تطوير ابن جني للأصول الاستدلالية الواردة في الكتاب
تطوير ابن جني للأصول الاستدلالية الواردة في الكتاب/ الدكتورة رشيدة مصلاحي
تطوير ابن جني للأصول الاستدلالية الواردة في الكتاب
الدكتورة رشيدة مصلاحي
يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:
المبحث الأول: «وليس شيء يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجها»[1]
قال سيبويه: «اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبِّهونه بما ينصرف من الأسماء، لأنّها أسماء كما أنها أسماء، وحذفِ ما لا يحذف، يشبهونه بما قد حُذف واستعمل محذوفاً، كما قال العجَّاج:
* قَواطِناً مكةَ من وُرْقِ الحَمى *
يريد الحمَام، وكما قال خُفَاف بن نُدْبة السُّلَميّ:
كنَوَاحِ رِيشِ حَمامةٍ نَجْدِيّةٍ *** ومَسحْتِ باللِّثَتَيْنِ عَصْفَ الإثمِدِ
(…) وربَّما مدُّوا مثل مَساجد ومَنابر، فيقولون مَساجيد ومنابير، شبّهوه بما جُمع على غير واحدهِ، في الكلام، كما قال الفرزدق:
تَنْفِي يدَاها الحَصَى في كلِّ هاجرةٍ *** نَفْيَ الدَّنَانيرِ تَنقادُ الصَّياريفِ
(…) وقد يَبلغون بالمعتلّ الأصلَ، فيقولون رادِدٌ في رادّ، وضَنِنوا في ضنّوا، ومررت بجَوارِي قبلُ، قال قَعْنَبُ بن أمّ صاحب:
مَهْلاً أعاذِلَ قد جَرّبتِ من خُلُقِي *** أنّي أَجُودُ لأقوامٍ وإن ضَنِنُوا
(…) وجعلوا ما لا يَجري في الكلام إلَّا ظرفاً بمنزلة غيره من الأسماء، وذلك قول المرَّار بن سَلاَمة العِجليّ:
ولا يَنْطِقُ الفحشاء مَنْ كان منهُم *** إذا جلسوا منَّا ولا مِنْ سَوائنا
وقال الأعشى:
* وما قَصدتْ من أَهلهَا لسَوائِكا *
(…) فعلوا ذلك لأنّ معنى سَواء غيرٍ، ومعنى الكاف مثلٍ.
وليس شيء يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجها. وما يجوز في الشعر أكثر من أن أذكره لك ههنا، لأنَّ هذا موضع جُمَلٍ، وسنبيّن ذلك فيما نَستقبِلُ إن شاء الله»[2].
قال سيبويه بعد أن أعطى عدّة أمثلة على ما يجوز في الشّعر ولا يجوز في الكلام: «وليس شيء يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجها»، ولقد ورد هذا الأصل الاستدلالي في الكتاب في (باب ما يحتمل الشعر)، إذ قدّمه سيبويه على اعتباره خلاصة لكلامه حول الضّرورة الشّعرية؛ فنجده ينهي به الباب الذي خصّ به هذا الموضوع.
ونفهم من خلال استكناه مفهوم هذه العبارة أنّ الشّاعر عند سيبويه «لا يخرج عما عليه الاستعمال اللغوي للألفاظ والعبارات إلا ليبلغ بالتعبير مستوى آخر من مستويات الاستعمال الواقعة في اللغة. أي أنّ الشاعر يظلّ محدوداً بدائرة اللغة لا يتجاوزها»[3].
والملاحظُ أنّ غرض سيبويه في هذا الباب لم يكن هو تقصّي كلّ ما يتعلّق بمسألة الضّرورة الشّعرية، وإنّما تمحور قصده حول ربط هذا الباب بالأبواب السّابقة في الكتاب، والتي تطرّق فيها إلى كلام العرب، ومذهبهم في الكلام المنظوم والمنثور.
يقول أبو سعيد السيرافي (ت368هـ) في مؤلَّفه شرح كتاب سيبويه: «اعلم أن سيبويه ذكر في هذا الباب جملةً من ضرورة الشعر؛ ليري بها الفرق بين الشعر والكلام، ولم يتقصه؛ لأنه لم يكن غرضه في ذكر ضرورة الشاعر قصدًا إليها نفسها، وإنما أراد أن يصل هذا الباب، بالأبواب التي تقدمت فيما يعرض في كلام العرب ومذهبهم في الكلام المنظوم والمنثور»[4].
ونفس الأمر ردّده صاحب (النّكت) الأَعْلَم الشّنْتَمَرِيّ (ت476هـ) حين قال: «اعلم أن سيبويه ذكر في هذا الباب جملة من ضرورة الشعر ليري الفرق بين الكلام والشعر، ولم يتقصه، لأنه لم يكن غرضه القصد إلى ذلك نفسه، وإنما أراد أن يصل الباب بالأبواب التي تقدمت فيما يعرض في كلام العرب ومذهبهم في الكلام المنظوم والمنثور»[5].
ولعل هذا ما جعل سيبويه يختم الباب بذلك المبدأ الشّامل والأصل العامّ؛ إشارة منه بأنّ الكلام عن موضوعه –بالتّفصيل المُفيد- لم يكتمل بعد، وأنّه ربّما استفاض فيه في أبواب لاحقة؛ لذلك يقول محمد الصّفّار البطليّوسي (ت630هـ) مُعلّقاً على كلام سيبويه وشارحاً له في نفس الآن: «وذكر أيضا سيبويه هنا، كما ذكر باب ما يكون في اللفظ من الأعراض، وكأنه يقول: ربما يجيء في أشعارهم أمرٌ ما، فلا يعتده كاسراً للقانون، ولا يحمل الكلام عليه؛ لأن الشعر موضع اضطرارٍ (…) لأنه على وزنٍ مخصوصٍ وقوافٍ ملتزمةٍ، فيجوز فيه ما لا يجوز في غيره»[6].
والسّؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف بلور ابن جني هذا الأصل الاستدلالي الذي استعاره من كتاب سيبويه، وكيف استثمره في خصائصه، واُسْتند إليه في إدارة العديد من أفكاره، ووظّفه في إنشاء الكثير من أبوابه؟
المبحث الثاني: أبواب الخصائص التي ورد فيها الأصل السيبويهي
يورد ابن جني عبارة سيبويه: «وليس شيء يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجها» في أبواب متعدّدة، ومواضع مختلفة من الخصائص نذكر في مقدّمتها: باب (ذكر علل العربية أكلامية هي أم فقهية؟). يقول: «فأول ذلك أنا لسنا ندعي أن علل أهل العربية قي سمت العلل الكلامية البتة، بل ندعي أنها أقرب إليها من العلل الفقهية، وإذا حكمنا بديهة العقل، وترافعنا إلى طبيعة الحس، فقد وفينا الصنعة حقها، وربأنا بها أرفع مشارفها. وقد قال سيبويه: وليس شيء مما يضطرون إليه، إلا وهم يحاولون به وجها»[7].
فابن جني يستدلّ بعبارة سيبويه لكي يثبت أنّ علل النّحويين أقرب لعلل المتكلّمين وليست مطابقة لها، والسّبب –في رأيه- أنّ علل المتكلّمين يصعُب نَقْضها، أمّا علل النّحاة فمن الممكن نقضها. كما أنّ مظهر التّشابه بين العلّتين –عنده- يكمن في كون النّحويين يحتجّون بالثّقل والخفّة.
ويقرّر ابن جني عبر نصوص هذا الباب أنّ علل النّحويين ترجع إلى مقولتي الخفّة والفَرْق وهو الذي جعلها أكثر اتّصالاً بعلل المتكلّمين. يقول: «اعلم أن علل النحويين (…) أقرب إلى علل المتكلمين، منها إلى علل المتفقهين. وذلك أنهم إنما يحيلون على الحس، ويحتجّون فيه بثقل الحال أو خفّتها على النّفس؛ وليس كذلك علل الفقه. وذلك أنها إنما هي أعلام، وأمارات، لوقوع الأحكام، ووجوه الحكمة فيها خفية عنا»[8].
ويقول الإمام جلال الدين السيوطي (ت911هـ) في هذا المقام موضّحاً كلام ابن جني عن الفرق بين العلّة النّحوية والعلّة الفقهية: «وكثير منه لا يظهر فيه وجه الحكمة كالأحكام التعبدية، بخلاف النحو فإن كله أو غالبه مما تدرك علته، وتظهر حكمته. قال سيبويه: وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا. نعم قد لا يظهر فيه وجه الحكمة. قال بعضهم: إذا عجز الفقيه عن تعليل الحكم قال هذا تعبدي، وإذا عجز النحوي عنه قال هذا مسموع»[9].
فالإمام السيوطي يؤكّد أنّ علل النّحو تُدرك كلّها أو غالبها وتظْهَرُ حكمتُها، وهذا ما يميّزها عن العلل الفقهية، ويستلهم السيد إبراهيم محمد كلام السيوطي ليثبت أنّ «هذا هو المعنى الذي تمكن من عقل ابن جني، فأدار عليه نشاطه في بحث المسائل اللغوية، على خطة ألا يتناول مسألة من هذه المسائل إلا أن يردها إلى وجه من الصنعة تشتمل عليه»[10].
ومن جانب آخر يمكن القول إنّ ابن جني –وهو يستدلّ بعبارة سيبويه- لا يُلْغي علاقة النّحاة بالفقهاء، وإنّما يؤكّد أنّ هذه العلاقة دون مرتبة علاقة النّحاة بالمتكلّمين؛ لذلك يقول في سياق آخر: «واعلم أنا –مع ما شرحناه وعنينا به فأوضحناه من ترجيح علل النحو على علل الفقه، وإلحاقها بعلل الكلام- لا ندّعي أنّها تبلغ قدر علل المتكلمين، ولا عليها براهين المهندسين؛ غير أنا نقول: إن علل النحويين على ضربين: أحدهما واجب لابد منه؛ لأن النفس لا تطيق في معناه غيره. والآخر ما يمكن تحمله؛ إلا أنه على تجشم واستكراه له»[11].
ويمكن أن نُسجّل أنّ ابن جني يستلهم نفس العبارة -وليس شيء ممّا يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا- في موضع آخر من خصائصه، وذلك في (باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها)، ويتناول ابن جني في هذا الباب مسألة الخلاف حول «ما الحجازية» و»ما التميمية»؛ فيعتبر الخلافَ لقلّته ونزارته، مُحْتَقر غير مُحْتفل به يقول: «وإنما هو في شيء من الفروع يسير. فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور، فلا خلاف فيه، ولا مذهب للطاعن به (…) فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون، ويقتاسون، ولا يفرطون، ولا يخلطون. ومع هذا فليس شيء مما يختلفون فيه –على قلته وخفته- إلا له من القياس وجه يؤخذ به. ولو كانت هذه اللغة حشواً مكيلاً وحثواً مهيلاً، لكثر خلافها، وتعادت أوصافها: فجاء عنهم جر الفاعل ورفع المضاف إليه والمفعول به، والجزم بحروف النصب، والنصب بحروف الجزم؛ بل جاء عنهم الكلام سـدًى غير محصل، وغفلا من الإعراب، ولاستغنى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه، والكلـف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه»[12].
فابن جني لا يشكّ أنّ العرب قد أرادت من العلل ما نُسِب إليها، ويظهر ذلك –في رأيه- في اطّراد رفع الفاعل، ونصب المفعول، والجرّ بحروفه، والنّصب بحروفه، والتّثنية والجمع والإضافة والنّسب والتّحقير وغير ذلك ممّا يطول شرحه؛ فإن قال قائل: لعلّه شيء طُبعوا عليه من غير اعتقاد لعلّة، ولا لقصد من القُصود التي تنسبها إليهم؛ أجابه ابن جني: إنّ الله إنّما هداهم لذلك وجبلهم عليه لأنّ في طباعهم قبولاً له، ونراهم قد اجتمعوا على هذه اللّغة وتواردوا عليها[13].
ويقرّر السيوطي –في نفس المعنى- أنّ من يتأمّل علل النّحويين يُدرك أنّها «غير مدخولة ولا متسمح فيها. وأمّا ما ذهب إليه غفلة العوام من أن علل النحو تكون واهية ومتمحلة، واستدلالهم على ذلك بأنها أبداً تكون هي تابعة للوجود لا الوجود تابعاً لها، فبمعزل عن الحق (…) فنحن إذا صادفنا الصيغ المستعملة والأوضاع بحال من الأحوال، وعلمنا أنها كلها أو بعضها من وضع واضع حكيم جل وعلا، تطلبنا بها وجه الحكمة المخصصة لتلك الحال من بين أخواتها، فإذا حصلنا عليه فذلك غاية المطلوب»[14]. ولعلّ هذا ما فعله ابن جني، وهو يتتبّع علل النّحو في معظم أبواب كتابه.
ويمكن أن نستنتج أنّ ابن جني قد ناب –في كثير من الأحيان- عن سيبويه في بيان فكره؛ إذ دار تفكيره على منوال تفكيره في العديد من المسائل، وقد وظّف ابن جني عبارة سيبويه –أعلاه- في أكثر من موضع في الخصائص، ويظهر أنّه قد فهم كُنْهَ ما يريده شيخه، وزاد عليه وفَاقَه بأن توسّع في توجيه كلامه في الضّرورة الشّعرية إلى ما وراء ذلك من مسائل النحو، فهو يعلّق على كلام سيبويه قائلا: «وهذا أصل يدعو إلى البحث عن علل ما استكرهوا عليه؛ نعم ويأخذ بيدك إلى ما وراء ذلك، فتستضئ به وتستمد التنبه على الأسباب المطلوبات منه»[15].
وهذا يعني في نظر كثير من الدّارسين أنّ ابن جني يفهم الوجه في كلام سيبويه على أنّه ما يؤدّي إليه النّظر العقلي من معنى لا تختصّ به الظّاهرة اللّغوية بمفردها[16]؛ لذلك نجده يقول في (باب في زيادة الحروف وحذفها): «فنحن الآن بين أمرين: إمّا أن نرتاح لذلك ونعلله، وإما أن نتهالك فيه ونتقبله غفل الحال، ساذجا من الاعتلال. فأن يقال: إن ذلك لما ذكرناه من اقتضاء الصورة فيهما أن يكونا في الحكم تابعين لما قبلهما أولى من أن تنقض الباب فيه، ونعطي اليد عنوة به، من غير نظر له، ولا اشتمال من الصنعة عليه؛ ألا ترى إلى قوله: وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون له وجها. فإذا لم يخل مع الضرورة من وجه من القياس محاول فهم لذلك مع الفسحة في حال السعة أولى بأن يحاولوه، وأحجى بأن يناهدوه[17] فيتعللوا به ولا يهملوه»[18].
لا تعني الضّرورة –إذن- مخالفة القياس أو الخروج عليه، ولكنّها نوع من الرّجوع إلى الأصل الذي ابتعد عنه الاستعمال اللّغوي؛ لذلك يقول أبو العبّاس المبرّد (ت285هـ) في كتابه المُقْتَضب: «الضرورة ترد الأشياء إلى أصولها»[19]؛ كما يتحدّث ابن جني «عن الضرورة وقيام الشاعر بارتكابها لا للاضطرار إليها وإنما وفاء بحاجاته التعبيرية الخاصة»[20].
ونُلاحظ أنّ مسألة الضّرورة عند ابن جني وأستاذه أبي علي الفارسي؛ قد انتظمت في مقولة فكرية متميّزة، وذلك «بعد أن استقر للصنعة النحوية أصول ومقاييس انضبطت عليها مسائل اللغة»[21]. ولعلّ هذا ما جعل إبراهيم السيد يجزم بأنّ فهم ابن جني لكلام سيبويه في الضّرورة الشّعرية يعتبر فهمًا مختلفاً، إذ رآه قد «وجه كلام سيبويه توجيهاً غير الذي أراده سيبويه. على أنّ فكر سيبويه كان قد تهيّأ للمُضِي في طريق مختلف قبل أن يستلمه ابن جني، منذ اتّجه النّحويون إلى التعليل العقلي، وبناء مسائل النحو عليه. ففي كل مسألة توجيه من القياس يؤدي إليها. وعلى هذا اتّجه في عقل ابن جني قول سيبويه: وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها»[22].
ولقد ساق ابن جني عبارة سيبويه في موضع آخر من خصائصه في (باب في حمل الشيء على الشيء من غير الوجه الذي أعطى الأول الحكم) يقول: «ثم إنهم قالوا من بعد في فراء: فراوي، فشبهوا همزة فراء بهمزة كساء؛ من حيث كانت أصلا غير زائدة، كما أن همزة كساءٍ غير زائدة. وأنت لم تكن أبدلت همزة كساء في كساوي من حيث كانت غير زائدة، لكن هذه أشباه لفظية يحمل أحدها على ما قبله، تشبثا به وتصورا له. وإليه وإلى نحوه أومأ سيبويه بقوله: وليس شىء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها»[23].
