت فيه من أجل الاستفادة مما جعلها تتصل به؛ إذ لا يمكن طالما أننا نعي بأن لهذا أو ذاك قوانين إذا لم نتبعها خسرنا ما كنا نرنو إليه من الوهلة الأولى عند نظرنا إلى ذاك المجال، فلو لم نتخلق بأخلاق المحيط الذي نتحرك فيه ما كنا قد توصلنا إلى ما رمناه، فعادة ما تحتم الضرورة الخروج على المألوف، وإن كانت فطرتنا وتربيتنا لا تستجيب لذلك، ولكن الوعي بالأصول المتعامل بها والأعراف قد يغير من أخلاقنا أحيانا، فالمقاصد هي التي المتحكمة في مجمل الأحوال، ولو لم نكن كذلك ما حصلنا على غايتنا.
غير أنه بالرغم من ذلك، إذا اتبعنا ما قيل في الفقرة السابقة، ولو وقع ذلك منا، كنا قد دسنا على المبادئ التي تربينا عليها، وفقدنا نخوتنا وقيمة نفوسنا، والأمرّ في هذا، هو مخالفتنا لأخلاق ديننا وأصوله التي تلزم النفس في تعاملاتها وتصرفاتها، ولكن ماذا نفعل والحالة هذه، كيف يمكن للنفس أن تتصف بأخلاق والواقع الذي تكتسب منه قوتها وتحتفي فيه بقيمتها قلما يُستطاع فيه التخلق، من المؤكد أن ذلك ليس على إطلاقه، لكن، في واقع الأمر، تقع النفس المبتدئة في هذا العائق والمحك، فتراها قادرة على التخلق ثم في أوقات أخرى تسقط في المحظور، وهكذا تدور هذه النفس في هذا الشأن.
وبهذا الصدد يقول ابن القيم في الجزء الثاني من كتابه ‘مدارج السالكين’ متحدثا عن أن للنفس دواع ثلاثة: “فإن في النفس ثلاثة دواع متجاذبة: داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان: من الكبر، والحسد، والعلو، والبغي، والشر، والأذى، والفساد، والغش، وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان، وهو داعي الشهوة، وداع يدعوها إلى أخلاق الملَك: من الإحسان، والنُّصح، والبر، والعلم، والطاعة، فحقيقة المروءة بُغض ذينك الداعيين، وإجابة الداعي الثالث، وقلة المروءة وعدمها هو الاسترسال مع ذينك الداعيين، والتوجه لدعوتهما أين كانت، فالإنسانية والمروءة والفتوة، كلها في عصيان الداعيين وإجابة الداعي الثالث”[4].
لكن، هذه النفس، والحق يقال، تصل إلى مرادها، في غالب الحالات، وتقتنص مصلحتها إذا تخلّقت كما يقال بأخلاق السوق، ومن هنا فالنفس المبتدئة شيئا فشيئا يتأكد لديها نجاعة هذا المنحى الواقعي، والحق أنها لم تستوعب بعد هذا الأمر الغريب، كيف يمكن تأويل أو قل تفسير ذلك؟ هل هذه نواميس معروفة منذ القديم؟ أم أن النفوس هي التي اعتاد عليها حتى صارت قانونا يجري به كل شيء ومن ثم يتمظهر كل شيء نافع باتباعها؟
أجل، إنه ليوجد لأحداث الأيام ولشرارة النفوس ما هو أقوى من الأخلاق ومن الإرادة، فقد تحمل الرهبة والرغبة ما لا نستطيع تصوره، إذا تعلق الأمر بالتطلعات، فقد ينبغي إذا اُريد تخطي ذلك أن يكون الاهتمام الأول هو صناعة الضمير الحي لهذه النفس، لا نقش الحروف وإبراز المعاني، فبمقدور الضمير الحي الاستفادة ونشر ما يُتلقى أكثر من إذا تم التركيز على التكرار، لا لشيء إلا لتبيان أن أمرا ما يعمل.
خامسا: النفس القوية أو حاجة النفس للقوة
مهما يكن من أمر، ففي هذا العالم، ينبغي إيلاء الأهمية الكبرى لتطوير واكتساب النفس الهائلة القوة، فلم يكن عبثا أن يشتغل المهتمون بالنفس البشرية قديما، وهم يحاولون استكناه دقائقها؛ أن يصلوا في بعض آرائهم إلى اعتبار وجودها مأزقا، بحيث أنها أهبطت إلى أفق تجتويه ولا ترتاح له، وهم في بحثهم عن خلاصها، وعن انفتاحها، لم يجدوا معنى يطمئنون إليه، سوى أنها تشتاق إلى العالم الروحاني الذي يتهيأ أنه محال خلقه في دنيا الواقع، بالرغم من إمكان ذلك في كينونة النفس، وهذا الرأي في بعض حالات النفس قد تجنح له، ولكن، لو تأملنا فيه مليا قد يصل المرء من فور تلقيه إلى الاتفاق معهم.
