كم أشتاقُ يا أبي…(قصيدة)
كم أشتاقُ يا أبي…(قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
كم أشتاقُ يا أبي…(قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
كم أشتاقُ يا أبي والليلُ يحرسني
كأنّهُ شاهدٌ في الحزنِ لم يَغِبِ
كم أشتاقُ يا أبي والنارُ في كبدي
لا تنطفئ، بل تزيدُ الوجدَ في تعبي
كم أشتاقُ يا أبي، يا صلابةً وقفتْ
في وجهِ ريحِ المنايا دونما هربِ
يا من إذا اشتدَّ غضبُ الحقِّ في دمِهِ
قامتْ لهُ الهيبُ، وانصاعتْ لهُ الرُّتبِ
كانتْ عصبيّتُكَ الكبرى مواقفَنا
حصنًا، إذا ضاقَ دربُ الخوفِ والكربِ
تغضبُ… لكنْ لأجلِ الحقِّ تعرفُهُ
لا ظلمَ فيكَ، ولا عدوانَ مُغتصبِ
وإن هَدَأتَ، فكم في قلبِكَ اتّسعتْ
أنهارُ حُبٍّ، وكم أرويتَ من تعبِ
يا أحنَّ الناسِ، كم ضمّتْكَ أذرعُنا
فكنتَ للروحِ دفئًا غيرَ مُحتسبِ
تمسحُ الدمعَ عن عيني بلا سببٍ
إلا لأنّكَ كنتَ الأبَ الأقربِ
يا من جمعتَ صراماتِ الرجالِ معَ الـ
حُبِّ الذي فاقَ كلَّ الوصفِ والأدبِ
كنتَ القويَّ إذا ما الحربُ أقبلتِ
وأنتَ أرقُّ إذا ما الطفلُ لم يُصبِ
في صوتِكَ الحزمُ، في عينيكَ ملحمةٌ
وفي يديكَ أمانُ الدارِ والنسبِ
كم أشتاقُ يا أبي، يا سيّدًا خُلِقَتْ
لهُ المكارمُ، لا يُثنيهِ مُنقلبِ
نمْ هانئًا، فترابُ الأرضِ يعرفُ من
قد صانَهُ بدمٍ حرٍّ بلا رهبِ
يا والدي، يا شهيدَ المجدِ، يا علمًا
في كلِّ شبرٍ من الأوطانِ يُنتسبِ
علّمتني كيف أمضي لا أساومُ في
حقٍّ، ولا أرتضي بالذلِّ أو غضبِ
علّمتني أنّ عزَّ المرءِ في صبرٍ
وأنّ رأسَ الفتى لا يُحني للعطبِ
كم أشتاقُ يا أبي، لكنّ في دمِنا
عهدًا يثورُ إذا ما اشتدَّ مُنقلبِ
سأحملُ الاسمَ، لا أخشى العواصفَ إن
هبّت، فإرثُكَ في روحي وفي نسبي
وأمضي كما كنتَ تمضي، لا تراجعني
إلا الخطى نحوَ مجدٍ غيرِ مُغتربِ
يا من تركتَ لنا دربًا نسيرُ بهِ
ما ضلَّ من سارَ في نهجٍ من الذهبِ
إن غبتَ عن ناظري، فالقلبُ يعرفُكَ
في كلِّ نبضٍ، وفي كلِّ المدى الرحبِ
كم أشتاقُ يا أبي، يا جمرةً خمدتْ
ظاهرًا… لكنها في القلبِ لم تغبِ
سنلتقي، حين ربُّ العرشِ يجمعُنا
حيثُ النعيمُ، بلا حزنٍ ولا وصبِ
☆