ونشير هنا إلى أن ابن جني قد أقام على هذه الفكرة، وبنى على منوال هذا الأصل أغلب –إن لم نقل كلّ- أبواب الخصائص؛ لذلك نلفاه يقول: «وإنما أزيد في إيضاح هذه الفصول من هذا الكتاب لأنه موضع الغرض: فيه تقرير الأصول، وإحكام معاقدها، والتنبيه على شرف هذه اللغة وسداد مصادرها ومواردها»[24]، وعلى معنى هذا النصّ تمحورت أفكار ابن جني في العديد من مواضيع خصائصه مثل االاشتقاق الأكبر[25] الذي عرّفه بقوله: «أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحدا، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وإن تباعد شيء من ذلك عنه رد بلطف الصنعة والتأويل إليه؛ كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد»[26].
وعلى نفس المعنى أسّس ابن جني بناءه لـ(باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني). يقول مُقدّماً له: «هذا فصل من العربية حسن كثير المنفعة، قوي الدلالة على شرف هذه اللغة. وذلك أن تجد للمعنى الواحد أسماء كثيرة، فتبحث عن أصل كل اسم منها، فتجده مفضي المعنى إلى معنى صاحبه»[27].
وقد عقد ابن جني باباً آخر مضى فيه على نفس منهجيته في التفكير، وهو (باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني)، يقول: «ومن ذلك قولهم: خضم، وقضم. فالخضم لأكل الرطب؛ كالبطيخ والقثاء وما كان نحوها من المأكول الرطب. والقضم للصلب اليابس؛ نحو قضمت الدابة شعيرها، ونحو ذلك»[28].
المبحث الثالث: تصور ابن جني للضّرورة الشعرية
تبقى الضرورة الشعرية عند ابن جني يتجاذبها اعتباران مهمّان:
- اعتبار الوزن الشعري والاضطرار المفضي إلى الضّرورة.
- اعتبار الوجه الذي أومأ إليه سيبويه في باب الضّرورة الشّعرية.
وهما قولان متدافعان –في نظر السيد إبراهيم محمد- لأنّ «اعتبار الوزن الشّعري يفضي إلى القول بقصور الشّاعر وضُعف لغته. واعتبار الوجه فيها يؤدي إلى القول بحكمة الشاعر وأخذه بناصية اللغة»[29].
يقول ابن جني: «فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضّرورات على قبحها، وانخراق الأصول بها، فاعلم أن ذلك ما جشمه منه وإن دل من وجه على جوره وتعسفه، فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله وتخمطه[30]، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته. بل مثله في ذلك عندي مثل مجري الجموح بلا لجام، ووارد الحرب الضروس حاسرا من غير احتشام. فهو وإن كان ملوما في عنفه وتهالكه، فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته[31]؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر[32] في سلاحه، أو أعصم بلجام جواده، لكان أقرب إلى النجاة، وأبعد عن الملحاة[33]؛ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله، إدلالا بقوة طبعه، ودلالة على شهامة نفسه»[34].
والمُلاحظ أنّ ابن جني لا يعتبر الضّرورة مُلْزمة للشّاعر؛ إذ يعترف أنّه قد يدخل تحتها مع قدرته على تركها، ويبقى اعتبار الوزن الشّعري في الضّرورة يُفضي إلى القول بالاضطرار، والقول بالسّعة يناقض القول بالاضطرار، يقول ابن جني: «إن العرب قد تلزم الضرورة في الشعر في حالة السعة أنسا بها واعتيادا لذلك عند وقت الحاجة إليها[35]، وبذلك يظهر في كلام ابن جني معنيان متدافعان: الضّرورة والسّعة، ولعلّ هذا ما جعل السيد إبراهيم محمد يجزم بتناقض ابن جني ويصل إلى خلاصة مفادها «أن ابن جني قد أدار فكر سيبويه في الضرورة الشعرية في دائرة مختلفة، وفي هذه الدائرة انتهى نشاطه العقلي وتناوله للمباحث اللغوية جميعا»[36]. هكذا حكم السيد إبراهيم محمد على ابن جني بالتّناقض في تعاطيه للضّرورة الشّعرية.
وإذا حكم السيد إبراهيم على ابن جني بالتّناقض فإنّ محمد مشبال يُرجع هذا التّناقض الظّاهري إلى مصطلح الضّرورة ذاته، إذ لم يكن محدّد الدلالة، «ويبدو أن إطلاقه كان في الأصل خضوعا للقواعد اللغوية العامة في تناولهم للغة الشعر؛ فهم لم ينظروا إليها باعتبارها نمطا خاصا من الاستعمال، من هنا أطلقوا على الظواهر التي وجدوها مخالفة للقاعدة المطردة بأنها «ضرورة» اقتضاها الوزن، ولم يقفوا بهذا المصطلح عند الظواهر التي اضطر إليها الشعراء، وإنما أجروه حتى على الظواهر التي أوردها الشاعر بإرادته»[37].
وهكذا، يصبح القول بالاختيار والإرادة –في نظر محمد مشبال- كاشفاً لبعد آخر من الأبعاد الدّلالية لمصطلح الضّرورة في توظيف النّحاة له، ونتّفق معه حين يعتبر ابن جني من النّحاة الأوائل الذين طوّروا هذا المفهوم وبلوروا دوره في تفسير ظواهر الضّرورة، ويعني هذا أنّ ابن جني يعتبر الشّعر نسقاً لغوياً خاصّاً وحقلاً متميزاً للتّطوّع، ولعلّ هذا «ما يُنبئ عن وعيه بخصوصية لغة الشعر؛ فهو يرى أن العناية بالمعاني قد تجور على الألفاظ دون أن يعد ذلك من قبيل الغلط أو اللحن، وإنما هو ضرب من التوليد في اللغة»[38].
يقول ابن جني في هذا المعنى: «وكذلك عامة ما يجوز فيه وجهان أو أوجه، ينبغي أن يكون جميع ذلك مجوزا فيه. ولا يمنعك قوة القوي من إجازة الضعيف أيضا؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تأنيسا لك بإجازة الوجه الأضعف؛ لتصح به طريقك، ويرحب به خناقك إذا لم تجد وجها غيره، فتقول: إذا أجازوا نحو هذا ومنه بد وعنه مندوحة، فما ظنك بهم إذا لم يجدوا منه بدلا، ولا عنه معدلا؛ ألا تراهم كيف يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها؛ ليعدوها لوقت الحاجة إليها»[39].
وبهذا كلّه، يتّضح جلياً أنّ مفهوم الضّرورة في تصوّر ابن جني يساوي خصائص الشّعر نفسه؛ لأنّها تميّز لغة الشّعر عن لغة النّثر أو لغة الكلام العادي، وهي –في نظر محمد مشبال- نوعاً من التّوليد في اللّغة يوظّفها الشّاعر لإغناء اللّغة بوضعها في صورة جديدة، ولعلّ هذا التّصوّر المتميّز للضّرورة هو الذي كان وراء دفاع ابن جني عن المتنبّي الذي لم يتوان في توليد اللّغة وارتياد آفاق غير مألوفة في مجال الإبداع الشّعري.
المبحث الرابع: الضّرورة الشّعرية ومسألة الإبداع الشّعري
وإذا استبعدنا الدّلالة المعجمية للمصطلح؛ أدركنا أنّ الشّاعر يتصرّف في الألفاظ بحريّة منقطعة النّظير[40]؛ أشار إليها الخليل بن أحمد في فترة متقدّمة حين قال: «الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا. ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده من تصريف اللفظ وتعقيده ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد ويبعدون القريب ويحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل».
ويعلّق حازم القرطاجني على نصّ الخليل بقوله: «فلأجل ما أشار إليه الخليل، رحمه الله، من بعد غايات الشعراء وامتداد آمادهم في معرفة الكلام واتّساع مجالهم في جميع ذلك، يحتاج أن يحتال في تخريج كلامهم على وجوه من الصحة، فإنهم قل ما يخفى عليهم ما يظهر لغيرهم، فليسوا يقولون شيئا إلا وله وجه، فلذلك يجب تأوّل كلامهم على الصحة والتوقّف عن تخطئتهم فيما ليس يلوح له وجه»[41].
ولعلّ هذا ما جعل الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف يستدلّ -في وقت متأخّر- بالقول المشهور: «أنحى الناس من لا يلحن أحداً»، ومعنى هذا الكلام «أن كل تعبير له من أوجه العربية وجه به يستقيم، ويكون صوابا لا خطأ فيه»[42]؛ ثمّ إنّ «الشاعر وهو يتمرّد على قواعد النحو ويجانفها أحيانا عامداً أو غير عامد مبدع فيه، لأن الشعراء يستخدمون القواعد النحوية بوصفها نقطة انطلاق ينطلقون منها، يوتّرونها، ويجربون بها محاولة الحصول على أكثر الطرق فعالية وتأثيراً لقول ما يريدون»[43]، وبهذا المعنى يكون النحو –في نظر الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف- إبداعاً في كل حالة من حالات الشّاعر.