لكن النفس الواقعية المتخلقة مع ذلك لا تلوي على شيء وهي صائرة دون اعتبار لشي ولا لأي عارض يتراءى أو يتناهى إليها من المُشاهد والمعتاد، ولو كان الأمر متعلقا بالأعراف لما اجتمعت نصاب الروح والنفس والمادة، ولا كانت الخواطر قد تظافرت على الانتهاء إلى حقيقة تنظر إليها وتستمتع بها، وصحيح أنه توحي بعض الأحداث غير ما تتوق إليه، غير أنها متمسكة بما تظن أنه سائرة إليه، أجل قد تطفو في طريقها بعض المثبطات، ولكن لا تبالي بها ولا بغيرها، ولا بأكثر منها، ولا بأقوى منها.
ويقول نيتشه في ‘هكذا تكلم زرادشت’ معبرا عن هذه اللمحات: “إنه من الأرض كالمعنى من المبنى، فلتتجه إرادتكم إلى جعل الإنسان المتفوق معنى لهذه الأرض وروحا لها”[5]، و”إن في العبور للجهة المقابلة مخاطرة، وفي البقاء وسط الطريق خطرا، وفي الالتفات إلى الوراء وفي كل تردد وفي كل توقف خطر في خطر”[6]، و”لقد آن للإنسان أن يضع هدفا نصب عينيه، لقد آن له أن يزرع ما ينبت أسمى رغباته ما دام للأرض بقية من ذخرها، إذ سيأتي يوم ينفد هذا الذخر منها فتجدب ويمتنع على أية دوحة أن تنمو فوقها”[7].
ومن الجيد القول أن النفس قوتها تأتي من الإرادة، وموضوع الإرادة قد أولاه الفلاسفة المتقدمون كما المتأخرون اهتماما كبيرا، فالغزالي في ‘مقاصد الفلاسفة’ يرى أن “القوة المحركة لا بد لها من الإرادة، ولا تكون الإرادة إلا من الشهوة، والنزوع إما أن يكون إلى الطلب ويحتاج إليه لطلب الملائم الذي به بقاء الشخص كالغداء أو بقاء النوع كالجماع، ويسمى هذا النوع من النزوع قوة شهوانية، وإما أن يكون إلى الهرب والدفع ويحتاج إليه لدفع ما ينافي ويضاد دوام البقاء ويسمى القوة الغضبية، والخوف عبارة عن ضعف القوة الغضبية والكراهة عن ضعف القوة الشهوانية، وهما محركتان للقوة المحركة المنبثة في العضلات والأعصاب على سبيل البعث والاستحثاث على مباشرة الحركة”[8].
واضح أن الغزالي يناقش دوافع الإرادة الإنسانية، وانتهى إلى أن الإرادة هي القوة المحركة، وهما معا؛ يتولى تحريكهما ما طُبع على النفس من المطلوبات أو بتعبيره الشهوات، فإنها أكبر دافع للخلائق من أجل إشعال الدوافع التي تؤدي إلى التفكير في القوى، وبهذا يتمظهر أن القوة في النفس ضرورية من أجل بقاء النوع؛ إذا استعملت فيما لا يكون فيه الضرر بل في المصلحة والمنفعة التي لا تقوم بنفي وقهر النفس الأخرى.
سادسا: النظرة الدينية للنفس
وربما إذا نظرنا نظرة دينية، سيتبدى لنا صعوبة تقبل الآراء السابقة على إطلاقها من جوانب عديدة، يبقى أهمها المعاني الكلية التي دائما ما يحث عليها القرآن الكريم كما تحث عليها السنة النبوية، لوجود نفوس مختلفة، أهمها “النفس الصافية وهي صفة النفس لدى المقربين عند الله، وأصحاب هذه الصفة تتجلى فيهم الشفافية والنقاء والصفاء إلى درجة أن الذين يشاهدونهم يتذكرون الله تعالى، وكانت نفس محمد صلى الله عليه وسلم من هذا النوع، كما استطاع تحويل العديد من أصحاب القابليات وأصحاب الكفاءات إلى هذه المرتبة بدرجات مختلفة كل حسب قابليته واستعداده، لقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم -بعون الله- بالتربية المستمرة للنفس وتزكيتها إيصالها على أعلى هدف تستطيع النفس الإنسانية بلوغه”[9].
وربما أيضا من أصعب ما قد تواجهه النفس؛ أن تستسلم لأي شيء ينطلق منها دون موازنة عقلية، فذلك ضياعها؛ إذ يتغشاها الضنك من كل الجهات الأربع، وتكمن من ثمة الصعوبة إذا أرادت الانخراط فيما تظنه الصواب من بعد ذلك، وهكذا فالتدافع النفسي واقع ومحتوم للذات، وإذا وجدنا إنسانا ناجحا، فبيّن أنه خاض معاركا عديدة معها، لا تتراءى لغيره، ونظن أنه لم يشتغل بها إطلاقا، ووجد من العدم، ومعلوم أنه لا شيء يوجد من العدم.
