حديث “الخلافة”
ذ. محمد عتو
أولا: نص الحديث
روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه الله قال: كنا جلوساً في المسجد، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة. فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.
ثانيا: للحديث شاهد:
عن سَفِينَة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الْخِلاَفَةُ فِي أُمّتِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمّ قَالَ سَفِينَةُ: امْسِكْ عَلَيْكَ خِلاَفَةَ أَبي بَكْرٍ، ثُمّ قَالَ: وَخِلاَفةَ عُمَرَ وَخِلاَفَةَ عُثْمانَ، ثُمّ قَالَ لي: امسِكْ خِلاَفَةَ عَلِيّ قال: فَوَجَدْنَاهَا ثَلاَثين سنة.
وروى الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: “ذهبت النبوة فكانت الخلافة على منهاج النبوة”.
ثالثا: التعريف برواة الحديث
- الراوي: حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
هو حذيفة بن اليمان، وأبوه اليمان هو حُسَيل بن جابر بن أسيد، هو حليف الأنصار، وصاحب سرَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأحد المهاجرين، وكان أبوه قد أصاب دَمًا في قومه، فهاجر إلى يثرب (المدينة المنورة)، وحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه اليمان لحِلْفه لليَمَانية (تاريخ الإسلام، 3/ 493)
أسلم حذيفة (رضي الله عنه) في بداية دعوة الإسلام، وشهد أُحداً وما بعدها، وكان له مكانةً رفيعةً عند رسول الله ﷺ، فخصَّه بِذكر أسماء بعض المنافقين، واشتُهر بمعرفته أحاديث الفتن، وقد قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني. وحذيفة أحد أصحاب النبي ﷺ الأربعة عشر النجباء، وكان النبي ﷺ أسرّ إليه أسماء المنافقين، وحفظ عنه الفتن التي تكون بين يدي الساعة، وناشده عمر بالله: (أنا من المنافقين؟) فقال: اللهم لا، ولا أزكي أحدا بعدك. (تاريخ الإسلام، 3/ 494). ولقد ولّاه أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في خلافته على ولاية المدائن، فأقام بها إلى أن توفي سنة ست وثلاثين للهجرة (رحمه الله ورضي عنه). (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/ 105)
- المحدث: الإمام أحمد بن حنبل
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني (164 -241 هـ / 780 -855م) فقيه ومحدِّث مسلم، ورابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي. اشتُهر بعلمه الغزير وحفظه القوي، وكان معروفاً بالأخلاق الحسنة كالصبر والتواضع والتسامح، وقد أثنى عليه كثير من العلماء منهم الإمام الشافعي بقوله: «خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل»، ويُعدُّ كتابه «المسند» من أشهر كتب الحديث وأوسعها.
بدأ ابن حنبل يتَّجه إلى الحديث النبوي، فبدأ يطلبه في بغداد عند شيخه هُشَيم بن بشير الواسطي حتى توفي سنة 183هـ، فظل في بغداد يطلب الحديث حتى سنة 186هـ، ثم بدأ برحلاته في طلب الحديث، فرحل إلى العراق والحجاز وتهامة واليمن، وأخذ عن كثير من العلماء والمحدثين، وعندما بلغ أربعين عاماً في سنة 204هـ جلس للتحديث والإفتاء في بغداد، وكان الناس يجتمعون على درسه حتى يبلغ عددهم قرابة خمسة آلاف.
اشتُهر ابن حنبل بصبره على المحنة التي وقعت له والتي عُرفت باسم «فتنة خلق القرآن»، وهي فتنة وقعت في العصر العباسي في عهد الخليفة المأمون، ثم المعتصم والواثق من بعده، إذ اعتقد هؤلاء الخلفاء أن القرآن مخلوق محدَث، وهو رأي المعتزلة، ولكن ابن حنبل وغيره من العلماء خالفوا ذلك، فحُبس ابن حنبل وعُذب، ثم أُخرج من السجن وعاد إلى التحديث والتدريس، وفي عهد الواثق مُنع من الاجتماع بالناس، فلما تولى المتوكل الحكمَ أنهى تلك الفتنة إنهاءً كاملاً. وفي شهر ربيع الأول سنة 241هـ، مرض أحمد بن حنبل ثم مات، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة.
المصدر: مسند الإمام مسند أحمد المعروف بـ “المسند”، هو أحد أشهر كتب الحديث النبوي وأوسعها، والتي تحتلّ مكانة متقدمة عند أهل السنّة؛ حيث تعتبر من أمهات مصادر الحديث عندهم، وهو أشهر المسانيد، جعله المحدِّثون في الدرجة الثالثة بعد الصحيحين والسنن الأربعة.
