الاستفهام عند النحاة
بقلم: حسن ضهراني
تناول النحاة أسلوب الاستفهام بالدراسة العميقة، وأعطوه اهتماماً كبيراً، وقد ذكروا أثره في علم المعاني، ويذكر أنّ أوّل من تحدّث عن الاستفهام وأدواته هو سيبويه، إذ ورد الحديث في غير موضع من الكتاب حيت تحدث عن الاستفهام وذلك أن من الحروف حروفا لا يذكر بعدها إلا الفعل ولا يكون الذى يليها غيره، و فرّق بين أدوات الاستفهام جميعاً وبين الهمزة، وبالتالي أنّ أدوات الاستفهام يقْبُحُ دخولها على الاسم إذا كان بعده فعل إلا في الضرورة ولكن يصحّ بدون قُبْح أ نْ تدخل الهمزة على الاسم وإن كان بعده فعل”[1] ،
زاد عن ذلك أيضا (سيبويه) بالتحدّث عن خروج الاستفهام عن غرضه الحقيقي واستعماله في غير الاستفهام، إذ تحدّث عنه في باب الاستفهام التّوبيخي في (باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل) إذ يقول”وذلك قولك: أتمي ميا مرة وقيسيا أخرى.
وإنما هذا أنك رأيت رجلا في حال تلون وتنقل، فقلت: أتميكما مرة وقيسيا أخرى، كأنك قلت: أتحول تصميميا مرة وقيسيا أخرى. فأنت في هذه الحال تعمل في تثبين هذا له، وهو عندك في تلك الحال في تلوم وتنقل، وليس يسأله مسترشدا عن أمر هو جاهل به ليفهمه إياه ويخبره عنه، ولكنه وبخه بذلك”[2].
ويذكر السيوطي أن الاستفهام هو” طلب الفهم وهو بمعنى الاستخبار [3]” وإذا رجعنا إلى ابن فارس قد جعل الاستفهام والاستخبار شيئاً واحداً، إذ يقول:” الاستخبار: طلب خبر ما ليس عند المستخبر، وهو الاستفهام”.[4]
نلاحظ من خلال قول ابن فارس أنه يتمم كلام السيوطي ويوضح أن ليس هناك اي فرق بين الاستفهام والاستخبار فهما شيئا واحدا.
ويقول أيضا القزويني حول الاستفهام والاستخبار ” وذكر ناس أن بين الاستخبار والاستفهام أدنى فرق. قالوا: وذلك أن أولى الحالين الاستخبار لأنك تستخبر فتجاب بشيء، فربما فهمته وربما لم تفهمه، فإذا سألت ثانية فأنت مستفهم تقول: أفهمني ما قتله لي. قالوا: والدليل على ذلك أن الباري جل ثناؤه يوصف بالخبر ولا يوصف بالفهم”[5].
الملاحظ أن القزويني نحى نفس النحو ابن فارس من خلال حديثه عن الاستفهام والاستخبار، حيت جعلهم هو أيضا شيئا واحد ولا يوجد أدنى فرق بينها .
أما ابن جني قد قدم شرحا مفصلا عن الاستفهام وذلك من خلال كتابيه الخصائص واللمع في العربية.
يقول في الخصائص ” ألم تسمع إلى ما جاءوا به من الأسماء المستفهم بها، والأسماء المشروط بها كيف أغنى الحرف الواحد عن الكلام الكثير المتناهي في الأبعاد والطول فمن ذلك قولك: كم مالك ألا ترى أنه قد أغناك ذلك عن قولك: أعشرة مالك أم عشرون أم ثلاثون أم مائة أم ألف فلو ذهبت تستوعب الأعداد لم تبلغ ذلك أبدًا لأنه غير متناه فلما قلت: ” كم ” أغنتك هذه اللفظة الواحدة عن تلك الإطالة غير المحاط بآخرها ولا المستدركة. وكذلك أين بيتك؛ قد أغنتك “أين ” عن ذكر الأماكن كلها.”[6]
يتبين مما سبق أن ابن جني يوضح دور أدوات الاستفهام في الايجاز الكلام وأن استعمال الأداة من أدوات الاستفهام يغنينا عن الكلام مطول .ويقول ايضا في كتابه اللمع في باب الاستفهام في حديثه عن أدوات الاستفهام والتي قسمها إلى ثلاثة أقسام كالتالي:
– ما يكون اسما غير ظرف وهي: من وما وأي وكم.
– ما يكون اسما ظروف وهي: متى وأين وكيف وأي حين وأيان وأنى.
– ما يكون حرفا وهي : الهمزة وأم وهل.[7]
أما العلامة السيوطي يعرف الاستفهام بقوله “هو طلب المتكلم من مخاطبه ان يحصل في ذهنه ما لم يكن حاصلا مما سأله عنه، وقد قيلا ينبغي أن يكون المطلوب تحصيل ذلك في ذهن أعم من المتكلم وغيره “[8]
يتبين من كلام سيبويه أن الاستفهام إخبار مخاطبه مالم يكن حاصلا في ذهنه لدى هذا تحصيل ينبغي ان يكون في ذهن أعم من المتكلم وغيره .
لقد ذهب النحاة أيضا إلى أن الاستفهام له الصدارة في الكلام وفي ذلك يقول بن يعيش في كتابه شرح المفصل للزمخشري ” الاستفهام الذي له صدر الكلام”[9]
وبناء على ذلك قسم النحاة أدوات الاستفهام من حيت الاستعمال إلى قسمين:
أحدهما : ما يستعمل حرفا، ويندرج تحته أدتاني، هما الهمزة وهل .
ثانيـهما: ما يستعمل اسما، ويندرج تحته أدوات التالية: من، ما، كيف، متى، أين، أنى، كم، أيان، أي.
يبدو من خلال مما سبق أن الاستفهام يكون بحروف معينة وأسماء محددة وظروف معروفة لكل منها معنى خاص إضافة إلى معنى ثانوي الذي وضعت من أجله وهو الاستفهام والسؤال، وليس في الاستفهام أدوات خاصة بالاسم وأدوات خاصة بالفعل إلا “أي” فإنها خاصة بالأسماء.
يظهر من خلال مما سبق أن معرفة أدوات الاستفهام والاحتكاك بها يجعلنا نتجنب الوقوع في المحظور، فهي إذن تخضع لأنظمة نحوية، وعدم معرفة هذه الأنظمة يؤدي بنا الوقوع في الخطأ عند استعمالها .
[1] – الكتاب، سيبويه ، ج1 ص98 بتصرف
[2] – الكتاب، سيبويه، ج1 ص343
[3] – الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ج3 ص267
[4] – الخصائص بن جني ج1 ص80
[5] – الصاحبي في فقه اللغة العربية ،بن فارس ،ص135/136
[6] – الخصائص، بن جني ، ج1ص83
[7] – اللمع في العربية، بن جني ، ص227 بتصرف .
[8] – الأشباه والنظائر في النحو ،السيوطي، ج4،ص3
[9] – شرح المفصل للزمخشري، بن يعيش ج1ص200