فإذا رجعنا إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم وواقعه يتبدى لنا أن “التغيير الذي قاده بمنهج الله تعالى بدأ بالنفس البشرية، وصنع منها الرجال العظماء، ثم انطلق بهم ليحدث أعظم تعيير في شكل المجتمع، حيث نقل الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن التخلف إلى التقدم، وأنشأ بهم أروع حضارة عرفتها الحياة”[10].
وليس ثمة شك أن الرؤية الكليةالإسلامية للإنسانتثمن القوة والقوة النفسية خاصة، فقد تضافرت العديد من النصوص القرآنية والنبوية وأقوال الصالحين وعلماء هذا الدين على المناداة بالتحلي بها، وكمثال على ذلك، فقد “تم تأمين الجزيرة [العربية في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم] بالفعل وإن استمرت الحاجة لحمايتها، لأن طبيعة المجتمعات البشرية تحتاج إلى رؤية القوة التي تحمي الحق، وهو ما يساهم في قدرة الرسالة على البلاغ وتأمين علاقة البشرية سلميا، كما أن العدل هو نطاق الاختبار للقوة، والعدل مقصد أعظم، أي الطرق تؤدي إليه فهو مشروع بدائرة الاجتهاد الكبرى في الشريعة”[11].
مهما يكن من شيء فالنفس في بعض أوقاتها يأتيها طائف دون إذن، ودون زمن، ودون اعتبار لأي كان وما سيكون، يتصل بها لا لشيء إلا ليقول لها أنا هنا يا رفيقي، ولكنه يجد أمامه ذاتا ثابتة تخبره في الحين: ويحك، لقد حاججتك من ذي قبل، فلماذا تهاتفني الآن؟ لماذا يا هذا الخاطر تفقدني صوابي؟ ألم تعلم بأني قادر على عبور ذلك الطريق ومن ثم الوصول إلى أعلى الجبل؟ يا أيها الخاطر الذي يستطيع تدمير غيري؛ صدقا أقول لك: لن تأخذ مني أي شيء، وإن كنت أخذته عيانا فلن تستطيع أخذه من ذهني مهما كانت استدلالاتك.
والحق أن النفسالقوية والمؤمنة أو النفس اللطيفة بتعبير الغزالي هي كما شبهها أبو حامد “بملِك في مدينته ومملكته، فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها، وجوارحها وقواها بمنزلة الصناع والعملة، والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل، والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة، والغضب والحمية له كصاحب الشرطة، والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل، وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته بوزيره مستشيرا له ومعرضا عن إشارة هذا العبد الخبيث، أدبه صاحب شرطته وساسه لوزيره وجعله مؤتمرا له مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره، حتى يكون العبد مسوسا لا سائسا، ومأمورا مدبرا لا أميرا مدبرا، استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه”[12].
في نهاية هذه الظلال على البيت الأول من قصيدة ابن سينا العينية؛ يمكن الادلاء أن النفس تكتسب تميزها وقيمتها وقوتها عند صاحبها إذا تعالت على كل الشروط المنطقية التي تلزمها عليها الدائرة التي تتحرك فيها، فإن النفس الجبارة هي التي بإمكانها التطور والاستمرار في كل نطاق ووضع، ولا ينبغي أن يعزب عن البال أيضا أن هذه النفس في سيرها نحو الخلاص لولا الاضطراب التي تموج فيه لما صدق أن يطلق عليها نفس جبارة، يميزها في ذات الوقت الهدوء والسكينة والإيمان، فهي ذات تعزز وتمنع لشرفها ورفعتها ونورانيتها.
[1]انظر: نعمة الله الجزائري الشوشتري، شرح عينية ابن سينا، تحقيق: حسين على محفوظ، مطبعة الحيدري، طهران- إيران، د.ط، 1953م، ص 16-17
[2] أحمد أمين، فيض الخاطر، مرجع سابق، 9/154
[3]طه، عبد الرحمن. سؤال السيرة الفلسفية: بحث في حقيقة التفلسف الائتمانية، مركز نهوض للدراسات والبحوث، بيروت، ط1، 2023م، ص 129
[4]أبو عبد الله ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين، تحقيق: عبد الغني محمد علي الفاسي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 2009م، 2/260
[5]فردريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، دارسروفر للنشر والتوزيع، القاهرة، د.ط، د.ت، ص39
[6]المرجع نفسه، ص 41
[7]المرجع نفسه، ص 43
[8]أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة، تحقيق: عقبة زيدان، دار القبس، دمشق، ط1، 2019م، ص 317
[9] محمد فتج الله كولن، النور الخالد؛ محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، ط9، 2014م، ص 310
[10] توفيق محمد سبع، نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني، نشر: مجمع البحوث الإسلامية القاهرة، ط1، د.ت، ص 367
[11] مهنّا، الحبيل، فكر السيرة؛ قراءة ثقافية معاصرة للسيرة النبوية، دار المشرق، القاهرة، ط1، 2017م، ص 257
[12]أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، تحقيق: محمد الدالي بلطة، المكتبة العصرية، بيروت، د.ط، 2015م، 3/9