السند: عن الإمام أحمد قال ثنا سليمان بن داوود الطيالسي حدثني داوود بن إبراهيم الواسطي ثني حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
رابعا: موضوع الحديث
هذا الحديث يفصّل حال ولاة الأمة المسلمة من عهد النبوة إلى آخر الزمان. يتناول الحديث المسار التاريخي الذي ستعيشه الأمة من العهد النبوي الشريف فالخلافة على منهاج النبوة فالانكسار التاريخي إلى أن تعود الخلافة على منهاج النبوة.
تصاب الأمة بالمصاب الجلل والكارثة العظمى:
أولها: انقطاع خبر السماء بوفاة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
والثانية: الحكم الوراثي الذي أرق الأمة ومزق أوصالها.
والحديث من جهة أخرى يطمئن المؤمنين بموعود الخلافة على منهاج النبوة.
خامسا: الآيات والأحاديث التي لها ارتباط بالحديث
قال الله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات) [الأنعام، 165]
(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) [النور،55]
(أفحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) [العنكبوت،1]
سادسا: شرح المفردات في الحديث
النبوة: وظيفة إلهية وسفارة ربانية اختص الله بها من شاء من عباده. ولم يمنح عباده حق تعيين هذه المرتبة.
منهاج النبوة: ما وردت به السنة على وزن مفعال، أي: طريقتها الصورية والمعنوية (ما شاء الله أن تكون) أي: الخلافة وهي ثلاثون سنة على ما ورد. انتهى من “مرقاة المفاتيح” (9/248).
الشرع والشريعة: في لغة العرب: هي الطريق.
الخلافة: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، خلافة عن صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
الملك العض: الذي يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه. أي بالعسف والظلم.
الملك الجبري: الدكتاتوري بلغة العصر.
سابعا: الدروس والعبر
يستفاد من الحديث الدروس التالية:
- صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- انقطاع خبر السماء.
- التسامي الإيماني جعل الصحابة يخلفون الحبيب في كل شيء.
- كارثة الملك الوراثي وما نتج عنه من دمار.
- قرب نهاية الملك الجبري الذي نحن في عصره.
- يجب علينا أن نستعد لاستقبال الخلافة الثانية بالبناء والاجتهاد في صف المؤمنين.
- يؤسس الحديث لمستقبل الأمة ووحدتها.
- الحديث نبراس لنا حين ننظر في الفقه والتاريخ.
تاسعا: التنصيص على متطلبات الحديث على المستوى الفردي والجماعي
- الالتزام بالجماعة المجاهدة السائرة على المنهاج النبوي.
- المساهمة في بناء صرح الخلافة الثانية وإلا فالخلافة أحلام لذيذة.
- دعوة الناس للتعجيل بالتوبة الى الله (عبادة الله وإخراج الإنسان من عبودية الناس إلى عبوديته)
- إعداد القوة، الجهاد الجهاد! للتخلص من قبضة غيرنا والوقوف على أرجلنا.
- السعي الحثيث لتأسيس الخلافة الثانية بالتشمير والتصديق سعيا يصدقه العمل في الحياة اليومية اتباعا للسنة وتدافعا ضد الظلم بإقامة العدل.
- نسعى لتحقيق الإحسان في جميع مناحي الحياة.
عاشرا: القيم التي تناولها الحديث
- حرص الصحابة الكرام على أداء الأمانة في التبليغ بالغيب في زمنهم قبل حدوثه.
- الحرص على أداء المطلوب في وجوه الظالمين (قومة سيدنا الحسين وسيدنا عبد الله بن الزبير).
أحد عشر: أسلوب الحديث ونظمه وبلاغته
لخص الحديث التاريخ في بضع كلمات تختصر المسار التاريخي الإسلامي من عهد النبوة إلى عهد الخلافة الثانية مرورا عبر الانكسار التاريخي في دقة وجمالية في التصوير غاية في الروعة في كلمات قصار لكن محكمات في المعنى والفهم.
اثنا عشر: خاتمة وتوصيات
ما هي الوصفة التي صنعت رجال الخلافة الأولى؟ (الجيل الفريد)
ما هي التربية التي أنجبتهم؟ ما هو التنظيم الذي جندهم؟
ما هو المنهاج النبوي في تفاصيله وشموليته؟ ما هي الآلة والأداة لتربية رجال الطليعة رجال الخلافة الثانية.
الدواء في التربية ثم التربية ثم التربية.
وأخيرا كلما قرأنا حديث الخلافة وعرفنا معانيه وتعرفنا على المراحل المذكورة من أعالي التاريخ وقد مرت تباعا كما ذكر الصادق المصدوق صرنا أقرب للخلافة الثانية، لم يتبق لنا سوى التشمير عن ساعد الجد كي نكون في الطليعة المجاهدة أو نساهم في بنائها تربية وتنظيما وزحفا.
نسأل الله التوفيق والسداد والمغفرة لشهداء الأمة.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته