منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لحظة اكتمال البيان — العرب حين سمعوا الله يتكلّم بلغتهم

 يحي عباسي بن أحمد

0

لحظة اكتمال البيان — العرب حين سمعوا الله يتكلّم بلغتهم

 يحي عباسي بن أحمد

لغة الرسول الكريم — بين الوحي واللسان العربي

 

التمهيد

كان العرب قبل الوحي يعيشون اللغة كما يعيشون الصحراء: واسعة، شاسعة، حرّة، لكنها بلا نهاية.

تدور كلماتهم حول المعاني كما تدور القوافل في الرمال — لا تصل إلى مقصد ثابت، لأنّ الغاية كانت الصوت لا الفكرة.

لكنّ لحظة نزول القرآن كانت انقلابًا كونيًا في اللغة: البيان اكتمل، والمعنى وُلد كاملاً لأول مرة.

لم يكن الحدث مجرّد تلقٍّ للوحي، بل كان ولادة جديدة للسان العربي، إذ وجد نفسه أمام مخاطِبٍ يتكلّم بلغة العرب لكن بمعنى يتجاوز كل العرب.

وفي تلك اللحظة الفريدة، أدركت العربية أن الله لم يكلّمهم بها صدفة، بل لأنها بلغت ذروة استعدادها لسماعه.

أولًا: العرب والبيان قبل الوحي — اللغة كهوية وجودية

كان العرب يرون في اللغة هوية الوجود، لا مجرد وسيلة للتفاهم.

الشاعر هو زعيم القبيلة، لأنه يمتلك القدرة على أن “يقول” العالم.

ومن هنا قيل: “القول سيف العرب”.

كانت الكلمة تُحرّك الحرب، وتُصلح السلم، وتُخلّد الأنساب.

يقول الجاحظ: “ما خُصّت أمة من الأمم بالبيان كما خُصّت العرب، فالكلمة عندهم عمل، والقول فعل في الوجود[1].

لكن رغم هذه القدرة العظيمة، ظلّ البيان العربي منحصرًا في دائرة الحسّ والمجاز؛

لم يعرف بعد كيف يتكلّم عن الله أو عن الغيب أو عن الخلق الأول.

كانت العربية لغة الحاضر — لا الماضي ولا المصير.

حتى جاء القرآن، فشقّ في اللغة طريقًا نحو المطلق.

ثانيًا: نزول القرآن — انبثاق المطلق في النسبي

حين نزل القرآن بلسان العرب، لم يكن كأيّ نصّ يُضاف إلى تراث الشعر، بل نصًّا يُعيد تعريف التراث ذاته.

فقد جعل الكلمة، التي كانت أداة بشرية، تتجاوز المتكلم لتصبح ذاتًا متكلمة.

ولم يعد السؤال: من قال؟ بل من الذي جعل القول ممكنًا؟

يقول عبد القاهر الجرجاني: “إنّ نظم القرآن قد خرج عن معهود كلام العرب، فصار يُدهش الأسماع، ويُحرّك القلوب، حتى عجزوا أن يأتوا بمثله، وهم أرباب اللغة[2].

فقد كانت العربية قبل الوحي لغة أفعالٍ بشرية، أما في لحظة الوحي، فقد تحوّلت إلى لغة فعلٍ إلهي: لم تعد تصف الأشياء فحسب، بل تخلق معناها من داخلها.

إنّها اللحظة التي أصبح فيها الوجود نفسه “قولًا”، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[3].

ثالثًا: اكتمال البيان — حين صار الصوت فكرًا

البيان العربي في القرآن لم يكتمل بمعنى التوقف، بل بمعنى الامتلاء.

لقد تحوّل من مهارة لسانية إلى نظام فكري.

من هنا ولدت مفاهيم لم تكن موجودة في الجاهلية: الحق، الباطل، الرحمة، الهداية، الغيب، الآخرة، التقوى، الإيمان.

كلها مفاهيم وُلدت من رحم البيان القرآني، فصارت الكلمة تُفكّر بعد أن كانت تُغنّي.

يقول طه حسين: “القرآن هو اللحظة التي التقت فيها العربية بنفسها، فصارت تُعبّر عن الله كما كانت تعبّر عن الصحراء.[4]

بهذا الاكتمال، لم تعد اللغة العربية مجرّد إرث قبلي، بل نظامًا للمعنى الكوني.

القبيلة كانت تتكلم باسمها، لكن القرآن جعل الأمة تتكلم باسم الوجود.

رابعًا: من الصوت إلى المعنى — العرب يسمعون الله بلغتهم

ما حدث في تلك اللحظة كان أعظم من فهمٍ لغوي.

لقد وجد العرب أنفسهم أمام “نص” لا يمكنهم أن ينكروا لغته، ولا أن يحيطوا بمعناه.

كان مألوفًا في ألفاظه، غريبًا في نسقه، وكانت هذه الغرابة هي الدليل على أنّ المُتكلم ليس من البشر.

يقول الرافعي في إعجاز القرآن: “سمع العرب كلامًا من جنس كلامهم، فإذا هو كلام لا يشبهه شيء، فوقع الإعجاز في الألفة لا في الغرابة[5].

وهكذا، كان القرآن يُخاطبهم بما يعرفون ليقول ما لم يعرفوا.

إنه لم يأتِ بلغة جديدة، بل جعل اللغة نفسها جديدة.

ومن هنا يمكن القول إنّ اكتمال البيان لم يكن في النص وحده، بل في الوعي اللغوي للإنسان:

لقد أصبح الإنسان العربي يسمع الله وهو يفهم ما يُقال له بلغته، فلم يعد بحاجة إلى معجزة حسّية، لأنّ المعجزة صارت لغته.

خامسًا: لحظة التوحيد بين الوجود واللغة

في تلك اللحظة، تحقق التوحيد اللغوي كما تحقق التوحيد الإلهي.

فاللغة التي كانت تنقسم إلى لهجات وقبائل، توحّدت حول “الكلمة” الواحدة التي لا تتغير.

لقد ألغى الوحيُ الفُرقةَ بين اللسان والوجدان، وجعل القول مرآة للحق لا للهوى.

يقول ابن عربي في الفتوحات المكية:“تجلّى الله في كلماته، فكان القرآن هو صورة الحق في لسان الخلق”[6].

إذن، اكتمال البيان لم يكن مجرّد إتمام للبلاغة، بل اكتمال للمعنى الوجودي نفسه:

أن يتكلّم الله بلسان الإنسان، وأن يُصبح البيان جسرًا بين الخالق والمخلوق.

الخاتمة

لحظة نزول القرآن هي لحظة اكتمال البيان العربي، اللحظة التي خرجت فيها اللغة من حدود القبيلة إلى أفق الكلمة الإلهية.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد العربية لغة قوم، بل لغة قدر.

لقد سمع العرب الله يتكلّم بلغتهم، فأصبح الكلام ذاته عبادةً، وأصبح البيان صلاةً لغويةً دائمة.

وهكذا، كان الوحي ذروة البيان لا لأنه أبلغ من الشعر، بل لأنه أول نصّ جعل اللغة تفكر في الله كما يتفكر الإنسان في ذاته.


[1] الجاحظ، البيان والتبيين، ج1، ص 44.

[2] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 103.

[3] يس: 82

[4] طه حسين، حديث الأربعاء، ج2، ص 36

[5] 4.مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص 59.

[6] محيي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية، ج1، ص 212.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.