وبناء عليه، فالإبداع النحوي –كما فهمه الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف- «يربط بين «النّظام» الثّابت و»الأداء» المتغيّر، فهناك نظام أو نموذج فكري لا يتحقق ولا يظهر للواقع إلا عن طريق الاستعمال، وكلّ نموذج يمكن أن يؤدَّى به آلاف الآلاف من الجمل التي يختلف مظهرها ويتّحد نموذجها (…) وعند هذه النّقطة يختلف كل متكلّم باللّغة عن الآخر، أو قل كل «مبدع» عن الآخر، من حيث قدرته على الاختيار بين العمق الثّابت والأداء المتغيّر والعلاقة الجدلية بينهما التي تجعل من النّحو «إبداعاً»»[44].
ثمّ إنّ ممّا استلفت نظر الأستاذ محمد حماسة هو: «أنّ المشتغلين بالنّصوص في القديم والحديث ممّن لا يعدّون نحّاة بطبيعة الحال هم الذين يقدّرون النّحو حقّ قدره، وذلك لأنّهم هم الذين يعرفون بالتّجريب طاقة النّحو المُبدعة في إضاءة النص وتفسيره (…) فالنحو ليس موضوعاً يحفل به المشتغلون بالمثُل اللغوية، والذين يرون إقامة الحدود بين الصواب والخطأ، أو يرون الصواب رأياً واحداً. النحو مَشْغَلةُ الفنّانين والشعراء. والشعراء أو الفنانون هم الذين يفهمون النحو، أو هم الذين يبدعون النحو؛ فالنحو إبداع»[45].
«إن تقسيم جوانب البحث اللغوي، واختصاص كل فريق بجانب يُشغل به دون الاهتمام بغيره أو الإفادة منه مزق النصّ المدروس، وأفقد كل جانب من جوانب البحث غايته، وحصر النحو في دائرة الإعراب والبناء الضيقة المغلقة التي لا تتسع لكشف فاعلية النحو في توضيح النص وتفسيره واستخراج طاقاته»[46].
«إن الباحث في النحو العربي دائما يجد نفسه مدفوعا إلى النظر والتفتيش في كتاب سيبويه بوصفه أول أثر نحوي باق يمثل جهود المرحلة الأولى، بل يمثل نضج الفهم النحوي الراشد الذي يعنى بتمييز التراكيب وكشف خصائصها وتواؤمها مع ملابساتها. فسيبويه -كما يقول الشاطبي- «وإن تكلم في النحو، فقد نبّه في كلامه على مقاصد العرب، وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل باب ما يليق به حتى إنه احتوى على علمي المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني». ولذلك سوف يلحظ الباحث أن التأليف النحوي بعد هذا الكتاب الخطير الشأن قد انحرف عن سواء القصد بدرجات متفاوتة، وأنه كلما تقدم الزمن ازدادت زاوية الانحراف اتساعا عن الغاية الأولى»[47].
وقد تحدّث الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف على ومضة كبرى مضيئة؛ قد تَحْدُث في سبيل الاتّجاه الصحيح، ويعني بهذه الومضة الكبرى «جهدا كجهد العلاّمة عبد القاهر الجرجاني الذي لم يُخْف في مواطن كثيرة تأثره بسيبويه بحيث يصور أحيانا في تواضع العلماء أنه يقوم بدور الشارح لما قدمه سيبويه من إشارات، ولكن رياح الهمود تهب على مثل هذه الومضة المضيئة، وتحاول أن تطفئ نورها بعدم التواصل والاستمرار. وبرغم ذلك ما تزال مشعة لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، والزبد وحده هو الذي يذهب جُفاء»[48].
لقد اعتبر الأستاذ محمد حماسة الإمام عبد القاهر الجرجاني نحوياً خالصاً، له بالنّصوص بصر، وبالأساليب فقه، وبتفسيرها ولوع، وقد هدته هذه المؤهّلات المعرفية –في نظره- إلى نظريته المعروفة بنظرية «النظم»، وهي تقوم على معاني النحو؛ ثمّ إنّ الأستاذ محمد حماسة يرى أنّه ممّا يعود على دراسة العربية بالخير والجدوى أن يعود للنحو العربي وجهه المشرق. النحو الذي طبّقه سيبويه كما وصفه الشاطبي، والذي عرّفه ابن جني بأنه: «انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره»[49].
فالأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف ينفي أن تُحْصر غاية النّحو في معرفة الصّواب والخطإ وفي ضبط أواخر الكلم فحسب، ويرجع سبب الانحراف بغاية النّحو إلى هذه الزّاوية الضّيقة إلى تخلّي أبناء العربية لظروف ودواع مختلفة عن مستوى اللّغة الفصيح، بحيث لم تعد العربية الفصيحة سليقة للمتكلّمين بها.
وإذا كان تفشّي اللّحن وشياع الخطإ في ظاهرة الإعراب، وفي بعض آيات القرآن الكريم، وكانت المحافظة على النص القرآني من أن يتطرّق إلى لغته العليا لحن أو فساد من أهم الأسباب الداعية إلى نشأة النّحو العربي؛ فإنّ الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف يضيف غاية أخرى لا تقلّ عن هذه أهمية وإثارة ودفعاً للبحث، هذه الغاية هي الرغبة القويّة في معرفة أسرار التركيب القرآني، وهي بعد ذلك الرّغبة الإنسانية في تعرّف أهمّ المظاهر الإنسانية بإطلاق: اللّغة، وتمييز التّراكيب بعضها من البعض الآخر، ومعرفة خصائصها، واُكتناه أسرارها، وقد كان من حسن حظّ العربية في فترة فتوّتها النّاضجة أن ينزل بها القرآن الكريم، وأن يجد فيه العرب نموذجا عاليا من البيان للغة، وأن يكون هذا القرآن العظيم معجزا، وأن يحاولوا ما وسعتهم المحاولة أن يتعرفوا أسرار إعجازه فضلا أن يضبطوا نصه ويضعوا القواعد التي تعين على ذلك»[50].
ولا يمكن الاختلاف مع الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف؛ حين يصرّح أنّ في نحونا العربي القديم نظرات تحتاج إلى إعادة الكشف والتركيب؛ حتّى تتجلّى غاية النّحو الحقيقية «لأن بعض متأخّري النّحويين «حين قصروا النحو على أواخر الكلمات وعلى تعرف أحكامها قد ضيقوا من حدوده الواسعة، وسلكوا به طريقا منحرفا إلى غاية قاصرة، وضيعوا كثيرا من أحكام نظم الكلام وأسرار تأليف العبارة».
ويقول صاحب إحياء النحو الأستاذ إبراهيم مصطفى إنّ العودة إلى إحياء «المعنى النحوي الدلالي» يعيد للنحو العربي وظيفته التي طال افتقادها»[51]، «وإذا كان التحويليون يجعلون من النحو المستوى العميق للجملة الذي يمد الجملة بمعناها الأساسي ويحدد هذا المعنى، فإنّ هذا –وإن اختلفت طريقة العرض- هو الغاية من النّحو (…) فالغاية منه هي كشف حجب المعاني وجلوة المفهوم. غير أن النّحويين العرب لم يجعلوا النحو وحده هو الذي يمد الجملة بمعناها، وكانت نظرتهم في ذلك أكثر اتساعًا وشمولاً..»[52].
«إن التطور الذي حققته غاية النحو في العصر الحديث ليس في حقيقة أمره إلا رجوعا إلى الفطرة والنظر الصحيح، وإلا فما الذي يجعل تشومسكي المعاصر الأمريكي يلتقي مع ابن جني العربي وابن هشام المصري وغيرهما؟!»[53].
نستخلص ممّا تقدّم، أنّ الحريّة التي تميّز بها نشاط الشّاعر هي التي تؤكّد أنّ الشّعر نسق لغوي وإبداعي خاصّ؛ لهذا تصبح الضّرورة آلة من آلات اللّغة الخاصّة، وليست رخصة يجد فيها الشّاعر متنفّسه.
ومن الواضح أنّ المقصود بمصطلح الضّرورة ليس مفهوم الاضطرار المرتبط بالوزن الشّعري، ولكن يتّسع مدلولها بحيث تصبح شاملة لكلّ ما ورد في الشّعر أو كثر فيه وله نظائر في النّثر أيضا[54]. ولعلّ هذا ما دفع بابن جني إلى تناولها في غير الشّعر. «ومن هنا ألحّ ابن جني على نسقه المتميّز لتكون الضّرورة بهذا مكوّناً أصيلاً في الشّعر، سائغاً ودخيلاً في الأجناس الأخرى»[55].
