مكارم الأخلاق
بقلم: الأستاذ مصطفى الشاح
مدح الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم في كتابه العزيز: *وإنك لعلى خلق عظيم* – سورة المدثر–
وحدد الرسول صلى الله عليه وسلم غاية بعثته فقال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وبشر أصحاب الاخلاق الرفيعة والحسنة بالرضا والقبول في الدنيا و بجواره في أعالي الجنان يوم القيامة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعاً: “إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله قد علمنا:الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون».””
نعم المنزلة ونعم الرفعة لأناس جعلوا طيب الاخلاق شعارهم في هذه الحياة، وجعلوه لباسهم ورداءهم فأنس بهم القريب والبعيد ، وصار عطرهم يشم من بعيد، فيريح القلوب وتنشرح بمجالستهم الأرواح ،وتجلى الغموم. هم أمان في الأرض وفرحة كل مهموم إذا رؤوا عمت النفوس البهجة والسرور، لايمل الحديث معهم ولا دوام قربهم هم ملح الأرض وبهجتها، لايتكلفون ولا يتصنعون غايتهم زرع الأمل بين الطرقات وفي المحلات وبين جنبات الأزقة والنوادي. إذا غابوا استوحش الناس غيابهم، وإذا فقدوا اشتاق الناس لطلعتهم وطيفهم. لولاهم ما هب النسيم ولا شممنا عبير الزهر. حديثهم قليل وفيض خواطرهم يعم ما انتهى إليه بصر الحاضرون. اجتنبوا اللغو وألفاظه وعافوا القيل والقال وكرهوا الغيبة والنميمة والتنابز بالألقاب. لا يتجسسون ولا من العباد يسخرون ولا يتكبرون ولا يتجبرون لأنهم علموا قول العزيز الجبار في حديث أبي هريرة مرفوعا عند مسلم: “الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار” .
اقتدوا برسولهم الكريم الذي كان خلقه القرآن، فلبسوا أخلاق النبوة حالا ومقالا، ولم يرضوا أن يؤتى الإسلام من قبلهم لأنهم وُضعوا تحت المجهر بل صعقوا حين سمعوا تحذير القرآن الكريم “كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون، حملوا أنوار المساجد إلى الأسواق وفي سائر المعاملات. وساروا على بساط “خيركم خيركم لأهله، وانا خيركم لأهلي”” فملأوا البيوت أمنا وأمانا ومسكا وعنبرا وطيبا.
إذا فتحوا باب البيت فاض خيرهم وعم أنسهم وابتهج الجميع بحسن وبهاء طلعتهم. ماكسروا خاطرا ولانهروا مخطئا ولاعاتبوا ناسيا ولا ضربوا أو لعنوا غافلا ساهيا لاهيا. إذا هبت ريح هوجاء على البيت أمنوا كل خائف وأسكنوا روع كل مضطرب، وأغلقوا نوافذ الفزع والهلع والوجل. امتثلوا قول إمامهم صلى الله عليه وسلم وتحقق فيهم قولا وفعلا “إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم”
برحمة من الله الرحيم لانوا للخلق كما لان المصطفى عليه الصلاة والسلام ولم يكن فظا غليضا بل كان رحمة للعامين وأهل المكارم ورثوا الميراث النبوي كاملا، وساروا بين الناس ريحهم مسكا وعنبرا وطيبا.
هم أهل الود والصفاء والطهر والنقاء،ماغابوا عن عزاء ولاتخلفوا عن مواساة ولاهتكوا سترا ولارفعوا صوتا على مكسور جناح. رحموا العباد واستبشرت بعبير أقدامهم كل بلاد، كالنحل هم ما كسروا زهرا بل أنتجوا عسلا مختلفا ألوانه فيه شفاء للناس. بل كالنمل هم ملأوا الأرض جدا وعزما وبنوا صروح مجد وتعاونوا على كل خير وبر وماتعاونوا على ظلم أو طغيان. بل هم أسود ماهابوا ولا خافوا شأنهم الإقدام ونصرة كل مغلوب تكالب عليه الظلمة جورا وطغيان. بل قل إنهم حمام سلام سفراء أمن وأمان ورسالتهم للعالم حب ووئام وتسامح وتساهل مع كل الإنسان وفي كل الأوقات والأحيان.
وصدق شوقي حين قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
إذا ضاعت الأخلاق انقلبت الموازين وأظلمت القلوب والعقول وانطفأ نور الحياة فأصبح القوم في تيه وضياع. وفقدت الحياة كل طعم ولذة وسعادة.إذا ماتت أخلاقهم وفُقدت الأمانة في أسواقهم وتربعت الخيانة على عرش معاملاتهم،وساد الكذب والبهتان والنفاق والغدر كل نواديهم، وخانوا العهد وضيعوا المواثيق
ذهب خيرهم وذبل زهرهم وخفت نورهم وجف نبعهم وانقطع أثرهم وغاب في النوادي صوتهم ويبس زرعهم وبخل كريمهم وجبن عزيزهم واستأسد سفيههم وحقر عالمهم وسيد جاهلهم رحلوا وعلى نعشهم كتبوا: مات القوم وانقطع نسلهم.
دروس ورسائل:
– أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق.
– حسن الخلق عماد كل صلاح وبقاء وأس كل ازدهار ونهضة ورقي.
– أمةبدون قيم وأخلاق لاعنوان لها ولاحضور في محافل التتويج والنجاح
-أصحاب الأخلاق الرفيعة والذوق السليم تيجان زاخرة وصوامع شامخات في دنيا الناس.