يقول شوقي ضيف: «وتكثر التعليلات في كتاب سيبويه كثرة مفرطة، سواء للقواعد المطّردة أو للأمثلة الشاذّة، يقول في فواتح كتابه: «وليس شيء يضطرون (العرب) إليه إلا وهم يحاولون به وجها» فهو لا يعلل فقط لما كثر على ألسنتهم واستنبطت على أساسه القواعد، بل يعلل أيضا لما يخرج على تلك القواعد، وكأنما لا يوجد أسلوب ولا توجد قاعدة بدون علة. (…) وبذلك وسع التعليل فشمل ما هو واقع وما لم يقع»[56].
فشوقي ضيف يرى أنّ سيبويه قد ثبّت جذور التّعليل في النّحو والصّرف، «ومدّها في جميع قواعدها ومسائلها، فليس هناك شيء لا يعلّل، بل لكلّ شيء علّته يمسك بها في يمينه»[57]. فهو يتّسع وعلى ما يتّسع سيبويه بالتعّليل في النّحو وكذلك في الصّرف، وخاصّة في باب القلب والإعلال[58].
وقد كانت أكثر تعليلات سيبويه مستقاة من نفسه؛ إذ كان حاذقاً ومتقناً للعربية، وعارفاً بأسرارها، ومتمكّناً من أساليبها، يعلم أوجه العرب في كلامها، فهو يوازن بين آراء العلماء، وينتصر للرّأي الأقوى بالأدلّة، وكانت لـه شخصية قويّة في التّرجيح والتّعليل، وقد كان كتاب سيبويه معيناً ثرياً لآراء النّحاة الذين سبقوه، وكان للخليل النّصيب الأكبر فيما نقله.
ومن الطبيعي أن تكثر تعليلات الخليل في كتاب سيبويه وتتّسع، ما دام يعتقد أنّ لكلّ ما نطقت به العرب علّة مرعية؛ ثمّ إنّ من يقرأ أقوال سيبويه في الكتاب يحسّ بأنّه ليس عنده شيء لا يعلّل حتّى ما جاء شذوذاً أو اضطراراً؛ غير أنّ الخليل لم يتعصّب لعلله التي اعتلّ بها؛ بل أوضح أنّها مجرّد حدس وتخمين، ويمكن لغيره من النّحاة أن يأتوا بما يرونه مناسباً من العلل.
المبحث الخامس: «إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى»[59]
سنحاول -من خلال هذا المبحث- أن نبرز كيف كشف صاحب الخصائص عمّا تنطوي عليه بعض الاستخدامات اللغوية من أبعاد جمالية، فقد «قام النظر اللغوي والنحوي، عند ابن جني، على اعتبار اللغة نسقا إبداعيا لا يملك الشاعر إزاءه سوى الكشف عن استخراجه. وفي ذلك تكمن شجاعته، التي هي في الأصل، شجاعة هذه اللغة التي ينبغي الفقه بأسرارها»[60]. «وهو بذلك قد وضع اليد على أمرين:
أوّلهما: أنّه قد تنبّه إلى جملة من صور الاستخدام اللغوي النحوي التي لم يحفل بها علماء البلاغة، على الرّغم ممّا تحتوي عليه من طاقة بلاغية وأسلوبية تجعلها وثيقة الصّلة بطبيعة الحقل البلاغي.
الأمر الثاني: يتمثّل في أنّ وعيه بالأسرار الجمالية للاستعمالات اللغوية والنحوية، أشرف به على اعتبار اللغة نسقاً تعبيرياً جمالياً في ذاته[61].
وهكذا، يتبيّن لنا أنّ لكلّ لغة نظامها الخاصّ الذي تبني نفسها وفقه، نظام لا يخلو من بعض المباحث التي تأخذ بعداً جمالياً يُخرِج اللغة من الاستعمال العادي نحو أساليب تعبيرية فنّية أرحب؛ لذلك كلّه سنخصّص هذا المبحث لإبراز أهمّية التقديم والتأخير على اعتباره نوعاً متميّزاً من هذه الأساليب، وقد اهتم به كثير من العلماء لكونه يحقّق للغة مزيّة الفضل على باقي الاستعمالات العادية، وسنتناوله عند ثلاثة نماذج رائدة في الفكر اللغوي والبلاغي: سيبويه وابن جني وعبد القاهر الجرجاني؛ ثمّ سنحاول رصد جزء من ملامحه المتبدّية في بعض النّصوص التي سنعمد إلى استخراجها من كتب الأعلام الآنفي الذكر.
لقد تعرّض سيبويه لقضية التقديم والتأخير في كتابه عندما تحدّث عن الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعول؛ فبعد ما مثّل لهذا النّوع بقوله: ضرب عبد الله زيداً، حدّد سبب ارتفاعه في اشتغال فعل ضرب به؛ أمّا في حالة التقديم والتأخير فيجري اللّفظ كما يجري في الأوّل: ضرب زيداً عبد الله، ويكمن السّبب –في نظر سيبويه- أنّ المراد بالفاعل المؤخّر، والهدف هو إشغال الفعل بالمؤخر لفظاً، ومن ثمّ كان حدّ اللفظ أن يكون فيه مقدّماً، ويؤكّد سيبويه بأنّ مسألة تقديم المفعول وتأخير الفاعل كلام أو تركيب جيّد، ويمتاز بالكثرة والشيوع عند العرب، ولا ينسى أن يبيّن الغاية المتوخّاة من وراء مثل هذه العملية وهي أنّ العرب «إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم»[62].
ويستدرك عبد القاهر الجرجاني على قول سيبويه –ومن أتى بعده من العلماء- في مسألة التقديم والتأخير؛ فهو يرى أنّه «لا يكفي أن يقال قُدِّم للعناية ولأن ذكره أهم»، ففي نظره يجب ذكر من أين كانت تلك العناية؟ وبم كان أهم؟ لأنّ من يجهل ذلك –في نظر الإمام الجرجاني- يُصغِّر أمر التقديم والتأخير، ويُهوِّن الخطب فيه، ويرى تتبّعه والنّظر فيه ضرباً من التكلّف، وبذلك تكون النتيجة متمثّلة في الأمور الآتية: الابتعاد عن معرفة البلاغة، وجهل مقاديرها، والزّوغان عن الجهة التي هي فيها والشقّ الذي يحويها.
لذلك كله فعبد القاهر الجرجاني يعتبر أمر التقديم والتأخير مدخلاً من أكثر المداخل وأعجبها؛ منه تدخل الآفة على النّاس في شأن العلم، وبه يبلغ الشيطان مراده منهم في الصدّ عن طلبه وإحراز فضيلته، وهكذا فمعرفة من أين كانت عناية العرب بمسألة التقديم والتأخير؟ وبم كانت أهم؟ تُوصِل –في رأي الإمام الجرجاني- إلى معرفة الوُجوه والفُروق، وتعرّف من أين كان نظم أشرف من نظم، وتبيّن بم يعظم التّفاوت ويشتدّ التّباين؛ حتّى يتمّ الوُصول إلى معرفة سبب ترقّي الأمر إلى الإعجاز إلى أن يقهر أعناق الجبابرة؛ فههنا أمور أخر يحيل في المزيّة عليها، ويجعل الإعجاز كائنا بها[63].
يقول أبو سعيد السيرافي (ت328هـ) في تفسير عبارة سيبويه: «وقوله: «كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم». معنى ذلك أنه قد تكون أغراض الناس في فعلٍ ما أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه به، كمثل ما يريده الناس من قتل خارجي مفسد في الأرض، ولا يبالون من قتله، فإذا قتله زيد فأراد مخبر أن يخبر بذلك قدم الخارجي في اللفظ؛ لأن القلوب متوقعة لما يقع به من أجله، لا من أجل قتله، فتقول: «قتل الخارجي زيدٌ». وإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أن يقتل أحداً، فقتل رجلاً، فأراد المخبر أن يخبر بهذا المستبعد من هذا القاتل، كان تقديم القاتل في اللفظ أهم؛ لأن الغرض أن يعلم أنه قتل إنسانًا، فيقال: «قتل زيدٌ رجلاً». وهذا الكلام إنما هو على قدر عناية المتكلم، وعلى ما ينسج له وقت كلامه وربما فعل هذا لطلب سجع أو قافية أو كلام مطابق، ولأغراض شتى اكتفاءً بدلالة اللفظ عليه»[64].
والمُلاحظُ أنّ الإمام عبد القاهر يستلهم تفسير السيرافي لعبارة سيبويه ويتمثّل بعض توضيحاته، فهو يصرّح في مرحلة لاحقة من دلائله بأنّ النحويين الذين تطرّقوا لقضية التقديم والتأخير قبله لم يعتمدوا شيئاً يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام؛ فحين أطلق سيبويه عبارته «كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنيانهم» لم يذكر لذلك مثالا؛ لذلك أخذ تفسير النحويين لقول سيبويه شقين متميزين:
الأول: قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه. مثاله: وقوع القتل بالخارجي المفسد، إذ يكون هو ما يعني ويهم الناس. «فإذا قتل، وأراد مريدٌ الإخبار بذلك، فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول: «قتل الخارجي زيدٌ» ولا يقول: «قتل زيدٌ الخارجي»، لأنه يعلم أن ليس للناس أن يعلموا أن القاتل له «زيدٌ» جدوى وفائدة».
الثاني: قد يكون ما يعني الناس ويهمهم من شأن الفعل، طرافته وموضع الندرة فيه، وبعده كان من الظن. من حيث كان واقعاً من الذي وقع منه. مثاله: إن كان رجلٌ ليس له بأس ولا يقدر فيه أنه يقتل، فقتل رجلاً، وأراد المخبر أن يخبر بذلك، فإنه يقدم ذكر القاتل، فيقول: قتل زيدٌ رجلاً.
يُعلّق الإمام عبد القاهر الجرجاني على هذا التفسير بقوله: «فهذا جيدٌ بالغٌ، إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير»[65].
ويقول الأعلم الشنتمري (ت476هـ) في كتابه النكت: «اعلم أن قولهم: «ضرب زيداً عبد الله»، جار على غير الرتبة. وذلك أن حكم الفاعل: التقديم، لافتقار الفعل إليه. ولكنهم قدموا المفعول لدلالة الإعراب عليه فاكتسبوا بتقديمه ضرباً من التوسّع في الكلام لأن في كلامهم الشعر المقفّى والكلام المسجّع. وربما اتفق أن يكون السّجع في الفاعل فيؤخرونه لذلك»[66]. ويقول في باب التقديم والتأخير: «اعلم أن الشاعر ربما يضطر حتى يضع الكلام في غير موضعه الذي ينبغي أن يوضع فيه، ويزيله عن قصده الذي لا يحسن في الكلام غيره، ويعكس الإعراب، فيجعل المفعول فاعلا، والفاعل مفعولا، وأكثر ذلك في ما لا يشكل معناه»[67].
أما الصّفّار البطليّوسي (ت630هـ): فيتناول عبارة سيبويه بطريقة متميزة حين يقول: «وقوله: (وهو عربي) يعني تقديم المفعول، ثم قال: (كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى) هذا مما خالفنا فيه أبو الحسن ابن الطراوة، لأن سيبويه رحمه الله وجه تقديم المفعول بأنهم اعتنوا به، قال ابن الطراوة: لو اعتني به لم يقدم عليه الفعل، بل كان يكون صدراً، وأما أن يتقدمه غيره، فليس في ذلك الموضع معتنى به، وهذا الذي قال، كما ترى، فإن الاعتناء يكون على مراتب، فإذا كان مخاطبك يتشوف إلى من وقع به الضرب، ولا يبالي بأكثر من ذلك كان حد الكلام ما زعم هذا الرجل، وإذا كان متشوفا إلى أن يسمع ضرباً، ثم بمن وقع؟ ولا يبالي من أوقعه، فهنا ينبغي تقديم الفعل لأنه اعتني به أكثر، فالمفعول إذا توسط فهو معتنى به من هذا الطريق، وأما التقديم فباطل؛ لأن ذلك إنما يكون على حسب المواضع، فهذا الذي قال ليس بشيء»[68].
ويمكن القول إنّ عبارة سيبويه قد جرت مجرى الأصل في بابها عند من أتى بعد سيبويه من العلماء، وفي مقدّمتهم ابن جني، وقد اعتمدها هذا الأخير في توليد أصل معتبر في العربية؛ وقد تمّ له ذلك دون أن يصرّح بعبارة سيبويه أو يشير إليها. يقول: «فكذلك أيضا يصير تقديم المفعول لما استمرّ وكثر كأنّه هو الأصل، وتأخير الفاعل كأنّه أيضا هو الأصل»[69] ثم يضيف قائلاً: «المفعول قد شاع عنهم واطّرد من مذاهبهم كثرة تقدمه على الفاعل، حتى دعا ذاك أبا علي إلى أن قال: إن تقدّم المفعول على الفاعل قسم قائم برأسه، كما أن تقدم الفاعل قسم أيضا قائم برأسه، وإن كان تقديم الفاعل أكثر، وقد جاء به الاستعمال مجيئا واسعا؛ نحو قوله عز وجل: «إنما يخشى الله من عباده العلماء»[70] وقول ذي الرمة:
أستحدث الركب من أشياعهم خبرا *** أم عاود القلب من أطرابه طرب»[71].
ويذكر عبد القاهر الجرجاني بياناً متفرّداً في قوله عز وجل: «إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء»؛ فابن جني يورد الآية كشاهد معتبر على تمكّن الفروع عند العرب تمكّن الأصول؛ بينما يتناولها الإمام عبد القاهر الجرجاني في باب القصر والاختصاص وينبّهنا في مستهلّه إلى أنّ ههنا كلام ينبغي أن نعلمه يقول: «قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، في تقديم اسم الله عز وجل معنًى خلاف ما يكون لو أخر»[72]. فـ»تقديم اسم الله تعالى إنما كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشون من هم، ويخبر بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم. ولو أخر ذكر اسم الله وقدم «العلماء» فقيل: «إنما يخشى العلماء الله»، لصار المعنى على ضد ما هو عليه الآن، ولصار الغرض بيان المخشي من هو، والإخبار بأنه الله تعالى دون غيره، ولم يجب حينئذ أن تكون الخشية من الله مقصورةً على العلماء، وأن يكونوا مخصوصين بها كما هو الغرض في الآية، بل كان يكون المعنى أن غير العلماء يخشون الله تعالى أيضاً، إلا أنهم مع خشيتهم الله تعالى يخشون معه غيره، والعلماء لا يخشون غير الله تعالى. وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى: (ولا يخشون أحداً إلا الله)[73]، فليس الغرض في الآية، ولا اللفظ بمحتملٍ له البتة. ومن أجاز حملها عليه، كان قد أبطل فائدة التقديم، وسوى بين قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وبين أن يقال: (إنما يخشى العلماء الله)، وإذا سوى بينهما، لزمه أن يسوي بين قولنا: «ما ضرب زيداً إلا عمروٌ» وبين «ما ضرب عمروٌ إلا زيداً»، وذلك ما لا شبهة في امتناعه»[74].
يقول ابن جني في (باب في نقض العادة): «إنّ العرب لمَّا قوِى في أنفسها أمرُ المفعول حتى كاد يَلحق عندها برتبة الفاعل، وحتى قال سيبويه[75] فيهما: »وإن كانا جميعاً يُهمّانهم ويَعنيانهم» خصّوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة: أحدهما تغيير صورة المثال مسنَداً إلى المفعول، عن صورته مسنداً إلى الفاعل، والعِدّة واحدة، وذلك نحو ضَرَب زيد وضُرب، وَقَتل وقُتِل، وأَكرم وأُكرم، ودحرج ودُحرِج. والآخر أنهم لم يرضَوا ولم يقنعوا بهذا القَدْر من التغيير حتى تجاوزوه إلى أن غيروا عدّة الحروف مع ضمّ أوّله، كما غيَّروا في الأوّل الصورة والصيغة وحدها. وذلك نحو قولهم: أحببته وحُبّ، وأزكمه الله وزُكم، وأضأده الله وضُئد، وأملأه الله وملئ. قال أبو علي: فهذا يدلّك على تمكّن المفعول عندهم، وتقدّم حاله في أنفسهم؛ إذ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالِفة لصيغته وهو للفاعل»[76].
ويقول ابن جني في (باب نقض المراتب إذا عرض هناك عارض): «والأمر في كثرة تقديم المفعول على الفاعل في القرآن وفصيح الكلام متعالم غير مستنكر فلما كثر وشاع تقديم المفعول على الفاعل كان الموضع له، حتى إنه إذا أخر فموضعه التقديم (…) ولا تستنكر هذا الذي صورته لك ولا يجف عليك؛ فإنه مما تقبله هذه اللغة ولا تعافه ولا تتبشعه؛ ألا ترى أن سيبويه أجاز في جر (الوجه) من قولك: هذا الحسن الوجه أن يكون من موضعين: أحدهما بإضافة الحسن إليه، والآخر تشبيه له بالضارب الرجل، هذا مع أنا قد أحطنا علما بأن الجر في (الرجل) من قولك: هذا الضارب الرجل إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إياه بالحسن الوجه، لكن لما اطرد الجر في نحو هذا الضارب الرجل، والشاتم الغلام، صار كأنه أصل في بابه، حتى دعا ذاك سيبويه إلى أن عاد (فشبه الحسن الوجه) بالضارب الرجل، من الجهة التي إنما صحت للضارب الرجل تشبيها بالحسن الوجه وهذا يدلك على تمكن الفروع عندهم، حتى إن أصولها التي أعطتها حكما من أحكامها قد حارت فاستعادت من فروعها ما كانت هي أدته إليها، وجعلته عطية منها لها، فكذلك أيضا يصير تقديم المفعول لما استمر وكثر كأنه هو الأصل، وتأخير الفاعل كأنه أيضا هو الأصل»[77].
ومما تجب الإشارة إليه أنّ ابن جني قد أفرد لمسألة التقديم والتأخير فصلاً في باب شجاعة العربية، وحدّد وجوهها في كلام العرب، وقسّمها إلى ضربين: أحدهما ما يقبله القياس، والآخر ما يسهّله الاضطرار.
أما عبد القاهر الجرجاني فيقرّر أنّه «من الخطأ أن يقسّم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين»، وقد أرجع السّبب إلى أنّه من البعيد أن يكون في جملة النّظم ما يدلّ تارة ولا يدلّ أخرى. فعلى الرّغم من أنّ أمر التّقديم والتّأخير قد قُسّم إلى قسمين متميزين من طرف العلماء قبله: مفيد وغير مفيد[78] -وعُلّل «تارة بالعناية، وأخرى بأنه توسعةٌ على الشاعر أو الكاتب، حتى تطرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه»- فقد أكّد الجرجاني أنّه متى ثبت في تقديم المفعول مثلاً على الفعل في كثير من الكلام، أنّه قد اُخْتصّ بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضيةً في كل شيء وكل حال.
والمُلاحظُ من خلال استكناه معنى هذا النصّ أنّ الإمام عبد القاهر الجرجاني يحاول أن يضع أصلاً مُبتكراً يُعتمد عليه في مسألة التقديم والتأخير؛ فهو يرى أنّ من يجهل أمر التقديم والتأخير «يكون كمن لا يبني الشيء على أصله، ولا يأخذه من مأخذه». وبذلك «يقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى عاره، وتشنع آثاره». وتكون النّتيجة أن «يبتعد عن البيان، ويفقد حسّ التدبّر، ويخون عقله ودينه، ويغلق دونه باب المعرفة، ويُمنع البلاغة». وهذه الأمور جميعها تُفضي بصاحبها –في نظر الإمام الجرجاني- إلى التّحريف والتّبديل، وتؤدّي إلى الخطإ في التأويل[79].
فعبد القاهر الجرجاني يربط أمر التقديم والتأخير بغرض المتكلّم، ويرى أنّ تقديم الشّيء يكون على وجهين:
الأوّل: تقديم على نية التأخير، وهو تقديم مع الإقرار بالحكم والجنس الذي كان عليه المقدّم. مثاله: «منطلقٌ زيدٌ»؛ فتقديم الخبر على المبتدأ لم يخرج عن كونه خبر وأنه مرفوعٌ بذلك، وتقديم المفعول على الفاعل في «ضرب عمراً زيدٌ» لم يخرج عن كونه مفعول وأنه منصوب لذلك.
الثاني: تقديم لا على نية التأخير، وهو أن تنقل الشيء عن حكمه، وتجعل له باباً غير بابه وإعراباً غير إعرابه. مثاله: «زيدٌ المنطلق»؛ لم يقدّم زيد لكي يبقى على حكمه، بل تحول من كونه خبر إلى مبتدأ. و»المنطلق زيدٌ»؛ تأخير زيد أخرجه من المبتدأ إلى الخبر. ثمّ إنّ «ضربت زيداً» و»زيداً ضربته»؛ لم يقدّم زيد على أن يكون مفعولاً منصوباً كما كان، ولكن على أن يرفع بالابتداء، ويشغل الفعل بضميره وجعله في موضع الخبر له.
إنّ لأمر التقديم والتأخير بجميع تجلّياته ومسائله أهمّية كبيرة عند الإمام عبد القاهر الجرجاني فهو «بابٌ كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية»؛ يكمن دوره في الكلام بصفة عامّة في كونه «لا يزال يفتر لك عن بديعةٍ، ويفضي بك إلى لطيفة»؛ أمّا إذا قدّم شيء في الشّعر، وحوّل اللفظ عن مكان إلى مكان؛ فيكون من نتائج ذلك أن «يروقك مسمعه، ويلطف لديك موقعه»[80].
باب التقديم والتأخير –إذن- «من الأبواب التي تظهر بها مزيَّة الكلام، ويعلو بها أسلوب على أسلوب، ويبدو بها إعجاز القرآن (…) ولذا رأى الإمام عبد القاهر أنّه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدِّم في موضع من الكلام أن يعرف السرّ في تقديمه، ويفسّر وجه العناية به»[81].
ويظهر لنا من خلال ما قدّمناه في هذا المبحث أنّ التفكير البلاغي العربي؛ قد ارتبط بأصول النحو، «غير أن الذي نروم التنبيه عليه، هو أن البلاغة التي نتحدث عنها، نمط من التفكير نما في أحظان النحو في صورته الأولى عندما كان موصولا بالبحث في خصائص العربية. هكذا كان لنظر ابن جني في جملة من المقومات الصوتية والصرفية والتركيبية، أن أفضى به إلى الكشف عما تحمله من إمكانات أسلوبية تمثل خصائص هذه اللغة في التعبير البلاغي والجمالي. وبناء عليه، لم يكن ما انتهت إليه بلاغة الشّعر من مقوّمات سوى امتداد للتفكير في الخصائص الجمالية للغة العربية»[82].
ولعلّ هذا ما جعل عبد القاهر الجرجاني يقول في مدخل دلائله: «هذا كلام وجيزٌ يطلع به الناظر على أصول النحو جملةً، وكل ما به يكون النظم دفعةً، وينظر في مرآةٍ تريه الأشياء المتباعدة الأمكنة قد اُلتقت له حتى رآها في مكانٍ واحدٍ»[83]. ويقول في بعض أبياته[84]:
فما لنظـم كلامٍ أنت ناظمه *** معنىً سوى حكم إعرابٍ تزجـيـه
وقد علمنا بأن النظم ليس سوى *** حكمٍ من النحو نمضي في توخـيه
فالنظم عند الإمام عبد القاهر الجرجاني هو توخّي معاني النحو، ويفسره بقوله: «اعلم أن ليس «النَّظْمُ» إلا أن تضع كلامك الوضعَ الذي يقتضيه «علم النحو» وتعملَ على قوانينه وأُصوله، وتعرف مَناهجه التي نُهِجَتْ فلا تزيغ عنها، وتحفَظَ الرسومَ التي رُسِمت لك، فلا تُخِلُّ بشيء منها»[85].
هكذا درس النحاة واللغويون العرب كثيراً من الظواهر اللغوية مثل: التقديم والتأخير والزيادة والحذف وغيرهما دراسة تربط بين فكر المتكلم وكلامه، وإذا كانت بعض الاتّجاهات في علم اللغة الحديث ترفض مثل هذا الرّبط فإنّ ذلك لا يعدو أن يكون رأياً يمكن دحضه؛ خصوصاً من طرف رائد المدرسة التوليدية العالم الأمريكي (نوام تشومسكي) الذي ربط بين الواقع اللغوي والفكر الإنساني في نماذجه اللّسانية المتميّزة.
و»لقد كانت أساليب القدماء تربط بين التركيب اللغوي والواقع الفكري؛ أو قل: تجعل نُظُم اللغة الخارجية مطابقة لترتيب الأفكار في ذهن المتكلم»، وهو قانون من القوانين الأساسية للعربية؛ فالتركيب اللغوي –كما هو معروف- علاقات معنوية ذات تأثير لفظي، وهذا موجود في العربية وفي غيرها من اللغات[86].
[1] – الكتاب: 1/32.
[2] – انظر النص كاملا في الكتاب: 1/26-32.
[3] – السيد إبراهيم محمد: الضرورة الشعرية: دراسة أسلوبية، دار الأندلس-بيروت، الطبعة الثالثة: 1983م، ص: 13.
[4] – أبو سعيد السيرافي: شرح كتاب سيبويه، تحقيق: أحمد حسن مهدلي وعلي سيد علي، دار الكتب العلمية-بيروت، الطبعة الأولى: 1429هـ-2008م، المجلد الأول، ص: 188.
[5] – أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى الأعلم الشنتمري: النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه، دراسة وتحقيق: الأستاذ رشيد بلحبيب، المملكة المغربية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، طبع بأمر من صاحب الجلالة الملك محمد السادس: 1420هـ-1999م، الجزء الأول، ص: 205.
[6] – الفقيه الإمام النحوي أبو الفضل قاسم بن علي بن محمد الصفار البطليوسي: السفر الأول من شرح كتاب سيبويه، تحقيق: الدكتور معيض بن مساعد العوفي، دار المدائن-المدينة النبوية، الطبعة الأولى: 1419هـ-1998م، الجزء الأول، ص: 396.
[7] – الخصائص: 1/53.
[8] – الخصائص: 1/48.
[9] – الإقتراح في علم أصول النحو، مرجع سابق، ص:70.
[10] – الضرورة الشعرية، مرجع سابق، ص: 54.
[11] – الخصائص: 1/87- 88.
[12] – الخصائص: 1/244.
[13] – الإقتراح، ص: 70-71، بتصرف.
[14] – الإقتراح، ص: 70.
[15] – الخصائص: 35-54.
[16] – انظر كتاب الضرورة الشعرية للسيد إبراهيم محمد، ص: 53.
[17] – يناهدوه: يناهضوه ويقصدوه.
[18] – الخصائص: 2/295.
[19] – أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كتاب المقتضب، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية-القاهرة، الطبعة الثانية: 1399هـ-1997م، الجزء الأول، ص: 250.
[20] – انظر الخصائص: 1/323، 327، 2/392، 393، 3/60، 61، 62، 392، 393.
[21] – الضرورة الشعرية، مرجع سابق، ص: 29.
[22] – الضرورة الشعرية، ص: 53.
[23] – الخصائص: 1/214.
[24] – انظر النص كاملا في المبحث الثاني من الفصل الأول، وانظر الخصائص: 1/77.
[25] – انظر تقديم (باب الاشتقاق الأكبر- في المبحث الثالث من الفصل الأول من هذا البحث.
[26] – الخصائص: 2/134.
[27] – الخصائص: 2/113.
[28] – الخصائص: 2/157.
[29] – الضرورة الشعرية، ص: 57.
[30] – تخمطه: يقال تخمط الفحل: هدر وثار. وتخمط: تكبر.
[31] – أي دخل في سلاحه وتغطى به واستتر.
[32] – تكفر: اعتصم والاعتصام والإعصام بمعنى واحد.
[33] – الملحاة: اللوم، وهو مفعلة من لحوت العود إذا قشرته.
[34] – الخصائص: 2/392.
[35] – الخصائص: 3/303-304.
[36] – الضرورة الشعرية، ص: 59.
[37] – البلاغة والأصول، ص: 178.
[38] – البلاغة والأصول، ص: 179.
[39] – الخصائص: 3/60-61.
[40] – البلاغة والأصول، ص: 180، بتصرف.
[41] – ورد سياق النص في «المنهاج» كالآتي: يقول حازم القرطاجني (ت684هـ-: «وكلما أمكن حمل بعض كلام هذه الحلبة المجلية من الشعراء على وجه من الصحة كان ذلك أولى من حمله على الإحالة والاختلال لأنهم من ثبت ثقوب أذهانهم وذكاء أفكارهم واستبحارهم في علوم اللسان وبلوغهم من المعرفة به الغاية القصوى. وقد قال الخليل بن أحمد: «الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا. ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده من تصريف اللفظ وتعقيده ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد ويبعدون القريب ويحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل». فلأجل ما أشار إليه الخليل، رحمه الله، من بعد غايات الشعراء وامتداد آمادهم في معرفة الكلام واتساع مجالهم في جميع ذلك، يحتاج أن يحتال في تخريج كلامهم على وجوه من الصحة، فإنهم قل ما يخفى عليهم ما يظهر لغيرهم، فليسوا يقولون شيئا إلا وله وجه، فلذلك يجب تأول كلامهم على الصحة والتوقف عن تخطئتهم فيما ليس يلوح له وجه. وليس ينبغي أن يعترض عليهم في أقاويلهم إلا من تزاحم رتبته في حسن تأليف الكلام وإبداع النظام رتبهم. فإنما يكون مقدار فضل التأليف على قدر فضل الطبع والمعرفة بالكلام. وليس كل من يدعي المعرفة باللسان عارفا به في الحقيقة. فإن العارف بالأعراض اللاحقة للكلام التي ليست مقصودة فيه من حيث يحتاج إلى تحسين مسموعه أو مفهومه ليس له معرفة بالكلام البتة وإنما يعرفه العلماء بكل ما هو مقصود فيه من جهة لفظ أو معنى. وهؤلاء هم البلغاء الذين لا معرج لأرباب البصائر في إدراك حقائق الكلام إلا على ما أصلوه. فمن جعل ذلك دليله هدي سبيله، ومن اعتمده أحمده». انظر كتاب «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» لأبي الحسن حازم القرطاجني، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي-بيروت، الطبعة الثالثة: 1986م، ص: 143-144.
[42] – محمد حماسة عبد اللطيف: «النحو والدلالة»، مرجع سابق، ص: 27.
[43] – النحو والدلالة، ص: 28.
[44] – النحو والدلالة، ص: 28-29.
[45] – انظر كتاب «النحو والدلالة» لمحمد حماسة عبد اللطيف، مرجع سابق، ص: 7، 28.
[46] – النحو والدلالة، ص: 27.
[47] – النحو والدلالة، ص: 26.
[48] – النحو والدلالة، ص: 26-28.
[49] – انظر الخصائص: 1/34.
[50] – النحو والدلالة، ص: 26.
[51] – النحو والدلالة، ص: 34.
[52] – النحو والدلالة، ص: 35.
[53] – النحو والدلالة، ص: 31. لقد أشار الأستاذ محمد حماسة عبد اللطيف في هامش هذه الصفحة من كتابه إلى المقارنة التي عقدها الدكتور نهاد الموسى بين أصول النحو العربي وأصول نظرية التحويل والتفريع، وقد اشتملت المقارنة على مفهوم النحو، والسليقة، وما ينحصر وما لا ينحصر، والأصول والفروع، والبرّاني (السطحي- والجواني (العميق-، من صفحة 45 إلى صفحة 79 من كتابه «نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت 1980-. وقد لاحظ الأستاذ محمد حماسة أن في كثير من هذه المقارنات تعسّف. ومما آخذ به الدكتور نهاد الموسى أنه حاول من خلال هذه المقارنات أن يقول إن النحو العربي فيه كل شيء، فكل الصيد في جوف النحو العربي. ولا يعفيه من ذلك –في نظر الأستاذ عبد اللطيف- ما بينه في «المقدمات والمسوغات» من أن هذه التشابهات مجرد اتفاق مبعثه النظر الصحيح.
[54] – البلاغة والأصول، ص: 180-181.
[55] – البلاغة والأصول، ص: 181 .
[56] – المدارس النحوية، ص: 82-83.
[57] – المدارس النحوية، ص: 86.
[58] – المدارس النحوية، ص: 87.
[59] – الكتاب: 1/34.
[60] – البلاغة والأصول، ص: 104.
[61] – البلاغة والأصول، ص: 104-105.
[62] – الكتاب: 1/34.
[63] – عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، مرجع سابق، ص: 109.
[64] – أبو سعيد السيرافي: شرح كتاب سيبويه، مرجع سابق، 1/263-264.
[65] – الدلائل، ص: 107-108.
[66] – الأعلم الشنتمري: النكت، مرجع سابق، 1/246.
[67] – النكت: 1/228.
[68] – النكت: 1/640-641.
[69] – الخصائص: 1/297-298.
[70] – [فاطر/28].
[71] – الخصائص: 1/295.
[72] – الدلائل، ص: 338.
[73] – [الأحزاب/39].
[74] – الدلائل، ص: 338-339.
[75] – انظر الكتاب: 1/15.
[76] – الخصائص: 2/218.
[77] – الخصائص: 1/297-298.
[78] – هو التصرّف في اللفظ من غير المعنى.
[79] – الدلائل، ص: 110.
[80] – الدلائل، ص: 106-107.
[81] – أحمد أحمد بدوي: عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربيّة، سلسلة أعلام العرب، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، الطبعة الثانية بدون تاريخ، ص: 139-140.
[82] – البلاغة والأصول، ص: 105.
[83] – الدلائل، ص: 3.
[84] – الدلائل، ص:10.
[85] – الدلائل، ص: 80.
[86] – انظر كتاب أصول النحو لخير الدين الحلواني، مرجع سابق، ص: 8-9.